العراق: محاولات للنأي بالنفس عن تداعيات صدام إقليمي

بسياسة «عين على طهران وأخرى على دمشق»

معبر البوكمال على الحدود السورية - العراقية (آ ف ب)
معبر البوكمال على الحدود السورية - العراقية (آ ف ب)
TT

العراق: محاولات للنأي بالنفس عن تداعيات صدام إقليمي

معبر البوكمال على الحدود السورية - العراقية (آ ف ب)
معبر البوكمال على الحدود السورية - العراقية (آ ف ب)

في مطلع شهر أبريل (نيسان) الحالي، تبادل رئيس الوزراء محمد السوداني التهاني والتبريكات بمناسبة عيد الفطر مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة أثارت حفيظة بعض المحسوبين على الفصائل المسلحة، لكنها حظيت بترحيب الاتجاهات التي تعتقد أن علاقات «جيدة ومتينة» مع «الشقيقة» و«الجارة» تخدم المصالح الاستراتيجية العليا للبلاد، وتصب في مسار استقرارها في ظل التحولات الإقليمية العاصفة التي تشهدها المنطقة. غير أنه بعد أسبوع واحد من «تبادل التهاني» بين قيادتي البلدين، أطلقت إيران سلسلة من التحذيرات الصريحة والمباشرة إلى عدد من «دول الجوار»، ومن ضمنها العراق، محذّرة من «عواقب وخيمة» في حال ساندت هذه الدول أي هجوم أميركي محتمل ضدها.

صحيح أن علاقة «الود» المتمثّلة بسياق «التهاني» تبتعد كثيراً عن لغة التهديد التي أطلقتها القيادة الإيرانية في طهران، فإن ذلك، لا يعني بأي حال من الأحوال أن رياح الود العراقية، تحوّلت على عجل لتهبّ على «الجار» الغربي سوريا، بعدما هبّت لأكثر من عقدين على «جارها» الشرقي إيران.

إلا أن هناك أمراً مؤكداً، قد يحدث، أو حدث بالفعل، بالنسبة لواقع أن طهران - بعد تعرضها لسياسة الضغوط الأميركية القصوى - صارت «تخشى» من أقرب حلفائها، كما باتت بغداد أكثر جرأة في إثبات أنها غير «تابعة» لمحور إيران.

وفي إطار مواجهة نادرة الحدوث بين بغداد وطهران، هاجمت الأخيرة قبل نحو أسبوعين، بغداد بعدما اتهم وزير النفط العراقي إيران باستخدام وثائق عراقية مزوّرة لتهريب النفط. وعلى الأثر، سارع وكيل وزير النفط الإيراني إلى أن القول، إن «المعلومات التي طرحتها بغداد غير مكتملة، وتأتي في سياق إثارات شريرة».

وحتى إذا أمكن تنحية «المناوشات» الكلامية بين بغداد وطهران جانباً، لا يمكن وفق مراقبين، التغاضي عن «استراتيجية الهدوء» التي تمارسها أجنحة إيران العسكرية في العراق، وهو هدوء فرضه «الراعي الإيراني» لتلافي التصعيد الأميركي وتجنب شروره. وهذا مؤشر على مسار جديد لجهة التحدّي الذي تفرضه تلك الجماعات على الدولة العراقية وحكوماتها المتعاقبة، قد يفضي لاحقاً إلى طي صفحته وتخلص العراق من أكلافه.

وليس الهدوء وحده ما شكل علامة فارقة في الحياة العراقية خلال الأشهر والأسابيع الماضي، إنما أيضاً الكلام المتواصل عن حل «الحشد الشعبي» - وضمنه الفصائل - في مسعى لتنفيذ مطالب واشنطن المتشددة في هذا الاتجاه. وتالياً قد يصب ذلك في صالح التطور الإيجابي والتدريجي في شكل العلاقة العراقية مع إيران.

من جهة ثانية، مع تزايد حدة التوترات بين طهران وواشنطن، يخشى أن يعود العراق مجدداً إلى مرمى نيران الصراع الإقليمي والدولي بعد سنوات قليلة من الهدوء الأمني النسبي. ويعرب معظم المراقبين والمحللين الأمنين عن خشيتهم من أن يكون «العراق أكبر المتضررين في حال اندلاع أي حرب بين طهران وواشنطن خلال المرحلة المقبلة». ويميل معظم المتابعين المحليين إلى وجهة النظر القائلة، إن «ليس أمام بغداد سوى النأي بنفسها، وبأي ثمن، عن تداعيات صدام إقليمي محتمل ووشيك».

