صواريخ «العمق الروسي» تتحدّى «خطوط بوتين الحمراء»

«الصقور» يدفعون لمواجهة حاسمة... و«الكرملين» يتريث في خياراته

بوتين (رويترز)
بوتين (رويترز)
TT

صواريخ «العمق الروسي» تتحدّى «خطوط بوتين الحمراء»

بوتين (رويترز)
بوتين (رويترز)

هل يقترب العالم من حافة المواجهة الكبرى؟ سؤال تردّد كثيراً، خلال الأيام الأخيرة، بعدما وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذيراً عُدَّ الأقوى في لهجته للغرب. لم يتردّد الكرملين في إعلان «نفاد صبر» روسيا، وهو يتكلم عن «القرار الغربي» الذي «طُبخ» خلف أبواب مغلقة، وينتظر اللحظة المناسبة لإعلانه رسمياً. ولقد بدت موسكو واثقة، الأسبوع الفائت، بأن حلف شمال الأطلسي «ناتو» منح عملياً كييف «الضوء الأخضر» لاستهداف العمق الروسي باستخدام صواريخ أميركية وبريطانية الصنع، حتى لو يُذكَر ذلك علناً. ومع أن الكلام الروسي عن «انخراط مباشر» للغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، تكرَّر كثيراً خلال الأشهر الماضية، فإن الجديد هنا تمثَّل في عنصرين: أولهما إطلاق بوتين تهديداً مباشراً بأن المواجهة ستكون مباشرة مع الغرب، هذه المرة، وثانيهما اشتعال المنصات الإعلامية الروسية بتصريحات نارية أطلقها «صقور الحرب» الذين لوّحوا طويلاً بأنه حان وقت «المواجهة الحاسمة» مع الغرب. وهكذا، وقف ديمتري مدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، مهدّداً بـ«محو أوروبا»، وقال إن صبر روسيا «قارب على النفاد» ملوِّحاً بقدرات نووية قادرة على «صَهر» مدن أوروبية. هذه ليست المرة الأولى التي يهدد فيها مدفيديف باستخدام السلاح النووي. وهي عبارات كرَّرها مسؤولون آخرون؛ بينهم سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية والخبير الأبرز في روسيا بشؤون الأمن الاستراتيجي والعلاقات مع واشنطن، الذي تخلّى عن حذره الدبلوماسي المعتاد، وهدّد بـ«رد وحشي» لموسكو إذا سمح الغرب لكييف باستهداف العمق الروسي بصواريخه.

صورة من التوغل الأوكراني في كورسك (رويترز)

اللهجة الحادة من جانب «الصقور» في موسكو عكست حقاً اقتراب الكرملين من تبنّي خيارات حازمة في حال جرى تجاوز آخر «الخطوط الحمراء» التي حدّدها سيد الكرملين.

خلال العام الأخير، بالتوازي مع نجاح موسكو في توسيع سيطرتها بمناطق الدونباس، واجهت موسكو اختراقات واسعة أسقطت عدداً من «خطوطها الحمراء» التي وضعت في وقت سابق. وبالتالي، غدا استهداف المنشآت العسكرية ومراكز البنى التحتية ومستودعات الطاقة في القرم ومناطق عدة أخرى تنتهك «الأراضي الروسية»، وفقاً للتعريف الروسي للحدود، حدثاً يكاد يكون يومياً. كذلك حمل التوسع باستخدام المُسيّرات، ووصولها إلى مناطق بعيدة عن الحدود داخل العمق الروسي، انتهاكاً جديداً رسم ملامح جديدة لقواعد الاشتباك.

في هذه الأثناء، نفّذ الغرب وعوده بمواصلة إمداد أوكرانيا بتقنيات عسكرية متطوّرة، متجاهلاً كل تحذيرات الكرملين في هذا الإطار. وكان الأبرز توغّل كورسك، في أغسطس (آب) الماضي، ومنظرُ تجوّل الدبابات الألمانية والآليات الأميركية والبريطانية داخل الأراضي الروسية، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، كان مُوجعاً جداً للروس.

ستولتنبرغ (روينرز)

«ضوء أخضر» يهزّ «الخطوط الحمراء»

لقد اختبر الغرب بقسوة، عبر تلك التطورات، مستوى «الصبر الاستراتيجي» لبوتين، وردّات فعله على الانتهاكات المتكررة للخطوط الحمراء التي وضعها لنفسه.

وأخيراً، جاء الكلام عن إعطاء كييف «الضوء الأخضر» لضرب مواقع في العمق الروسي بصواريخ «أطلسية» ليضع الكرملين أمام حسابات صعبة وهو يواجه اختراقاً محتملاً لآخِر «خطوطه الحمراء».

