سانتياغو آباسكال... وجه إسبانيا ضمن كوكبة غلاة التطرف اليميني الأوروبي الصاعد

زعيم حزب «فوكس»... مستضيف «منتداهم» التحضيري للمستقبل

برنامج آباسكال السياسي لا يختلف كثيراً عن برنامج دونالد ترمب أو مارين لوبان: «إسبانيا للإسبان» و«المهاجرون أساس كل المشاكل»!
برنامج آباسكال السياسي لا يختلف كثيراً عن برنامج دونالد ترمب أو مارين لوبان: «إسبانيا للإسبان» و«المهاجرون أساس كل المشاكل»!
TT

سانتياغو آباسكال... وجه إسبانيا ضمن كوكبة غلاة التطرف اليميني الأوروبي الصاعد

برنامج آباسكال السياسي لا يختلف كثيراً عن برنامج دونالد ترمب أو مارين لوبان: «إسبانيا للإسبان» و«المهاجرون أساس كل المشاكل»!
برنامج آباسكال السياسي لا يختلف كثيراً عن برنامج دونالد ترمب أو مارين لوبان: «إسبانيا للإسبان» و«المهاجرون أساس كل المشاكل»!

في العام 2018 افتتح ستيف بانون، «منظّر» التيّار اليميني المتطرّف في الولايات المتحدة، مقرّ الجامعة الشعبوية المخصّصة لتأهيل القيادات والكوادر الأوروبية لهذا التيّار في دير قديم من مطالع القرن الثالث عشر على بعد ساعة من العاصمة الإيطالية روما. ومع أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب كان قد أبعد المنظّر المتطرف عن دائرة مساعديه الضيّقة بعدما كان المخطط الرئيسي لحملته الانتخابية وذراعه اليمنى في الأشهر الأولى من ولايته الرئاسية، قال بانون يومها إن الهدف من تلك الجامعة هو «تقديم الدعم والخبرة لاستراتيجية بعيدة المدى» ترمي إلى نشر «الترمبية» في أوروبا عبر حركة شعبوية دولية تنطلق من بروكسل، حيث مقرّ مؤسسة The Movement التي تدير أنشطتها وتنسّقها. يومذاك، كان بانون محاطاً بالرموز الصاعدة والواعدة لمجموعة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، يتقدّمها زعيم «الرابطة» الإيطالية ماتّيو سالفيني ومؤسسة حزب الفاشيين الجدد «إخوان إيطاليا» جيورجيا ميلوني وزعيم حزب «فوكس» Vox الإسباني سانتياغو آباسكال الذي كان قد انشقّ حديثاً عن الحزب الشعبي المحافظ. وحقاً، بعد سنوات على ذلك اللقاء، الذي رعاه التيّار المعارض للبابا فرنسيس داخل الفاتيكان، والتيّار الكاثوليكي اليميني في الكنيسة الأميركية، أصبحت ميلوني أول امرأة ترأس الحكومة الإيطالية في ائتلاف يضمّ سالفيني وحزبه. ودخل اليمين المتطرّف البرلمان الإسباني للمرة الأولى منذ وفاة الجنرال فرانشيسكو فرنكو ليغدو القوة السياسية الثالثة في إسبانيا بعد الانتخابات الاشتراعية الأخيرة... التي شهدت أيضاً اختراقه المعاقل القومية في كاتالونيا (قطالونية) وبلاد الباسك المعروفة بكونها عصيّة على الأحزاب اليمينية.

في المهرجان السنوي الذي ينظمّه حزب «إخوان إيطاليا» (الفاشي الجديد) لحركته الشبابية في معقله الرئيس بالعاصمة الإيطالية روما، والذي احتفل مطلع هذا الربيع بتتويج ميلوني اول زعيمة لحزب يميني متطرّف يرأس حكومة دولة كبرى في الاتحاد الأوروبي، كان سانتياغو آباسكال «ضيف الشرف» إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك والملياردير الأميركي إيلون ماسك، نصير الشعبوية اليمينية في العالم وصاحب منصة «إكس».

في نهاية ذلك المهرجان ألقى آباسكال الكلمة الختامية، بعدما قدّمه ماسك الذي استحضر تصريحات سابقة لبانون قال فيها إن زعيم «فوكس» سيكون، إلى جانب ميلوني وسالفيني «رأس حربة استعادة أوروبا هويتها القومية وحرّية قرارها السياسي».

