رودريغو باز... بطل مفاجأة انتخابية أنهت 20 سنة من حكم اليسار لبوليفيا

سياسي عملي ومعتدل يؤمن بالإصلاح المتدرّج

يُعدّ فوز باز في الانتخابات «فلتة شوط» لأنه كان خارج جميع الحسابات ولم تتعدى خبرته رئاسة بلدية مدينة صغيرة
يُعدّ فوز باز في الانتخابات «فلتة شوط» لأنه كان خارج جميع الحسابات ولم تتعدى خبرته رئاسة بلدية مدينة صغيرة
TT

رودريغو باز... بطل مفاجأة انتخابية أنهت 20 سنة من حكم اليسار لبوليفيا

يُعدّ فوز باز في الانتخابات «فلتة شوط» لأنه كان خارج جميع الحسابات ولم تتعدى خبرته رئاسة بلدية مدينة صغيرة
يُعدّ فوز باز في الانتخابات «فلتة شوط» لأنه كان خارج جميع الحسابات ولم تتعدى خبرته رئاسة بلدية مدينة صغيرة

يفتح الفوز الذي حققه رودريغو باز في الانتخابات الرئاسية البوليفية، بنهاية الأسبوع الماضي، صفحة جديدة في التاريخ السياسي لبوليفيا، التي ترتفع عاصمتها لا باز ثلاثة كيلومترات ونصف الكيلومتر عن سطح البحر. وجاء هذا الفوز لمرشح يمين الوسط بعدما احتكر اليسار طيلة ثلاثة عقود تخللتها أزمات سياسية عنيفة ومحاولات عسكرية لقلب النظام، أحدثت شرخاً اجتماعياً عميقاً، وتسبّبت في فترات من الشلل الاقتصادي الذي وضع الدولة على شفا الإفلاس. وللمرة الأولى، منذ عقود، لم تكن نتيجة الانتخابات التي فاز فيها باز موضع تشكيك أو اعتراض من جانب الخصوم. وهو ما يتيح للرئيس المنتخب فرصة لرأب الصدع السياسي والاجتماعي، وإخراج بوليفيا من دوامة الصدامات التي شابت تاريخها السياسي الحديث، ومن ثم استعادة ثقة الجهات الإقليمية والدولية التي كانت أوقفت مشاريعها الاستثمارية الواعدة في قطاعات الثروات المعدنية والأراضي النادرة التي تزخر بها.

يوم الأحد الماضي مال المشهد السياسي في جمهورية بوليفيا بأميركا الجنوبية إلى اليمين، وذلك بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية لا ينتمي - لأول مرة منذ أكثر من عشرين سنة - إلى «التيّار نحو الاشتراكية»؛ أي الحزب الذي أسّسه إيفو موراليس، الرئيس الأسبق والشخصية السياسية المحوَرية في بوليفيا منذ ثلاثة عقود؛ إذ نال رودريغو باز، المرشح عن تحالف الوسط واليمين المعتدل 54.53 في المائة من الأصوات، بعدما فاز في ستة من الأقاليم التسعة التي كان المرشح الاشتراكي قد خسر فيها خلال الدورة الأولى، وخرج بالتالي من السباق الرئاسي، الذي اقتصر في دورته الثانية على المنافسة بين باز والمرشح الليبرالي المحافظ خورخي كيروغا الذي فشل للمرة الرابعة في الوصول إلى الرئاسة.

«فلتة شوط» أنهت حكم اليسار

يُعدّ فوز باز في هذه الانتخابات «فلتة شوط» حقيقية؛ لأنه كان خارج جميع الرهانات والحسابات، كما لم تكن خبرته السياسية تتعدّى رئاسة بلدية إحدى المدن الصغيرة. لكن، لا شك أيضاً، في أن كونه نجل الرئيس الأسبق خايمي باز لعب دوراً في حشد الدعم لترشيحه بعد تجاوزه دورة الاقتراع الأولى، التي شهدت سقوطاً مدوياً للمرشح الاشتراكي الذي كان يدعمه إيفو موراليس.