بغداد... تحقيق التوازن

المحلّل والدبلوماسي العراقي السابق الدكتور غازي فيصل يعتقد أن «بغداد تسعى إلى تحقيق التوازن في ظل ظروف بالغة التعقيد في المنطقة». ومع ذلك، يرى فيصل، وهو دبلوماسي سابق، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن العلاقات العراقية العابرة للحدود «هي الآن في لحظة توقد مع تركيا؛ لأنها أصبحت لاعباً إقليمياً مهماً بعد سقوط النظام الفاشل القمعي في سوريا، وهي أيضاً، متحالفة استراتيجياً مع واشنطن».

ويتوقع فيصل، بالتالي، أن تذهب السياسة العراقية إلى نوع من «الوفاق التدريجي مع سوريا، بسبب وجود ملفات أمنية مهمة تتعلق بـ(داعش)، وأخرى تتعلق بالمياه والحدود والطاقة والتجارة وغيرها». لكنه يقرّ بصعوبة أي تحوّلات عراقية باتجاه سوريا أو تركيا، خاصة بوجود «اعتراضات جدية من حلفاء إيران المتشددين الذين ينزعون باتجاه العودة مجدداً للهيمنة على سوريا عبر القوة المسلحة والميليشيات». ويتابع: «حسابات الحكومة العراقية، كما نلاحظ، تختلف عن استراتيجية وحسابات الفصائل المرتبطة بإيران الباحثة عن هيمنة إقليمية».

الدكتور فيصل يرى أن سياسة بغداد «ستكون متوازنة» فيما لو نشبت حرب بين واشنطن وطهران. وحول التهديد الذي أطلقته طهران قبل أيام لـ«دول الجوار»، ومن ضمنها العراق، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد احتمالات المواجهة، قال فيصل إن «هذا التحذير لا يشكل فقط تهديداً أمنياً، بل يهدّد أيضاً حركة التجارة العالمية، وقد يؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط، ما قد يستدعي تدخل قوى دولية مثل الصين أو الهند للدفاع عن مصالحها الحيوية في المنطقة».

وأردف أن «أجواء العراق استُخدمت في عمليات سابقة سواءً للهجوم أو الرد، ما يطرح تساؤلات حول ما قد يحدث في المرحلة المقبلة، خاصة مع تداول معلومات عن احتمال استخدام إسرائيل للأجواء العراقية في هجوم مرتقب على إيران».

ولقد ربط الدبلوماسي السابق بين هذه التهديدات والتحذيرات الإيرانية، ووثيقة قانون تحرير العراق من النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «التوقيت يثير الشكوك حول كون ما يجري مجرد صدفة أو أنه يحمل رسائل ضغط وتهديد مزدوجة من أطراف متصارعة».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني زائراً طهران (وكالة مهر الإيرانية)

علاقات فاعلة

بدوره، يعتقد الدكتور إحسان الشمّري، أستاذ الدراسات الدولية والاستراتيجية العراقي، أن العلاقات بين بغداد وطهران «لا تزال فاعلة وتحافظ على مستوياتها الجيدة»، خاصة أن طهران «لا تزال تعتمد على العراق بوصفه ورقة تفاوضية وسياسية، وأيضاً، جغرافية في مجال الضغط العسكري إذا أخفقت في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وحسب الشمّري، كما قال لـ«الشرق الأوسط»، فإن الضغوط الأميركية القصوى الموجهة ضد طهران «لا تمنع وجود مستويات متقدمة من العلاقة مع بغداد، لكن الأخيرة تنتظر صفقة للتفاهم بين واشنطن وطهران... وهي اليوم ربما تختبر لحظة انتظار صعبة، خاصة مع حالة اللاتمييز التي تنتهجها الإدارة الأميركية بين العراق وإيران، وتضعهما فيما يشبه السلة الواحدة». وتابع أن هذا الوضع بمجمله يدفع حكومة رئيس الوزراء محمد السوداني إلى «إعادة ترتيب الأولويات مع طهران، لا سيما، وسط الخشية من ذهاب المنطقة إلى التصعيد، وكون العراق جزءاً من هذه الجغرافية... إذا لم تحدث صفقة للتسوية بين واشنطن وطهران».

