ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

مع تفاوت الأولويات... ورواسب النزاعات المزمنة

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
TT

ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)

بينما تطرح علامات على مستقبل التجاذبات داخل مجموعة «البريكس»، ينشط رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على صعيد العلاقات الخارجية، فخلال أقل من شهر، زار أكثر من ثماني دول مهمة، وحضر قمتين عالميتين بارزتين، هما قمة «مجموعة السبع»، وقمة «البريكس» التي تضم كلاً من الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل وجنوب أفريقيا. ومن جهة ثانية، دار لغط كبير حول تغيب كل من الرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين عن قمة «البريكس»، التي استضافتها البرازيل.

فلاديمير بوتين (رويترز)

اختتم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حديثاً أطول جولة خارجية له على الإطلاق، شملت خمس دول في غضون ثمانية أيام، في نطاق فتح آفاق جديدة، وإنعاش شراكات قديمة، وتشكيل تحالفات قوية. إذ إنه في وقت سابق من يونيو (حزيران)، وفي طريقه لحضور قمة «مجموعة السبع» في كندا، زار قبرص ثم كرواتيا. وأخيراً، زار كلاً من غانا، وترينيداد وتوباغو، والأرجنتين، والبرازيل وناميبيا.

تعزيز دور الهند

يرى محللون هنود أن زيارات مودي «صُممت» بشكل استراتيجي، ليس فقط لتعزيز العلاقات الثنائية، بل وكذلك لتعزيز دور نيودلهي على صعيد الحوكمة العالمية، لا سيما في ظل توتر علاقات الهند مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إثر «عملية سِندور» (التصعيد العسكري مع باكستان المجاورة في مايو/أيار).

إذ قال المحلل السياسي سانجاي ديكسيت: «الهند شعرت بالعزلة بعد الصفعة الخلفية التي تلقتها من واشنطن وحلفاء مجموعة (الكواد)، أو ما يعرف باسم (الحوار الأمني الرباعي) والدول الغربية الأخرى، وذلك عقب مقتل 26 سائحاً هندياً بدوافع دينية في منطقة باهالغام بكشمير الهندية، والرد الهندي الذي استهدف معسكرات إرهابية عبر الحدود في باكستان؛ ما أدى إلى تصعيد عسكري بين البلدين».

وعلى صعيد متصل، لاحظ متابعون أن رئيس الوزراء الهندي أحدث «هزة جيوسياسية كبيرة» عندما «تجرّأ» على رفض دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب - عبر حوار هاتفي - لعقد لقاء ثنائي توقفه في طريق عودته من قمة «مجموعة السبع» في كندا. وبدلاً من الاجتماع بترمب، توجّه مودي إلى كرواتيا. وبالمناسبة، كانت تلك المرة الأولى التي يتكلم فيها مودي وترمب بعد أربعة أيام من «عملية سندور».

أيضاً، كان من المقرّر أن يلتقي الزعيمان على هامش قمة «مجموعة السبع»، لكن اللقاء لم يعقد بعدما قرّر ترمب اختصار زيارته، بسبب تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران.

ملامح مرحلة صعبة؟

في الواقع، بدأت ملامح تصدّع في العلاقات الهندية - الأميركية تظهر، إثر تصريح لترمب ادعى فيه لنفسه الفضل في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، إبان التصعيد العسكري الأخير. إذ قال إنه استخدم «التجارة» للوصول إلى تفاهم بين الطرفين، وأثار هذا الكلام قلقاً بالغاً داخل دوائر نيودلهي، حول وضع العلاقات الثنائية.

وأيضاً، تعرّضت نيودلهي لخيبة أمل ثقيلة، عندما استضاف ترمب الجنرال عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، على غداء في البيت الأبيض. ومع أن اللقاء لم يُسفر عن نتائج جوهرية، فإنه في ظاهره أثار استياءً هندياً كبيراً. ودفع عدداً من المحللين والمعلقين السياسيين الهنود إلى القول إن تصريحات ترمب وأفعاله تُؤشر إلى «العودة إلى سياسة الربط الأميركية المقيتة». والقصد هنا ربط الهند وباكستان في تعاملاتها مع «الجارتين» المتناحرتين. وحقاً كانت هذه السياسة قد هيمنت على توجهات واشنطن إزاء شبه القارة الهندية خلال معظم فترة «الحرب الباردة».

