ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

مع تفاوت الأولويات... ورواسب النزاعات المزمنة

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
TT

ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)

بينما تطرح علامات على مستقبل التجاذبات داخل مجموعة «البريكس»، ينشط رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على صعيد العلاقات الخارجية، فخلال أقل من شهر، زار أكثر من ثماني دول مهمة، وحضر قمتين عالميتين بارزتين، هما قمة «مجموعة السبع»، وقمة «البريكس» التي تضم كلاً من الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل وجنوب أفريقيا. ومن جهة ثانية، دار لغط كبير حول تغيب كل من الرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين عن قمة «البريكس»، التي استضافتها البرازيل.

فلاديمير بوتين (رويترز)

اختتم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حديثاً أطول جولة خارجية له على الإطلاق، شملت خمس دول في غضون ثمانية أيام، في نطاق فتح آفاق جديدة، وإنعاش شراكات قديمة، وتشكيل تحالفات قوية. إذ إنه في وقت سابق من يونيو (حزيران)، وفي طريقه لحضور قمة «مجموعة السبع» في كندا، زار قبرص ثم كرواتيا. وأخيراً، زار كلاً من غانا، وترينيداد وتوباغو، والأرجنتين، والبرازيل وناميبيا.

تعزيز دور الهند

يرى محللون هنود أن زيارات مودي «صُممت» بشكل استراتيجي، ليس فقط لتعزيز العلاقات الثنائية، بل وكذلك لتعزيز دور نيودلهي على صعيد الحوكمة العالمية، لا سيما في ظل توتر علاقات الهند مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إثر «عملية سِندور» (التصعيد العسكري مع باكستان المجاورة في مايو/أيار).

إذ قال المحلل السياسي سانجاي ديكسيت: «الهند شعرت بالعزلة بعد الصفعة الخلفية التي تلقتها من واشنطن وحلفاء مجموعة (الكواد)، أو ما يعرف باسم (الحوار الأمني الرباعي) والدول الغربية الأخرى، وذلك عقب مقتل 26 سائحاً هندياً بدوافع دينية في منطقة باهالغام بكشمير الهندية، والرد الهندي الذي استهدف معسكرات إرهابية عبر الحدود في باكستان؛ ما أدى إلى تصعيد عسكري بين البلدين».

وعلى صعيد متصل، لاحظ متابعون أن رئيس الوزراء الهندي أحدث «هزة جيوسياسية كبيرة» عندما «تجرّأ» على رفض دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب - عبر حوار هاتفي - لعقد لقاء ثنائي توقفه في طريق عودته من قمة «مجموعة السبع» في كندا. وبدلاً من الاجتماع بترمب، توجّه مودي إلى كرواتيا. وبالمناسبة، كانت تلك المرة الأولى التي يتكلم فيها مودي وترمب بعد أربعة أيام من «عملية سندور».

أيضاً، كان من المقرّر أن يلتقي الزعيمان على هامش قمة «مجموعة السبع»، لكن اللقاء لم يعقد بعدما قرّر ترمب اختصار زيارته، بسبب تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران.

ملامح مرحلة صعبة؟

في الواقع، بدأت ملامح تصدّع في العلاقات الهندية - الأميركية تظهر، إثر تصريح لترمب ادعى فيه لنفسه الفضل في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، إبان التصعيد العسكري الأخير. إذ قال إنه استخدم «التجارة» للوصول إلى تفاهم بين الطرفين، وأثار هذا الكلام قلقاً بالغاً داخل دوائر نيودلهي، حول وضع العلاقات الثنائية.

وأيضاً، تعرّضت نيودلهي لخيبة أمل ثقيلة، عندما استضاف ترمب الجنرال عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، على غداء في البيت الأبيض. ومع أن اللقاء لم يُسفر عن نتائج جوهرية، فإنه في ظاهره أثار استياءً هندياً كبيراً. ودفع عدداً من المحللين والمعلقين السياسيين الهنود إلى القول إن تصريحات ترمب وأفعاله تُؤشر إلى «العودة إلى سياسة الربط الأميركية المقيتة». والقصد هنا ربط الهند وباكستان في تعاملاتها مع «الجارتين» المتناحرتين. وحقاً كانت هذه السياسة قد هيمنت على توجهات واشنطن إزاء شبه القارة الهندية خلال معظم فترة «الحرب الباردة».

في هذا السياق، أوضح المفكر والكاتب الصحافي الهندي كامليش سينغ، أنه «لطالما جرى تسويق العلاقات الهندية ـ الأميركية داخل الهند باعتبارها صداقة جيوسياسية، وتحالفاً عظيماً بين نظامين ديمقراطيين، وحصناً منيعاً بمواجهة الصين الاستبدادية، وتحالفاً تجارياً محتملاً. بعد ذلك، جاء دونالد ترمب، الذي يتّسم بتقلباته الشديدة. والآن، جاء الدور على الهند».

سينغ قال إن تصريحات ترمب «غير المدروسة» أزعجت نيودلهي، وأثارت حفيظة دبلوماسييها، بجانب أنها أعاقت جهود إبرام اتفاقية التجارة الهندية - الأميركية المأمولة. وشرح الكاتب الهندي أن ترمب «استغل التجارة وسيلةَ ضغط، فصوّر الهند على أنها خصم ضعيف؛ ما قوض صورة مودي كمفاوض صلب. واليوم، يخشى المسؤولون الهنود المتخوّفون من سياسات ترمب الحمائية، أن يطلب تنازلات من نيودلهي كي يتفاخر ببراعته في إبرام الصفقات».

واستطرد: «واضح أن ترمب أضفى عنصراً من انعدام الثقة على الشراكة الهندية - الأميركية، في حين أنه إذا أرادت واشنطن أن تكون الهند قوةً موازنةً موثوقةً للصين، كان عليها التخلي عن التمثيل، وإظهار الاحترام لحليفتها الهند. وجنباً إلى جنب، على نيودلهي تأكيد استقلاليتها، مع الضغط على واشنطن».

مكالمة الـ35 دقيقة

عودةً إلى مكالمة ترمب - مودي الهاتفية، فإنها استغرقت نحو 35 دقيقة. وفيها أبلغ مودي ترمب أن الهند وباكستان أوقفتا عملياتهما العسكرية (الشهر الماضي) عقب مباحثات مباشرة بين جيشيهما من دون أي وساطة من الولايات المتحدة، منتقداً رواية الرئيس الأميركي بأنه توسط في وقف إطلاق النار.

وأكد مودي، من ثم، بحزم أن الهند لا تقبل ولن تقبل أبداً الوساطة، وأن المناقشات بين الجيشين الهندي والباكستاني بشأن وقف العمليات العسكرية، بدأت بناءً على طلب إسلام آباد، في خطوة دبلوماسية كبيرة، تولى أمين الخارجية الهندي، فيكرام ميسري، إطلاع وسائل الإعلام عليها من كندا عندما تلقى مودي المكالمة في أثناء حضوره اجتماع «مجموعة السبع».

... ورفض عرض ترمب

أما عن رفض الزعيم الهندي دعوة الرئيس الأميركي، فقال المحلل الهندي سوشانت سارين، إنه «لو قبل مودي عرض ترمب، لكان الجدول الزمني قد دفعه إلى الوجود في واشنطن؛ ما جعل تناول الإفطار أو الاجتماع المبكر مع ترمب سيناريو محتملاً... ليتبعه بعد ساعات قليلة غداء قائد الجيش الباكستاني في البيت الأبيض». وأردف سارين: «مثل هذه الصورة (مع لقاء ترمب بكل من رئيس الوزراء الهندي وقائد الجيش الباكستاني في اليوم ذاته) كانت ستكون غير مستساغة دبلوماسياً لدى نيودلهي». ومعروف أنه لطالما سعت الهند إلى فصل نفسها عن باكستان على صعيد الدبلوماسية الدولية.

