التجديد لـ«تشدد» أبو كيلة مؤشر لافت لأميركا اللاتينية

السلفادور حسمت معادلة «الأمان مقابل الحريات»

نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)
نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)
TT

التجديد لـ«تشدد» أبو كيلة مؤشر لافت لأميركا اللاتينية

نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)
نجيب بو كيلة وزوجته يحييان مناصريه بعد فوزه الساحق (غيتي)

مطالع القرن الماضي، وفي ذروة موجات الهجرة التي شهدتها بلدان المشرق العربي التي كانت ترزح تحت السيطرة العثمانية، غادر اومبرتو أبو كيلة سلمان مسقط رأسه، بلدة بيت لحم الفلسطينية، إلى السالفادور حيث استقر بعد إقامة قصيرة في نيكاراغوا المجاورة. وخلال سنوات من الوصول والاستقرار، تزوّج أرماندو من فيكتوريا قطّان، وهي أيضاً فلسطينية ومهاجرة من بيت لحم. وفي عام 1944 رزقا بمولودهما الأول أرماندو الذي أصبح، بعد تخرّجه في الجامعة، واحداً من أبرز رجال الأعمال في السالفادور، حيث أسّس مصنعاً للنسيج وشركات للأدوية والخدمات التسويقية. وفي عام 1992، وبعد اعتناقه الإسلام، بنى أرماندو أبو كيلة أول مسجد في السالفادور، وأصبح إماماً له وعضواً بارزاً في «رابطة المنظمات الإسلامية في أميركا اللاتينية وحوض البحر الكاريبي» التي صار رئيساً لها قبل وفاته عام 2015 بعد أيام من تدشينه خامس مسجد في العاصمة باسم «فلسطين الأرض المقدّسة». إلا أن أرماندو أبو كيلة لم يعش طويلاً ليرى أصغر أبنائه الخمسة، نجيب، الذي كان يتربّع على رأس بلدية العاصمة، يصل إلى سدة رئاسة الجمهورية وهو ما كان يزال في السابعة والثلاثين من عمره عام 2019. ويوم الأحد 4 فبراير (شباط) الفائت بالتوقيت المحلي، أعيد انتخاب نجيب (المعروف اسم عائلته اليوم بـ«بو كيلة») لولاية رئاسية ثانية بنسبة لم تعرفها السالفادور في أي انتخابات ديمقراطية في السابق، في حين تحوّل الرجل إلى ظاهرة إقليمية تسعى دول أخرى إلى الاقتداء بها لمعالجة المشاكل الأمنية المستعصية التي تعاني منها.

حشد من انصار الرئيس المجدّد يحتفلون فخورين .. ومرتدين ألوان حزبه (رويترز)

لم ينتظر نجيب أبو كيلة صدور النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية الأخيرة في السالفادور ليعلن فوزه الساحق، الذي حطم جميع الأرقام القياسية في تاريخ الأنظمة الديمقراطية في العالم مع نيل أبوكيلة ما يزيد على 85 في المائة من الأصوات. وبهذا الفوز الكبير جدّد الناخبون الولاية الرئاسية للرئيس الفلسطيني الأصل لخمس سنوات أخرى، وعد بأنها ستكون مرحلة الاستقرار والنمو الاقتصادي، وذلك بعدما اقتصرت ولايته الأولى تقريباً على قمع العصابات الإجرامية التي كانت تزرع الرعب وتقوّض سلطة الدولة في معظم أرجاء البلاد، وفي طليعتها العاصمة مدينة سان سالفادور.

تفويض كبير وحرية حركة

وإضافة إلى هذا الفوز غير المسبوق، الذي كان بمثابة «شهادة وفاة» لجميع أطياف المعارضة، حصد حزب «الأفكار الجديدة» (نويفاس إيدياس) الذي أسسه نجيب أبو كيلة منذ ست سنوات 58 مقعداً من أصل 60 في مجلس النواب، وهو ما سيسمح له بتمديد حالة الطوارئ الاستثنائية التي مكنّته من تفكيك المجموعات الإجرامية وزجّ أكثر من 70 ألفاً من أفرادها في السجون.

