التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله»... تمهيد للأسوأ أم للتسوية؟

أسابيع حاسمة... وتسابق بين التصعيد والدبلوماسية

من جولات القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
من جولات القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله»... تمهيد للأسوأ أم للتسوية؟

من جولات القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
من جولات القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

انطلقت الحرب في «جبهة» جنوب لبنان بين إسرائيل و«حزب الله» بحجة «مساندة غزة»، وفق ما أعلن «حزب الله»، إلا أنها تحوّلت «حرب استنزاف». وهي تتوسع من جنوب لبنان، حيث دُمّرت بلدات عدة بشكل كامل أو جزئي، إلى البقاع (شرقي البلاد) وضاحية بيروت الجنوبية، حيث تعمد إسرائيل إلى تنفيذ عمليات اغتيال مستهدفة قيادات في الحزب وفي حركة «حماس» و«الجماعة الاسلامية»، بالإضافة إلى تركّز القصف على بُنى تحتية للحزب في محاولات لقطع خطوط إمداده، ومنها مخازن أسلحة ومراكز عسكرية، وهو ما أعلنته مرات عدة إسرائيل.

كذلك بدأت عمليات «حزب الله» باتجاه شمال إسرائيل تأخذ منحىً تصاعدياً، مع استخدامه أسلحة متطوّرة، بعضها يستخدم للمرة الأولى، كالمسيّرات الانقضاضية وصواريخ «ألماس» بأجيالها الأربعة، إضافة إلى صاروخي «فلق» و«بركان»، غير أنها بقيت ضمن حدود معيّنة من دون تخطّي «الخطوط الحمراء»، مثل استهداف حيفا ومرافق الغاز.

شرط «ربط الجبهتين»

ومع تطوّر المواجهات، رفع مسؤولو «حزب الله» شرطاً واحداً للتراجع تمثل بـ«ربط» جبهة الجنوب بجبهة غزة، مع تأكيدهم الجهوزية للحرب الواسعة إذا وقعت. لكن هذه المعادلة رفضها المسؤولون في إسرائيل، الذين يرفعون بين الحين والآخر سقف التهديد... متوعّدين بتدمير لبنان وبالاجتياح البرّي، ومحمِّلين الحكومة اللبنانية و«حزب الله» مسؤولية توسّع الحرب.

وعلى الرغم من اعتبار البعض أن المواجهات في الجنوب لا تزال ضمن «قواعد الاشتباك» ولن تتوسّع أكثر، يرفض العميد المتقاعد الخبير العسكري خليل الحلو هذا الوصف، معتبراً ما يحصل اليوم على جبهة الجنوب «حرب استنزاف». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «احتمالات توسّع الحرب ترتفع بشكل كبير؛ وهو ما تعكسه الوقائع العسكرية والسياسية، من تهديدات المسؤولين الإسرائيليين والتحذيرات الدولية، وغيرها».

حرب نفسية متبادلة

الواقع، أنه بعد أشهر من التهديدات المتبادلة بين «حزب الله» وإسرائيل انتقلت المواجهات إلى «حرب نفسية» بامتياز، وعادت طبول الحرب تُقرع بعدما كانت احتمالاتها قد تراجعت مقارنة مع الأسابيع الأولى. وبعدما هددت إسرائيل بالاجتياح البرّي إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، أعلن الجيش الإسرائيلي يوم 18 يونيو (حزيران) الحالي موافقته على «خطة لتنفيذ هجوم في لبنان»، وتوعّد وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالقضاء على «حزب الله» وضرب لبنان في حال اندلاع «حرب شاملة».

في الموازاة، أطلق «حزب الله» رسالة هي الأولى من نوعها بالتزامن مع زيارة الموفد الأميركي إلى لبنان آموس هوكستين، الذي أكد على ضرورة إنهاء النزاع بين الحزب وإسرائيل «بطريقة دبلوماسية وبسرعة». وتمثلت رسالة الحزب بنشره مشاهد مصوّرة بطائرة مسيّرة تتضمن مسحاً لمناطق في مدينة حيفا وشمالي فلسطين. وكشف الفيديو، الذي تجاوزت مدته 9 دقائق، عن صور عالية الدقة لميناء حيفا ومطارها، ومستوطنة الكريوت، ومواقع عسكرية ومنشآت بتروكيميائية حسّاسة. وتكلّم عن أهداف مدنية وعسكرية واقتصادية، في تلميح إلى التكلفة الباهظة التي ستتكبّدها إسرائيل إذا اندلعت حرب شاملة في لبنان، وهو ما اعتبرته تل أبيب «الأكثر إثارة للقلق منذ بداية الحرب».

