علاقات واشنطن بأميركا اللاتينية «ترتّبها» حساباتها الآيديولوجية والمالية

يرى البعض أن مكافحة المخدّرات حجةً لمهاجمة فنزويلا وكولومبيا

لقاء الرئيسين ترمب وميلاي الأخير (السفارة الأميركية في بوينس آيرس)
لقاء الرئيسين ترمب وميلاي الأخير (السفارة الأميركية في بوينس آيرس)
TT

علاقات واشنطن بأميركا اللاتينية «ترتّبها» حساباتها الآيديولوجية والمالية

لقاء الرئيسين ترمب وميلاي الأخير (السفارة الأميركية في بوينس آيرس)
لقاء الرئيسين ترمب وميلاي الأخير (السفارة الأميركية في بوينس آيرس)

أعلنت الولايات المتحدة بلسان وزير الحرب بيت هيغسيت، يوم الثلاثاء قبل الفائت، أن قواتها المسلحة نفّذت 3 عمليات هجومية شرق المحيط الهادئ ضد 4 زوارق ادّعى انها كانت تحمل كميات ضخمة من المخدِّرات، وأن 14 عنصراً من طواقمها قتلوا في تلك العمليات «كانوا ينتمون إلى منظمات إرهابية معروفة» إلا أنه لم يذكر أسماءها ولم يكشف عن أي معلومات تؤكد ضلوعها في تهريب المخدرات. وفي نهاية الأسبوع قبل الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنها أدرجت على قائمة الأشخاص المُعاقبين «لعلاقتهم» بتجارة المخدرات، المعروفة باسم «قائمة كلينتون»، أسماء كل من الرئيس الكولومبي غوستافو بترو، وزوجته فيرونيكا ألكوسير، ونجله البكر نيكولاس، ووزير الداخلية آرماندو بينيدتّي. وكان بترو قد أعلن قبل ذلك أنه تقدّم بشكوى لدى القضاء الأميركي ضد الرئيس دونالد ترمب الذي وصفه بـ«المجرم»، وبأنه من زعماء تجارة المخدرات. في المقابل، كان الرئيس الأميركي يعلن قبيل الانتخابات العامة الأرجنتينية - التي فاز فيها الرئيس خافيير ميلاي بفارق ملحوظ ومفاجئ على خصومه - عن مساعدة مالية للأرجنتين بمقدار 40 مليار دولار، في حين تعاني العائلات الفقيرة في الولايات المتحدة من خفض غير مسبوق في الخدمات الصحية والاجتماعية.

أعلنت الولايات المتحدة أخيراً عن خطوة جديدة تصعيدية في حملتها العسكرية ضد ما تصفه بـ«تجارة المخدرات في القارة الأميركية»، إذ قرّرت إرسال أحدث حاملة للطائرات وأكبرها في أسطولها البحري «جيرالد فورد»، والسفن الحربية المواكبة لها، إلى منطقة البحر الكاريبي، وكانت قد سبقتها إلى هناك 8 سفن حربية أميركية منذ أغسطس (آب) الفائت.

جاء ذلك الإعلان بعد الهجوم العاشر الذي شنّته القطع البحرية الحربية الأميركية في المياه الدولية ضد زورق، قتل فيه 6 أشخاص، وأصيب آخرون بجراح، وزعمت واشنطن يومذاك أنه تابع لإحدى منظمات الاتجار بالمخدرات. وتفيد المعلومات المستقاة من وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون» بأن القوات البحرية المنتشرة في المنطقة تضمّ، بجانب حاملة الطائرات والطاقم المواكب لها، غواصة ومقاتلات من طراز «إف 35» المتطورة، وأكثر من 2000 عنصر، تابعين لمشاة البحرية «المارينز».

قرع طبول الحرب بحجة مكافحة المخدِّرات

إضافة إلى ما سبق، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه يعتزم شنّ حملة برّية لملاحقة منظمات الاتجار بالمخدرات، التي يعتبرها عدواً في نزاع مسلّح مع بلاده. وكانت واشنطن قد سرّبت إلى وسائل إعلام أن ترمب ينوي مهاجمة مرافق إنتاج الكوكايين وطرق الإمدادات داخل فنزويلا.