والحقيقة، أن فوز أبو كيلة لم يشكّل أي مفاجأة للمراقبين والمحللين، وذلك نظراً للشعبية العارمة التي بات يتمتع بها بعدما تمكّن إبان ولايته الأولى من خفض نسبة الجرائم والاغتيالات وعمليات الابتزاز إلى الحد الأدنى، لا، بل أخرج السالفادور من قائمة أخطر البلدان في العالم لتغدو البلد الأكثر أمناً في محيطها الإقليمي.

ولكن، في المقابل، بينما تنوّه الجهات الأمنية بفاعلية التدابير التي اتخذتها الحكومة لتفكيك العصابات التي كانت ترعب المواطنين منذ عقود، تشكو المنظمات الإنسانية من أن سياسة القمع والاعتقالات الجماعية من دون أدلّة اتهامية كافية تنتهك الحقوق الأساسية وتمنع أي اتصال بين المعتقلين وذويهم أو المحامين. وهي ترى أن الدخول إلى السجن الذي بناه أبو كيلة منذ سنتين ليصبح الأكبر في العالم يحصل بسهولة فائقة، بينما الخروج منه هو من «سابع المستحيلات».

تبرير السياسات الأمنية

مع هذا، لم تتأثر شعبية أبو كيلة بالانتقادات الموجهة ضد سياسته الأمنية المتشددة وتفرّده باتخاذ القرارات بأسلوب يتجاوز المؤسسات والأحكام الدستورية. وللعلم، تتوالى هذه الانتقادات منذ فترة في العديد من وسائل الإعلام الدولية، لكنه يعزوها دائماً إلى «عدو خارجي»، مثل المنظمات غير الحكومية التي يتهمها بالعمل لمصلحة «جهات مشبوهة» كـ«مؤسسة جورج سوروس» وبعض وسائل الإعلام والتيارات الليبرالية التي يطلق عليها مسمى «النخبة». وطبعاً، المفارقة هنا أن أبوكيلة نفسه نشأ في واحدة من أغنى العائلات في السالفادور.

في أي حال، يفاخر أبو كيلة بنتائج الاستطلاعات التي بيّنت عدة مرات أن المواطنين يعطون الأولوية للإنجازات الأمنية الباهرة التي تحققت خلال ولايته الأولى، حين صار بوسعهم التنقل بأمان من غير أن يتعرّضوا للعنف والابتزاز على يد العصابات الإجرامية.

وأيضاً، يدافع الرئيس المُجدَّدة ولايته عن سياسته الأمنية الصارمة بالقول «كانت السالفادور تعاني من سرطان تفشّى في 85 في المائة من أراضيها التي كانت تسيطر عليها العصابات وتفرض فيها سلطتها وقوانينها». ومن ثم يتابع: «لقد أجرينا عملية جراحية واسعة، ثم لجأنا إلى العلاج الكيميائي، فالإشعاعي... وسنخرج منه معافين من سرطان العصابات. عالجنا المرض الفتّاك، وأصبحنا اليوم على عتبة مرحلة الرفاه».

وفي كلمته الاحتفالية عند إعلان فوزه، مساء الأحد الفائت، وجّه أبو كيلة انتقادات مباشرة إلى صحيفتي «النيويورك تايمز» الأميركية و«الباييس» الإسبانية وكذلك شبكة «يونيفيزون» التي اتهمها بأنها لم تنقل الصورة الحقيقية لبلاده، وذكّر بالشعارات التي رفعها مؤيدوه في الحملة الانتخابية مثل «هو الذي أنقذنا من حكّام فاسدين ولصوص».

دائرة الرئيس الضيقة... وبدايته اليسارية

الواقع أنه منذ وصول تجيب أبوكيلة إلى الحكم للمرة الأولى، قبل خمس سنوات، وهو يدير السالفادور محاطاً بدائرة ضيّقة جداً من المستشارين والمساعدين الأمناء قوامها كريم وإبراهيم ويوسف، إخوته الثلاثة من أبيه الذي كان - إلى جانب أنشطته التجارية الواسعة ورئاسته الجالية المسلمة في السالفادور - يدير برنامجاً تلفزيونياً ثقافياً وسياسياً، ويملك شركة تقدم خدمات استشارية ولوجيستية للحزب اليساري الكبير «جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني».

وما يستحق الذكر هنا، أن ابنه نجيب بدأ في هذا الحزب اليساري مسيرته السياسية رئيساً لبلدية البلدة التي نشأ فيها، نويفو كوسكاتلان، القريبة من العاصمة سان سالفادور. ثم انتقل بعد ذلك إلى العاصمة التي تولّى رئاسة بلديتها وهو في الرابعة والثلاثين من عمره.