الدكتور الشمّري ذكّر، من ثم، ببعض المواقف التي تصدر عن بعض الميليشيات المرتبطة بإيران، والتي ترفض نزع سلاحها وتفكيكه، معتبراً أن هذا «يعني أنها لا تزال جزءاً من الأذرع الإيرانية التي يمكن تحفيزها في لحظات الصراع، وهو ما سيؤدي حتماً إلى وضع الجغرافية العراقية ضمن حلبة الصراع».

وعليه، يعتقد الأكاديمي والباحث العراقي أن العراق «استطاع أن يؤمّن إلى حد ما علاقته مع سوريا المنشغلة بمرحلة انتقالية، ويبدو أيضاً أن كلاً من بغداد ودمشق تقدمت خطوات جيدة نحو بناء الثقة؛ لأنهما تدركان خطورة حالة التصعيد الإقليمية القائمة... ولا ترغبان في الانخراط ضمن أحد المحاور المتصارعة». وهنا أوضح الشمّري: «هناك تطوّر ملحوظ ما بين بغداد ودمشق، وثمة نوعٌ من بناء الثقة المتبادل بحكم المخاطر المشتركة التي قد تطال البلدين، لكن هذا لا يأتي بالضرورة على شكل العلاقة بين بغداد وطهران. وأنا أتصور أن بغداد اليوم تلعب دور القائم بالأعمال الإيراني في سوريا الشرع».

مع تزايد حدة التوترات بين طهران وواشنطن يخشى العراق أن يصبح في مرمى النيران

العراق على مفترق طرق

من جانبه، قال نزار حيدر، الباحث والمحلل السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «العراق يقف الآن على مفترق طرق لاتخاذ مسارات دولة مستقلة، خاصة في الملفات الحساسة مثل العلاقة مع جارته الشرقية ومع سوريا ومع محيطه العربي». وأعرب عن اعتقاده أن العراق ظل خلال العقدين الماضيين «يدور في فلك الجارة (الشرقية)، يستنسخ مواقفها ولا يبتعد عن خياراتها، بسبب النفوذ الأوسع الذي تتمتع به في العملية السياسية؛ لأسباب عدة، مستفيدة من الصلات المذهبية بينها وبين الغالبية».

وهنا أنحى حيدر باللائمة على الجماعات السياسية المهيمنة في بغداد؛ لأنها «لم تكن جادة في مسعاها لبناء دولة مستقلة تأخذ بنظر الاعتبار مصالحها فوق أي مصالح أخرى إقليمية أو دولية، ولهذا السبب ظل المجتمع الدولي والدول الإقليمية ودول الجوار ينظرون إلى العراق كجزء لا يتجزأ من الملف الإيراني، فإذا كانت العلاقات بينهم وبين طهران هادئة، فإن بغداد تهدأ والعكس هو الصحيح».

وفي ظل التطورات الدراماتيكية المتلاحقة، والسياسات الجديدة التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، علّق حيدر، قائلاً إن «العراق هو اليوم في مهب الريح... ويقف على مفترق طرق. فإما يتخذ قراراً ثورياً يقضي بالإسراع في بناء قرار دولة مستقلة بعيداً عن الإملاءات الخارجية، وبالتالي، سيكون جزءاً من الترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية الجديدة في المنطقة... وإما سيبقى فاقداً قرار الدولة المستقلة، وعليه سينتظر ما ستؤول إليه علاقات طهران الجديدة مع المحيط والمجتمع الدولي». «إذا سارت الأمور إلى خير - والكلام لا يزال لحيدر - قد يصيب العراق بعضاً من ذلك الخير، أما إذا حدث العكس، فإنه سيكون أول الضحايا. وهذا هو العنوان الوحيد المتبقّي بصفته غير المستقلة من بين (الساحات) الأخرى التي رهنت مصيرها بطهران لعقود خلت».

