باريس تستقبل «100 براند سعودي»

تقرير هيئة الأزياء السعودية متفائل بـ«حالة الأزياء» في المملكة

TT

باريس تستقبل «100 براند سعودي»

في باريس كما في باقي العواصم العالمية تحرص «مبادرة 100 براند سعودي» على استعراض ابتكارات مواهبها (هيئة الأزياء)
في باريس كما في باقي العواصم العالمية تحرص «مبادرة 100 براند سعودي» على استعراض ابتكارات مواهبها (هيئة الأزياء)

بعد إيطاليا، والنجاح الذي حققته فيها مبادرة «100 براند سعودي» في المواسم الماضية، جعلت هيئة الأزياء السعودية التنقل بمُبدعيها في عواصم الموضة العالمية تقليداً لا تنوي أن تحيد عنه. فهو فرصة لكي تستعرض فيها قدرات هائلة لمواهب ظلت كامنة طويلاً لتصل إلى حالة من «الانفجار الإبداعي» في السنوات الأخيرة حسبما صرّح به المصمم السعودي العالمي محمد آشي في آخر لقاءاته مع «الشرق الأوسط». وأوضح أنه من الطبيعي أن يكون في المملكة عدد هائل من المبدعين، كما أنه ليس غريباً أن نرى هذا الإقبال المحموم على عالم الموضة «إذ لا يمكننا أن نتخيل كم عدد المواهب التي حُرمت طويلاً من أي وسيلة تُمكّنها من التعبير عن قدراتها إلى الآن».

دور هيئة الأزياء بالنسبة له يتلخّص في ترويض هذا الجموح، وفي الوقت ذاته صقله بكل الطرق المتاحة، وطبعاً الاحتفال به في المحافل العالمية، وهو ما يوافقه عليه المسؤولون عن هذا القطاع. وهذا هو الهدف الذي كان من وراء إطلاق مبادرة «100 براند سعودي» في عام 2022. من أول تجربة، حققت نجاحاً وتقديراً من قبل الجهات العالمية، الأمر الذي أنعش كل مَن شارك فيها من «100 براند سعودي». فهذا التقدير رفع من معنوياتهم وأكد في الوقت ذاته ما كانوا يخالجهم طوال الوقت، ولم تتح لهم الفُرص للتعبير عنه على الملأ من قبل. الآن جاءت فرصتهم.

في باريس، حطوا الرحال، محملين بإبداعاتهم وأحلامهم. فباريس هذه الأيام تحتضن «أسبوع الموضة الرجالي لربيع وصيف 2024»، وفي الأسبوع المقبل ستعرض تحفها من الأزياء الراقية، «الهوت كوتور»، ما يجعلها فرصة مواتية للتعريف بأنفسهم، والتعرُف على غيرهم.

من بين الأدوار التي تنوط بها هيئة الأزياء الاحتفال بالمواهب السعودية في المحافل العالمية (هيئة الأزياء)

يقول بوراك شاكماك، الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء السعودية عن هذه المبادرة: «نعمل على بناء أساس راسخ لدعم سلسلة قيمة متينة تتمتع بعلاقات دولية مميزة». وتابع: «تنطوي رؤيتنا على إنشاء صناعة دائرية ومستدامة محكومة بنظام قوي، بشكل يسمح للعلامات التجارية المحلية بمشاركة هويتها مع العالم بأسره، وفي الوقت ذاته يقدم فرصاً للعلامات التجارية ورجال الأعمال الدوليين، وبهذا نكون قد رسخنا أسساً متينة لا مجال فيها للفشل». فالعلاقة يجب أن تكون مبنية على تبادل فكري وفني واقتصادي. أي أخذ وعطاء، لا سيما في ظل الانتعاش الاقتصادي الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط عموماً، والمملكة السعودية تحديداً هذه الأيام، بينما العالم يرزح تحت عديد من المشكلات.

منذ فترة قصيرة، نشر موقع «Business of Fashion» تقريراً مفصلاً من 108 صفحات عن حالة الموضة في منطقة الشرق الأوسط. كان بعنوان «منطقة الشرق الأوسط: تفاؤل وتحولات»، أكد أن المنطقة تعيش حالة من الانتعاش، إن لم نقل «النهضة»، تنعكس على الموضة بشكل مباشر، بالنظر إلى أن قطاع الموضة في المنطقة يُقدر بـ89 مليار دولار، وتُعد المملكة السعودية والإمارات العربية أكبر لاعبين فيها.