بالمناسبة، لم تكن مشاركة آباسكال في ذلك المهرجان موضع ترحيب إجماعي بين مضيفيه الطليان بعد التصريحات التي كان أدلى بها قبل ذلك بأسابيع وتوقّع فيها أن يوماً سيأتي يعلّق فيه الإسبان رئيس حكومتهم الاشتراكي بيدرو سانتشيز من رجليه في الشوارع. لكن اعتراض البعض على مشاركته لم يأتِ من دعوته إلى العنف ضد رئيس منتخب ديمقراطياً، بل لأن تلك التصريحات - التي لا تخرج عن الأسلوب المألوف لدى آباسكال خاصة عندما يتوجّه إلى سانتشيز - أعادت إلى أذهان الفاشيين الطليان الجدد مقتل مؤسس الحركة الفاشية الإيطالية بنيتو موسوليني عام 1945 ثم عرضه على الجماهير معلّقاً من رجليه في أحد ميادين مدينة ميلانو.

آباسكال توعّد في ذلك المهرجان بأن أوروبا بعد الانتخابات المقبلة للبرلمان الأوروبي «لن تكون كما هي اليوم». وقال: «إن مسار استعادة السيادة أصبح موجاً هادراً لن يقوىَ أحد على الوقوف بوجهه». ثم دعا إلى رصّ الصفوف لتشكيل جبهة واحدة ضد الشيوعيين والاشتراكيين في أوروبا. وبالفعل، جاءت الانتخابات الإقليمية في كاتالونيا وبلاد الباسك لتؤكد توقعات رسوخ صعود «فوكس»، وتنذر بعاصفة يمينية متطرفة قد لا تقلب المعادلات السياسية القائمة حالياً في الاتحاد الأوروبي، لكنها قطعاً ستمهّد لمرحلة جديدة وتوازنات مختلفة لن تكون ركائز المشروع الأوروبي في منأى عن تداعياتها.

النشأة... والمشوار

أبصر آباسكال النور في بلاد الباسك عام 1967، وصادف مولده يوم الاحتفال بإعلان الجمهورية التي اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية للإطاحة بها. ولاحقاً - تخرّج في كلية العلوم الاجتماعية بجامعة بلباو. وهو أب لأربعة أولاد من زوجته الأولى، أما زوجته الثانية فهي ناشطة علـى وسائل التواصل؛ إذ يزيد عدد متابعيها على ربع مليون. عائلياً أيضاً، كان جدّه رئيس بلدية عن الحزب الشعبي اليميني، الذي صار والده أحد قادته في بلاد الباسك، وانضمّ هو إليه عند بلوغه الثامنة عشرة. وكغيره من أنصار هذا الحزب اليميني المحافظ في إقليم الباسك، عانى من الاضطهاد والتهديد على يد أنصار الأحزاب القومية الانفصالية المؤيدة لمنظمة «ايتا» التي كانت ترى في هذا الحزب امتداداً للنظام الفرنكي الذي قمع الحركة الانفصالية طيلة عقود بيد من حديد، ولاحق قياداتها وزجّ العديد منهم في السجون. وبعد خمس سنوات على انضمام آباسكال إلى الحزب الشعبي انتُخب عضواً في المجلس البلدي لمدينة آلافا، حيث اضطر إلى حمل السلاح دفاعاً عن نفسه من التهديدات التي كان يتعرّض لها، وما زال إلى اليوم يحمل مسدساً بعدما تخلّى عن حراسه المرافقين.

تلك المرحلة كان لها تأثير عميق في بلورة مسار الرجل السياسي؛ إذ كان يعتبر دائماً أن المحافظين يخشون كثيراً مواجهة التحدي الانفصالي؛ ما دفعه إلى الاستقالة من الحزب الشعبي احتجاجاً على ما وصفه بأنه «ميوعة» من الحكومة التي كان يرأسها ماريانو راخوي تجاه الأحزاب القومية في كاتالونيا وبلاد الباسك. ثم أن تلك السنوات أثّرت أيضاً في صياغة خطابه السياسي القاسي اللهجة حيال الأحزاب والقوى الانفصالية، وخاصة حيال رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز الذي يتهمه بخيانة الدستور والتنازل عن المحرّمات الوطنية لهذه القوى من أجل الوصول إلى السلطة والبقاء فيها بأي ثمن.