باز قال في تصريحاته الأولى بعد فوزه: «رياح التغيير والتجديد بدأت تعصف، وتدفع بوليفيا إلى الأمام بعد سنوات مديدة من الركود والتراجع». ولخّص رؤيته بشعار «الله والعائلة والوطن» التقليدي المحافظ، في حين أعلن منافسه اليميني قبوله النتائج واستعداده للتعاون مع الرئيس المنتخب. وكانت التحليلات الأولى قد بيّنت أن باز حصل على غالبية الأصوات المؤيدة للتيار الاشتراكي الذي تقوم شعبيته بشكل أساسي على مجموعات السكان الأصليين - ومنهم موراليس - الذين يشكّلون حسب بعض الإحصاءات ما يقارب 60 في المائة من مجموع السكان. ولقد نجح باز، بفضل خطابه المعتدل، في اجتذاب دعم هذه المجموعات وتحقيق فوز كان هو أول من اعترف بأنه لم يكن يتوقعه.

مراقبون يرون أن شعار «رأسمالية للجميع» الذي رفعه الرئيس الجديد في الحملة الممهدة للدورة الثانية، كان حاسماً أيضاً في زيادة رصيده في أوساط الطبقة البورجوازية الجديدة التي ظهرت بين السكان الأصليين - أكبر شعوبهم الكيتشوا والآيمارا - إبّان الحكم الاشتراكي الطويل، مع أنه لم يشرح بشكل واضح ما هو المقصود بهذا الشعار، وكيف سيعمل على تحقيقه.

للعلم، كانت فترة الحكم الاشتراكي قد شهدت نشوء هذه الطبقة التي لم تعد تنطلق من جذورها العرقية لتحديد هويتها السياسية كما في السابق، بل من موقعها في السلّم الاجتماعي، وما تحمله من شهادات جامعية وتخصّصات، والثروات التي جمعتها من النشاطات التجارية.

انفتاح إقليمي وفق حسابات اقتصادية

من جهة ثانية، كان باز قد وعد مواطنيه أيضاً خلال الحملة الانتخابية بمعالجة فورية لأزمة الشحّ في المحروقات التي يعانون منها منذ سنوات. وقال إنه تواصل مع حكومات البرازيل والأرجنتين والأوروغواي والباراغواي، وحصل منها على وعود بتأمين الكميات اللازمة من المحروقات لإعادة عجلة الاقتصاد إلى حالتها الطبيعية وإنهاء معاناة المواطنين. وكذلك وعد بإعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة مع الولايات المتحدة، التي كانت في طليعة المهنئين، مُعربة عن جهوزيتها للتعاون مع الحكومة الجديدة التي سيشكلها.

كما سبقت الإشارة، في الدورة الأولى من الانتخابات كان فوز باز مستبعداً بشكل كلّي تقريباً، وأيضاً في الدورة الثانية كانت كل الرهانات فيها تدور حول منافسه كيروغا. لكن باز حقّق فوزاً واضحاً في العاصمة لا باز، وفي كوتشابامبا إحدى أكبر المدن البوليفية من حيث عدد السكان والمركز الثقافي والاقتصادي، وبالطبع في مدينة سانتا كروز، كبرى مدن البلاد سكانياً وقاعدتها النفطية والمالية والاستثمارية الواقعة في إقليم الغابات السهلية بشرق البلاد.

على صعيد آخر، كشف باز عن أنه سارع بعد إعلان فوزه إلى الاتصال بالقوى السياسية الأخرى في البرلمان، التي يمكن أن يشكّل تحالفه مع أي منها غالبية مريحة لحكومته، تسمح له بإجراء التغييرات التي تحتاج إليها البلاد. بيد أنه ألمح إلى أنه لا ينوي التحالف مع حزب الرئيس السابق كيروغا، مع أن الأخير كان أعلن عن استعداده للتعاون مع الرئيس الجديد.

وفي هذه الأثناء، كان الرئيس الأسبق إيفو موراليس، الذي يمنعه الدستور من الترشح مجدّداً - والفارّ من وجه العدالة بعدما صدرت بحقه مذكرة توقيف بتهمة التحرش الجنسي بقاصرين - يصرّح من المكان الذي يختبئ فيه، قائلاً: «لا أحد من المرشحين، باز وكيروغا، يمثل الشعب البوليفي والسكان الأصليين»، الأمر الذي ينذر باضطرابات محتملة خلال الأشهر المقبلة.