ولكن، عندما حاول نجيب الوصول إلى رئاسة ذلك حزب «جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني» جُوبه بمعارضة شديدة. وعندها قرّر تأسيس حزبه الخاص، الذي خاض به انتخابات عام 2019 الرئاسية التي فاز بها، ثم عاد ليحقق انتصاره الضخم في انتخابات الأحد الفائت. وعلى الرغم من أنه أعلن في مطلع العام الماضي، عند تعديل الدستور بما يسمح له بالترشّح لولاية ثانية على التوالي، بأنه لن يعدّله للترشّح مرة ثالثة، لا أحد يتوقع رؤيته خارجاً من القصر الرئاسي بعد خمس سنوات.

مسيرة مخطّط لها

في هذا السياق، يقول الذين رافقوا مسيرة نجيب أبو كيلة السياسية، منذ بدايتها في البلدة القريبة من العاصمة، إنه منذ ذلك اليوم كان قد وضع خطة متكاملة بعيدة الأمد للوصول حيث هو الآن. وبالتالي، فإن جميع تصرّفاته كانت تخضع لما تضمنته تلك الخطة التي كان محيطه العائلي وحفنة من أصدقائه المقرّبين يساعدونه على تنفيذها. لقد كانت جدران البلدة مطليّة باللون الأزرق الفاتح، الذي أصبح فيما بعد لون الحزب الجديد الذي أسّسه بعد انشقاقه عن الحزب اليساري.

أكثر من هذا، حسب مصادر مقربة ومطلعة، كانت انتقادات أبو كيلة القاسية لقيادات مخطّطة لدفع الحزب اليساري الكبير إلى طرده من صفوفه، وكانت الأحرف الأولى من اسمه على جميع الجدران في البلدة الصغيرة التي كان يتنقل فيها في موكب من السيارات الفخمة والحرّاس يحاكي مواكب رؤساء الدول الكبرى.

أيضاً، يذكر أحد جيران أبو كيلة - حينذاك - أنه كان يحرص بانتظام على مخاطبة تجمّع صغير من سكان البلدة كل أسبوع، كما لو أنه يحاضر في جامعة عريقة أو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مرتدياً الملابس الأنيقة، ومستخدماً عبارات ومصطلحات لا يفقه معظم سامعيه معانيها. ويضيف الجار: «كانوا مأخوذين بالمشهد الاستعراضي الذي كان يقدّمه لهم بمنتهى الاتقان كمن يتدرّب على مسرحية كبرى. كانوا ينظرون إليه بمزيج من الاندهاش والإعجاب».

من جانبها، تذكر الصحافية والكاتبة بياتريس كيسادا، التي وضعت أول سيرة للرئيس السالفادوري: «يؤكد الذين يعرفونه جيداً أن طموحه لا يعرف الحدود، وأنه كان يتصرّف منذ شبابه الأول على يقين بأن قدره مكتوب بأحرف من ذهب... أي أنه ليس مجرد رئيس لبلدية بلدة صغيرة، بل إن مصيره المحتوم هو الوصول إلى رئاسة الجمهورية».

كذلك، تنقل كيسادا عن أحد رفاقه السابقين في حزب «جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني»، الذي يُعد المعقل التقليدي لليسار الذي حكم البلاد لسنوات بعد الثورة، «... في الواقع كان (أبو كيلة) يحتقر الحزب، ويعتبر أن هيكليته بالية تديرها كوادر لا تتمتع بالكفاءة اللازمة... وفي الاجتماعات كان الرفاق يشعرون بالحرج والانزعاج كلما كان يتكلم إليهم بأسلوب من التعالي يقارب الاحتقار... كان هو الذئب ونحن كنّا النعاج، لكننا يومها لم نكن نعرف ذلك!».

دافع الرئيس المُجدَّدة ولايته عن سياسته الأمنية الصارمة بالقول «كانت السالفادور تعاني من سرطان تفشّى في 85 في المائة من أراضيها التي كانت تسيطر عليها العصابات وتفرض فيها سلطتها وقوانينها».