تأسيس «فوكس»

عندما أسّس آباسكال حزبه عام 2014، كان يواظب على حضور مهرجانات زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان، التي كان يعتبرها المرآة التي يجب أن تنعكس فيها السياسة الأوروبية الجديدة. يومها كانت شعبية «فوكس» لا تتعدّى 2 في المائة في أفضل التقديرات، إلا أن الحركة الانفصالية الكاتالونية التي اندلعت عام 2017 وفّرت له منصة الانطلاق السريع الذي كان قد بدأ مع ركوبه الموجة المعادية للهجرة. وجاءت الانتخابات الأوروبية لتعطيه منبراً على مستوى الاتحاد، ثم الانتخابات الإقليمية في إقليم الأندلس - معقل الاشتراكيين وخزانهم الانتخابي بامتياز - التي أدخلته الحكومة المحلية بالتحالف مع الحزب الشعبي الذي ينافسه على القاعدة الشعبية اليمينية ذاتها.

برنامج آباسكال السياسي لا يختلف كثيراً عن برنامج دونالد ترمب أو مارين لوبان: «إسبانيا للإسبان»، و«المهاجرون أساس كل المشاكل»، خاصة إذا كانوا من البلدان المسلمة. لكن خطابه فج ومباشر أكثر، ويلامس التحريض على العنف في معظم الأحيان. وليس من باب المصادفة أن الأمين العام للحزب عضو سابق في «القوات الإسبانية الخاصة» المعروفة بولائها التاريخي للجنرال فرنكو، وأن رئيسة الحزب في مدريد من أتباع تيّار كاثوليكي متشدد يدعو إلى النقاء الديني للمجتمع الإسباني، وشعاره الصليب لردع «الاجتياح» المسلم، تماهياً وتيّار أوربان في المجر أو دودا في بولندا، وشعاره المعلن «الله - الوطن - العائلة».

يردّد آباسكال في خطبه الجماهيرية شعارات موروثة من النظام الفرنكي مثل «إسبانيا واحدة، عظمى وحرة». ولا يتردد في الإعراب عن إعجابه الشديد بالرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرّف خافيير ميلي الذي دعاه كـ«ضيف شرف» في حفل تنصيبه، وكان نجم اللقاء الواسع للأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الذي استضافه «فوكس» نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة الإسبانية.

آباسكال هو الشخصية المحوَرية في الحزب منذ تأسيسه رغم وجود تيارات معارضة حاولت إزاحته غير مرة. بيد أن النتائج التي حققها في الانتخابات الأخيرة، وصعوده بين نظرائه الأوروبيين من زعماء الأحزاب اليمينية المتطرفة، رسّخت زعامته التي أصبحت مطلقة في الفترة الأخيرة بعدما أعيد انتخابه رئيساً للحزب حتـي العام 2028.

يرفض زعيم «فوكس» وضع حزبه في خانة اليمين المتطرّف، فيقول: «رغم شيوع هذه التسمية، نحن لا نعتبر اليمين المتطرّف هويّتنا، بل إن ما نطرحه هو عين المنطق وضرورة حيوية لمجتمعاتنا». وهو يدعو الاتحاد الأوروبي إلى «تغيير» حدوده، وأن يكون أكثر احتراماً «لسيادة» الدول، ويجاهر بتفضيله العلاقات الثنائية على النظام المتعدّد الأطراف، ويسعى إلى تشكيل تحالف أوروبي يجمع كل القوى والأحزاب المناهضة للشيوعية والاشتراكية.

كذلك يتعهد الزعيم اليميني المتطرف في برنامجه السياسي خفض الصلاحيات الإقليمية، والاستعاضة عن أجهزة الشرطة الإقليمية بالحرس المدني الذي كان عماد نظام فرنكو - ومنه الضابط الذي قام بمحاولة الانقلاب الفاشلة على النظام الديمقراطي اليافع العام 1981 -، ويطالب بعقوبات قاسية ضد مرتكبي الجرائم الجنسية ضد الأطفال، وإلغاء قوانين المساواة بين الأجناس.

ولكن يظل في طليعة شعاراته الأساسية محاربة الهجرة من «بلاد المسلمين»، والاتجاه نحو البلدان الأميركية اللاتينية «لأنهم يتكلمون لغتنا ويشاطروننا النظرة ذاتها إلى العالم... ويتعايشون معنا بسهولة».


