ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

مع تفاوت الأولويات... ورواسب النزاعات المزمنة

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
TT

ماذا ينتظر مجموعة «البريكس» في حقبة دونالد ترمب؟

صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)
صورة جامعة للقادة المشاركين في قمة "البريكس" الأخيرة بالبرازيل (بريكس برازيل)

بينما تطرح علامات على مستقبل التجاذبات داخل مجموعة «البريكس»، ينشط رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على صعيد العلاقات الخارجية، فخلال أقل من شهر، زار أكثر من ثماني دول مهمة، وحضر قمتين عالميتين بارزتين، هما قمة «مجموعة السبع»، وقمة «البريكس» التي تضم كلاً من الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل وجنوب أفريقيا. ومن جهة ثانية، دار لغط كبير حول تغيب كل من الرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين عن قمة «البريكس»، التي استضافتها البرازيل.

فلاديمير بوتين (رويترز)

اختتم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي حديثاً أطول جولة خارجية له على الإطلاق، شملت خمس دول في غضون ثمانية أيام، في نطاق فتح آفاق جديدة، وإنعاش شراكات قديمة، وتشكيل تحالفات قوية. إذ إنه في وقت سابق من يونيو (حزيران)، وفي طريقه لحضور قمة «مجموعة السبع» في كندا، زار قبرص ثم كرواتيا. وأخيراً، زار كلاً من غانا، وترينيداد وتوباغو، والأرجنتين، والبرازيل وناميبيا.

تعزيز دور الهند

يرى محللون هنود أن زيارات مودي «صُممت» بشكل استراتيجي، ليس فقط لتعزيز العلاقات الثنائية، بل وكذلك لتعزيز دور نيودلهي على صعيد الحوكمة العالمية، لا سيما في ظل توتر علاقات الهند مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إثر «عملية سِندور» (التصعيد العسكري مع باكستان المجاورة في مايو/أيار).

إذ قال المحلل السياسي سانجاي ديكسيت: «الهند شعرت بالعزلة بعد الصفعة الخلفية التي تلقتها من واشنطن وحلفاء مجموعة (الكواد)، أو ما يعرف باسم (الحوار الأمني الرباعي) والدول الغربية الأخرى، وذلك عقب مقتل 26 سائحاً هندياً بدوافع دينية في منطقة باهالغام بكشمير الهندية، والرد الهندي الذي استهدف معسكرات إرهابية عبر الحدود في باكستان؛ ما أدى إلى تصعيد عسكري بين البلدين».

وعلى صعيد متصل، لاحظ متابعون أن رئيس الوزراء الهندي أحدث «هزة جيوسياسية كبيرة» عندما «تجرّأ» على رفض دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب - عبر حوار هاتفي - لعقد لقاء ثنائي توقفه في طريق عودته من قمة «مجموعة السبع» في كندا. وبدلاً من الاجتماع بترمب، توجّه مودي إلى كرواتيا. وبالمناسبة، كانت تلك المرة الأولى التي يتكلم فيها مودي وترمب بعد أربعة أيام من «عملية سندور».

أيضاً، كان من المقرّر أن يلتقي الزعيمان على هامش قمة «مجموعة السبع»، لكن اللقاء لم يعقد بعدما قرّر ترمب اختصار زيارته، بسبب تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران.

ملامح مرحلة صعبة؟

في الواقع، بدأت ملامح تصدّع في العلاقات الهندية - الأميركية تظهر، إثر تصريح لترمب ادعى فيه لنفسه الفضل في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، إبان التصعيد العسكري الأخير. إذ قال إنه استخدم «التجارة» للوصول إلى تفاهم بين الطرفين، وأثار هذا الكلام قلقاً بالغاً داخل دوائر نيودلهي، حول وضع العلاقات الثنائية.

وأيضاً، تعرّضت نيودلهي لخيبة أمل ثقيلة، عندما استضاف ترمب الجنرال عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، على غداء في البيت الأبيض. ومع أن اللقاء لم يُسفر عن نتائج جوهرية، فإنه في ظاهره أثار استياءً هندياً كبيراً. ودفع عدداً من المحللين والمعلقين السياسيين الهنود إلى القول إن تصريحات ترمب وأفعاله تُؤشر إلى «العودة إلى سياسة الربط الأميركية المقيتة». والقصد هنا ربط الهند وباكستان في تعاملاتها مع «الجارتين» المتناحرتين. وحقاً كانت هذه السياسة قد هيمنت على توجهات واشنطن إزاء شبه القارة الهندية خلال معظم فترة «الحرب الباردة».