خيارات بوتين

كان لافتاً أن الكرملين، رغم تحذير بوتين الصارم، لم يبادر إلى التلويح بتحركات حازمة، بل علّق الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف على التصريحات النارية التي أطلقها عدد من المقرّبين للرئيس الروسي، بالإشارة إلى أن بوتين «يتلقّى توصيات من عدد من الخبراء البارزين، لكنه يعتمد التروّي في اتخاذ قراراته النهائية».

ويبدو أن هذه العبارات فُهِمت في الغرب بشكل متسرّع، إذ جاءت تصريحات ينس ستولتنبرغ، الأمين العام لـ«ناتو»، في مقابلة مع صحيفة «التايمز» البريطانية، لتزيد الغضب عند الروس، فقد قال المسؤول الأطلسي إن «السماح لكييف بشن ضربات صاروخية بعيدة المدى في عمق روسيا لن يكسر خطاً أحمر فيؤدي إلى التصعيد». وأردف أنه يدعم الدول - ومنها بريطانيا وفرنسا - التي دعت إلى إعطاء كييف الإذن باستخدام الصواريخ الطويلة المدى.

على الفور، جدّد الكرملين تحذيره، ورأى بيسكوف أن رغبة قيادة كتلة «ناتو» في تجاهل كلمات بوتين حول عواقب الهجمات التي تشنها الأسلحة الغربية على روسيا «أمر خطير للغاية واستفزازي»، واتهم الحلف بأنه ينطلق من «رغبة متفاخرة بألّا تأخذ تصريحات الرئيس الروسي على مَحمل الجِد... وهذه خطوة قصيرة النظر وغير مهنية، على الإطلاق».

وهكذا، بين تحذيرات بوتين و«ثقة» الغرب بأن روسيا لن تستطيع القيام بخطوات فعالة لمواجهة الاستحقاق الخطير، يدرس الكرملين الخيارات المُتاحة للردّ، وسط ازدياد كلام داخل روسيا عن احتمال اللجوء إلى أسلحة غير تقليدية إذا ما تعرّضت روسيا، فعلياً، لهجمات من شأنها أن تهدد سيادتها وسلامة أراضيها.

للتوضيح، فإن هذه العبارة تحديداً «تهديد السيادة وسلامة الأراضي» هي التي تحدد شرط استخدام كل القدرات الروسية التقليدية وغير التقليدية، وفقاً لاستراتيجية الأمن القومي لروسيا.

صواريخ «ناتو» ولكن... هل تشكل الصواريخ خطراً جدياً؟

هذا السؤال يبرز بشكل واسع حالياً في تحليلات الخبراء الروس والغربيين. والكلام يدور بالدرجة الأولى حول نظاميْ «أتاكامز» الأميركي، و«ستورم شادو» البريطاني - الفرنسي، إذ يصل مدى الصاروخين إلى نحو 300 كيلومتر، في أحسن الأحوال. وهذا المدى لا يسمح بتهديد الجزء الأعظم من المناطق الروسية، بل يضع في دائرة الخطر فقط مساحة محددة على طول الحدود لا تصل حتى إلى العاصمة موسكو.

بهذا المعنى، ستكون منطقة القرم كلها ومحيط مدن كورسك وبيلغورود وروستوف وبعض المدن المهمة الأخرى في مرمى نيران كييف، وهي أصلاً تقع في المرمى حالياً، مع فارق القوة التدميرية للصواريخ الغربية. والنقطة الأبرز هنا تتمثل في القدرة المباشرة على استهداف منشآت حساسة للغاية، بينها مراكز «القيادة والسيطرة» في روستوف، مثلاً، التي منها تُدار العمليات الحربية في أوكرانيا.

إلا أن الأهم بالنسبة إلى الكرملين أن التغاضي عن تطوّر من هذا النوع سيشجع الغرب على مزيد من الانتهاكات اللاحقة، وربما تطوير قدرات أوكرانيا على ضرب مواقع أكثر حساسية لموسكو.

والحال أن أوكرانيا نجحت حقاً في توجيه ضربات مُوجعة إلى مناطق حساسة باستخدام مُسيّرات طُوّرت وزيد مداها لتتجاوز في بعض الحالات 700 أو 800 كيلومتر، لذا فإن التهديد مع الصواريخ الغربية يغدو أكبر، وفقاً للخبراء.