مقالات ذات صلة

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

حصاد الأسبوع ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

فرنسا غارقة اليوم في أزمة سياسية - مؤسساتية لم تعرف مثيلاً لها منذ ستينات القرن الماضي التي أفضت وقتها وتحديداً يوم 28 أبريل (نيسان) 1969 إلى استقالة رئيس الجمهورية، الجنرال شارل ديغول، مؤسس «الجمهورية الخامسة» الذي كان في السلطة في عامه الحادي عشر. وما بين ذلك التاريخ واليوم، تَعاقب على السلطة سبعة رؤساء: جورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وفرنسوا ميتران وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرنسوا ميتران والرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي انتُخب لولاية أولى ربيع عام 2017. وخلال هذه العهود، استقر في قصر الأليزيه رؤساء من اليمين ومن اليسار وعرفت فرنسا ثلاث مراحل مما يسمى «التعايش» أو «المساكنة» بين رئيس للجمهورية ينتمي إلى معسكر سياسي ورئيس حكومة من معسكر آخر.

حصاد الأسبوع بدر عبد العاطي... «مهندس العلاقات الأوروبية» يترأس «الخارجية المصرية»

بدر عبد العاطي... «مهندس العلاقات الأوروبية» يترأس «الخارجية المصرية»

تسلّم الدبلوماسي المخضرم الدكتور بدر عبد العاطي مهام عمله وزيراً للخارجيّة والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ضمن حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الجديدة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع عمرو موسى

وزراء تعاقبوا على حقيبة الخارجية المصرية

> يمتد تاريخ وزارة الخارجية المصرية لأكثر من مائة سنة، تعاقب خلالها على قيادة دفة الدبلوماسية المصرية أكثر من 40 وزيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع  رئيس الوزراء المنغولي في لقاء آخر مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (تشينخوا)

انتخابات منغوليا وانعكاساتها مع «جاريها العملاقين»... الصين وروسيا

بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة في منغوليا، الدولة الآسيوية غير الساحلية، شُكّلت حكومة ائتلافية برئاسة رئيس الوزراء لوفسان نامسراي أويون-إردين، بعدما حرم الناخبون الساخطون «حزب الشعب المنغولي» الحاكم من الغالبية البرلمانية، وإرغام لوفسان نامسراي على تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب المعارضة. وللعلم، حصل الحزبان المنافسان الرئيسان، أي «الحزب الديمقراطي» وحزب «خون»، على مقاعد كثيرة في البرلمان، لكنهما لم يتمكنا من تحدّي حكومة «حزب الشعب المنغولي».

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع المصفحة الرسمية بين الرئيسين فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون في بيونغ يانغ (رويترز)

شراكة بوتين «الاستراتيجية» مع بيونغ يانغ توسّع المواجهة مع الغرب

قد تشكّل الزيارة «التاريخية»، كما وصفتها موسكو وبيونغ يانغ، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية، نقطة تحوّل رئيسية في الصراع المتفاقم بين روسيا

رائد جبر (موسكو)

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
TT

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

مرحلتا «التعايش» أو «المساكنة» الأولى والثانية في فرنسا كانتا في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الاشتراكي مع رئيسيْ حكومة من اليمين الديغولي هما جاك شيراك (بين عاميْ 1986 و1988) وإدوار بالادور (بين 1993 و1995)، ثم في زمن الرئيس شيراك، حين شغل الاشتراكي ليونيل جوسبان منصب رئاسة الحكومة طيلة خمس سنوات (1997 و2002). وانتهت المرحلة الأخيرة بإعادة انتخاب شيراك لولاية ثانية من خمس سنوات.

الحكم العامودي

رغم تعاقب العهود والتغيّرات في الآيديولوجيا والأولويات وبرامج الحكم، لم تعرف حقاً أزمات خطيرة؛ بفضل صلابة المؤسسات التي أرساها الجنرال شارل ديغول التي وفرت التعاقب السلمي والسلس على السلطة.

أما اليوم، فإن قراري الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء 9 يونيو (حزيران) الماضي، حل البرلمان بعد الهزيمة التي ضربت تحالف الأحزاب الثلاثة المؤيدة له في الانتخابات الأوروبية، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، أدخلا فرنسا في أزمة عميقة لا أحد يعرف كيف الخروج منها ولا الحدود التي ستقف عندها.