موجة التوتر السياسي

جدير بالذكر أن بوليفيا شهدت منذ بداية هذا العام موجة طويلة من التوتر السياسي والاجتماعي بسبب محاولات موراليس إسقاط حكومة لويس آرسي، الذي كان هو من دعمه للوصول إلى الحكم؛ إذ سعى الزعيم اليساري إلى نزع صفة الشرعية عن العملية الانتخابية بالدعوة إلى التصويت الملغى، بعدما فشل في تقديم ترشيحه، ثم إنه في حين وعد كيروغا، في حال فوزه، باعتقال موراليس والتشدد مع حزبه الذي حكم بوليفيا لأكثر من عشرين سنة، أبدى باز انفتاحاً على حزب موراليس، وعلى قاعدته الشعبية واليسارية الواسعة. ووعد بخطة تدرّجية للخروج من الأزمة الاقتصادية بلا صدمات؛ «لأن الطبقة الشعبية هي التي تدفع ثمنها عادة». ولا شك في أن هذا الموقف هو الذي مهّد لالتحاق كثيرين من مؤيدي موراليس بصفوف مؤيديه.

صعوبات وعقبات منتظرة

ولكن مع هذا، ورغم الفوز البيّن الذي حققه باز في انتخابات الأحد الفائت، والذي يشكّل انعطافة في المشهد السياسي البوليفي، فإن باز لا يخفي الصعوبات والعقبات التي تنتظره كي يرسي قواعد ثابتة ومستديمة لحكمه تمكّنه من إجراء التغييرات التي أعلن عنها.

لعل أولى هذه العقبات أن باز لم يترشح عن أي حزب، بل «ارتجل» خلال حملته الانتخابية حزباً أسماه «الحزب الديمقراطي المسيحي»، انضمّت إليه مجموعة من الأسماء المعروفة في مجالات الاقتصاد والصحافة والمؤسسات الأكاديمية، وهذا يحتّم عليه بناء تحالفات برلمانية لتأمين غالبية تدعم حكومته وتؤمّن لها الاستمرار.

إلى جانب ذلك، يعرف باز أنه أيّاً كان التحالف البرلماني الذي سيتمكن من بنائه، لن يضمن له الاستقرار الاجتماعي ما لم يتوصل إلى اتفاقات مع المنظمات الشعبية والنقابات العمالية التي تدور في فلك الرئيس الأسبق موراليس وحزب «التيار نحو الاشتراكية». وكذلك ستبقى هذه الاتفاقات مرهونة بنتائج الأداء الاقتصادي للحكومة الجديدة، وموقفها من القوى الموالية للتيار الاشتراكي وزعيمه موراليس الذي ما زال يحتفظ بقدرة عالية على التعبئة الشعبية في أوساط العمال والسكان الأصليين، بل ليس مستبعداً أن يجد الرئيس الجديد نفسه في مرمى «نيران صديقة» يخشى أن تأتيه من «رفيق درب حملته الانتخابية» ونائبه إدموندو لارا، النقيب السابق في جهاز الشرطة الذي يتمتع بشعبية يقال إنها تفوق شعبية باز، ويجنح باستمرار إلى التغريد خارج سرب الرئيس المنتخب.

ولقد حرص لارا على أن يكون أول المتكلّمين بعد إعلان فوز باز، وامتنع عن السفر إلى العاصمة للمشاركة في احتفالات الفوز، بل نظّم مهرجاناً واسعاً في مسقط رأسه سانتا كروز تحت شعار مختلف عن شعار الحملة الانتخابية الرئاسية. وفي المقابل، يجهد محيط الرئيس الجديد لتسليط الأضواء على موقف الرئيس الحالي لويس آرسي، الذي سارع إلى تهنئة الرئيس المنتخب بفوزه «التاريخي» في الدورة الثانية، وأعرب عن استعداده للتعاون التام من أجل انتقال سلس للسلطة.

واشنطن... وميلي

أيضاً تركّز أوساط باز على اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مساء الأحد الماضي، ليهنئ باز بفوزه، ويعرب عن ارتياحه لنهاية عشرين سنة من «الإدارة السيئة» في بوليفيا، وفق تعبيره. ومما قاله روبيو أن واشنطن جاهزة للتعاون مع لا باز في الأولويات المشتركة، مثل وضع حد للهجرة غير الشرعية، وتحسين فرص دخول المنتجات البوليفية إلى الأسواق لتعزيز الاستثمارات الثنائية، ومكافحة المنظمات الإجرامية عبر الوطنية وتوطيد الأمن الإقليمي.