بعد ذلك بيوم واحد، رفع أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله سقف تهديداته محذّراً من أن أي مكان في إسرائيل «لن يكون بمنأى» عن صواريخ مقاتليه في حال اندلاع الحرب. ولم يقتصر تحذير نصر الله على إسرائيل وحدها، بل شمل أيضاً تهديد قبرص. فبعدما «كشف عن معلومات» تفيد بأن إسرائيل - التي تجري سنوياً مناورات في الجزيرة الصغيرة - قد تستخدم المطارات والقواعد القبرصية لمهاجمة لبنان - هدد بضربها كجهة معادية، وأعلن عن تجاوز عدد مقاتلي الحزب «المائة ألف بكثير وحصوله على أسلحة جديدة». وفي المقابل، قال الجنرال هرتسي هاليفي، رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي، خلال زيارة لشمال إسرائيل إن لدى قواته «قدرات أكبر بكثير» من قدرات «حزب الله».

تقرير «التلغراف» البريطانية

وتوالت رسائل الحرب النفسية التي تنعكس توتراً في لبنان عبر نشر صحيفة «التلغراف» البريطانية يوم 23 يونيو تقريراً نقلت فيه عن «مبلّغين من المطار» زيادة إمدادات السلاح على متن رحلات مباشرة من إيران. وتحدث هؤلاء عن نقل صناديق كبيرة غير اعتيادية وحضور متزايد لقادة رفيعي المستوى من «حزب الله» في المطار، لكن السلطات اللبنانية نفت صحة التقرير بصورة قاطعة، وطرحت علامات استفهام كثيرة حول توقيت نشره. وبينما لم يصدر أيّ تعليق من «حزب الله»، اعتبر علي حميه، وزير الأشغال المحسوب على الحزب، أنّ نشر التقرير «يهدف لتشويه سمعة المطار» و«يُلحق ضرراً معنوياً» باللبنانيين، مندّداً بما وصفه بـ«حرب نفسية مكتوبة».

أيضاً، وضع اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، التهديدات المتصاعدة في خانة الحرب النفسية التي لا تؤدي إلى حرب فعلية. وتابع: «الناس يعيشون أجواء الحرب نتيجة هذه المواقف التصعيدية، لكن على الأرض فعلياً تراجعت حدّة المواجهات العسكرية». وذكّر شحيتلي أن تل أبيب أطلقت الحرب النفسية عند إعلانها عن توقيع أمر الهجوم على لبنان، وردّ «حزب الله» برسالة مسيّرة «الهدهد». وأضاف: «عسكرياً، خطة العمليات تكون عادة سرّية يُمنع الاطلاع عليها، ويُعلن عن توقيعها عند بدء التنفيذ. وبالتالي، فإن مجرّد التسريب يعني التهديد... لا الذهاب إلى الحرب».

وفي حين يطرح شحيتلي علامة استفهام حول إعلان «حزب الله» لجهة ما قامت به مسيّرة «الهدهد»، فإنه أوضح: «الجهتان تخرقان السرّية العسكرية بتسريب المعلومات... وهذا يعني أنها حرب نفسية موجّهة للجيش الإسرائيلي والمجتمع داخل فلسطين المحتلة من جهة وللبيئة الحاضنة لـ(حزب الله) في لبنان من جهة أخرى».

أما الدكتور عماد سلامة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية، فأبلغ «الشرق الأوسط» أنه يمكن النظر إلى الحرب النفسية المتصاعدة بين «حزب الله» وإسرائيل إما «كمقدمة لحرب فعلية أو كاستراتيجية متبادلة لرفع سقف المفاوضات بين الطرفين». وأوضح: «إذا اعتبرنا هذا الأسلوب طريقاً عقلانية لرفع سقف التفاوض، فإن الطرفين يسعيان لعرض قوتيهما وقدراتهما، ليس فقط لإثارة مخاوف الطرف الآخر ومحاكاة حجم ونتائج الحرب إذا شُنت فعلياً، بل أيضاً للدفع للمفاوضات والتنازل لتسوية».

أسابيع حاسمة...