علاوة على ذلك، لدى نيودلهي «أسباب استراتيجية» تدعوها إلى تأجيل أي تواصل جديد مع الرئيس الأميركي راهناً. إذ سبق لمودي أن زار واشنطن في وقت سابق من هذا العام؛ لتهنئة ترمب على عودته إلى سدة الرئاسة. ومع قرب انعقاد القمة المقبلة لتحالف «الكواد» - والتي قد تكون على الأراضي الهندية - تفضل نيودلهي أن يُعقد اللقاء المقبل الرفيع المستوى بين الزعيمين على أرضها؛ تأكيداً على مكانتها كشريك محوري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

من جهتها، قرّرت واشنطن تمديد تعليق رسومها الجمركية المتبادلة مع الهند حتى مطلع أغسطس (آب)، في خطوة فسّرها المراقبون بأنها إشارة على جهوزية واشنطن للحوار. وما يلفت أن الهند لم تُدرج ضمن قائمة الدول التي تلقت إشعارات رسمية بفرض رسوم جمركية جديدة عليها من إدارة ترمب، هذا الأسبوع.

في أي حال، تسعى الهند والولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق تجاري ثنائي شامل، على أن يجري إنجاز المرحلة الأولى منه بحلول الخريف (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول). وقبيل ذلك، يعمل الطرفان على إبرام اتفاق مرحلي مؤقت لتسوية بعض النقاط العالقة. وقال مصدر ضمن فريق التفاوض: «الهند أقرَّت خطوطها الحمراء... والكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة». في حين شدد بيوش غويال، وزير التجارة والصناعة الهندي، على أن «الهند متمسكة بموقفها تجاه الإعفاءات الجمركية للمنتجات الزراعية ومنتجات الألبان الأميركية، بالنظر إلى حساسيتها داخل السوق الهندية».

وهنا تجدر الإشارة إلى أن واشنطن تُعدّ أكبر شريك تجاري للهند منذ عام 2021 - 2022، وبلغ حجم التجارة في السلع بين البلدين عام 2024 - 2025 نحو 131.84 مليار دولار.

لدى الهند «أسباب استراتيجية» تدعوها لتأجيل تواصلها مع ترمب

تغيّب شي وبوتين

على صعيد آخر، كما هو معروف، عُقدت أخيراً قمة «البريكس» السابعة عشرة، في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، بمشاركة قادة الدول الناشئة الكبرى، لكن بغياب زعيمين قويين فيها، هما الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

سبب تغيب الرئيس الروسي بوتين الذي اكتفى بالانضمام عبر رابط فيديو، معروف. فهو يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والبرازيل دولة موقّعة على النظام الأساسي للمحكمة.

شي جينبينغ (آ ف ب/غيتي)

أما بما يخصّ شي (72 سنة)، الذي استخدم «البريكس» لإعادة تشكيل توازن القوى دولياً، فتعدّ هذه المرة الأولى التي يغيب فيها عن قمة للمجموعة منذ توليه السلطة عام 2012. ولقد تمثلت بكين برئيس الوزراء لي تشيانغ، من دون تقديم أي تبرير رسمي سوى «تعارض المواعيد».

غياب شي جاء في وقت حرج، مع مناقشة «البريكس» (التي يختصر اسمها الحروف الأولى من أسماء الأعضاء الأوائل: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب إفريقيا)، سبل تعزيز التعاون في خضم ما تصفه الدول الأعضاء بمخاوف جدية بشأن الهيمنة الغربية. والجدير بالذكر، أن الصين، تعتبر الركيزة الاقتصادية للمجموعة؛ إذ وتُمثل نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدولها، كما تُعدّ أكبر شريك تجاري لمعظم الدول الأعضاء.

الصين لم تُوضح علناً سبب غياب رئيسها عن قمة «البريكس». لكن تقريراً نشرته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، تكلم عن «تضارب في المواعيد»، إضافة إلى حقيقة أن شي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو «لولا» دا سيلفا كانا قد التقيا مرتين خلال العام الماضي. إذ أجرى الزعيمان مباحثات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 خلال قمة «مجموعة العشرين» في البرازيل، ومرة أخرى في مايو (أيار) من هذا العام، إبان زيارة «لولا» الرسمية لبكين.

 

تحديات وخلافات مصلحية وفكرية داخل «البريكس»

ذكرت بعض التقارير الإعلامية البرازيلية أن الدعوة الخاصة الموجهة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ربما تكون قد دفعت الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى التغيب عن حضور القمة. ولقد لاحظ مراقبون أن لـ«ديناميكية» مودي – «لولا» دوراً حاسماً في قمة «البريكس»، ناهيك من تكريم البرازيل مودي بأعلى وسام في البلاد، وأعرب «لولا» عن تضامنه مع الهند بشأن مخاوف الأمن الوطني. وبالفعل، يرى مراقبون أن العلاقات الدفاعية الثنائية تبدو واعدة، وستكون محوراً رئيساً للمناقشات بين الزعيمين. ولقد أبدت البرازيل اهتماماً بالغاً بمنصات الدفاع الهندية الصنع، مثل نظام «أكاش» للدفاع الجوي، الذي نال تقديراً كبيراً بعد نشره خلال «عملية سيندور»، عندما صدت الهند هجوماً منسقاً بطائرات مسيَّرة وصواريخ من باكستان. من جهته، صرّح تشونغ جا إيان، الأستاذ المشارك في جامعة سنغافورة الوطنية، لشبكة «سي إن إن» بأنه «نظراً إلى أهمية الصين لمجموعة (البريكس)، فإن قرار شي بالتغيب يضر بالقمة... لا شك في ذلك». وأردف أن المجموعة قد لا تكون الآن «الأولوية الكبرى» للرئيس الصيني؛ إذ يركز جلّ اهتمامه على توجيه الاقتصاد المحلي للصين. وتابع أن بكين قد لا تتوقع أي تقدم يُذكر في قمة هذا العام. من جهة ثانية، توقف محللون أمام تهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية على أي دولة تدعم السياسات «المعادية لأميركا» في مجموعة «البريكس». ويذكر أن ترمب عبر موقع «تروث سوشيال» كتب: «أي دولة تؤيد سياسات (البريكس) المعادية لأميركا، ستُفرض عليها رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة، ولن تكون هناك استثناءات لهذه السياسة». وعلى هذا الكلام «التهديدي» الصريح، علق الرئيس البرازيلي «لولا» في ختام قمة «البريكس»، قائلاً: «لقد تغيّر العالم. نحن لا نريد إمبراطوراً. هذه (مجموعة البريكس) عبارة عن مجموعة من الدول التي تسعى لإيجاد طريقة أخرى لتنظيم العالم من منظور اقتصادي. أعتقد أن هذا سبب انزعاج الناس من (البريكس)». ولكن، بينما دفع بعض الخبراء بأن مكانة واشنطن، باعتبارها قوة عظمى بارزة، قد انتهت، وأن التحوّل إلى عالم متعدد الأقطاب قد بدأ بالفعل، أثار بعض المحللين السياسيين شكوكاً حول فقدان «البريكس» قيمها الآيديولوجية بسبب توسعها السريع. إذ في خضم هذه العملية، أضعفت المجموعة تماسكها ككيان يقدم بديلاً آيديولوجياً للرأسمالية الغربية. الصين، الآن تقف بحزم إلى جانب روسيا في طرح بدائل للدولار والمؤسسات التي يقودها الغرب. بينما خفف الحذر من جانب أعضاء رئيسين آخرين في «البريكس»، مثل الهند والبرازيل، من التقدم مع إبداء تحفظات بشأن الجوانب العملية والآثار الجيوسياسية. إضافة إلى ذلك، أن البرازيل شددت على ضرورة «تجنب استعداء الشركاء الغربيين». في الوقت عينه، تواصل الهند اتباع نهج استراتيجي حذر، وتتعاون مع «البريكس» بالتوازي مع عملها على تعميق علاقاتها مع الولايات المتحدة و«مجموعة الدول السبع المتقدمة». وأخيراً، ينبّه عدد من المحللين من أن الخلاف داخل «البريكس» قد يزداد عمقاً مع نمو الكتلة، وتنوعها قد يبطئ التوافق ويزيد جهود التقدم تعقيداً.