النقطة الثانية المهمة هنا هي المقصود بعبارة «العمق الروسي». فعندما تطلب أوكرانيا من الغرب العون في استهداف مناطق في الداخل الروسي، يظهر على الفور تباين لدى الأوساط الغربية بين السماح بتوجيه ضربات «إلى مناطق أوكرانية محتلة»، أو مناطق «ينطلق منها الخطر على الأراضي الأوكرانية»، دون الإشارة بشكل مباشر إلى استهداف المدن الكبرى والمواقع الحساسة للغاية والبعيدة عن خطوط التَّماس، وفق الفهم الأوكراني القائم على توفير معادلة «ردع متكافئ». والمعنى المقصود أن استهداف المدن الأوكرانية ومنشآت البنى التحتية في مدن بعيدة عن خطوط التَّماس يجب أن يقابله «وصول نيران المعارك إلى المدن الروسية».

لذا ترى موسكو أن إعطاء الغرب «الضوء الأخضر» يعني الانخراط بشكل مباشر في الحرب. وهذا أمر أوضحه بوتين بعبارة إن «الناتو لا يناقش فحسب إمكانية استخدام القوات المسلّحة الأوكرانية أسلحة غربية بعيدة المدى، بل يناقش المشاركة المباشرة في الصراع». وبالنسبة له، فإن أوكرانيا تضرب، بالفعل، الأراضي الروسية بطائرات دون طيار ووسائل أخرى. لكن عندما يتعلّق الأمر باستخدام أسلحة غربية عالية الدقة وبعيدة المدى، «ينبغي أن يكون مفهوماً أن مثل هذه العمليات تجري بمشاركة أفراد عسكريين من دول التحالف، ذلك أنهم وحدهم يمكنهم المشاركة في مهام إطلاق أنظمة الصواريخ وتوجيهها».

تغيير جوهر الصراع

في ضوء ما سبق، يرى الكرملين أن الحرب الأوكرانية قد تكون مُقبلة على تغيير مباشر في جوهر الصراع، وأيضاً في رقعته الجغرافية. وهو يقول بوضوح إن موسكو ستتخذ قراراتها «بناء على التهديدات التي تظهر أمامها».

هذه العبارة بالغة الوضوح لجهة أن موسكو سترى أي البلدان ستعطي «الضوء الأخضر» لأوكرانيا، وستُقْدم على تزويدها بالمُعدات اللازمة لذلك، وأيضاً البلدان التي ستُؤمّن التسهيلات اللوجستية المطلوبة لوصول هذه الإمدادات وتشغيلها على الأراضي الأوكرانية. وفي هذا السياق، لا تُخفي موسكو أنها تدرس خيارات الرد بناءً على تلك المعطيات، ومن هنا جاء التلويح الروسي بأن «ساحة الصراع قد تنتقل إلى أوروبا بشكل مباشر».

إن الخيارات التي يضعها الكرملين لا تستثني، بطبيعة الحال، الردّ النووي في حال دعت الحاجة القصوى لذلك. ولا بد من التذكير بأن بوتين كان قد أمر، خلال الصيف، بإجراء تدريبات غير مسبوقة على السلاح النووي التكتيكي. وشملت التدريبات عدة مراحل تعكس مستوى الجدية والتأهب، بينها عمليات نقل الرؤوس النووية، وتخزينها في مناطق قريبة من خطوط التَّماس المفترضة، ثم تفجير رؤوس نووية تكتيكية؛ أي محدودة الحجم... بما يكفي - مثلاً - لتدمير مدينة صغيرة.

طبعاً، تلك التدريبات استهدفت عدوّاً وهمياً أو افتراضياً. لكن اللافت، خلال اليومين الماضيين، أن قيادة هذا السلاح وجّهت رسالة علنية إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة «أي بوتين» تؤكد أنها باتت على أعلى درجات التأهب والاستعداد.

وإذا كانت هذه الرسالة لا تعكس، بالضرورة، تأهباً من جانب الكرملين لاستخدام السلاح النووي بشكل مباشر، فهي - بلا شك - تدخل ضمن الضغوط الروسية على الغرب، وإظهار مستوى الجدية لدى الكرملين للتعامل مع أي تطوّر منتظَر.