في سياق موازٍ، رغم رفع سقف التهديدات من قِبل الطرفين بقيت أبواب «الدبلوماسية» مفتوحة، بحسب ما أشارت تصريحات لمسؤولين في لبنان وإسرائيل؛ ما يعكس سباقاً بين التصعيد والحل السياسي. وفي هذا الإطار، أعرب رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي عن قلقه من تطوّر الأوضاع في الجنوب، معتبراً أننا «أمام شهر حاسم والوضع غير مطمئن». وبعد يومين على لقائه الموفد الأميركي آموس هوكستين، كشف برّي عن أن الأخير «طرح تراجع (حزب الله) 8 كيلومترات عن الحدود لتهدئة الأوضاع بمناطق الشريط الحدودي»، فطالبه بالمقابل «بتراجع الجيش الإسرائيلي المسافة نفسها»، مؤكداً في الوقت عينه «تمسك لبنان بالقرار الأممي رقم 1701».

هذا، وكان هوكستين وبرّي تداولا مجموعة من الأفكار، أبرزها الالتزام بقواعد الاشتباك التي كانت سائدة قبل هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)؛ ما من شأنه الإسهام بعودة النازحين على جانبَي الحدود اللبنانية - الإسرائيلية. ومن جهته، قال مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي إن «إسرائيل ستمضي الأسابيع المقبلة في محاولة حل الصراع مع (حزب الله)»، مؤكداً أنهم «يفضلون الحل الدبلوماسي». غير أن نيتزان نورييل، الرئيس السابق للمكتب الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب، قال لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعتقد أننا في غضون أسابيع قليلة سنشهد عملية إسرائيلية في لبنان» متوقّعاً أن «تستمر شهوراً». وأشار إلى أن هدف العملية البرّية سيكون دفع «حزب الله» إلى شمال نهر الليطاني، على مسافة نحو 30 كيلومتراً من الحدود الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، وستترافق مع غارات جوية عبر الأراضي اللبنانية «ليظهر لهم الثمن الذي سيدفعونه».

هذه التهديدات أدت إلى استنفار من قِبل الدول الكبرى التي تواصل الدعوة إلى التهدئة، مع أنه كان قد نقل عن مسؤولين أميركيين تأكيدهم لتل أبيب بأن الرئيس الأميركي جو بايدن سيكون مستعداً لدعم إسرائيل إذا اندلعت الحرب. كذلك، التحذير من التصعيد ورد أيضاً الأمم المتحدة على لسان مارتن غريفيث، منسق الشؤون الإنسانية، مشيراً إلى احتمال توسع رقعة الحرب الإسرائيلية ضد «حماس» في غزة إلى لبنان، وتابع: «سيكون ذلك مروعاً»، واصفاً الوضع بـ«المقلق جداً» وحذّر من «أنها قد تكون مجرد البداية».

في هذه الأثناء، في بيروت، فإن السلطات اللبنانية في حالة استنفار، محاولةً إبعاد شبح الحرب الشاملة والمدمّرة. وبعد تصاعد التهديدات في الأيام الأخيرة، ناشد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، الأطراف اللبنانية كافة «أخذ مصلحة لبنان وعلاقاته الخارجية بعين الاعتبار». وتوجّه عبد الله بوحبيب، وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال، إلى بروكسل لإجراء مباحثات مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي، وانتقل إلى الولايات المتحدة وكندا، حيث التقى مسؤولين أميركيين في واشنطن، ومسؤولين أمميين في منظمة الأمم المتحدة.

استبعاد الحرب... إلا إذا!

رغم كل سبق، يستبعد اللواء الركن المتقاعد شحيتلي الحرب الموسعة في «المدى المنظور»، معتبراً أن «ما يحصل اليوم ليس إلا تبادلاً للقصف». في حين يعتبر الدكتور سلامة أن «كلاً من (حزب الله) وإسرائيل يسعى لخلق توازن رعب يمنع وقوع الحرب ويحافظ على الوضع الراهن؛ تفادياً بذلك تكلفة الحرب العالية لعلمه بأن أي مواجهة عسكرية شاملة ستكون مدمرة للطرفين». ولكن، مع ذلك، يرى سلامة أنه «في بعض الأحيان يمكن أن يُساء تقدير إمكانيات الطرف الآخر والرهان على كسب المعركة؛ ما قد يؤدي إلى المواجهة»؛ ولذا يؤكد أنه «حتى هذه اللحظة، تبقى المواجهة ضمن الخطوط المقبولة، وما زال الطرفان يديران المعركة ضمن ردع متبادل، وتبقى صيحات الحرب الشاملة ضمن الحرب النفسية حتى تتجلى الأمور في غزة وتعقد الصفقة. وبالتالي، يمكن القول إن هذه الحرب النفسية في جزء منها عرض قوة ورفع لسقف التفاوض، وجزء منها تهديد حقيقي قد ينزلق إلى مواجهة فعلية إذا ما أخطأ أحد الطرفين في حساباته».