مقالات ذات صلة

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي وزير التجارة والصناعة الهندي على هامش اجتماع وزراء خارجية بريكس (الخارجية المصرية)

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

روجت مصر لفرصها الاستثمارية خلال لقاءات عقدها وزير الخارجية بدر العاطي، مع وزير التجارة والصناعة الهندي وعدد من الشركات.

محمد محمود (القاهرة)
آسيا صورة جماعية خلال اجتماع وزراء خارجية دول البريكس في بهارات ماندابام في نيودلهي (رويترز)

انتهاء محادثات مجموعة «بريكس» دون إصدار بيان مشترك

لم ينجح وزراء خارجية من دول مجموعة «بريكس» في إصدار بيان مشترك اليوم الجمعة عقب اجتماع استمر يومين في نيودلهي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الخليج المهندس وليد الخريجي متحدثاً خلال اجتماع وزراء خارجية دول «بريكس» في نيودلهي (الخارجية السعودية)

تأكيد سعودي على أهمية الحوار لدعم جهود تعزيز الاستقرار الإقليمي

جدَّدت السعودية تأكيدها على أهمية استمرار الحوار بين جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك دول «بريكس»؛ دعماً للجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يحضر اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة «بريكس» في قاعة «بهارات ماندابام» في نيودلهي الخميس (رويترز)

إيران تحث دول «بريكس» على التنديد بالحرب

دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس، الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى التنديد بما وصفه بانتهاكات الولايات المتحدة وإسرائيل للقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - نيودلهي)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية، تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان لبنان يتجه إلى إعادة إنتاج النموذج الذي أعقب حرب يوليو (تموز) 2006، أم أنه دخل مرحلة مختلفة كلياً فرضتها الحرب الأخيرة وما نتج عنها من وقائع ميدانية وسياسية جديدة. إذ بعد نحو عقدين على حرب عام 2006 التي أفضت إلى القرار 1701، وانتشار الجيش اللبناني جنوبي الليطاني، وانطلاق مسار طويل من ضبط الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»، تبدو الظروف الحالية مختلفةً سواءً لناحية حجم الدمار الذي أصاب الجنوب أو طبيعة المقاربة الدولية للمرحلة المقبلة.

خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأى الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد أن الواقع الميداني في لبنان، بعيداً عن «خطابات تسجيل النقاط وإعلان الانتصارات»، يفرض مقاربة مختلفة لمسار الحرب ومستقبل الجنوب، مشيراً إلى أن الجنوب لا يزال محتلاً ويعاني دماراً غير مسبوق، بينما تبدو أزمة النزوح مرشحة للاستمرار لفترة طويلة.

مراد أردف: «إن الحديث عن إنهاء الصراع في لبنان لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال إنجاز مجموعة من الأهداف الأساسية، تتمثّل في وقف الحرب بصورة نهائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتأمين عودة آمنة ومستدامة للنازحين إلى مناطقهم».

ومن ناحية ثانية، اعتبر مراد، وهو من أبناء بلدة عيترون الحدودية في الجنوب، أن «القلق الأساسي يتمثّل في محاولة إيران الإمساك بالملف اللبناني؛ لأن ذلك قد يقود إلى إدارة طويلة الأمد للصراع بدلاً من إنهائه، وهو ما يبقي أسباب التوتر قائمة ويحول دون الوصول إلى تسوية نهائية ومستقرة».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (رويترز)

سلاح «حزب الله» والعقدة الأساسية

وشدّد مراد أيضاً على أنه «لن يكون هناك إنهاء فعلي لهذا الصراع من دون معالجة واضحة وحاسمة لملف سلاح (حزب الله)»، معتبراً أن «بقاء هذا الملف من دون حل سيجعل لبنان أمام نموذج مختلف تماماً عن مرحلة ما بعد حرب عام 2006»، معتبراً أن «المقارنة مع عام 2006 لم تعد واقعية في ظل المتغيرات الحالية، فالجنوب اليوم مدمّر بصورة غير مسبوقة، بينما تظهر الوقائع الميدانية والعسكرية بوضوح أن المعادلات القائمة يصعب قلبها في المدى المنظور».

ومن ثم، أكد الدكتور مراد أن هذا الواقع «يفرض البحث عن حلول سياسية مستدامة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة الصراع... كما أن إنهاء الصراع لا يزال مرتبطاً بمعالجة الملفات الجوهرية العالقة، لا بالاكتفاء بوقف العمليات العسكرية أو إدارة التوتر القائم. وبالتالي، فإن أي مقاربة لا تعالج أسباب الأزمة ستقود إلى إعادة إنتاجها بصورة أو بأخرى».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (أ.ف.ب)

... مرحلة ما بعد 6002 انتهت

من جهة أخرى، يشدد رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر أن الواقع القائم في جنوب لبنان «يختلف جذرياً عن مرحلة ما بعد حرب يوليو (تموز) 2006»، معتبراً أن الكلام عن العودة إلى معادلات القرار 1701 كما طُبقت، آنذاك، لم يعد واقعياً في ظل المتغيرات الميدانية والسياسية التي فرضتها الحرب الأخيرة.

وقال جابر لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «ما جرى بعد عام 2006 يختلف تماماً عما يجري اليوم. في ذلك الوقت انسحبت إسرائيل سريعاً من الأراضي اللبنانية التي احتلتها، وانطلقت مسارات سياسية ودبلوماسية بدعم عربي ودولي واسع، أما اليوم فإسرائيل متمسكة بالمناطق التي تحتلّها ولا تبدو مستعدة للتخلي عنها بسهولة». وتابع مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية تدفعه إلى التمسك باستمرار الحرب وعدم تقديم تنازلات. وأردف: «نتنياهو لا يستطيع الظهور بمظهر مَن خاض حرباً طويلة انتهت من دون مكاسب واضحة. لذلك فإن استمرار الضغط العسكري يشكل بالنسبة إليه وسيلة لتحسين شروط التفاوض وإخضاع الموقف اللبناني».

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (آ ف ب)

وقف مؤقت... لا نهاية للحرب

جابر، وهو من مدينة النبطية، قال إن ما يجري حالياً لا يرقى إلى وقف شامل للحرب، بل إلى «وقف مؤقت لبعض العمليات العسكرية»، مشيراً إلى أن إسرائيل ما زالت تحتفظ بحق تنفيذ ضربات عسكرية متى شاءت وأينما شاءت ضد أهداف تعتبرها مرتبطة بـ«حزب الله». وأضاف: «الإسرائيليون يقولون بوضوح إنهم يحتفظون بحرية العمل العسكري في لبنان. لذلك لا يمكن الحديث عن نهاية للحرب بقدر ما يمكن الحديث عن إدارة للصراع وضبط لمستوى المواجهة».

وفي تقييمه للمشهد الحالي، شدد جابر على أن المقارنة مع عام 2006 لم تعد صالحة؛ إذ «انتهت مرحلة ما بعد 2006... نحن أمام واقع جديد مختلف كلياً، وإسرائيل لن تقبل بالعودة إلى المعادلات السابقة أو إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب الأخيرة».

واشنطن تدير الصراع

يرى جابر أن «الولايات المتحدة تدير الصراع أكثر مما تعمل على إنهائه. وهي لو كانت تريد إنهاءه بشكل كامل لمارست ضغوطاً كافية لوقف الحرب نهائياً. أما ما نراه اليوم فهو إدارة للصراع ومحاولة لمنع انفجاره، لا أكثر».