أيضاً، وجّه ترمب اتهامات مباشرة إلى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واصفاً إياه بواحد من زعماء تجارة المخدِّرات، بينما كان شون بارنيل، الناطق بلسان وزارة الحرب الأميركية، يعلن أن وجود حاملة الطائرات «جيرالد فورد» في المنطقة «سيعزّز القدرات الأميركية لرصد ومراقبة وتفكيك العملاء والأنشطة غير المشروعة التي تشكّل خطراً على رفاه الوطن الأميركي». ومع أن بارنيل لم يكشف عن موعد وصول حاملة الطائرات إلى الكاريبي، فإنها كانت قد شوهدت مطلع الأسبوع قبل الفائت، وهي تعبر مضيق جبل طارق من البحر المتوسط باتجاه المحيط الأطلسي، وعلى متنها نحو 5 آلاف جندي.

واشنطن تبذل جهداً ملحوظاً ومثيراً للجدل لدعم الرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير ميلاي

من جهة ثانية، وبعدما كان الرئيس ترمب قد أعلن أخيراً أنه أعطى الضوء الأخضر إلى وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) لشنّ «عمليات سرّية» داخل فنزويلا، كتب وزير الحرب الأميركي هيغسيت، على منصة «إكس» مهدّداً: «إذا كنتَ مهرّباً للمخدِّرات في منطقتنا، فسنعاملك كما عاملنا تنظيم (القاعدة) من قبل. سنلاحقك في النهار والليل، ونتعقّب شبكاتك، ونرصد أعوانك ونقتلك». وللعام، أسفرت العمليات التي نفّذتها البحرية الأميركية حتى الآن في منطقة الكاريبي عن مقتل ما يزيد عن 50 شخصاً.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (آ ب)

مادورو: واشنطن تخطط لإسقاط الشرعية

في هذه الأثناء، ندّد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بما أسماه «المخطّط الأميركي لإسقاط النظام الشرعي» في بلاده، وأردف قائلاً إن زمن اللجوء الى «وكالة الاستخبارات المركزية» لقلب أنظمة الحكم في أميركا اللاتينية قد ولّى. وتابع مادورو أن حكومته (اليسارية) «تنظر بقلق شديد» إلى استخدام الاستخبارات الأميركية ضد فنزويلا، وإلى «السياسة العدوانية التي تنتهجها واشنطن بهدف تغيير النظام عن طريق المناورات التخريبية والقوة». ثم ذكر أنه كلّف البعثة الفنزويلية الدائمة لدى الأمم المتحدة تقديم شكوى أمام مجلس الأمن الدولي للمطالبة بمساءلة الإدارة الأميركية، واتخاذ تدابير عاجلة تحول دون التصعيد العسكري في منطقة الكاريبي.

هذا، وكان وزير الخارجية الفنزويلي، إيفان خيل بينتو، قد صرّح في حديث خاص مع «الشرق الأوسط» أخيراً، بأن بلاده وجّهت رسالة واضحة إلى واشنطن، مفادها: «إنهم - أي الأميركيين - سيواجهون ردّاً غير محسوب في حال شنّهم هجوماً عسكرياً ضد فنزويلا». وأردف أن بلاده «جاهزة منذ سنوات لأي نوع من الاعتداءات... وخلال الأشهر الأخيرة عزّزنا التجهيزات الدفاعية، ونشرنا الميليشيا البوليفارية المسلحة في مناطق عديدة لصدّ أي هجوم».

الآثار الملموسة لحرب واشنطن الاقتصادية

غير أن تصريحات المسؤولين الفنزويليين لا تخفي التداعيات الاقتصادية للحملة التي تشنّها الإدارة الأميركية ضد نظام مادورو، ناهيك من الضغوط السياسية والنفسية التي يتعرّض لها هذا النظام اليساري.

ومع أن الرئيس الفنزويلي أكّد، في ظهوره مطلع الأسبوع أمام مواطنيه، أن إجمالي الناتج المحلي قد ازداد منذ بداية السنة الجارية بنسبة 7 في المائة - وهي تقديرات تبنّتها المنظمات الاقتصادية الإقليمية - توقّع بيان صادر هذا الأربعاء عن «صندوق النقد الدولي» أن النمو الاقتصادي في فنزويلا لن يتجاوز واحداً في المائة هذا العام، وأن نسبة التضخّم قد تصل إلى 270 في المائة، بل يدّعي خبراء أنها قد تتجاوز 400 في المائة.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن التراجع الاقتصادي الذي تشهده فنزويلا منذ سنوات، مشفوعاً باضطرابات سياسية واجتماعية مستمرة، أدّى إلى انكماش اقتصادها إلى ما يعادل 30 في المائة من حجمه التاريخي، عندما كانت خامس قوة اقتصادية في أميركا اللاتينية، بعد البرازيل والمكسيك والأرجنتين وكولومبيا.