مقالات ذات صلة

نصرالله حصر التفاوض بالدولة اللبنانية من دون أن يبرر تغييبه لدور بري

تحليل إخباري الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله (أ.ف.ب)

نصرالله حصر التفاوض بالدولة اللبنانية من دون أن يبرر تغييبه لدور بري

توقفت مصادر دبلوماسية أمام قول حسن نصرالله إن الدولة اللبنانية هي الوحيدة المخوّلة التفاوض لإعادة الهدوء إلى الجنوب وفسرته برغبته في رفع الإحراج عن الحكومة.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس «القوات» سمير جعجع يستقبل رئيس «الاشتراكي» النائب تيمور جنبلاط لطرح مبادرة رئاسية (إعلام الاشتراكي)

«القوات» و«الاشتراكي»: اختلافات بالجملة واتفاق على عدم الخصومة

تمر العلاقة بين حزب «القوات اللبنانية» والحزب «التقدمي الاشتراكي» في أسوأ مراحلها رغم محاولة الطرفين الظهور عكس ذلك.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي ميقاتي مترئساً مجلس الوزراء الذي عُقد الخميس (الوكالة الوطنية للإعلام)

تسوية سياسية «جزئية» تسمح بقبول ضباط في الكلية الحربية بلبنان

أقرّ مجلس الوزراء اللبناني إجراء مباراة جديدة لاختيار ضباط جدد وإلحاقهم بالدورة السابقة التي عرقلها الخلاف بين وزير الدفاع وقائد الجيش.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي خلال تشييع الأطفال السوريين الثلاثة الذين قُتلوا بجنوب لبنان نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

تصاعُد في الخسائر المدنية بجنوب لبنان... و«حزب الله» يستهدف مستعمرات

يتزايد في اليومين الأخيرين عدد القتلى المدنيين جنوب لبنان نتيجة القصف الإسرائيلي، الذي نتج عنه يوم الثلاثاء مقتل 5 سوريين، بينهم 3 أطفال.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي ملتقياً المبعوث الأميركي الخاص إلى لبنان آموس هوكستين في زيارة سابقة له إلى بيروت (إ.ب.أ)

إسرائيل تتبع التدمير البطيء جنوباً لتطبيق الـ«1701» على طريقتها

يتخوف اللبنانيون من تراجع الاهتمام الدولي ببلدهم بخلاف ما يتوهمه البعض من أهل السياسة نظراً لانشغال الدول بمشاكلها الداخلية.

محمد شقير (بيروت)

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
TT

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

مرحلتا «التعايش» أو «المساكنة» الأولى والثانية في فرنسا كانتا في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الاشتراكي مع رئيسيْ حكومة من اليمين الديغولي هما جاك شيراك (بين عاميْ 1986 و1988) وإدوار بالادور (بين 1993 و1995)، ثم في زمن الرئيس شيراك، حين شغل الاشتراكي ليونيل جوسبان منصب رئاسة الحكومة طيلة خمس سنوات (1997 و2002). وانتهت المرحلة الأخيرة بإعادة انتخاب شيراك لولاية ثانية من خمس سنوات.

الحكم العامودي

رغم تعاقب العهود والتغيّرات في الآيديولوجيا والأولويات وبرامج الحكم، لم تعرف حقاً أزمات خطيرة؛ بفضل صلابة المؤسسات التي أرساها الجنرال شارل ديغول التي وفرت التعاقب السلمي والسلس على السلطة.

أما اليوم، فإن قراري الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء 9 يونيو (حزيران) الماضي، حل البرلمان بعد الهزيمة التي ضربت تحالف الأحزاب الثلاثة المؤيدة له في الانتخابات الأوروبية، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، أدخلا فرنسا في أزمة عميقة لا أحد يعرف كيف الخروج منها ولا الحدود التي ستقف عندها.