3 خيارات لموسكو للرّد على التحديات

بينها فتح جبهات جديدة

قبل أن تنزلق الأمور على الجبهة الروسية - الأوكرانية نحو استخدام السلاح غير التقليدي، وفقاً لرغبات معسكر «الصقور» الروسي، الداعي إلى حسم المواجهة سريعاً، تبرز أمام «الكرملين»، وفقاً لخبراء، رزمة من الخيارات الأخرى التي يبدو أنها قد تُبلور المراحل الأولى من التعامل الروسي مع التهديدات الجديدة. خبراء عسكريون يشيرون، اليوم، إلى ثلاثة مستويات من الرد الروسي المحتمل، يمكن أن تكون مترافقة ومتزامنة، أو يُنتقى بعضها تدريجياً. غير أنها جميعاً لا تستثني مواصلة ضغط الكثافة النارية على كل الجغرافيا الأوكرانية، مع تركيز أساسي على مواقع تجمُّع الأسلحة والخبراء الأجانب ومنشآت الطاقة والإمدادات المختلفة. المستوى الأول يتمثل في تنشيط استهداف الناقلات الغربية التي تحمل الإمدادات إلى أوكرانيا. وهذا يعني استهداف السفن والطائرات وغيرها من الناقلات على الأراضي الأوكرانية، وفي أجواء أوكرانيا ومياهها الإقليمية، خلال المرحلة الأولى. وربما لاحقاً إذا دعت الحاجة إلى استهدافها في مناطق عدة أخرى. والمستوى الثاني يقوم على توجيه ضربات محددة إلى «مناطق انطلاق الخطر». والمقصود هنا مناطق في محيط أوكرانيا تُستخدم لتخزين ونقل المُعدات الغربية إلى كييف، أو قد تُستخدم بصورة مباشرة محطاتِ انطلاق لبعض الهجمات. ووفق خبراء عسكريين، فإن هذا المستوى من الرد محفوف بمخاطر الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع «ناتو»، لكنهم يدافعون عن هذا الخيار بالإشارة إلى أن الضربات الروسية يجب أن تكون محددة ودقيقة، وأن تكون ذرائعها واضحة أيضاً. وهنا لا بد من التذكير بالسجال الذي أثاره الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عندما دعا الغرب أخيراً إلى المساعدة المباشرة في أنظمة الحماية الجوية لأوكرانيا؛ بمعنى أن ينخرط الغرب في تشكيل مظلة جوية تحمي أجواء بلاده. وهذا قد يتطلب إطلاق دفاعات جوية من مناطق مجاورة لأوكرانيا، مثل بولندا ورومانيا. وهنا، لا تُخفي بولندا - مثلاً - تأييدها خطوات من هذا النوع، ولقد برَّرت موقفها بالقول إن عليها «التصدي لصواريخ روسية قد تخترق الأجواء الأوكرانية، وتسقط على أراضي بولندا». لكن مثل هذا المدخل يوفر لموسكو الذرائع الكافية لتبنّي أحد خيارات الرد على التهديد المتصاعد، وفقاً لوجهة نظرها. أخيراً، المستوى الثالث للرد الروسي يقوم على نقل التهديد بتسليح خصوم واشنطن، إلى دائرة التنفيذ العملي، وكان بوتين قد لوَّح بذلك الخيار قبل أشهر. وراهناً يرى خبراء أن موسكو تستطيع مساعدة خصوم واشنطن، وحليفاتها على إيقاع ضربات مُوجعة بالولايات المتحدة في مناطق عدة من العالم. وفي هذا الإطار، يرى بعض الخبراء أن مناطق، مثل سوريا والعراق، قد تشهد تصعيداً قوياً ضد مصالح واشنطن، فضلاً عن مناطق أخرى عدة.


مقالات ذات صلة

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

أوروبا صورة جماعية للقادة المشاركين في القمة الأوروبية ببروكسل... يوم 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي، وكييف تطلق 300 مسيّرة وتعطّل بعض المطارات الروسية، وطائرات موسكو تتسبب بقطع التيار الكهربائي في الشمال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الساحة الحمراء في موسكو (أ.ب)

حرب المسيّرات بين روسيا وأوكرانيا مستمرة ومقتل شخصين في زابوريجيا

أطلقت أوكرانيا 283 طائرة مسيّرة باتجاه روسيا ليل الجمعة - السبت، في رقم هو من بين الأعلى منذ بدء النزاع.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الأوروبية ببروكسل... يوم 20 مارس الحالي (إ.ب.أ) p-circle

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا، وزيلينسكي يؤكد استئناف المحادثات مع واشنطن لإنهاء الحرب الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا مسؤولو أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس أمس (أ.ف.ب)

أوربان لن يدعم أي قرار يصب في مصلحة أوكرانيا... ويستبعد إقراضها 100 مليار دولار

قال رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، لدى وصوله إلى بروكسل الخميس لحضور قمة الاتحاد الأوروبي، إنه لن يدعم أوكرانيا، ولن يوافق على فرض عقوبات جديدة على روسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ملك بريطانيا تشارلز الثالث يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء خاص في لندن يوم 17 مارس 2026 (أ.ف.ب)

كييف تدعو بروكسل إلى إيجاد سبل لتجاوز اعتراض المجر على قرضها

كييف تدعو بروكسل إلى إيجاد سبل لتجاوز اعتراض المجر على قرض بقيمة 90 مليار يورو

«الشرق الأوسط»

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.