«100 براند سعودي» في باريس... تصوير ولقاءات ومعرفة (هيئة الأزياء)

أخيراً، نشرت هيئة الأزياء السعودية أول تقرير من نوعه بعنوان «حالة الأزياء في المملكة العربية السعودية 2023» يؤكد بدوره هذا الواقع، ونجح في وضع الخطوط العريضة لحجم الفرص المتاحة في هذا القطاع. فقد سلط الضوء على معدلات النمو غير المسبوقة لقطاع صناعة الأزياء في المملكة العربية السعودية، التي تفوق أي سوق كبيرة مرتفعة الدخل. من النقاط المهمة التي تثير كثيراً من التفاؤل والحماس ارتفاع حجم مبيعات الأزياء، والمتوقع أن يرتفع في قطاع التجزئة بنسبة 48 في المائة لتصل مبيعاته إلى 32 مليار دولار ما بين 2021 و2025، ويمثل ذلك معدل نمو قدره 13 في المائة على أساس سنوي. التقرير يُسلّط الضوء أيضاً على النمو السريع لسوق الملابس الرياضية التي بلغت مبيعاتها 1.4 مليار دولار في عام 2022، ومن المتوقع أن تحقق نسبة نمو قدرها 21 في المائة بحلول عام 2027. في عام 2022، مثلاً استحوذت مبيعات مجموعات «أديداس» و«نايكي» و«بوما» على أكثر من 50 في المائة من مجمل المبيعات في السعودية.

ويشكل النموان الاقتصادي والسكاني اللذان تشهدهما المملكة، والمكاسب المتوقع أن يحققها قطاع الملابس عموماً، والإكسسوارات والأحذية والسلع الفاخرة، الدافع المحرّك لهذا النمو. وقد بلغت قيمة مشتريات الأزياء الفاخرة في دول مجلس التعاون الخليجي 9.6 مليار دولار خلال عام 2021، وحققت المملكة نمواً قدره 19 في المائة.

وهو ما شرحه بوراك شاكماك بقوله إن التقرير «يقدم (حالة الأزياء في المملكة العربية السعودية) بوصفه دليلاً حي على ما كنا متيقنين منه في قرارة أنفسنا منذ زمن طويل، وهو أنّ حجم الفرص والإمكانيات التي يحملها قطاع الأزياء في المملكة العربية السعودية مُذهل ولم يأخذ حقه من التقدير في السابق». وهنا يأتي دور هيئة الأزياء حسب قوله: «في رسم صورة مستقبل هذا القطاع في المملكة العربية السعودية بطريقة متوازنة ومستدامة، إلى جانب الدفع بمكانة قطاع الأزياء في المحافل العالمية بما يدعم أهداف رؤية المملكة 2030، بالإضافة إلى الاحتفاء بثقافة وإرث المملكة الغنيَين، وجعل كل هذا أمراً واقعياً وممكناً».

موجا ماجكا في باريس (هيئة الأزياء)

يقدّم التقرير أيضاً لمحة مفصّلة عن حجم القطاع ونموه، والاتجاهات السائدة الرئيسية، إضافةً إلى تحليل المشهد التنافسي وتفضيلات المستهلكين، والمصممين الناشئين والممارسات المستدامة ضمن القطاع. كما يوضح التأثيرات الثقافية الفريدة التي تميز هذه الصناعة في المملكة عن غيرها. وقد أسهمت صناعة الأزياء في المملكة العربية السعودية عام 2022 بمقدار 12.5 مليار دولار أميركي، أي بنسبة 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تسهم بتوظيف 230.000 شخص، أي ما نسبته 1.8 في المائة من القوى العاملة المحلية. هذا وتسهم المملكة بنسبة 19 في المائة من الإنفاق الحكومي الإجمالي على مبادرات التعليم. إلى جانب أن هناك حالياً 12 جامعة تقدم شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في تخصصات متعلقة بالأزياء في المملكة العربية السعودية. يشير التقرير إلى دعم الحكومة المواهب، من خلال إنشاء برامج منح دراسية لتمويل طلابها في الجامعات المحلية والدولية على حد سواء.