وكانت لافتة أيضاً التهنئة التي بعث بها الرئيس الأرجنتيني اليميني المتشدد خافيير ميلي، الذي قال إن فوز باز «يوم تاريخي» بالنسبة لبوليفيا «التي نفضت عنها عشرين سنة من الفشل الاشتراكي الذي ألحق أضراراً فادحة بمنطقة أميركا اللاتينية». وتابع ميلي أن «بوليفيا الجديدة تلتحق بركب البلدان الحرة، على طريق الانفتاح الاقتصادي، ومكافحة الفساد، وتعزيز الأمن القومي والإقليمي».


مقالات ذات صلة

أندي بيرنهام يتعهد رسم «مسار جديد» لبريطانيا

أوروبا أندي بيرنهام عقب تسلّمه زعامة حزب العمال في لندن، أمس (إ.ب.أ)

أندي بيرنهام يتعهد رسم «مسار جديد» لبريطانيا

تعهّد أندي بيرنهام رسم «مسار جديد» لبريطانيا، لدى تثبيته زعيماً لحزب «العمال» الحاكم، ورئيساً قادماً للحكومة، خلال مؤتمر استثنائي عقده الحزب في لندن، أمس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع السفارة الأميركية في روما ... مستضيفة المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية (آ ب)

هل تكسر «مقامرة الوقت» الإيرانية حصار ترمب؟

لم تعُد المواجهة الأميركية - الإيرانية الجديدة تُقاس بعدد الضربات أو بحجم الحشود البحرية عند مضيق هرمز فحسب. فالحصار الذي أعادت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرضه على الموانئ الإيرانية فتح سلسلة أوسع من الاختبارات السياسية والأمنية، تمتد من سوق النفط والشارع الانتخابي الأميركي، إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل في العاصمة الإيطالية روما، وصولاً إلى محاولة إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبغداد خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى البيت الأبيض. في هذه الساحات المتداخلة، لا يدور الصراع حول القوة العسكرية وحدها، بل أيضاً حول الوقت والكلفة والقدرة على تحويل الضغط إلى مكسب سياسي. وهنا تسعى واشنطن إلى نتائج ملموسة قبل أن ينتقل ثمن التصعيد إلى الناخب الأميركي، بينما تراهن طهران على إبقاء هرمز في منطقة الخطر من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وسط محاولات حكومتي لبنان والعراق استثمار لحظة انكفاء النفوذ الإيراني لانتزاع مساحة أوسع من القرار السيادي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع آندي بيرنهام

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

يخلف آندي بيرنهام، الاثنين، كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع تراس (آ ف ب)

«بريكست» أطلق عقداً من الاضطرابات السياسية في بريطانيا

بينما يعدّ آندي بيرنهام لأن يصبح سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عشر سنوات، تثير وتيرة تعاقب رؤساء الوزراء غير المسبوقة في بريطانيا تساؤلات واسعة، لا سيما.

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع الرئيس الأثيوبي آبي احمد يلقي كلمته (وكالة الأنباء الأثيوبية)

إثيوبيا أمام اختبار «الحوار الوطني»... بعد اجتياز تحدّي الانتخابات

بعد «ماراثون» انتخابي في إثيوبيا، خلال يونيو (حزيران) الماضي، عزّز استمرار «حزب الازدهار» الحاكم بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، شهدت العاصمة أديس أبابا انطلاقة «حوار وطني» غير مسبوق منذ تأسيس الفيدرالية عام 1991 لإنهاء «مظالم تاريخية بالبلاد». هذا الحوار، الذي يواجه تحدّيات أبرزها غياب مناهضي آبي أحمد، لا سيما من قادة إقليم تيغراي، يُعدّ وفق خبراء ومحللين حاورتهم «الشرق الأوسط»، بمثابة اختبار جدّي للدولة الإثيوبية ورئيس الوزراء لجهة دعم استقرار البلاد، وذلك في أعقاب انتزاع الحزب الحاكم الغالبية الكاسحة بالبرلمان التي عزّزت وضعه إثر انتخابات الشهر الماضي.

محمد الريس (القاهرة)