في هذا السياق، أوضح المفكر والكاتب الصحافي الهندي كامليش سينغ، أنه «لطالما جرى تسويق العلاقات الهندية ـ الأميركية داخل الهند باعتبارها صداقة جيوسياسية، وتحالفاً عظيماً بين نظامين ديمقراطيين، وحصناً منيعاً بمواجهة الصين الاستبدادية، وتحالفاً تجارياً محتملاً. بعد ذلك، جاء دونالد ترمب، الذي يتّسم بتقلباته الشديدة. والآن، جاء الدور على الهند».

سينغ قال إن تصريحات ترمب «غير المدروسة» أزعجت نيودلهي، وأثارت حفيظة دبلوماسييها، بجانب أنها أعاقت جهود إبرام اتفاقية التجارة الهندية - الأميركية المأمولة. وشرح الكاتب الهندي أن ترمب «استغل التجارة وسيلةَ ضغط، فصوّر الهند على أنها خصم ضعيف؛ ما قوض صورة مودي كمفاوض صلب. واليوم، يخشى المسؤولون الهنود المتخوّفون من سياسات ترمب الحمائية، أن يطلب تنازلات من نيودلهي كي يتفاخر ببراعته في إبرام الصفقات».

واستطرد: «واضح أن ترمب أضفى عنصراً من انعدام الثقة على الشراكة الهندية - الأميركية، في حين أنه إذا أرادت واشنطن أن تكون الهند قوةً موازنةً موثوقةً للصين، كان عليها التخلي عن التمثيل، وإظهار الاحترام لحليفتها الهند. وجنباً إلى جنب، على نيودلهي تأكيد استقلاليتها، مع الضغط على واشنطن».

مكالمة الـ35 دقيقة

عودةً إلى مكالمة ترمب - مودي الهاتفية، فإنها استغرقت نحو 35 دقيقة. وفيها أبلغ مودي ترمب أن الهند وباكستان أوقفتا عملياتهما العسكرية (الشهر الماضي) عقب مباحثات مباشرة بين جيشيهما من دون أي وساطة من الولايات المتحدة، منتقداً رواية الرئيس الأميركي بأنه توسط في وقف إطلاق النار.

وأكد مودي، من ثم، بحزم أن الهند لا تقبل ولن تقبل أبداً الوساطة، وأن المناقشات بين الجيشين الهندي والباكستاني بشأن وقف العمليات العسكرية، بدأت بناءً على طلب إسلام آباد، في خطوة دبلوماسية كبيرة، تولى أمين الخارجية الهندي، فيكرام ميسري، إطلاع وسائل الإعلام عليها من كندا عندما تلقى مودي المكالمة في أثناء حضوره اجتماع «مجموعة السبع».

... ورفض عرض ترمب

أما عن رفض الزعيم الهندي دعوة الرئيس الأميركي، فقال المحلل الهندي سوشانت سارين، إنه «لو قبل مودي عرض ترمب، لكان الجدول الزمني قد دفعه إلى الوجود في واشنطن؛ ما جعل تناول الإفطار أو الاجتماع المبكر مع ترمب سيناريو محتملاً... ليتبعه بعد ساعات قليلة غداء قائد الجيش الباكستاني في البيت الأبيض». وأردف سارين: «مثل هذه الصورة (مع لقاء ترمب بكل من رئيس الوزراء الهندي وقائد الجيش الباكستاني في اليوم ذاته) كانت ستكون غير مستساغة دبلوماسياً لدى نيودلهي». ومعروف أنه لطالما سعت الهند إلى فصل نفسها عن باكستان على صعيد الدبلوماسية الدولية.

علاوة على ذلك، لدى نيودلهي «أسباب استراتيجية» تدعوها إلى تأجيل أي تواصل جديد مع الرئيس الأميركي راهناً. إذ سبق لمودي أن زار واشنطن في وقت سابق من هذا العام؛ لتهنئة ترمب على عودته إلى سدة الرئاسة. ومع قرب انعقاد القمة المقبلة لتحالف «الكواد» - والتي قد تكون على الأراضي الهندية - تفضل نيودلهي أن يُعقد اللقاء المقبل الرفيع المستوى بين الزعيمين على أرضها؛ تأكيداً على مكانتها كشريك محوري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

من جهتها، قرّرت واشنطن تمديد تعليق رسومها الجمركية المتبادلة مع الهند حتى مطلع أغسطس (آب)، في خطوة فسّرها المراقبون بأنها إشارة على جهوزية واشنطن للحوار. وما يلفت أن الهند لم تُدرج ضمن قائمة الدول التي تلقت إشعارات رسمية بفرض رسوم جمركية جديدة عليها من إدارة ترمب، هذا الأسبوع.