لوبن ومعها بارديلا (آ ب)

ويوماً بعد يوم، تتكشف الظروف، التي أحاطت بقرار ماكرون الفجائي، الذي اتخذه بمعزل عن الحكومة ومن دون القيام بالمشاورات التي يُلزمه بها الدستور، وتحديداً مع رئيسيْ مجلسي الشيوخ والنواب ورئيس الحكومة. ولم يعد سراً أن الأخير، غابرييل أتال (35 سنة)، كان معارضاً بقوة لقرار ماكرون الذي يدين له بكل شيء، ولكونه أصغر رئيس حكومة في تاريخ البلاد منذ عام 1802، حين وصل الجنرال نابوليون بونابرت - ولاحقاً الإمبراطور - إلى منصب «القنصل الأول» ما يساوي منصب رئيس الحكومة.

كذلك اعتبر إدوار فيليب، رئيس الحكومة الأسبق، والرئيس الحالي لحزب «هورايزون» المتحالف مع ماكرون، أن الأخير «قتل الأكثرية الرئاسية»، لذا «يتوجب الذهاب إلى أكثرية مختلفة لن تكون كسابقتها». أما فرنسوا بايرو، الحليف الرئيس لماكرون ورئيس حزب «الحركة الديمقراطية» المنضوية تحت لواء التحالف الداعم له، فرأى أن المعركة الانتخابية التي تلي حل البرلمان «ليست معركة سياسية بل صراع من أجل البقاء».

ماكرون ومجموعته الضيقة

بناءً عليه، صار واضحاً، اليوم، أن ماكرون اتخذ قراره مع مجموعة ضيقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وفي اجتماع دُعيت إليه في قصر الإليزيه يائيل بيفيه ـ براون، رئيسة مجلس النواب، ليس للتشاور، بل لإبلاغها قراره، طلبت منه الأخيرة اجتماعاً على انفراد لتبلغه رفضها حل البرلمان الذي ترأسه منذ سنتين، مذكّرة إياه بالمادة الدستورية التي تُلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معها. ولقد وافق ماكرون على طلبها، إلا أن الاجتماع، في غرفة جانبية، لم يدُم سوى دقيقتين.

ما حصل مع بيفيه ـ براون، جرى أيضاً مع جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، المنتمي إلى اليمين التقليدي - حزب «الجمهوريون» - والرجل الثاني في الدولة الذي يشغل هذا المنصب، من غير انقطاع، منذ عام 2014.

إذ نقلت صحيفة «لوموند» أن لارشيه، الذي لم يكن حاضراً الاجتماع الطارئ في الإليزيه، تلقى اتصالاً هاتفياً من ماكرون، في الثامنة والربع من مساء التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، وأن الاتصال دام دقيقة ونصف الدقيقة.

وتابعت الصحيفة أن لارشيه، الطبيب البيطري السابق، انتقد ماكرون؛ لعدم احترامه المادة 12 من الدستور، الأمر الذي عدَّه «انتقاصاً من دور المؤسسة التي يرأسها»، وبالتالي من منصبه ومنه شخصياً. وسأل لارشيه، ماكرون: «هل فكّرت ملياً بما قرّرت فعله؟»، وجاء ردّ رئيس الجمهورية: «نعم، أنا أتحمل كامل المسؤولية ومستعد للتعايش» مع حكومة من غير معسكره السياسي.

التعايش مع اليمين المتطرف!

بالنظر لنتائج الانتخابات الأوروبية، التي شهدت احتلال حزب «التجمع الوطني»، اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، وترؤس الشاب جوردان بارديلا لائحتها، المرتبة الأولى وحصوله على 34 في المائة من الأصوات، كان ماكرون يعني التعايش مع حكومة من اليمين المتطرف. وهذا ما كان سيُدخل فرنسا نادي الدول التي سيطر عليها هذا اليمين؛ أكان بالكامل كما في إيطاليا وهولندا، أم جزئياً كما في المجر والدنمارك والسويد.