وهنا يشير إلى أن إسرائيل تتعامل مع الشريط الحدودي والقرى المدمرة باعتبارها «منطقة أمنية عازلة»، و«هناك عشرات القرى المدمرة بالكامل تقريباً، وسكانها لا يستطيعون العودة إليها بسبب حجم الدمار وغياب إمكانات إعادة الإعمار، ما يجعل الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة طويلة».

تحديات أمام الجيش اللبناني

وعن دور الجيش اللبناني، رأى جابر أن المؤسسة العسكرية تواجه تحديات كبيرة تتجاوز قدراتها الحالية، موضحاً أن بعض الطروحات المتداولة في المفاوضات، ولا سيما ما يتعلق بإبعاد مقاتلي «حزب الله» عن جنوب الليطاني، لا يمكن تنفيذها بمعزل عن انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات أمنية واضحة. وشرح: «لا يمكن مطالبة الجيش بتنفيذ إجراءات أحادية فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي وتبقى الاعتداءات قائمة. هذا أمر غير واقعي، والجيش لا يستطيع وحده معالجة المشكلة بهذه الطريقة».

واختتم جابر بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بمنطق الاستنزاف المتبادل، و«نحن أمام مرحلة إدارة صراع لا إنهائه... ولا أتوقع اختراقاً كبيراً في المدى المنظور. الحرب تحوّلت عملياً إلى حرب استنزاف منخفضة الوتيرة بين إسرائيل و(حزب الله)، لكن من يدفع الثمن الحقيقي هو الشعب اللبناني، ولا سيما أهالي الجنوب الذين استنزفتهم الحرب والنزوح والدمار».

مفاوضات مختلفة عن كل المحطّات السابقة

وإذا كانت قراءة العميد الركن الدكتور جابر تنطلق من الوقائع الميدانية والعسكرية التي فرضتها الحرب الأخيرة، فإن العميد الركن خالد حمادة، الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، يربط مستقبل هذه المرحلة بمسار المفاوضات نفسه، معتبراً أن طبيعتها تختلف جذرياً عن جميع المحطات السابقة، وأن نجاحها يبقى رهناً بالتفاهم الأميركي - الإيراني.

حمادة رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تختلف جذرياً عن كل المحطّات السابقة، سواءً كانت اتفاقات عام 2000 أو 2006 أو 2024 المرتبطة بالقرار 1701. وأضاف أن «الظروف العسكرية والسياسية والإقليمية تبدّلت بالكامل، بينما لا تزال نتائجها مرتبطة بمآلات الحوار الأميركي - الإيراني».

وتابع حمادة: «في عام 2000، جرت مفاوضات غير مباشرة بين (حزب الله) وإسرائيل بوساطة ألمانية لتطبيق القرار 425، وانسحبت إسرائيل من دون قيد أو شرط، وتم ترسيم الحدود. أما اليوم فالمشهد مختلف بالكامل؛ لأن الدولة اللبنانية هي التي تتولى التفاوض، وليس الحزب».

ثم أضاف: «بعد حرب عام 2006، صدر القرار 1701 الذي نص على انتشار قوات (اليونيفيل) إلى جانب الجيش اللبناني جنوب الليطاني، مع إنشاء آلية لمراقبة تنفيذ القرار ومنع أي وجود مسلح خارج إطار الدولة في تلك المنطقة. إلا أن هذه الآلية أثبتت لاحقاً أنها لم تكن فعالة، فعادت الحرب وتجدد القتال».

وأوضح حمادة أن «ما يجري اليوم ليس قراراً دولياً جديداً، بل تفاهمات تستند إلى القرار 1701، لكنها تقوم على مفاوضات مباشرة تقودها الدولة اللبنانية، مع انتقال مسؤولية الأمن تدريجياً إلى الدولة، بعدما ثبت فشل آليات المراقبة السابقة». وعليه، رأى أن «الفارق الأساسي اليوم هو أن المفاوضات تسير على طريق إنهاء الصراع... إذ إن المذكرة الأميركية الأخيرة تتحدث للمرة الأولى عن إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وعن معالجة القضايا الحدودية بين الدولتين، وهو أمر لم يكن وارداً في القرار 1701».

من القرار 1071 إلى اتفاق الهدنة... ما الذي تغيّر؟

وقال الخبير الأمني والسياسي: «إذا قارنّا النصوص الحالية باتفاق الهدنة لعام 1949 نجد تشابهاً كبيراً؛ إذ قام اتفاق الهدنة على التزام لبنان كما إسرائيل بعدم استخدام القوات النظامية أو غير النظامية في أي عمل عسكري نحو الفريق الآخر، واليوم يجري تكريس مبدأ أن تتولى الدولة اللبنانية وحدها المسؤولية الأمنية، وألا يبقى أي سلاح خارج إطارها».

من جهة أخرى، لفت العميد الركن حمادة إلى أن «هناك اختلافاً جوهرياً أيضاً على المستوى الميداني بين الوضع الحالي وما سبق؛ ففي حرب 2006 كانت الإنجازات العسكرية الإسرائيلية محدودة، ولم تتوغل القوات الإسرائيلية إلى العمق اللبناني بالشكل الذي حصل اليوم. أما في المواجهة الأخيرة فقد تجاوزت القوات الإسرائيلية جنوب الليطاني ووصلت إلى مناطق أعمق، فيما تكبد (حزب الله) خسائر ميدانية كبيرة، ما يجعل ميزان القوى مختلفاً تماماً عما كان عليه عام 2006».

التفاهم الأميركي-الإيراني مفتاح نجاح المفاوضات

ثم أضاف: «الاتفاق الحالي يجري أيضاً في ظل تفاهم أميركي - إيراني، وهو عامل لم يكن موجوداً في السابق، كما أن الدور الإيراني في الملف اللبناني أصبح اليوم أكثر عمقاً وتأثيراً مما كان عليه في المراحل السابقة».

وعن فرص نجاح المفاوضات، شدد حمادة على أنه «من المبكر جداً الكلام عن إنهاء الصراع بصورة نهائية؛ لأن المفاوضات اللبنانية لا يمكن فصلها عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية. لذا يجب انتظار ما ستؤول إليه تلك المحادثات، وعندها يمكن الحكم على انعكاساتها على لبنان... فإذا فشلت المفاوضات الأميركية - الإيرانية، قد تعود إيران إلى استخدام الساحة اللبنانية مجدداً. وبالتالي فإن العنصر الأكثر تأثيراً في المشهد لم يستقر بعد، ولا يمكن البناء على نتائج نهائية قبل اتضاح صورته».

واختتم بالقول: «إذا جرى تعطيل تنفيذ التفاهمات المطروحة، سواء لناحية تثبيت وقف إطلاق النار أو الانسحاب الكامل أو معالجة ملف سلاح (حزب الله)، فإن ذلك سيقود إلى جولة قتال جديدة؛ لأن أي اتفاق لا يكتمل بتنفيذ جميع مراحله لن يكون قابلاً للحياة».

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: الجنوب دخل مرحلة جديدة وسط استبعاد العودة إلى معادلات قديمة


صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية
TT

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ. وصدام، هو الابن الأصغر للمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، ونائبه في القيادة العامة، من بين سبعة ذكور، ينخرط بعضهم داخل ليبيا في أعمال عسكرية ومدنية. والقفزة الجوية التي أقدم عليها صدام قبل قرابة عشرة أشهر تلتها ترقيته من رئيس أركان القوات البرية برتبة لواء، إلى فريق أول، ليصبح الرجل العسكري الأبرز في القيادة العامة، والقائم على إدارة المشهد العسكري راهناً، ومحور اهتمام القوى الدولية المتداخلة في ليبيا. الآن، ينخرط صدام - الذي يُنظر إليه على أنه وريث محتمل لأبيه لقيادة المؤسسة العسكرية - في توسيع الشراكات الدولية، ورسم استراتيجية جديدة تبسط قبضته على الحدود المترامية، وتطوي مساحات جغرافية تحت عباءة الجيش الذي أعيد بناؤه في بنغازي (شرقاً) بالعدّة والعتاد.