في هذا السياق، أوضح المفكر والكاتب الصحافي الهندي كامليش سينغ، أنه «لطالما جرى تسويق العلاقات الهندية ـ الأميركية داخل الهند باعتبارها صداقة جيوسياسية، وتحالفاً عظيماً بين نظامين ديمقراطيين، وحصناً منيعاً بمواجهة الصين الاستبدادية، وتحالفاً تجارياً محتملاً. بعد ذلك، جاء دونالد ترمب، الذي يتّسم بتقلباته الشديدة. والآن، جاء الدور على الهند».

سينغ قال إن تصريحات ترمب «غير المدروسة» أزعجت نيودلهي، وأثارت حفيظة دبلوماسييها، بجانب أنها أعاقت جهود إبرام اتفاقية التجارة الهندية - الأميركية المأمولة. وشرح الكاتب الهندي أن ترمب «استغل التجارة وسيلةَ ضغط، فصوّر الهند على أنها خصم ضعيف؛ ما قوض صورة مودي كمفاوض صلب. واليوم، يخشى المسؤولون الهنود المتخوّفون من سياسات ترمب الحمائية، أن يطلب تنازلات من نيودلهي كي يتفاخر ببراعته في إبرام الصفقات».

واستطرد: «واضح أن ترمب أضفى عنصراً من انعدام الثقة على الشراكة الهندية - الأميركية، في حين أنه إذا أرادت واشنطن أن تكون الهند قوةً موازنةً موثوقةً للصين، كان عليها التخلي عن التمثيل، وإظهار الاحترام لحليفتها الهند. وجنباً إلى جنب، على نيودلهي تأكيد استقلاليتها، مع الضغط على واشنطن».

مكالمة الـ35 دقيقة

عودةً إلى مكالمة ترمب - مودي الهاتفية، فإنها استغرقت نحو 35 دقيقة. وفيها أبلغ مودي ترمب أن الهند وباكستان أوقفتا عملياتهما العسكرية (الشهر الماضي) عقب مباحثات مباشرة بين جيشيهما من دون أي وساطة من الولايات المتحدة، منتقداً رواية الرئيس الأميركي بأنه توسط في وقف إطلاق النار.

وأكد مودي، من ثم، بحزم أن الهند لا تقبل ولن تقبل أبداً الوساطة، وأن المناقشات بين الجيشين الهندي والباكستاني بشأن وقف العمليات العسكرية، بدأت بناءً على طلب إسلام آباد، في خطوة دبلوماسية كبيرة، تولى أمين الخارجية الهندي، فيكرام ميسري، إطلاع وسائل الإعلام عليها من كندا عندما تلقى مودي المكالمة في أثناء حضوره اجتماع «مجموعة السبع».

... ورفض عرض ترمب

أما عن رفض الزعيم الهندي دعوة الرئيس الأميركي، فقال المحلل الهندي سوشانت سارين، إنه «لو قبل مودي عرض ترمب، لكان الجدول الزمني قد دفعه إلى الوجود في واشنطن؛ ما جعل تناول الإفطار أو الاجتماع المبكر مع ترمب سيناريو محتملاً... ليتبعه بعد ساعات قليلة غداء قائد الجيش الباكستاني في البيت الأبيض». وأردف سارين: «مثل هذه الصورة (مع لقاء ترمب بكل من رئيس الوزراء الهندي وقائد الجيش الباكستاني في اليوم ذاته) كانت ستكون غير مستساغة دبلوماسياً لدى نيودلهي». ومعروف أنه لطالما سعت الهند إلى فصل نفسها عن باكستان على صعيد الدبلوماسية الدولية.

علاوة على ذلك، لدى نيودلهي «أسباب استراتيجية» تدعوها إلى تأجيل أي تواصل جديد مع الرئيس الأميركي راهناً. إذ سبق لمودي أن زار واشنطن في وقت سابق من هذا العام؛ لتهنئة ترمب على عودته إلى سدة الرئاسة. ومع قرب انعقاد القمة المقبلة لتحالف «الكواد» - والتي قد تكون على الأراضي الهندية - تفضل نيودلهي أن يُعقد اللقاء المقبل الرفيع المستوى بين الزعيمين على أرضها؛ تأكيداً على مكانتها كشريك محوري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

من جهتها، قرّرت واشنطن تمديد تعليق رسومها الجمركية المتبادلة مع الهند حتى مطلع أغسطس (آب)، في خطوة فسّرها المراقبون بأنها إشارة على جهوزية واشنطن للحوار. وما يلفت أن الهند لم تُدرج ضمن قائمة الدول التي تلقت إشعارات رسمية بفرض رسوم جمركية جديدة عليها من إدارة ترمب، هذا الأسبوع.