إلا أن لارشيه، المعروف باعتداله ووسطيته، انتقد نهج الحكم الماكروني قائلاً له أن «عمودية حكمه - أي إمساكه بالقرار السياسي وحرمان حكومته من هامش من التصرف - قادته إلى العزلة التي يعاني منها راهناً». وخلاصة القول إن قلة اكتراث ماكرون بالمؤسسات وبدور رئيس الحكومة والنقابات، وما يسمى الهيئات الوسيطة، كالنقابات مثلاً، أدت إلى «القطيعة مع الرئيس»، بمن في ذلك المرشحون للانتخابات التي أُجريت دورتاها يوميْ 30 يونيو، و7 يوليو (تموز) الحالي. وكان من أبرز معالم هذه القطيعة أن أحداً من المرشحين لم يطلب دعم ماكرون في حملته الانتخابية؛ لأنه اعتبر أن حضوره سيؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك كان اللافت أن أياً من المرشحين لم يضع صورته إلى جانب صورة ماكرون على ملصقاته الانتخابية.

تبعات المبادرة الماكرونية..

لقد أفادت نتائج الدورة الانتخابية الأولى الرسمية والنهائية، التي صدرت عن وزارة الداخلية، أن حزب «التجمع الوطني»، ومعه حليفه أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» المنشقّ والملتحق بـ«التجمع الوطني»، حصل على 33.15 في المائة من أصوات الناخبين، وعلى 10.7 مليون صوت، في تحوّل لم يعرفه سابقاً، كما تمكّن 37 من مرشحيه من الفوز منذ الجولة الأولى.

ثم حلّت «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تشكلت في وقت قياسي، والتي تضم ثلاثة أحزاب يسارية وحزب «الخضر»، في المرتبة الثانية بحصولها على 28 في المائة من الأصوات.

أما «ائتلاف الوسط»، الداعم لماكرون وعهده، فقد حلّ في المرتبة الثالثة، إذ رسا على ما دون عتَبة الـ21 في المائة. وللعلم، تمكّن اليسار من إيصال 32 نائباً منذ الدورة الأولى، مقابل نائبين فقط للائتلاف الأخير. وأصاب الانهيار أحزاب العهد الثلاثة في الصميم، وكذلك حزب «الجمهوريون» الذي تقلّص ناخبوه إلى 6.75 في المائة، بعدما هيمن، طيلة عقود، على الحياة السياسية في فرنسا.

نعم، جاءت نتائج الجولة الأولى صادمة وبمثابة قرع لجرس الإنذار محذِّرة من وصول اليمين المتطرف إلى السلطة عبر الانتخابات البرلمانية. وطيلة الأسبوع الفاصل بين الجولتين الأولى والثانية، كان السؤال المحوَري يدور حول ما إذا كان اليمين المتطرف سيحصل على الأكثرية المطلقة في البرلمان أم لا.

وأخذ جوردان بارديلا، الذي رشحه «التجمع الوطني» لرئاسة الحكومة، بينما تتحضر مارين لوبن للعبور إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يتكلّم إلى الإعلام وكأنه واصل غداً إلى رئاسة الحكومة.

بيد أن هذه النتائج دفعت «الجبهة الشعبية الجديدة» و«ائتلاف الوسط»، رغم التباعد الآيديولوجي والسياسي بينهما والحملات السياسية والشخصية العنيفة المتبادلة طيلة ثلاثة أسابيع، إلى الاتفاق على سحب مرشحيهما من الدوائر التي حلّوا فيها في المرتبة الثالثة لكي تصب الأصوات كافة لصالح المرشح المناهض لليمين المتطرف، مهما كان لونه السياسي. والحقيقة أن «معجزة» تحقّقت، واتفق الطرفان على سحب 220 مرشحاً أكثريتهم من جبهة اليسار، الأمر الذي قلَب النتائج المرتقبة سلفاً رأساً على عقب.

ظواهر فرضت نفسها

في أي حال، ثمة أربع ظواهر فرضت نفسها:

الأولى أن «الجبهة الجمهورية» التي شكلت لوقف زحف اليمين المتطرف إلى السلطة نجحت في مهمتها. فبدل أن تثبت جولة الإعادة نتائج الجولة الأولى، ها هو اليمين المتطرف يحل في المرتبة الثالثة، ما وأد أحلامه السلطوية مع أنه نجح في إيصال 125 نائباً إلى البرلمان الجديد، مقابل 89 نائباً في البرلمان السابق.

والثانية أن جبهة اليسار، ومَن انضم إليها، حلّوا في المرتبة الأولى مع 195 نائباً، يتبعهم في ذلك ائتلاف الوسط الرئاسي (166 نائباً) الذي خسر 84 نائباً.