واستطرد الباحث والمحلل: «يبدو لي أن بغداد اتخذت قرارها ببناء الدولة المستقلة، وإن كانت بحاجة إلى مساعدة أصدقائها في المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي على غرار ما فعله ويفعله لبنان». وأشار إلى مواصلة رئيس الوزراء محمد السوداني وزعامات سياسية أخرى «التواصل المباشر مع الدول الإقليمية ذات الوزن الثقيل والتأثير الكبير في المنطقة والمجتمع الدولي، سعياً منه لمساعدة البلاد، وتجنيبها شروراً محتملة مقبلة».

إيجابية إزاء دمشق

وبشأن علاقة بغداد مع دمشق، رأى حيدر أن «العراق قرّر التعاطي إيجابياً مع المشهد الجديد في دمشق، وكان هذا واضحاً من مبادرة السوداني الذي اتصل بالرئيس السوري ليهنئه بعيد الفطر ويخبره باحترام بلاده لخيارات الشعب السوري بتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة». بيد أنه، مع ذلك، يرى أن قرار الزعامات السياسية ببناء دولة مستقلة لها كامل السيادة الوطنية على قراراتها «ليس بالأمر السهل والهين لجهة النفوذ الخارجي».

وتوقع، من جهة ثانية، أن «طهران ستظل تقاتل بآخر فصيل عراقي للحيلولة دون خسارة نفوذها هناك، خاصة بعدما خسرت كل نفوذها في الساحات الأخرى، فالعراق ليس أي ساحة أخرى من تلك الساحات، إنه ساحة مصيرية بالنسبة لها، كما أن وكلاءها الذين يرون أنفسهم من خلال طهران حصراً، سيعرقلون أي مسعى لبناء دولة مستقلة دفاعاً عن أنفسهم وحماية لمصالحهم».

حقائق

انشغال عراقي جدّي بالانتخابات العامة

> رغم المخاوف من مواجهة إيرانية - أميركية

لم تحل المخاوف العراقية من تداعيات ما قد يحدث من صدام بين واشنطن وطهران وانعكاساته الخطيرة على العراق، دون تفكير القوى السياسية في ملف الانتخابات العراقية العامة المقرر إجراؤها في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وبالفعل، تنظر معظم القوى السياسية العراقية إلى الدورة الانتخابية البرلمانية السادسة بوصفها لحظة مفصلية ومؤثرة على شكل وطبيعة النظام السياسي المتهم بالفساد وسوء الإدارة على امتداد العقدين الأخيرين.

قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي شدّدت، الثلاثاء الماضي، على ضرورة إجراء الانتخابات العامة في موعدها المحدد. وجاءت تأكيدات قوى «الإطار»، المهيمنة على البرلمان والحكومة في العراق، وسط شكوك سياسية وشعبية بشأن إمكانية إجرائها بالنظر إلى حالة الاضطرابات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة، وإمكانية تأثر البلاد بذلك.

وشددت قوى «الإطار»، في بيان، على «ضرورة إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها المحدد نهاية هذا العام، وعلى عدم وجود حق لأي جهة في تأجيل الانتخابات أو إلغاء التوقيتات الزمنية التي وُضعت للعملية الانتخابية، وبالمعايير والضوابط التي أُقرت لإنجاحها». ودعت، من ثم، الحكومة إلى «تهيئة الأجواء الانتخابية وتوفير مستلزمات الأمن الانتخابي، وتقديم الدعم للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، من أجل إنجاح العملية وضمان نزاهتها».

من جهتها، ذكرت المفوضية العليا للانتخابات، الأسبوع الماضي، أن نحو 30 مليون شخص يحق لهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية المقبلة. وأعلنت عن «افتتاح سجل الناخبين في 1079 مركزاً تستقبل الناخبين في عموم محافظات العراق، وذلك من أجل ضمان تصويتهم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة باستخدام سجل ناخبين دقيق ومحدث».

وفي رد على مقترح مشروع مقدم للبرلمان لتعديل قانون الانتخابات، استبعد رئيس الفريق الإعلامي لـمفوضية الانتخابات، عماد جميل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، في وقت سابق، أي إمكانية لتعديل قانون الانتخابات؛ «إذ لم يرد أي إشعار أو كتاب من البرلمان بهذا الاتجاه، كما أن التعديل يعني ضمناً تأجيل موعد الانتخابات لنحو 6 أشهر إضافية».



مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.