في أي حال، تسعى الهند والولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق تجاري ثنائي شامل، على أن يجري إنجاز المرحلة الأولى منه بحلول الخريف (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول). وقبيل ذلك، يعمل الطرفان على إبرام اتفاق مرحلي مؤقت لتسوية بعض النقاط العالقة. وقال مصدر ضمن فريق التفاوض: «الهند أقرَّت خطوطها الحمراء... والكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة». في حين شدد بيوش غويال، وزير التجارة والصناعة الهندي، على أن «الهند متمسكة بموقفها تجاه الإعفاءات الجمركية للمنتجات الزراعية ومنتجات الألبان الأميركية، بالنظر إلى حساسيتها داخل السوق الهندية».

وهنا تجدر الإشارة إلى أن واشنطن تُعدّ أكبر شريك تجاري للهند منذ عام 2021 - 2022، وبلغ حجم التجارة في السلع بين البلدين عام 2024 - 2025 نحو 131.84 مليار دولار.

لدى الهند «أسباب استراتيجية» تدعوها لتأجيل تواصلها مع ترمب

تغيّب شي وبوتين

على صعيد آخر، كما هو معروف، عُقدت أخيراً قمة «البريكس» السابعة عشرة، في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، بمشاركة قادة الدول الناشئة الكبرى، لكن بغياب زعيمين قويين فيها، هما الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

سبب تغيب الرئيس الروسي بوتين الذي اكتفى بالانضمام عبر رابط فيديو، معروف. فهو يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والبرازيل دولة موقّعة على النظام الأساسي للمحكمة.

شي جينبينغ (آ ف ب/غيتي)

أما بما يخصّ شي (72 سنة)، الذي استخدم «البريكس» لإعادة تشكيل توازن القوى دولياً، فتعدّ هذه المرة الأولى التي يغيب فيها عن قمة للمجموعة منذ توليه السلطة عام 2012. ولقد تمثلت بكين برئيس الوزراء لي تشيانغ، من دون تقديم أي تبرير رسمي سوى «تعارض المواعيد».

غياب شي جاء في وقت حرج، مع مناقشة «البريكس» (التي يختصر اسمها الحروف الأولى من أسماء الأعضاء الأوائل: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب إفريقيا)، سبل تعزيز التعاون في خضم ما تصفه الدول الأعضاء بمخاوف جدية بشأن الهيمنة الغربية. والجدير بالذكر، أن الصين، تعتبر الركيزة الاقتصادية للمجموعة؛ إذ وتُمثل نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدولها، كما تُعدّ أكبر شريك تجاري لمعظم الدول الأعضاء.

الصين لم تُوضح علناً سبب غياب رئيسها عن قمة «البريكس». لكن تقريراً نشرته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، تكلم عن «تضارب في المواعيد»، إضافة إلى حقيقة أن شي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو «لولا» دا سيلفا كانا قد التقيا مرتين خلال العام الماضي. إذ أجرى الزعيمان مباحثات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 خلال قمة «مجموعة العشرين» في البرازيل، ومرة أخرى في مايو (أيار) من هذا العام، إبان زيارة «لولا» الرسمية لبكين.

 

تحديات وخلافات مصلحية وفكرية داخل «البريكس»