وسط ندرة المعلومات الموثّقة عن صدام، يرجح مقربون منه أنه وُلد عام 1987 في مدينة بنغازي، التي نشأ فيها بين سبعة أشقاء ذكور، وأربع شقيقات، وأطلق عليه والده هذا الاسم تيمناً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

مع بداية 2016، بدأت تتبلور بوضوح ملامح شخصية صدام ومسيرته. ففي العام ذاته، شوهد خلال حفل عسكري في الأردن مرتدياً الزي العسكري في أثناء تخرج طلاب الكلية العسكرية من بينهم عناصر بـ«الجيش الوطني»، في أول ظهور له يحمل رتبة عسكرية على كتفيه، رقي حينها إلى «نقيب». وفي ذلك الحين رد المتحدث باسم الجيش أحمد المسماري على المنتقدين، وقال: «صدام كغيره من الشباب الليبي المنضمّ للجيش، حصل على دورة تسعة أشهر في الأردن؛ وهو في هذه المناسبة يحضر حفل تخرج زملائه».

عقب ذلك، ارتبط اسم صدام بشكل وثيق بـ«اللواء طارق بن زياد معزز»، ثم «اللواء 106 مجحفل»، وهو من القوى العسكرية التي ينظر إليها مؤيدو الجيش على أنها «الأكثر تنظيماً وتأثيراً في المنطقة الشرقية»، في مقابل انتقادات موازية من آخرين.

وبحلول مايو (أيار) 2023، حصل صدام على رتبة «عميد»، وفي مارس (آذار) عام 2024، حمل رتبة «لواء ركن»، ومنح درجة دكتوراه فلسفة في العلوم العسكرية من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية بمصر، ليتولى في أعقابها منصب رئيس أركان القوات البرية. وفي أغسطس (آب) 2025، عُيّن نائباً للقائد العام للجيش برتبة فريق أول.

رهانات متقاطعة

فرض المنصب الرفيع الذي تولاه صدام حفتر في القيادة العامة - متجاوزاً قيادات عسكرية رفيعة شاركت والده في إعادة بناء الجيش - مسؤوليات عظمى، ووضعه في دائرة الاهتمام الدولي، وجعله محط أنظار ورهانات مؤيدين ومعارضين، محبين وكارهين. كلٍّ حسب معسكره وموقعه السياسي.

فمؤيدوه في شرق ليبيا وبعض مدن الجنوب، ولا سيما من يمتنّون لوالده، خليفة حفتر، لإعادة بناء الجيش الذي تفكك عقب مقتل العقيد معمر القذافي، يعقدون آمالهم عليه لقيادة مستقبل البلاد. أما مناوئوه، وخاصة في العاصمة، فتتباين نظرتهم إليه بين من يرونه «عدواً وخصماً»، ومن يرحبون بتصعيده شريطة أن يطرح نفسه عبر انتخابات «حقيقية وشفافة».

فكلما طال أمد الانقسام، واتسعت هشاشة الحدود، وتنامت الجريمة، ازداد تعلق شريحة واسعة من الليبيين بالمؤسسة العسكرية، واستعادت هيبة الزي العسكري حضورها باعتبارها عنواناً للأمن والانضباط.

وفي المحصلة، أسهمت حالة «اللا دولة» في تكريس حضور صدام وتعزيز حظوظه. لذا بات يتلاشى نسبياً في ليبيا وصف «الجيش الوطني»، من قبل مناوئين بأنه «جيش عائلي»، بلسان حال يقول: «أضحى لدينا جيش نظامي متماسك، بدلاً من تشكيلات مسلحة لا تكفّ عن الاقتتال».

غير أن هذا التحول في النظرة إلى صدام لم ينهِ الجدل المحيط بشخصه؛ إذ يواصل مناوئوه توجيه اتهامات إليه تتعلق بـ«انتهاكات لحقوق الإنسان»، بينما يتجاهل الرد عليها، ويتولى مقربون منه مهمة نفيها وتفنيدها والدفاع عنه.

وكلما حلا لبعض المؤيدين الإشادة بلغة جسد صدام في المناسبات الرسمية، ممتدحين ابتسامته الهادئة ونظرته المباشرة في أعين مستقبليه، وجدوا في المقابل من يرد عليهم بأنه «يفتقر إلى التدرج الطبيعي في المؤسسة العسكرية».

وفي أقل من عام على تعيينه نائباً للقائد العام، جاب صدام مناطق عدة في ليبيا، لا سيما جنوبها، والتقى أطيافاً مختلفة من المشايخ والأعيان والشباب. وعلى ندرة حديثه للجمهور، وظهوره صامتاً في غالبية الفعاليات، تحدث ذات مرة، بنبرة صوت تشبه والده، أمام قبائل براك الشاطئ، في نهاية العام الماضي، قائلاً: «أيها الأحرار، لقد كنتم وما زلتم الدرع الصامدة للوطن».

ولعل من أبرز المتغيرات التي لاحظها متابعون في خطاب صدام، استثماره استضافة ليبيا للتمرين الأميركي «فلينتلوك 2026» في مدينة سرت، منتصف أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ عدّ ذلك «برهاناً على قدرة الشباب الليبي على التوحد، وتجسيداً لمدى مهنية واحترافية منتسبي المؤسسة العسكرية».

أكثر من مجرد نائب لأبيه

منذ أن قفز صدام مظلياً العام الماضي، لم يشاهَد في سماء ليبيا يكرر هذا الأمر، لكن لوحظ مراراً في العديد من الدول، منخرطاً في مباحثات أو لقاءات أو شراكات عسكرية، لا سيما مع روسيا وباكستان وتركيا ومصر وفرنسا.

فالعديد من الدول العربية والأوروبية، إلى جانب أميركا، لم تعد تنظر إلى صدام بوصفه قائداً عسكرياً في معسكر الشرق، أو نائباً لوالده فحسب، بقدر ما تراهن على دوره في نسج علاقات دولية مستدامة، وتهيئة آفاق أوسع للاستثمار، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار في ليبيا، بحكم موقعها كبوابة لأفريقيا.

لذا، بعد أن كانت علاقات معسكر شرق ليبيا منحصرة في عدد محدود من الدول، من بينها مصر وروسيا والإمارات، باتت أكثر اتساعاً مع ترقّي صدام في هرم القيادة العامة، وامتدت إلى عواصم مؤثرة، من بينها واشنطن. من هنا - ووفقاً لمتابعين - بدأ صدام يدلف إلى «عالمه الجديد».

ومع الحديث عن «مبادرة أميركية» لحلحلة الأزمة الليبية ازدادت دائرة الضوء من حول صدام. وتقضي المبادرة بتوليه رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي رئيسه الحالي، وتنصيب عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة رئيساً لحكومة موحدة.

وتميل أطراف موالية لـ«الجيش الوطني» إلى دعم هذه المبادرة، لكن أطيافاً عديدة في غرب ليبيا ترفضها بشدة، وترى أن دخول صدام إلى العاصمة طرابلس «لن يتم إلا على أجسامهم».

ولا يقتصر نفوذ صدام على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد لعمق المشهد السياسي بفضل ظهير برلماني قوي وتأييد شعبي وازن. ويتجلى هذا الدعم في تصريحات عضو مجلس النواب عن مدينة الكفرة، جبريل أوحيدة، الذي اعتبر أن صعود صدام إلى سدة المجلس الرئاسي يمثل مكسباً سياسياً، وقال: «نحن رابحون إذا وصل إلى رئاسة المجلس الرئاسي».