في أي حال، تسعى الهند والولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق تجاري ثنائي شامل، على أن يجري إنجاز المرحلة الأولى منه بحلول الخريف (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول). وقبيل ذلك، يعمل الطرفان على إبرام اتفاق مرحلي مؤقت لتسوية بعض النقاط العالقة. وقال مصدر ضمن فريق التفاوض: «الهند أقرَّت خطوطها الحمراء... والكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة». في حين شدد بيوش غويال، وزير التجارة والصناعة الهندي، على أن «الهند متمسكة بموقفها تجاه الإعفاءات الجمركية للمنتجات الزراعية ومنتجات الألبان الأميركية، بالنظر إلى حساسيتها داخل السوق الهندية».

وهنا تجدر الإشارة إلى أن واشنطن تُعدّ أكبر شريك تجاري للهند منذ عام 2021 - 2022، وبلغ حجم التجارة في السلع بين البلدين عام 2024 - 2025 نحو 131.84 مليار دولار.

لدى الهند «أسباب استراتيجية» تدعوها لتأجيل تواصلها مع ترمب

تغيّب شي وبوتين

على صعيد آخر، كما هو معروف، عُقدت أخيراً قمة «البريكس» السابعة عشرة، في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، بمشاركة قادة الدول الناشئة الكبرى، لكن بغياب زعيمين قويين فيها، هما الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

سبب تغيب الرئيس الروسي بوتين الذي اكتفى بالانضمام عبر رابط فيديو، معروف. فهو يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والبرازيل دولة موقّعة على النظام الأساسي للمحكمة.

شي جينبينغ (آ ف ب/غيتي)

أما بما يخصّ شي (72 سنة)، الذي استخدم «البريكس» لإعادة تشكيل توازن القوى دولياً، فتعدّ هذه المرة الأولى التي يغيب فيها عن قمة للمجموعة منذ توليه السلطة عام 2012. ولقد تمثلت بكين برئيس الوزراء لي تشيانغ، من دون تقديم أي تبرير رسمي سوى «تعارض المواعيد».

غياب شي جاء في وقت حرج، مع مناقشة «البريكس» (التي يختصر اسمها الحروف الأولى من أسماء الأعضاء الأوائل: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب إفريقيا)، سبل تعزيز التعاون في خضم ما تصفه الدول الأعضاء بمخاوف جدية بشأن الهيمنة الغربية. والجدير بالذكر، أن الصين، تعتبر الركيزة الاقتصادية للمجموعة؛ إذ وتُمثل نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدولها، كما تُعدّ أكبر شريك تجاري لمعظم الدول الأعضاء.

الصين لم تُوضح علناً سبب غياب رئيسها عن قمة «البريكس». لكن تقريراً نشرته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، تكلم عن «تضارب في المواعيد»، إضافة إلى حقيقة أن شي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو «لولا» دا سيلفا كانا قد التقيا مرتين خلال العام الماضي. إذ أجرى الزعيمان مباحثات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 خلال قمة «مجموعة العشرين» في البرازيل، ومرة أخرى في مايو (أيار) من هذا العام، إبان زيارة «لولا» الرسمية لبكين.

 

تحديات وخلافات مصلحية وفكرية داخل «البريكس»