والثالثة أن أية مجموعة من المجموعات الرئيسة الثلاث لم تحصل على الأكثرية المطلقة (289 نائباً) أو لامستها، الأمر الذي أوجد وضعاً سياسياً بالغ التعقيد، وجعل تشكيل حكومة جديدة صعب المنال.

والرابعة قوامها أن القرار السياسي انتقل من قصر الإليزيه، حيث خرج ماكرون ضعيفاً في المنافسة الانتخابية بسبب ضعف مجموعته السياسية وفقدان سيطرته على المجموعات الأخرى، إلى البرلمان. وهو ما أعاد فرنسا - بمعنى ما - إلى عهود «الجمهورية الرابعة» عندما كان القرار بيد المشرّعين وليس بيد رئيس الجمهورية.

انتخابات بلا فائز

يعطي الدستور الفرنسي تسمية رئيس الحكومة لرئيس الجمهورية، كما أنه لا يُلزمه بمهلة محددة لاختياره. بيد أن العُرف يقول إنه يتوجب عليه أن يُوكل المهمة إلى شخصية من «التجمع»، أو الحزب الفائز بالانتخابات، أو الذي يحل في المرتبة الأولى؛ أي في حالة الانتخابات الأخيرة، إلى «الجبهة الشعبية الجديدة».

بيد أن ماكرون يتمهل وتجمعه (ائتلاف الوسط)، ومعهما اليمين التقليدي (حزب «الجمهوريون»)، الذي حصل على 65 نائباً. وهؤلاء يراوغون ويستمهلون ويسوّقون الأعذار لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة بحجة هيمنة حزب «فرنسا الأبية»، والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، عليه. ومنذ الأحد الماضي، يوجه هؤلاء سهامهم على ميلونشون؛ لأنهم يرون فيه نقطة الضعف الرئيسة، ويواظبون على نعته بـ«معاداة السامية»، وبالسعي لهدم النظام الديمقراطي، وإثارة الفوضى والطوائفية.

وتضاف إلى ما سبق حجتان: الأولى أن اليسار عاجز عن توفير أكثرية في مجلس النواب باعتبار أنه ليست ثمة مجموعة من المجموعتين الكبريين تقبل بالتحالف معه للوصول إلى العدد السحري (289 نائباً). والثانية أن «لا أحد فاز في الانتخابات الأخيرة»، كما أكد وزير الداخلية جيرالد درامانان... باعتبار أن المجموعات الثلاث نالت أعداداً متقاربة من النواب.

وبالفعل، سارع ماكرون إلى استخدام الحجة الأخيرة في «الرسالة» التي وجّهها إلى الفرنسيين، الأربعاء، عبر الصحافة الإقليمية - وهي الثانية من نوعها منذ حل البرلمان. وعمد الرئيس إلى استخلاص النتائج وطرح تصوّره للأيام المقبلة، فيما تجهد جبهة اليسار، بشِق النفس وبمفاوضات شاقة، إلى التوافق حول اسم مرشح تطرحه لرئاسة الحكومة وسط كمٍّ من الأسماء.

وهنا، لم يتردد أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، في طرح نفسه للمنصب، علماً بأن هناك صراعاً داخلياً قائماً بين الحزب الاشتراكي وحزب «فرنسا الأبية» على تزعّم تجمع اليسار و«الخضر». وحلم ماكرون ومجموعته إحداث شرخ داخل «جبهة اليسار» بحيث يبتعد الاشتراكيون و«الخضر» - وأيضاً الشيوعيون - عن ميلونشون و«فرنسا الأبية»، بحيث يتاح المجال لتشكيل حكومة «قوس قزح» من اليمين وائتلاف الوسط واليسار غير الميلونشوني؛ بمعنى إقصاء أقصى الطرفين خارجها، أي من جهة، اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، ومن جهة ثانية، اليسار المتشدد ممثلاً بـ«فرنسا الأبية».

وللتذكير، طلب ماكرون، في رسالته التي لقيت احتجاجات قوية، لا بل تنديداً شديداً بـ«مناورته» الجديدة، من «كل القوى السياسية التي ترى نفسها داخل المؤسسات الجمهورية، أن تنخرط في حوار صادق ونزيه من أجل بناء أكثرية صلبة تكون بطبيعة الحال متعددة». وأردف أنه يريد «التمهّل بعض الوقت من أجل التوصل إلى تسويات بهدوء واحترام للجميع»، مكرّراً من جديد أن «لا أحد فاز» في هذه الانتخابات.