«صندوق مغلق»

يظل صدام لمن هم خارج دائرته كـ«صندوق مغلق» لم يبح بكل أسراره بعد. فقوى دولية فاعلة في الملف الليبي في مقدمتها الولايات المتحدة تضعه في حساباتها وترى فيه «البديل المناسب» - ولو مؤقتاً - لتجاوز الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وفي المشهد الليبي، تظل القوة العسكرية هي الورقة الرابحة والأقوى لإدارة اللعبة السياسية؛ وهو ما يفسر التهافت الدولي والإقليمي على بناء شراكات مع القيادة العامة. ويتجسد هذا الحراك في إبرام اتفاقيات عسكرية استراتيجية، أبرزها التعاون مع باكستان لتزويد الجيش بـ16 مقاتلة من طراز «JF - 17» ضمن صفقة قُدّرت بنحو 4.6 مليار دولار، مما يعكس اعتراف عواصم كبرى بثقل القوة العسكرية التي يقودها المشير خليفة حفتر باعتبارها بوابة أساسية لأي تفاهمات.

«صدام العرب»

التغني بصدام، الذي يُطلق عليه مؤيدوه في بنغازي وما حولها «صدام العرب»، تجاوز «الأوبريتات» الغنائية، وما تنتجه الطبقة الشعبية البسيطة الحالمة بالأمان الذي يوفره الشرطي والعسكري، ووصل إلى أطياف قبائلية عديدة وقوى موالية ترى فيه «المُخلّص».

فكثيرون من سياسيين ونشطاء ومدونين وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي موالون لـ«الجيش الوطني» زادوا من الحديث خلال الأسابيع الماضية عن صدام، و«أنه القادر على قيادة ليبيا».

ولجهة الرهان على صدام، ذهب محمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في بنغازي، إلى أن «أميركا إذ تراهن على الفريق الشاب ليكون شريكاً أساسياً في الحل، فإنها تختار الطريق الصحيح؛ وتعرف أنها تراهن على من يعرف».

وكثيرون غير بعيو تصدوا بالتحليل للصورة التي نشرها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للقائه حفتر في واشنطن، وعدوها دلالة على كيفية رؤية البيت الأبيض لنجل حفتر، الذي بات وشيكاً من خلافة والده في القيادة العامة.

وحلّل مصطفى الفيتوري، الكاتب الليبي، الموالي لنظام القذافي صورة صدام وروبيو، وقال: «تعني أن الضيف ليس فقط مقبولاً أميركياً، بل قد يكون مدعوماً، ولو مؤقتاً... هذه الصورة توحي بتأييد حفتر الابن في سعيه للوصول إلى طرابلس؛ ولكن سلماً لا حرباً».

وتبقى «الأوبريتات» والأغاني الشعبية التي تُنتج في شرق ليبيا راهناً للتغنّي بصدام، مقدمة لترسيخ صورته القيادية، وبداية لما هو آتٍ، في قابل الأيام، فور صدور قرار - يراه مقربون منه قريباً - بتنازل والده المشير حفتر عن قيادة الجيش له.

وفي أحدها يغني الفنانون خالد الزروق، وعبد الرحمن العوامي، وصفاء سعد: «اليوم عامرة يا دار ما تنضامي/ جاك الفرج والفرح والتشييد... اليوم ليبيا جالت/ هذا صدام، صدام العرب صنديد من صناديد... زغرتي يا صابرة/ صدام مستقبل الوطن أكيد».

صدام حفتر نائب القائد العام لـ"الجيش الوطني" الليبي (القيادة العامة)

حسابات و«جهوية» و«تدخلات خارجية»... تشابكات الأزمة الليبية

> لا تبدو الأزمة الليبية مجرد خلاف سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة، بقدر ما تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى شبكة معقدة من الحسابات الداخلية الممتزجة بـ«الجهوية»، و«الأجندات الخارجية»، والمصالح الاقتصادية، الأمر الذي جعل أي مسار نحو التسوية يصطدم بعقبات حادة. في الداخل، لا يزال الانقسام المؤسسي أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة؛ فوجود سلطات متنافسة، وانقسام أمني وعسكري، وظهور نزوع جديد نحو الجهوية، بإعلان 9 بلديات من غرب ووسط إلى شمال غربي ليبيا عن تدشين «إقليم الوسطى»، يعد كاشفاً لتجذر الخلاف. كما أن غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة يدفع كل طرف إلى التعامل مع أي مبادرة سياسية بحذر شديد، خشية أن تمنح خصومه مكاسب جديدة على حسابه، وبالتالي يتم عرقلة الوصول إلى صيغة توافقية لإدارة المرحلة الانتقالية. وتبقى الانتخابات، رغم الاتفاق الواسع على أنها المخرج الطبيعي للأزمة، إحدى أكثر القضايا تعقيداً... فالخلاف لا يقتصر على موعد إجرائها، بل يمتد إلى القوانين المنظمة لها، وشروط الترشح، وضمانات قبول النتائج، فضلاً عن تأمين العملية الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد. لذلك، كثيراً ما تتحول المبادرات السياسية في ليبيا إلى جولات جديدة من الخلاف، بدلاً من أن تكون جسوراً نحو الحل. وفي موازاة ذلك، يحتل النفط موقعاً محورياً في المشهد الليبي. فالثروة النفطية ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت ورقة نفوذ يستخدمها طرفا الأزمة في طرابلس وبنغازي، لتعزيز مواقعهما السياسية والمالية. وعليه، فإن الجدل المتكرر حول إدارة الإيرادات النفطية وآليات توزيعها يؤدي إلى زيادة حدة التوتر، خصوصاً مع ارتباط هذه العائدات بتمويل مؤسسات الدولة والإنفاق العام، وهو ما يجعل أي خلاف بشأنها يتجاوز البعد الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وأمنية. ويرى متابعون أن جانباً كبيراً من الصراع يرتكز على السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي في طرابلس؛ إذ إن الجهة التي تسيطر على هاتين المؤسستين تتحكم في تدفقات النقد الأجنبي وعائدات النفط. أما العامل الخارجي، فلا يقل تأثيراً عن العوامل الداخلية. فما زالت ليبيا ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، لكل منها أولوياتها ورؤيتها لمستقبل البلاد. وبينما تعلن هذه الأطراف دعمها للحل السياسي، فإن تباين مصالحها ينعكس أحياناً على مواقف القوى المحلية نفسها، ما يُبقي حالة الاستقطاب قائمة. وفي المحصلة، فإن تعقيد الأزمة الليبية لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى تداخل السياسة بالأمن والاقتصاد، وامتزاج الحسابات المحلية بالمصالح الخارجية. وينتهي متابعون إلى أن أي حل قابل للتطبيق يحتاج إلى توافق ليبي واسع، تدعمه إرادة دولية منسجمة تحترم سيادة البلاد، مع معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية بالتوازي مع المسار السياسي بعيداً عن أي «جهوية أو حسابات دولية».


موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
TT

موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)

لم يستيقظ الأوروبيون بعد من وقع صدمة موجة الحر الشديد، التي لفت القارة، وتركت آثارها حتى بعد أن انجلت. فقد سجلت أوروبا أعلى درجات حرارة في تاريخها في شهر يونيو (حزيران)، مع تخطيها عتبة 40 درجة مئوية في كثير من الدول. وإذا كانت دول جنوب أوروبا أكثر اعتياداً على موجات الحر الشديد واستعداداً لها، فإن هذه الظاهرة جديدة على دول غرب ووسط أوروبا غير المؤهلة للتعامل مع درجات حرارة بهذه الحدة. وكان هذا ظاهراً في الآثار الفورية لموجة الحر وعدد الوفيات الذي قارب 1300 وفاة، بحسب منظمة الصحة العالمية، منذ 21 يونيو، قرابة الألف منها في فرنسا وحدها.