لوبن ومعها بارديلا (آ ب)

ويوماً بعد يوم، تتكشف الظروف، التي أحاطت بقرار ماكرون الفجائي، الذي اتخذه بمعزل عن الحكومة ومن دون القيام بالمشاورات التي يُلزمه بها الدستور، وتحديداً مع رئيسيْ مجلسي الشيوخ والنواب ورئيس الحكومة. ولم يعد سراً أن الأخير، غابرييل أتال (35 سنة)، كان معارضاً بقوة لقرار ماكرون الذي يدين له بكل شيء، ولكونه أصغر رئيس حكومة في تاريخ البلاد منذ عام 1802، حين وصل الجنرال نابوليون بونابرت - ولاحقاً الإمبراطور - إلى منصب «القنصل الأول» ما يساوي منصب رئيس الحكومة.

كذلك اعتبر إدوار فيليب، رئيس الحكومة الأسبق، والرئيس الحالي لحزب «هورايزون» المتحالف مع ماكرون، أن الأخير «قتل الأكثرية الرئاسية»، لذا «يتوجب الذهاب إلى أكثرية مختلفة لن تكون كسابقتها». أما فرنسوا بايرو، الحليف الرئيس لماكرون ورئيس حزب «الحركة الديمقراطية» المنضوية تحت لواء التحالف الداعم له، فرأى أن المعركة الانتخابية التي تلي حل البرلمان «ليست معركة سياسية بل صراع من أجل البقاء».

ماكرون ومجموعته الضيقة

بناءً عليه، صار واضحاً، اليوم، أن ماكرون اتخذ قراره مع مجموعة ضيقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وفي اجتماع دُعيت إليه في قصر الإليزيه يائيل بيفيه ـ براون، رئيسة مجلس النواب، ليس للتشاور، بل لإبلاغها قراره، طلبت منه الأخيرة اجتماعاً على انفراد لتبلغه رفضها حل البرلمان الذي ترأسه منذ سنتين، مذكّرة إياه بالمادة الدستورية التي تُلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معها. ولقد وافق ماكرون على طلبها، إلا أن الاجتماع، في غرفة جانبية، لم يدُم سوى دقيقتين.

ما حصل مع بيفيه ـ براون، جرى أيضاً مع جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، المنتمي إلى اليمين التقليدي - حزب «الجمهوريون» - والرجل الثاني في الدولة الذي يشغل هذا المنصب، من غير انقطاع، منذ عام 2014.

إذ نقلت صحيفة «لوموند» أن لارشيه، الذي لم يكن حاضراً الاجتماع الطارئ في الإليزيه، تلقى اتصالاً هاتفياً من ماكرون، في الثامنة والربع من مساء التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، وأن الاتصال دام دقيقة ونصف الدقيقة.

وتابعت الصحيفة أن لارشيه، الطبيب البيطري السابق، انتقد ماكرون؛ لعدم احترامه المادة 12 من الدستور، الأمر الذي عدَّه «انتقاصاً من دور المؤسسة التي يرأسها»، وبالتالي من منصبه ومنه شخصياً. وسأل لارشيه، ماكرون: «هل فكّرت ملياً بما قرّرت فعله؟»، وجاء ردّ رئيس الجمهورية: «نعم، أنا أتحمل كامل المسؤولية ومستعد للتعايش» مع حكومة من غير معسكره السياسي.

التعايش مع اليمين المتطرف!

بالنظر لنتائج الانتخابات الأوروبية، التي شهدت احتلال حزب «التجمع الوطني»، اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، وترؤس الشاب جوردان بارديلا لائحتها، المرتبة الأولى وحصوله على 34 في المائة من الأصوات، كان ماكرون يعني التعايش مع حكومة من اليمين المتطرف. وهذا ما كان سيُدخل فرنسا نادي الدول التي سيطر عليها هذا اليمين؛ أكان بالكامل كما في إيطاليا وهولندا، أم جزئياً كما في المجر والدنمارك والسويد.