مرحلة فاصلة وتاريخية

بعد فوز أبو كيلة برئاسة بلدية العاصمة سان سالفادور، شعر الشاب الطموح جداً بأن ذلك المنصب - على أهميته - ما زال دون طموحاته التي كان يخطط لها منذ سنوات، وأن الوقت قد أزف للانتقال إلى المرحلة التالية والأخيرة، وهكذا قرر الترشّح للانتخابات الرئاسية في عام 2019.

عند هذه النقطة، رفض الحزب اليساري الكبير ترشيحه بحجة أنه ما زال شاباً لا يتمتع بالخبرة السياسية الكافية لتولي مثل هذا المنصب. فجاء رده بشن حملة ممنهجة ضد الحزب وقياداته... انتهت بقرار الطرد الذي كان ينتظره كذريعة لتأسيس الحزب الذي حمله بعد أشهر إلى الرئاسة.

ولكن عودة، إلى الانتخابات الأخيرة... إذ فور الإعلان عن فوز أبو كيلة توالت برقيات التهنئة من البلدان المجاورة في أميركا اللاتينية التي تحاول تطبيق وصفته لقمع ظاهرة العنف الذي يتفشّى على يد المنظمات الإجرامية والعصابات. وأيضاً جاءت تهنئة لافتة من الصين التي أضحت شريكاً تجارياً رئيسياً للسالفادور إبان ولايته الرئاسية الأولى، وموّلت أخيراً بناء مكتبة ضخمة وسط العاصمة. وجاء في برقية التهنئة الصينية: «إنه يوم مشهود في تاريخ السالفادور، التي نتطلع إلى توطيد العلاقات الثنائية معها على جميع المستويات».

ثم إنه عندما أطلّ بو كيلة من شرفة القصر الرئاسي برفقة زوجته قال: «لقد حطمّت السالفادور اليوم كل الأرقام القياسية بين جميع ديمقراطيات العالم على مرّ التاريخ... وهي أول مرة يقتصر فيها المشهد السياسي في نظام ديمقراطي على حزب واحد، وذلك بإرادة الشعب الحرة، بعدما انهارت كل أحزاب المعارضة مجتمعة».

تجربة برسم التعميم؟من ناحية أخرى، ورغم الصورة الشائعة عن أسلوب أبو كيلة الاستبدادي وجنوحه المفرط إلى تجاوز الأعراف والقوانين، يتوقع متابعون ومحللون أن يساهم هذا الفوز الساحق للرئيس السالفادوري بولايته الثانية، في تعميم تجربته الأمنية على الدول الأميركية اللاتينية التي تعاني من مشاكل الإجرام والعنف وتراجع سلطة الدولة في مناطق كثيرة منها. غير أنهم في الوقت ذاته يحذّرون من أن الاقتداء بهذا النموذج الأمني بغياب مجموعة من التدابير والإجراءات الفاعلة لاحترام حقوق الإنسان وحماية الحريات الأساسية، من شأنه أن يقوّض المؤسسات الديمقراطية الهشّة أصلاً في بلدان المنطقة.

وبالفعل، تخشى المنظمات الحقوقية، التي تراقب التجربة السالفادورية عن كثب، من أن استنساخها في بلدان المنطقة قد يكون فتيلاً يشعل صراعات اجتماعية دفينة تحت الرماد السياسي منذ سنوات، ويدفع باتجاه مرحلة قاتمة كلّف طي صفحتها عشرات الآلاف من الضحايا وخسائر مادية فادحة.

هذا، وتفيد الأرقام الرسمية أن عدد أفراد العصابات الإجرامية الذين اعتقلتهم أجهزة الأمن في السالفادور منذ أواسط عام 2022 يزيد على 76 الفاً، بينهم 1600 من القاصرين. أما المنظمات الحقوقية فتذكر أن ما لا يقلّ عن 15 في المائة من المعتقلين لا صلة لهم على الإطلاق بالعصابات، وأن كثيرين منهم تعرّضوا لسوء المعاملة وقضى العشرات منهم تحت التعذيب. وللعلم، تنصّ القوانين التي أقرّها البرلمان السالفادوري الموالي للرئيس على جواز المحاكمات الجماعية (تصل إلى 900 شخص) في جلسة واحدة ضمن إطار مكافحة العصابات، ومن دون الحاجة لإقامة أدلّة الاتهام أو القرائن الفردية.