كشفت موجة الحر الأخيرة ضعف البنى التحتية في أوروبا، خاصة في قطاعي الصحة والنقل، وعدم استعدادها أو قدرتها على التأقلم مع درجات حرارة مرتفعة بهذا الشكل. وكادت المستشفيات في فرنسا تنهار بسبب ضغط المرضى المصابين بضربات حرّ، فيما توقفت القطارات عن العمل في ألمانيا وأغلقت طرقات سريعة بعد ذوبان الأسفلت والأضرار التي لحقت بسكك الحديد وإشارات المرور. واضطرت مدارس في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وعدد آخر من الدول الأوروبية إلى إغلاق أبوابها أمام الطلاب لعدم جاهزية المباني للتعامل مع الحر الشديد. ورغم تكرر موجات الحر سنوياً في أوروبا منذ أعوام، فقد كانت موجة الحر الأخيرة الأقسى، وكان «من المستحيل حدوثها لولا التغير المناخي» بحسب دراسة أجرتها مبادرة «إسناد أحوال الطقس العالمية».

القبة الحرارية

كانت فرنسا المركز الرئيسي لموجة الحر الشديد في أوروبا، التي بدأت في 20 يونيو الماضي، والدولة الأكثر معاناة، وشهدت أكبر عدد من أيام الحر مقارنة بالدول الأخرى. فقد تشكلت «القبة الحرارية» فوق أجوائها ومكثت فيها 7 أيام تقريباً، توسعت خلالها لتشمل دولاً أخرى في جنوب أوروبا، مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، لتمتد بعدها إلى بلجيكا وهولندا وبريطانيا، ثم وصلت إلى وسط وشرق أوروبا، في ألمانيا وبولندا وتشيكيا والنمسا والمجر. ورغم أن ظاهرة «القبة الحرارية» ليست جديدة، فإنها لم تكن يوماً بهذه الحدّة في أوروبا. وتحدث هذه الظاهرة الجوية عندما يتمركز مرتفع جوي قوي فوق منطقة واسعة لعدة أيام، فيصبح أشبه بغطاء أو قبة تحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في بقاء درجات الحرارة مرتفعة حتى الليل، ما يمنع الأشخاص والأبنية من التخلص من الحرارة التي تتكدس طوال اليوم. وقد وصلت بالفعل درجات الحرارة خلال موجة الحر إلى درجات قياسية في الليل، ولم تنخفض أحياناً عن 30 درجة مئوية، ما دفع خبراء للحديث عما يشبه «الليالي الاستوائية» في أوروبا.

ولا يتسبب التغير المناخي بهذه الظاهرة إلا أنه يساهم بجعلها أكثر تكراراً وأشد حرارة وأطول مدة. وبحسب خبراء أرصاد جوية في جامعة ريدينغ البريطانية، فإن عاملين يجعلان من «القبب الحرارية» أزمة صيف متكررة في أوروبا؛ العامل الأول أن التغير المناخي أدى إلى رفع درجات الحرارة على الأرض، ما يعني أنه عندما تتشكل «قبة حرارية» تبدأ من درجات حرارة أعلى من السابق، ما يسرع الوصول إلى درجات الحرارة القصوى. والعامل الثاني يتعلق بحركة الرياح المرتفعة أو «التيار النفاث»، وهذا العامل تغيّر بسبب ارتفاع درجات حرارة القطب الشمالي.

وبسبب قرب القارة الأوروبية من القطب الشمالي، الذي ترتفع درجة الحرارة فيه بمعدل 3 إلى 4 مرات المتوسط العالمي، فإن هذا يسرع من ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا كذلك. وبحسب خبراء مناخ، فإن القارة الأوروبية تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يبلغ ضعف المتوسط العالمي، ما يجعلها عرضة لأنظمة «القبة الحرارية».

وتعي الحكومات الأوروبية ارتباط التغير المناخي بتزايد حدة موجات الحر الشديدة، التي تشهدها القارة، وقد أقرت الحكومات والاتحاد الأوروبي خططاً لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكن الالتزام بها غير متوازٍ لدى كل الدول الأوروبية. وتحاول أوروبا زيادة اعتمادها على الطاقة البديلة وزيادة المساحات الخضراء، من بين عدة خطوات، لكن الحرب في أوكرانيا والمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة دفعتا بكثير من الدول إلى تأجيل خطط بإغلاق مناجم الفحم الحجري الشديد التلوث. كما أن الأزمات الاقتصادية المتتالية من أزمة «كورونا» إلى الحرب في أوكرانيا زادا من الضغوط على الاقتصادات الأوروبية، ما دفع بكثير من الحكومات لتأجيل خطط مناخية مكلفة خوفاً من زيادة النقمة الشعبية.

شقة علية في باريس أغلقت نوافذها بقماش لإبقاء الحر خارجاً خلال موجة الحر الشديد في يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آثار اقتصادية

ولكن موجات الحر الشديد تحمل بدورها آثاراً اقتصادية مدمرة على الدول الأوروبية. فغياب ثقافة المكيفات ونقص البنية التحتية القادرة على التكيف مع درجات حرارة مرتفعة، سيؤديان إلى تقليص الإنتاجية وزيادة الأعباء المالية على الأفراد، بحسب عدد من الدراسات. وبحسب دراسة لمجموعة «أليانز» الألمانية، فإن موجات الحر يمكن أن تكلف ألمانيا أكثر من 130 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030. وأضافت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة تقلص من الإنتاجية وتؤدي إلى رفع أسعار الطاقة، ما يؤثر على الشركات والاستثمارات. واعتبرت الدراسة أن الإنتاجية يمكن أن تنخفض بـ3 في المائة عن كل درجة حرارة تزيد على 30 درجة مئوية. واعتبرت الدراسة أن «تكييف الاقتصادات مع الحرارة الشديدة سيصبح عاملاً رئيسياً في التنافسية».

الشرطة الألمانية ترش المياه أمام ملعب أولمبيك في برلين للسماح لرواد حفل المغني الأميركي برونو مارس بالترطب يوم موجة الحر الشديد 28 يونيو (أ.ف.ب)

ضرورة التأقلم مع الحر الشديد

وتعدد الدراسة 4 محاور يجب العمل عليها لتصبح الاقتصادات الأوروبية قادرة على التأقلم مع الحر الشديد، في طليعتها تنظيم العمل، ثم تجهيز المباني، وإدارة الإنفاق العام، ودعم أفضل للأسر. وفي النقطة الأولى، يشير التقرير إلى أنه لا توجد قواعد قوية في كل الدول تحدد متى يجب التوقف عن العمل بسبب الحرّ، وهذا يجعل كثيراً من العمال غير محميين. ويوصي التقرير بتحديد درجات حرارة إلزامية يتم عندها تقليل العمل أو إيقافه، وتعويض العمال عن ساعات العمل الضائعة.

ويتحدث التقرير في المحور الثاني عن الأبنية، ويشير إلى أن معظم الأبنية الأوروبية غير مصممة لتحمل الحرّ، بل على العكس، هي مبنية لكي تحصر الحرارة في الداخل. وهذا يتطلب بحسب الدراسة تصميم مبانٍ جديدة لا تسخن بسهولة، وتحسين المباني القديمة لتبقى أكثر برودة وتوفير تبريد للفئات الضعيفة. ويشار إلى أن قرابة 20 في المائة فقط من الأبنية في أوروبا مجهزة بمكيفات، ومعظم هذه هي مبانٍ عامة، وليست منازل خاصة. حتى المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس غير مجهزة بمكيفات، ما يجعل المرضى والكبار في السن والأطفال من الفئات الأكثر عرضة للخطر في أوقات الحرّ الشديد.

ويدعو التقرير في المحور الثالث الحكومات إلى وضع خطط بعيدة المدى للتكيف مع الحرّ عوضاً عن الاستجابة في أوقات الأزمات فقط، لأن هذا يعني أن كل موجة حر «تقضم» من الميزانية عوضاً عن أن تكون هناك استثمارات لحلول مسبقة. وبالفعل كان هذا ظاهراً، خاصة في البنى التحتية التابعة للمواصلات، سواء الطرقات أو السكك الحديد التي تعرضت للذوبان.