أضف إلى ذلك أن فنزويلا، بمواجهة حرب اقتصادية أميركية ضروس عليها، تواجه اليوم أيضاً خطر انسداد السُّبل أمامها للحصول على قروض من المصارف الدولية، ما يحرمها من فرص الاستثمار اللازمة لإنعاش اقتصادها.

الرئيس الكولومبي غوستافو بترو (آ ب)

بين عداء كولومبيا... ودعم الأرجنتين

من جهة ثانية، مقابل التصعيد الأميركي ضد فنزويلا، الذي يندرج في سياق السياسات التي نهجتها الإدارات السابقة... لكن بمزيد من الشدة والتهديد بالتدخل العسكري المباشر، تصعّد إدارة الرئيس ترمب أيضاً ضد كولومبيا التي كانت تعتبر حليفاً تاريخياً لواشنطن. ومقابل ذلك، تبذل الولايات المتحدة جهداً ملحوظاً ومثيراً للجدل - حتى في أوساط الغالبية الجمهورية - لدعم الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يعتنق جميع مبادئ دونالد ترمب، بل يزايد عليها.

إذ قرر ترمب أخيراً، كما هو معروف، منح الأرجنتين، الغارقة في بحر من الديون، تبدو عاجزة عن سدادها، مساعدة بمقدار 40 مليار دولار. وبطبيعة الحال، طرح هذا القرار تساؤلات في الأوساط السياسية والاقتصادية الأميركية حول دوافع هذه الخطوة وجدواها. والمثير في الأمر أنها تأتي في حين تواصل إدارة ترمب خفض المساعدات الاجتماعية والخدمات الصحية للمواطنين الأميركيين.

أيضاً، ما يجدر ذكره أن الرئيس ترمب سئل أخيراً لدى استقباله نظيره الأرجنتيني في البيت الأبيض، عن «دوافع» هذا القرار، وكيف سيعود بالفائدة على «المصالح الأميركية» التي جعل الدفاع عنها عنوان ولايته، فأجاب: «بكل بساطة، إننا نساهم في ترسيخ فلسفة عظيمة في بلد عظيم». وأضاف وزير الخزانة الأميركي، من جانبه: «الأرجنتين حليف بالغ الأهمية»، مؤكداً أن دوافع القرار «سياسية بحتة»، ولا علاقة لها البتة بالحسابات الاقتصادية.

بالتوازي، مع أن خافيير ميلاي يفاخر بأنه «التوأم الآيديولوجي» للرئيس ترمب، فقد كان هو السبّاق في إطلاق حملة التقشّف القصوى. إذ طرح برنامجه تحت عنوان «إعلان الحرب على التبذير الحكومي»، لكن انتهى به الأمر إلى تفريغ الخدمات العامة من مضمونها... من غير أن يقدّم أي حل للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الأرجنتين، والتي كان فشل الحكومات السابق في معالجتها باب وصول ميلاي إلى الرئاسة.

بالمناسبة، الرئيس ترمب كان قد أعلن بوضوح عشية الانتخابات العامة الأرجنتينية، التي أجريت يوم الأحد قبل الماضي وفاز فيها ميلاي، أن استمرار تيار الأخير السياسي اليميني مرهون ببقاء ميلاي في السلطة. وذهب إلى حدّ التحذير بأن واشنطن «لن تضيّع الوقت» إذا فشل التحالف اليميني الحاكم الذي يقوده ميلاي.

في غضون ذلك، تشكّك الأقلية الديمقراطية في الكونغرس الأميركي، ومعها بعض الأصوات الجمهورية، في شرعية المساعدة المالية التي منحها ترمب لحليفه الأرجنتيني. وهذا، من منطلق أن «استخدام المال العام بهدف التأثير في انتخابات أجنبية»، ولا سيما أن الإدارة الحالية لا تكفّ عن فرض خفض جذري للمساعدات الخارجية المخصصة لبرامج إنمائية وصحية تنقذ أرواح الملايين في أنحاء العالم. كذلك، ثمة شكوك عميقة في قدرة الأرجنتين على سداد هذا القرض الذي يخضع للمساءلة في الكونغرس، وبخاصة أن وزارة الخزانة الأميركية لم تعلن عن أي ضمانات أو شروط لاسترداده.