«أتولييه حكايات» من بين الـ100 براند المشاركة في باريس (هيئة الأزياء)

فهم أولاً وأخيراً استثمارها الذي تأمل أن يُثمر عن مصممين عالميين. ما يُحسب لمبادرة «100 براند سعودي» التابعة للهيئة، أنها تضع هذا الهدف نصب أعينها منذ إطلاقها في عام 2022، لترسيخ مكانة المملكة السعودية ضمن مشهد الموضة العالمي، وهو ما يُفسّر تنقلها بمُبدعيها ومواهبها بين عواصم الموضة العالمية، مثل نيويورك وباريس وميلانو.


مقالات ذات صلة

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

يوميات الشرق المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يطلق تأسيس «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته علمياً.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق تتزين منطقة الفعاليات بهدف جذب الزوار والعابرين للحارات المكية (الشرق الأوسط)

«الأزقة» تفتح دفاترها لكتابة ليالي رمضان بأسلوب جديد

في مكة المكرمة، لا تمر ليالي رمضان، كما تمر في المدن الأخرى، هنا تتشبث الأحياء بعاداتها، كما تتشبث الجذور بأرضها، فتستعيد الحارات ذاكرتها الجمعية كل عام.

سعيد الأبيض (جدة)
يوميات الشرق الضوء يتحوَّل إلى حرفة يومية (غيتي)

80 % من فوانيس الصين... من أزقة بلدة واحدة

محاولة تخيُّل عدد الفوانيس التي تُعلَّق في الصين في أيّ وقت، تُشبه إلى حد بعيد محاولة إحصاء عدد الأشجار في غابات الأمازون.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض...

«الشرق الأوسط» (باريس)

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
TT

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)
خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي فينتشنزو قد عُيِّن مديراً إبداعياً للدار عام 2022، ليُصبح أول مصمم من خارج عائلة «إيترو»، يتولى هذا الدور منذ تأسيسها عام 1968. فالدار حينها كانت تسعى لتجديد دمائها ودخول المنافسة العالمية بلغة معاصرة، مع الحفاظ على إرثها المعروف بنقشاته الغنية وأقمشته الفاخرة.

المصمم ماركو دي فينتشنزو (إيترو)

خلال فترة قيادته، حاول المصمم الإيطالي أن يُعيد قراءة مفرداتها الكلاسكية، ولا سيما نقشة البايزلي التي أصبحت مرادفاً لهوية الدار، وصاغها لعدة مواسم بلغة أكثر حداثة تجمع بين الألوان الجريئة والتصاميم الديناميكية. امتدت هذه المقاربة إلى مختلف أقسام الدار، من الأزياء الجاهزة للرجل والمرأة وأيضاً الإكسسوارات ومنتجات أسلوب الحياة، في محاولة لترسيخ اسم «إيترو» بوصفه علامة تتجاوز حدود الموضة إلى مفهوم أوسع.

اعتمد المصمم على إرث الدار ونقشاته ليصوغه بلغة معاصرة (إيترو)

ورغم أن اسم ماركو دي فينتشنزو لم يصل إلى مرحلة النجومية، فإن سيرته الذاتية تقول إنه قبل انضمامه إلى الدار، شغل في دار «فندي» منصباً بارزاً في قسم المنتجات الجلدية، وكسب الكثير من الاحترام. كما أسس علامة خاصة به استخدم فيها الألوان والأنسجة بشكل مُكثَّف، وهو ما لفت اهتمام «إيترو» من الأساس.

في بيان الوداع، لم تُعلن الدار عن اسم المدير الإبداعي المقبل، واختارت أن تُركِّز على رحيله، بأن أعربت عن امتنانها له وعلى «تفانيه وإسهاماته الإبداعية خلال السنوات الماضية، متمنية له التوفيق في مشروعاته المقبلة».

ومع رحيله تدخل الدار مرحلة جديدة، في وقت تواجه فيه صناعة الموضة تحديات كبيرة، أدت إلى حركة واسعة من التغييرات في المناصب الإبداعية لدى عدد من دور الأزياء الكبرى.


عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.