ويتطرق التقرير في المحور الرابع إلى المساعدات المقدمة للأسر. ويشير إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للحر يكونون غالباً من الأفقر، ومن غير القادرين على شراء أجهزة تبريد أو تجمل تكلفة الطاقة لاستخدام الأجهزة. ويدعو التقرير إلى زيادة الدعم الحكومي المخصص لهؤلاء.

درجة حرارة 41 درجة مئوية سجلت في وسط برلين يوم السبت الماضي 27 يونيو 2026 (رويترز)

تأثير على مدخول الأفراد

وتدعم ذلك دراسة، أجراها علماء في مجموعة «تحليلات المناخ»، تستنتج أن موجات الحرّ المصحوبة بالجفاف تقلص من المدخول الفردي بقرابة 3 في المائة في أنحاء أوروبا، مع خسائر أكبر للمناطق الأكثر تأثراً. وبحسب الدراسة، فإن ارتفاع معدل درجات حرارة الأرض ستعمق من عدم المساواة، وتدخل ملايين من الأوروبيين في خطر الفقر. ويحذر العلماء من أنه لو ارتفعت درجة الحرارة بـ2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100، وهو المرجح في ظل السياسات المناخية العالمية الحالية، فإن متوسط الدخل الفردي الأوروبي سينخفض بنسبة 27 في المائة. أما في حال الالتزام باتفاقية باريس للمناخ التي تحد الارتفاع الحراري بـ1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، فإن انخفاض الدخل الفردي ينخفض بنسبة 7 في المائة. والأكثر تأثراً بذلك هم الـ20 في المائة الأفقر في أوروبا.

وتعدد الدراسة بعض العوامل التي تلعب دوراً في تراجع متوسط الدخل الفردي، منها الأوضاع الصحية السيئة وانخفاض الإنتاجية وانخفاض الإنتاج الغذائي وتراجع الخدمات الحيوية المرتبطة بالمياه، مثل النقل وتوليد الطاقة. وقياساً إلى أرقام جمعها العلماء من موجات الحر والجفاف بين عامي 2004 و2022، فإن أكثر الأشخاص تأثراً بذلك هم من يعيشون في إسبانيا والمجر واليونان ورومانيا وبلغاريا وقبرص.

ورغم الدراسات العملية منذ عقود التي تحذر من آثار التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض، فإن الدول الأوروبية ما زالت غير مستعدة للتعامل مع آثارها. ففي بريطانيا، استنتجت لجنة تغير المناخ، وهي هيئة استشارية قانونية للحكومة البريطانية، أن خطط التكيف لدى الحكومة تعود إلى عام 2008، و«هي لم تعد ملائمة». أما في فرنسا، فقد انتقد المجلس الأعلى للمناخ، وهو أيضاً جهة استشارية للحكومة، الإجراءات المتخذة للتكيف مع موجات الحر، قائلاً إن «الفجوة تتسع» بين احتياجات التكيف والإجراءات. وفي ألمانيا خلصت دراسة مجموعة «تحليلات المناخ» إلى أن البلاد «تفتقر إلى حلول شاملة» لحماية السكان من آثار الإجهاد الحراري، وأنه «رغم إحراز بعض التقدم البطيء... فإن تنفيذ الخطط ما زال متعثراً إلى حد كبير».

ردّ فعل لا خطط بعيدة المدى

حتى الآن، فإن تصرفات معظم الحكومات الأوروبية تأتي كردة فعل على موجات الحر الشديد عند حدوثها، عوضاً عن إقرار خطط مدروسة طويلة المدى. فخلال موجة الحر الأخيرة، حول كثير من الدول الأوروبية المباني العامة المزودة بمكيفات لمناطق «للتبرد». في برشلونة بإسبانيا مثلاً، حددت الحكومة قرابة 500 ملجأ للتبرد معظمها مكتبات عامة وصيدليات ومراكز عامة. وفي أمستردام بهولندا حددت الحكومة مناطق مخصصة للتبرد تحوي على مياه للشرب وأماكن استراحة. وفي إيطاليا وعدد من الدول الجنوبية، منعت الحكومة العمل الخارجي مثلاً في قطاعات البناء والزراعة في أوقات ذروة الحرّ، وعوّضت العمال من صندوق حكومي مخصص كي لا يخسروا دخلهم. وفي فرنسا، حدّت الحكومة بيع المشروبات الكحولية خلال اليوم لتقليص الضغط على المستشفيات، وألغت نشاطات وحفلات خارجية. وفي ألمانيا، دعت شركة دويتشه بان المشغّلة للقطارات السريعة بين المدن إلى عدم السفر إلا للضرورة، وسمحت بإلغاء التذاكر من دون غرامة، واستخدمت الشرطة في برلين شاحنات ضخ مياه، تستخدم في المظاهرات، لرشّ المارة بالمياه وتبريدهم.

لكن الخبراء يحذرون من عدم كفاية «ردّ الفعل» على موجات الحرّ المتكررة، ويطالبون بضرورة تأقلم الدول الأوروبية كي تبقى قادرة على المنافسة. وهذا يتطلب تغييراً في ثقافة عدم قبول المكيفات، وهي الثقافة السائدة حالياً في معظم أوروبا، باستثناء الدول الجنوبية مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا، حيث المكيّفات أكثر انتشاراً. ولكن في دول مثل فرنسا وألمانيا ما زالت مقاومة تركيب المكيفات كبيرة، والتبرير بأن المكيفات ستزيد من استهلاك الطاقة، وهو السبب الرئيسي في التغير المناخي الذي يساهم في رفع درجات حرارة الأرض. ولكن هذه الثقافة قد تكون بدأت تتغير اليوم؛ حتى حزب الخضر في ألمانيا بدأ يطالب بزيادة تجهيز الأبنية الأساسية، أي المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس، بأجهزة تكييف، وفي الوقت نفسه توسيع مشاريع الطاقة البديلة، خاصة الشمسية، التي تستفيد من موجات الحر، ما يقلص الاعتماد على الطاقة التقليدية المضرة بالبيئة.

ثقافة المكيفات

ولكن مشكلة أوروبا أبعد من مجرد ثقافة عدم القبول بالمكيفات، فكثير من الدول تمنع بالقانون تركيب أجهزة تكييف ظاهرة خارج المباني التقليدية التاريخية للحفاظ عليها. كما أن الأبنية القديمة صممت لكي تحفظ الحرارة في الداخل لا العكس، لمواجهة الصقيع الذي يجلبه فصل الشتاء والخريف، في وقت كان الحرّ فيه معتدلاً في الصيف. حتى الأبنية الحديثة، شيّدت بواجهات زجاجية ضخمة لإدخال النور، وشيّدت لتكون مقابل الشمس من دون عوازل خارجية على النوافذ. هذه الأبنية التي بنيت كي تجذب السكان إليها بأنوارها ودفئها باتت اليوم هي المشكلة الرئيسية. وفي باريس وبرلين والمدن الأوروبية الكبرى، تعدّ الشقق المرتفعة المبنية على سطح المبنى الأكثر جاذبية بسبب مناظرها والنور الذي يدخلها. لكن هذه الشقق تحديداً تعدّ اليوم الأكثر خطراً. وقد أظهرت دراسة قديمة أجريت بعد موجة الحرّ القاسية التي ضربت أوروبا عام 2003، وتوفي خلالها قرابة 70 ألف شخص، 15 ألفاً منهم في فرنسا، بأن العيش في شقق العلية تحت السطح مباشرة، يزيد من خطر الموت بالحرّ 4 مرات، ووجدت الدراسة التي نشرت في مجلة «ذا لانسيت بلانيتيري هيلث» عام 2023، أن باريس سجّلت أعلى معدلات المخاطر للوفيات المرتبطة بالحرارة بين 30 عاصمة أوروبية شملتها الدراسة.