ذكرت بعض التقارير الإعلامية البرازيلية أن الدعوة الخاصة الموجهة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ربما تكون قد دفعت الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى التغيب عن حضور القمة. ولقد لاحظ مراقبون أن لـ«ديناميكية» مودي – «لولا» دوراً حاسماً في قمة «البريكس»، ناهيك من تكريم البرازيل مودي بأعلى وسام في البلاد، وأعرب «لولا» عن تضامنه مع الهند بشأن مخاوف الأمن الوطني. وبالفعل، يرى مراقبون أن العلاقات الدفاعية الثنائية تبدو واعدة، وستكون محوراً رئيساً للمناقشات بين الزعيمين. ولقد أبدت البرازيل اهتماماً بالغاً بمنصات الدفاع الهندية الصنع، مثل نظام «أكاش» للدفاع الجوي، الذي نال تقديراً كبيراً بعد نشره خلال «عملية سيندور»، عندما صدت الهند هجوماً منسقاً بطائرات مسيَّرة وصواريخ من باكستان. من جهته، صرّح تشونغ جا إيان، الأستاذ المشارك في جامعة سنغافورة الوطنية، لشبكة «سي إن إن» بأنه «نظراً إلى أهمية الصين لمجموعة (البريكس)، فإن قرار شي بالتغيب يضر بالقمة... لا شك في ذلك». وأردف أن المجموعة قد لا تكون الآن «الأولوية الكبرى» للرئيس الصيني؛ إذ يركز جلّ اهتمامه على توجيه الاقتصاد المحلي للصين. وتابع أن بكين قد لا تتوقع أي تقدم يُذكر في قمة هذا العام. من جهة ثانية، توقف محللون أمام تهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية على أي دولة تدعم السياسات «المعادية لأميركا» في مجموعة «البريكس». ويذكر أن ترمب عبر موقع «تروث سوشيال» كتب: «أي دولة تؤيد سياسات (البريكس) المعادية لأميركا، ستُفرض عليها رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة، ولن تكون هناك استثناءات لهذه السياسة». وعلى هذا الكلام «التهديدي» الصريح، علق الرئيس البرازيلي «لولا» في ختام قمة «البريكس»، قائلاً: «لقد تغيّر العالم. نحن لا نريد إمبراطوراً. هذه (مجموعة البريكس) عبارة عن مجموعة من الدول التي تسعى لإيجاد طريقة أخرى لتنظيم العالم من منظور اقتصادي. أعتقد أن هذا سبب انزعاج الناس من (البريكس)». ولكن، بينما دفع بعض الخبراء بأن مكانة واشنطن، باعتبارها قوة عظمى بارزة، قد انتهت، وأن التحوّل إلى عالم متعدد الأقطاب قد بدأ بالفعل، أثار بعض المحللين السياسيين شكوكاً حول فقدان «البريكس» قيمها الآيديولوجية بسبب توسعها السريع. إذ في خضم هذه العملية، أضعفت المجموعة تماسكها ككيان يقدم بديلاً آيديولوجياً للرأسمالية الغربية. الصين، الآن تقف بحزم إلى جانب روسيا في طرح بدائل للدولار والمؤسسات التي يقودها الغرب. بينما خفف الحذر من جانب أعضاء رئيسين آخرين في «البريكس»، مثل الهند والبرازيل، من التقدم مع إبداء تحفظات بشأن الجوانب العملية والآثار الجيوسياسية. إضافة إلى ذلك، أن البرازيل شددت على ضرورة «تجنب استعداء الشركاء الغربيين». في الوقت عينه، تواصل الهند اتباع نهج استراتيجي حذر، وتتعاون مع «البريكس» بالتوازي مع عملها على تعميق علاقاتها مع الولايات المتحدة و«مجموعة الدول السبع المتقدمة». وأخيراً، ينبّه عدد من المحللين من أن الخلاف داخل «البريكس» قد يزداد عمقاً مع نمو الكتلة، وتنوعها قد يبطئ التوافق ويزيد جهود التقدم تعقيداً.


مقالات ذات صلة

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي وزير التجارة والصناعة الهندي على هامش اجتماع وزراء خارجية بريكس (الخارجية المصرية)

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

روجت مصر لفرصها الاستثمارية خلال لقاءات عقدها وزير الخارجية بدر العاطي، مع وزير التجارة والصناعة الهندي وعدد من الشركات.

محمد محمود (القاهرة)
آسيا صورة جماعية خلال اجتماع وزراء خارجية دول البريكس في بهارات ماندابام في نيودلهي (رويترز)

انتهاء محادثات مجموعة «بريكس» دون إصدار بيان مشترك

لم ينجح وزراء خارجية من دول مجموعة «بريكس» في إصدار بيان مشترك اليوم الجمعة عقب اجتماع استمر يومين في نيودلهي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الخليج المهندس وليد الخريجي متحدثاً خلال اجتماع وزراء خارجية دول «بريكس» في نيودلهي (الخارجية السعودية)

تأكيد سعودي على أهمية الحوار لدعم جهود تعزيز الاستقرار الإقليمي

جدَّدت السعودية تأكيدها على أهمية استمرار الحوار بين جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك دول «بريكس»؛ دعماً للجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يحضر اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة «بريكس» في قاعة «بهارات ماندابام» في نيودلهي الخميس (رويترز)

إيران تحث دول «بريكس» على التنديد بالحرب

دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس، الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى التنديد بما وصفه بانتهاكات الولايات المتحدة وإسرائيل للقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - نيودلهي)
أميركا اللاتينية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يمين) والرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو خلال لقاء في عام 2023 (رويترز) p-circle

لولا: تتعين محاكمة مادورو في فنزويلا وليس خارجها

قال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة، إن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو يجب أن يُحاكم في بلده، وليس خارجها.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.