إلا أن لارشيه، المعروف باعتداله ووسطيته، انتقد نهج الحكم الماكروني قائلاً له أن «عمودية حكمه - أي إمساكه بالقرار السياسي وحرمان حكومته من هامش من التصرف - قادته إلى العزلة التي يعاني منها راهناً». وخلاصة القول إن قلة اكتراث ماكرون بالمؤسسات وبدور رئيس الحكومة والنقابات، وما يسمى الهيئات الوسيطة، كالنقابات مثلاً، أدت إلى «القطيعة مع الرئيس»، بمن في ذلك المرشحون للانتخابات التي أُجريت دورتاها يوميْ 30 يونيو، و7 يوليو (تموز) الحالي. وكان من أبرز معالم هذه القطيعة أن أحداً من المرشحين لم يطلب دعم ماكرون في حملته الانتخابية؛ لأنه اعتبر أن حضوره سيؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك كان اللافت أن أياً من المرشحين لم يضع صورته إلى جانب صورة ماكرون على ملصقاته الانتخابية.

تبعات المبادرة الماكرونية..

لقد أفادت نتائج الدورة الانتخابية الأولى الرسمية والنهائية، التي صدرت عن وزارة الداخلية، أن حزب «التجمع الوطني»، ومعه حليفه أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» المنشقّ والملتحق بـ«التجمع الوطني»، حصل على 33.15 في المائة من أصوات الناخبين، وعلى 10.7 مليون صوت، في تحوّل لم يعرفه سابقاً، كما تمكّن 37 من مرشحيه من الفوز منذ الجولة الأولى.

ثم حلّت «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تشكلت في وقت قياسي، والتي تضم ثلاثة أحزاب يسارية وحزب «الخضر»، في المرتبة الثانية بحصولها على 28 في المائة من الأصوات.

أما «ائتلاف الوسط»، الداعم لماكرون وعهده، فقد حلّ في المرتبة الثالثة، إذ رسا على ما دون عتَبة الـ21 في المائة. وللعلم، تمكّن اليسار من إيصال 32 نائباً منذ الدورة الأولى، مقابل نائبين فقط للائتلاف الأخير. وأصاب الانهيار أحزاب العهد الثلاثة في الصميم، وكذلك حزب «الجمهوريون» الذي تقلّص ناخبوه إلى 6.75 في المائة، بعدما هيمن، طيلة عقود، على الحياة السياسية في فرنسا.

نعم، جاءت نتائج الجولة الأولى صادمة وبمثابة قرع لجرس الإنذار محذِّرة من وصول اليمين المتطرف إلى السلطة عبر الانتخابات البرلمانية. وطيلة الأسبوع الفاصل بين الجولتين الأولى والثانية، كان السؤال المحوَري يدور حول ما إذا كان اليمين المتطرف سيحصل على الأكثرية المطلقة في البرلمان أم لا.

وأخذ جوردان بارديلا، الذي رشحه «التجمع الوطني» لرئاسة الحكومة، بينما تتحضر مارين لوبن للعبور إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يتكلّم إلى الإعلام وكأنه واصل غداً إلى رئاسة الحكومة.

بيد أن هذه النتائج دفعت «الجبهة الشعبية الجديدة» و«ائتلاف الوسط»، رغم التباعد الآيديولوجي والسياسي بينهما والحملات السياسية والشخصية العنيفة المتبادلة طيلة ثلاثة أسابيع، إلى الاتفاق على سحب مرشحيهما من الدوائر التي حلّوا فيها في المرتبة الثالثة لكي تصب الأصوات كافة لصالح المرشح المناهض لليمين المتطرف، مهما كان لونه السياسي. والحقيقة أن «معجزة» تحقّقت، واتفق الطرفان على سحب 220 مرشحاً أكثريتهم من جبهة اليسار، الأمر الذي قلَب النتائج المرتقبة سلفاً رأساً على عقب.

ظواهر فرضت نفسها

في أي حال، ثمة أربع ظواهر فرضت نفسها:

الأولى أن «الجبهة الجمهورية» التي شكلت لوقف زحف اليمين المتطرف إلى السلطة نجحت في مهمتها. فبدل أن تثبت جولة الإعادة نتائج الجولة الأولى، ها هو اليمين المتطرف يحل في المرتبة الثالثة، ما وأد أحلامه السلطوية مع أنه نجح في إيصال 125 نائباً إلى البرلمان الجديد، مقابل 89 نائباً في البرلمان السابق.

والثانية أن جبهة اليسار، ومَن انضم إليها، حلّوا في المرتبة الأولى مع 195 نائباً، يتبعهم في ذلك ائتلاف الوسط الرئاسي (166 نائباً) الذي خسر 84 نائباً.