وكان الرئيس أبو كيلة قد استبق إقرار ذلك القانون بتغيير أعضاء المحكمة العليا وتعويضهم بقضاة موالين له. كما أنه أعفى عشرات القضاة المستقلين من مهامهم، بينما كان يشنّ حملة شعواء ضد المنظمات غير الحكومية والصحافيين المستقلين الذين اضطر بعضهم إلى مغادرة البلاد.

ختاماً، ومهما كان من أمر، يعتقد كثيرون أن سياسة الرئيس السالفادوري الأمنية هي «السبيل الوحيد لمعالجة أزمة تفشي الإجرام والعنف» في المنطقة التي تُسمع في كثير من بلدانها أصوات تطالب برؤساء من طينة أبو كيلة، الذي أفاد مرصد الرأي العام في أميركا اللاتينية أخيراً بأنه «الأكثر شعبية منذ بداية مرحلة الانتقال إلى الأنظمة الديمقراطية في أميركا اللاتينية». يدافع الرئيس المُجدَّدة ولايته عن سياسته الأمنية الصارمة بالقول: «كانت السالفادور تعاني من سرطان تفشّى في 85 في المائة من أراضيها التي كانت تسيطر عليها العصابات وتفرض فيها سلطتها وقوانينها»

 

غوستافو بيترو (آ ف ب/غيتي)

ظاهرة العنف في أميركا اللاتينية... بانتظار علاجات ناجعة

> حسب أحدث إحصاءات الأمم المتحدة، سجـّلت دول أميركا اللاتينية وحوض البحر الكاريبي في عام 2021 أعلى معدلات الاغتيال في العالم (20 لكل مائة ألف مواطن)، وهو ما يعادل ضعفي المعدل الذي حددته «منظمة الصحة العالمية» مدخلاً لحالة «العنف المتوطِّن».ومن الحالات الجديدة الصارخة في المنطقة ما تشهده جمهورية الإكوادور، حيث تضاعفت نسبة العنف والاغتيالات في أقل من سنة، وبلغت أعمال الابتزاز مستويات قياسية، إلى جانب اعتداءات على نطاق واسع بالمتفجرات ومجازر في السجون واغتيالات لشخصيات سياسية وقضاة مستقلين.في كولومبيا، لم تنجح سياسة الرئيس غوستافو بيترو، حتى الآن، في خفض نسبة المجازر والاغتيالات وتجنيد الأطفال وأعمال الخطف على يد الجماعات المسلحة. وفي المكسيك، فشل الرئيس مانويل لوبيز أوبرادور في الحد من موجة العنف والقتل التي تروّع عدة ولايات منذ سنوات، وذلك على الرغم من لجوئه إلى القوات المسلحة لضبط الأمن وزيادة موازنة الأجهزة الأمنية.وفي هندوراس،

 

مانويل لوبيز اوبرادور (آ ف ب)

اضطرت الرئيسة شيونمارا كاسترو إلى طلب مساعدة الجيش لفرض هيبة القانون داخل السجون التي شهدت عمليات واسعة من التخريب والقتل. ولقد أفادت التقارير أخيراً بأن الرئيس الأرجنتيني الجديد خافيير ميلي أرسل موفداً خاصاً إلى السلفادور كلّفه دراسة النموذج الأمني الذي وضعه رئيسها نجيب بو كيلة.وفي سياق متصل، بينما يواصل الرئيس السلفادوري تسويق تجربته الأمنية التي يرتفع منسوب جاذبيتها بين بلدان المنطقة بارتفاع معدلات الإجرام والعنف فيها، أفادت وزارة العدل الأميركية بأن حكومة بو كيلة لجأت في مرحلة أولى إلى التفاوض سراً مع قيادات العصابات. ووفق الوزارة عرضت الحكومة السالفادورية على تلك القيادات معاملة تفضيلية وتسهيلات في السجون وحماية ضد تسليم أفرادها إلى الولايات المتحدة مقابل خفض معدلات العنف والإجرام ودعم الرئيس في الانتخابات، «ولكن عندما فشلت تلك المفاوضات أطلقت الحكومة خطتها الأمنية الراهنة».

شيومارا كاسترو (رويترز)

 


مقالات ذات صلة

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

حصاد الأسبوع Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة

نظير مجلي ( القدس)
حصاد الأسبوع دمار غزة (آ ب)

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش

«الشرق الأوسط» (القدس)
حصاد الأسبوع الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي.

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».