مقابل اللهجة المتفائلة بقرب نهاية الصراع، حملت عبارات شخصيات مقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إشارات واضحة إلى أن موسكو تضع يدها على الزناد وتستعد لكل السيناريوهات المتعلقة باستمرار المعارك أو حتى اتساع نطاقها. إذ أكد سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو أنه «لا يمكن تحقيق السلام المستدام في أوكرانيا إلا بمعالجة جميع الأسباب الجذرية التي أدت إلى اندلاع النزاع».
وشدّد شويغو خلال مشاركته في الاجتماع الـ21 لقادة مجالس الأمن في الدول الأعضاء في «منظمة شنغهاي للتعاون»، الذي عقد في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان: «موقفنا لم يتغير. السلام المستدام لا يتحقق إلا بمعالجة جميع الأسباب الجذرية للنزاع وذلك يفترض عودة أوكرانيا إلى مبادئ عدم الانحياز والحياد وعدم امتلاك الأسلحة النووية... وعلاوة على ذلك، سنواصل السعي للحصول على اعتراف قانوني دولي بعودة الأراضي إلى روسيا، وضمان جميع حقوق الإنسان وحرياته».
ورأى شويغو أن القوات المسلحة الروسية تملك حالياً زمام المبادرة الاستراتيجية وتتقدم بثقة على طول خط التماس بأكمله. وزاد أن «السبب الأساسي وراء فشل جهود التسوية هو الدعم القائم على النفاق من الدول الأوروبية الكبرى - الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي - التي تتعمد إطالة أمد النزاع وتزويد أوكرانيا بالأسلحة».
وفي الاتجاه نفسه، أكد مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين، أنه في حال تعذّر التوصل إلى تسوية النزاع في أوكرانيا دبلوماسياً، فإن روسيا تمتلك الإمكانات للقيام بذلك بالوسائل العسكرية. وحمل هذا التوجّه بعداً مهماً، مع إشارات بوتين لاحقاً عن عزم موسكو مواصلة تحديث قواتها النووية الاستراتيجية وتطوير أنظمة صاروخية. إذ قال بوتين إن روسيا ستكون قادرة على التغلب على جميع أنظمة الدفاع الحالية والمستقبلية. وجاء تصريح الرئيس الروسي عن القدرات النووية بعد ساعات على إعلانه أن بلاده ستكون جاهزة لنشر صاروخها الجديد «سارمات» المصمّم لحمل رؤوس نووية لضرب أهداف على بعد آلاف الأميال في الولايات المتحدة أو أوروبا بحلول نهاية هذا العام. وووصفه بأنه «الأقوى في العالم».
ومع تصعيد اللهجة الروسية في مواجهة التحديدات الجديدة، خصوصاً المواقف الأوروبية، يغدو السؤال الأساسي: هل يعني هذا أن أوروبا قادرة بالفعل على عرقلة أي جهود لدفع تسوية سياسية في أوكرانيا وفقاً لقناعة بعض النخب الروسية؟
يبدو الجواب على هذا السؤال معقداً للغاية، وتتشابك حوله رزمة كاملة من العناصر الضاغطة بينها الشرخ الآخذ في الاتساع بين أوروبا والولايات المتحدة، وازدياد تصريحات قادة أوروبيين بالحاجة إلى قوة أوروبية تضمن أمن القارة بدلاً من مواصلة الاكتفاء بالركون إلى الدعم الأميركي. وأيضاً لم تظهر حتى الآن في خطط واشنطن للتسوية وتعديلاتها المتكررة أي «خريطة طريق» واضحة تمنح أوكرانيا وأوروبا ضمانات أمنية مستقبلية كاملة.
والنقطة الثالثة المعقدة تظهر مع غياب أي حوار فعلي بين موسكو والعواصم الأوروبية. إذ يقول محللون إن «حرب إيران» أظهرت ضرورة المسارعة في إطلاق هذا الحوار، بخاصة في إطار الحاجة المتزايدة لضمان إمدادات آمنة للنفط والغاز، وسط توقعات روسية بعودة بعض بلدان أوروبا لتنسيق تعاون محتمل مع موسكو في هذا الشأن.
لكن في المقابل، ما زالت مواقف الطرفين متباعدة جداً في هذا الشأن. ولا ترى موسكو شريكاً يمكن التعامل معه في أوروبا حالياً. وهذا ما عكسته كلمات الوزير سيرغي لافروف قبل أيام بأن موسكو «لن تتحاور مع أطراف سكبت قاذورات على روسيا وأشبعتها اتهامات ووضعتها على رأس التهديدات الأمنية».
أيضاً، في هذا الإطار، جاء كلام بوتين عن أن بلاده بحاجة إلى «وسطاء مقبولين» لفتح قنوات الحوار مع أوروبا. اللافت هنا أن بوتين طرح اسم المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر وسيطاً مقبولاً للحوار مع أوروبا، لكن هذا الطرح قوبل على الفور بتحفّظات قوية في ألمانيا وعواصم أوروبية أخرى بسبب ارتباط شرودر الوثيق مع الكرملين. وللعلم، دعا شرودر دائماً للحوار مع موسكو، كما أنه عمل بعد ترك منصب المستشارية مستشاراً لدى شركات الطاقة الروسية.