ولعل، ما يزيد التساؤلات والشكوك حول هذه الخطوة، أن ترمب قال صراحةً بعد الإعلان عن نتيجة الانتخابات الأرجنتينية: «لقد ربحنا مالاً كثيراً». وهو ما يؤكد صحة التقارير المالية التي كشفت أن عدداً من صناديق الاستثمار الكبرى في الولايات المتحدة هي التي حقّقت أرباحاً طائلة بفضل تعاملها بالسندات الأرجنتينية.

حقائق

الوجود العسكري الأميركي في الكاريبي

في انتشار حربي إقليمي غير مألوف، باشرت الولايات المتحدة، مطالع شهر أغسطس (آب) الفائت، إرسال قِطع من أسطولها البحري إلى منطقة البحر الكاريبي، شملت أسراباً من الطائرات المقاتِلة ووحدات من «المارينز» (مشاة البحرية). وحول هذا الأمر قالت واشنطن إن الهدف من وجودها «محاربة عصابات المخدِّرات» التي تنشط في تلك المنطقة وتُغرق السوق الأميركية بها.

بين القطع البحرية التي توجد حالياً في المنطقة التابعة للقيادة الجنوبية في الجيش الأميركي طرّادات ومدمّرات وسفن هجومية برّمائية وغواصة. وينتظر أن تنضم إليها في الأيام المقبلة حاملة الطائرات «جيرالد فورد» المزوّدة بوقود نووي، وهي الأكبر والأحدث في الأساطيل الأميركية، تُرافقها مجموعة من سفن الدعم والإمداد والمواكبة. يضاف إلى كل هذا عدد غير معروف من الهليكوبترات والمقاتِلات المتطورة وما يزيد عن 4500 عنصر من مشاة البحرية، وخمسة آلاف جندي يُشكلون طاقم حاملة الطائرات.

هذا الانتشار الحربي الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا سابقة له في العقود المنصرمة، ولا يُذكر مثيل له سوى في عام 1989 عندما غزت الولايات المتحدة جزيرة غرينادا. وتفيد معلومات صحافية، نقلاً عن خبراء عسكريين، بأن التشكيلة البحرية الأميركية الموجودة حالياً قبالة السواحل الفنزويلية تضم قطعاً حربية مخصّصة لعمليات إنزال بري واسعة.

أما المسؤولون الأميركيون فيكرّرون في تصريحاتهم القول إن «الهدف من هذا الحشد البحري هو محاربة عصابات تهريب المخدرات وتفكيك شبكاتها بحراً وبراً». لكن الناطقة بلسان البيت الأبيض كانت قد صرّحت، في بداية هذا الانتشار، بأن «الرئيس ترمب كان واضحاً عندما قال إنه عازم على استخدام كل الموارد التي في متناوله لوقف دخول المخدرات الولايات المتحدة وإحالة المسؤولين عن ذلك إلى القضاء...»، لكنها أضافت أن «موقف الحكومة الأميركية من النظام الفنزويلي هو أن نيكولاس مادورو ليس رئيساً شرعياً». ولقد ردّ مادورو يومها على ذلك بقوله: «لن نسمح لأي إمبراطورية بأن تمسّ أرض فنزويلا المقدسة»، مؤكداً أن بلاده تملك الأسلحة اللازمة لصدّ أي عدوان.

جدير بالذكر أن «جيرالد فورد» هي أكبر سفينة حربية في التاريخ، إذ يبلغ طولها 336 متراً، ويزيد وزنها عن مائة ألف طن. ومن الدفاعات المجهزة بها 75 طائرة مقاتِلة، من بينها طائرات «إف - 18 إيه» التي لا تملك منها سوى القوات المسلحة الأميركية. أي أنه بوصول هذه الحاملة إلى الكاريبي سيكون للأسطول الأميركي الموجود هناك أكثر من مجموع المقاتِلات التي يملكها سلاح الجو الفنزويلي، ومعظمها روسية الصنع من طراز «سوخوي - سو 30»، أو أميركية من طراز «إف - 16».



مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.