ذكرت بعض التقارير الإعلامية البرازيلية أن الدعوة الخاصة الموجهة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ربما تكون قد دفعت الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى التغيب عن حضور القمة. ولقد لاحظ مراقبون أن لـ«ديناميكية» مودي – «لولا» دوراً حاسماً في قمة «البريكس»، ناهيك من تكريم البرازيل مودي بأعلى وسام في البلاد، وأعرب «لولا» عن تضامنه مع الهند بشأن مخاوف الأمن الوطني. وبالفعل، يرى مراقبون أن العلاقات الدفاعية الثنائية تبدو واعدة، وستكون محوراً رئيساً للمناقشات بين الزعيمين. ولقد أبدت البرازيل اهتماماً بالغاً بمنصات الدفاع الهندية الصنع، مثل نظام «أكاش» للدفاع الجوي، الذي نال تقديراً كبيراً بعد نشره خلال «عملية سيندور»، عندما صدت الهند هجوماً منسقاً بطائرات مسيَّرة وصواريخ من باكستان. من جهته، صرّح تشونغ جا إيان، الأستاذ المشارك في جامعة سنغافورة الوطنية، لشبكة «سي إن إن» بأنه «نظراً إلى أهمية الصين لمجموعة (البريكس)، فإن قرار شي بالتغيب يضر بالقمة... لا شك في ذلك». وأردف أن المجموعة قد لا تكون الآن «الأولوية الكبرى» للرئيس الصيني؛ إذ يركز جلّ اهتمامه على توجيه الاقتصاد المحلي للصين. وتابع أن بكين قد لا تتوقع أي تقدم يُذكر في قمة هذا العام. من جهة ثانية، توقف محللون أمام تهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية على أي دولة تدعم السياسات «المعادية لأميركا» في مجموعة «البريكس». ويذكر أن ترمب عبر موقع «تروث سوشيال» كتب: «أي دولة تؤيد سياسات (البريكس) المعادية لأميركا، ستُفرض عليها رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة، ولن تكون هناك استثناءات لهذه السياسة». وعلى هذا الكلام «التهديدي» الصريح، علق الرئيس البرازيلي «لولا» في ختام قمة «البريكس»، قائلاً: «لقد تغيّر العالم. نحن لا نريد إمبراطوراً. هذه (مجموعة البريكس) عبارة عن مجموعة من الدول التي تسعى لإيجاد طريقة أخرى لتنظيم العالم من منظور اقتصادي. أعتقد أن هذا سبب انزعاج الناس من (البريكس)». ولكن، بينما دفع بعض الخبراء بأن مكانة واشنطن، باعتبارها قوة عظمى بارزة، قد انتهت، وأن التحوّل إلى عالم متعدد الأقطاب قد بدأ بالفعل، أثار بعض المحللين السياسيين شكوكاً حول فقدان «البريكس» قيمها الآيديولوجية بسبب توسعها السريع. إذ في خضم هذه العملية، أضعفت المجموعة تماسكها ككيان يقدم بديلاً آيديولوجياً للرأسمالية الغربية. الصين، الآن تقف بحزم إلى جانب روسيا في طرح بدائل للدولار والمؤسسات التي يقودها الغرب. بينما خفف الحذر من جانب أعضاء رئيسين آخرين في «البريكس»، مثل الهند والبرازيل، من التقدم مع إبداء تحفظات بشأن الجوانب العملية والآثار الجيوسياسية. إضافة إلى ذلك، أن البرازيل شددت على ضرورة «تجنب استعداء الشركاء الغربيين». في الوقت عينه، تواصل الهند اتباع نهج استراتيجي حذر، وتتعاون مع «البريكس» بالتوازي مع عملها على تعميق علاقاتها مع الولايات المتحدة و«مجموعة الدول السبع المتقدمة». وأخيراً، ينبّه عدد من المحللين من أن الخلاف داخل «البريكس» قد يزداد عمقاً مع نمو الكتلة، وتنوعها قد يبطئ التوافق ويزيد جهود التقدم تعقيداً.


مقالات ذات صلة

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أفريقيا حكومة جنوب أفريقيا تحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشاركة بالصراع بين روسيا وأوكرانيا (إ.ب.أ)

جنوب أفريقيا تحقق في انضمام 17 من مواطنيها للمرتزقة بصراع روسيا وأوكرانيا

قالت حكومة جنوب أفريقيا، اليوم (الخميس)، إنها ستحقق في كيفية انضمام 17 من مواطنيها إلى قوات المرتزقة المشارِكة في الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (أ.ف.ب) p-circle

لولا يعدّ الانتشار العسكري الأميركي في الكاريبي «عامل توتر»

عدّ الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، خلال اجتماع عبر الفيديو لمجموعة «بريكس»، الانتشار العسكري الأميركي في منطقة البحر الكاريبي «عاملَ توتر».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
الاقتصاد الزعيمان الصيني والهندي خلال لقائهما على هامش أحد مؤتمرات «بريكس» في روسيا (رويترز)

بكين ونيودلهي لإعادة بناء علاقاتهما التجارية بسبب الرسوم الأميركية على الهند

تعمل الهند والصين على استعادة الصلات الاقتصادية التي توترت إثر اشتباك حدودي مميت عام 2020، وذلك في أحدث علامة على اقتراب رئيس الوزراء الهندي من دول «بريكس».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».