والثالثة أن أية مجموعة من المجموعات الرئيسة الثلاث لم تحصل على الأكثرية المطلقة (289 نائباً) أو لامستها، الأمر الذي أوجد وضعاً سياسياً بالغ التعقيد، وجعل تشكيل حكومة جديدة صعب المنال.

والرابعة قوامها أن القرار السياسي انتقل من قصر الإليزيه، حيث خرج ماكرون ضعيفاً في المنافسة الانتخابية بسبب ضعف مجموعته السياسية وفقدان سيطرته على المجموعات الأخرى، إلى البرلمان. وهو ما أعاد فرنسا - بمعنى ما - إلى عهود «الجمهورية الرابعة» عندما كان القرار بيد المشرّعين وليس بيد رئيس الجمهورية.

انتخابات بلا فائز

يعطي الدستور الفرنسي تسمية رئيس الحكومة لرئيس الجمهورية، كما أنه لا يُلزمه بمهلة محددة لاختياره. بيد أن العُرف يقول إنه يتوجب عليه أن يُوكل المهمة إلى شخصية من «التجمع»، أو الحزب الفائز بالانتخابات، أو الذي يحل في المرتبة الأولى؛ أي في حالة الانتخابات الأخيرة، إلى «الجبهة الشعبية الجديدة».

بيد أن ماكرون يتمهل وتجمعه (ائتلاف الوسط)، ومعهما اليمين التقليدي (حزب «الجمهوريون»)، الذي حصل على 65 نائباً. وهؤلاء يراوغون ويستمهلون ويسوّقون الأعذار لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة بحجة هيمنة حزب «فرنسا الأبية»، والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، عليه. ومنذ الأحد الماضي، يوجه هؤلاء سهامهم على ميلونشون؛ لأنهم يرون فيه نقطة الضعف الرئيسة، ويواظبون على نعته بـ«معاداة السامية»، وبالسعي لهدم النظام الديمقراطي، وإثارة الفوضى والطوائفية.

وتضاف إلى ما سبق حجتان: الأولى أن اليسار عاجز عن توفير أكثرية في مجلس النواب باعتبار أنه ليست ثمة مجموعة من المجموعتين الكبريين تقبل بالتحالف معه للوصول إلى العدد السحري (289 نائباً). والثانية أن «لا أحد فاز في الانتخابات الأخيرة»، كما أكد وزير الداخلية جيرالد درامانان... باعتبار أن المجموعات الثلاث نالت أعداداً متقاربة من النواب.

وبالفعل، سارع ماكرون إلى استخدام الحجة الأخيرة في «الرسالة» التي وجّهها إلى الفرنسيين، الأربعاء، عبر الصحافة الإقليمية - وهي الثانية من نوعها منذ حل البرلمان. وعمد الرئيس إلى استخلاص النتائج وطرح تصوّره للأيام المقبلة، فيما تجهد جبهة اليسار، بشِق النفس وبمفاوضات شاقة، إلى التوافق حول اسم مرشح تطرحه لرئاسة الحكومة وسط كمٍّ من الأسماء.

وهنا، لم يتردد أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، في طرح نفسه للمنصب، علماً بأن هناك صراعاً داخلياً قائماً بين الحزب الاشتراكي وحزب «فرنسا الأبية» على تزعّم تجمع اليسار و«الخضر». وحلم ماكرون ومجموعته إحداث شرخ داخل «جبهة اليسار» بحيث يبتعد الاشتراكيون و«الخضر» - وأيضاً الشيوعيون - عن ميلونشون و«فرنسا الأبية»، بحيث يتاح المجال لتشكيل حكومة «قوس قزح» من اليمين وائتلاف الوسط واليسار غير الميلونشوني؛ بمعنى إقصاء أقصى الطرفين خارجها، أي من جهة، اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، ومن جهة ثانية، اليسار المتشدد ممثلاً بـ«فرنسا الأبية».

وللتذكير، طلب ماكرون، في رسالته التي لقيت احتجاجات قوية، لا بل تنديداً شديداً بـ«مناورته» الجديدة، من «كل القوى السياسية التي ترى نفسها داخل المؤسسات الجمهورية، أن تنخرط في حوار صادق ونزيه من أجل بناء أكثرية صلبة تكون بطبيعة الحال متعددة». وأردف أنه يريد «التمهّل بعض الوقت من أجل التوصل إلى تسويات بهدوء واحترام للجميع»، مكرّراً من جديد أن «لا أحد فاز» في هذه الانتخابات.