نزيف «إيكواس»... ضربة جديدة لنفوذ فرنسا في غرب أفريقيا

انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة يعزّز الحضور الروسي

قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
TT

نزيف «إيكواس»... ضربة جديدة لنفوذ فرنسا في غرب أفريقيا

قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)
قوات "إيكواس" أثناء تأديتها مهامها العسكرية في مالي (رويترز)

لم تحمل السنوات الأخيرة أخباراً سارة تطرق أبواب باريس من مستعمراتها القديمة في أفريقيا، بل توالت الضربات للنفوذ الفرنسي في القارة، التي طالما ارتبطت لعقود طويلة بسياسات الإليزيه، حتى بعد انتهاء عصر الاستعمار بصفة رسمية؛ إذ ظل النفوذ الاقتصادي والسياسي والثقافي طاغياً فيها. التحولات السياسية في غرب أفريقيا ودول الساحل والصحراء جاءت بتحديات جديدة لم يعهدها الفرنسيون من قبل، فالانقلابات تتوالى ليتواصل سقوط الأنظمة الموالية لباريس كأحجار «الدومينو»، لصالح صعود نخب عسكرية جديدة لا تحمل ذلك الود القديم للفرنسيين، بل تستخدم مشاعر العداء للمستعمِر القديم أداة لبناء شعبية في الشارع الغاضب. وبينما تهدد فرنسا وتتوعد وتلجأ لتحريك حلفائها المتبقين من دول أو منظمات، تتقلص مساحة الفعل، وتتراجع القدرة على التأثير، وذلك بعد ظهور لاعب جديد هو الدب الروسي، الذي يجيد لعبة «الشطرنج الاستراتيجي»، ويسارع لملء ما تخلّفه فرنسا من فراغ.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل نظيره التشادي الفريق أول محمد إدريس ديبي في يناير المنقضي (رويترز)

جاء انسحاب كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو من «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس)، أواخر الشهر الماضي، لا ليمثل فقط ضربة جديدة للنفوذ الفرنسي وتعزيزاً للحضور الروسي، بل ليفتح أيضاً صفحة جديدة بشأن إمكانية تفكّك «إيكواس»، التي يراها كثيرون أداة فرنسية لتحريك الأمور في الغرب الأفريقي من وراء ستار، وإمكانية ظهور منظمات إقليمية جديدة تعبر عن طبيعة التحول الإقليمي الجديد في تلك المنطقة الملتهبة.

النيجر ومالي وبوركينا فاسو أعلنت انسحابها من «إيكواس» بشكل جماعي، في بيان مشترك يوم 28 يناير (كانون الثاني) المنقضي، متهمةً المجموعة بالابتعاد عن المثل العليا التي أسست عليها، وقائلة إن انسحابها الفوري يأتي «استجابة لتوقعات وتطلعات شعوبها».

إلا أن هذه النهاية ليست سوى فصل جديد في قصة طويلة من التوتر والعداء تجاه النفوذ الفرنسي. والقصة دائماً لها ما قبلها... وسيكون لها ما بعدها، فباب الانسحاب من «إيكواس» لا يزال مفتوحاً، بحسب تقديرات العديد من الخبراء والمراقبين.

رسائل واضحة

الانسحاب «الثلاثي» حمل كذلك إشارات واضحة حول التنسيق بين الدول التي تحكمها اليوم أنظمة عسكرية في أعقاب سلسلة من الانقلابات (مالي عام 2020، وبوركينا فاسو 2022، والنيجر 2023)، التي أطاحت بأنظمة قديمة طالما ارتبطت بعلاقات وثيقة مع فرنسا.

على إثر ذلك، توترت علاقات الدول الثلاث مع «إيكواس»، وصولاً إلى حد التهديد بالتدخل العسكري، وهو ما عجزت عنه المجموعة الإقليمية، لكن ذلك التهديد ساهم بشكل واضح في دفع تلك الدول إلى المسارعة بالتنسيق المشترك، والبحث عن دعم دولي في مواجهة الضغوط الغربية والفرنسية بالأساس.

معطيات عدة أشارت إلى قرب اتخاذ النيجر وبوركينا فاسو ومالي قرارها بالانسحاب من «إيكواس»؛ إذ وقّع قادة الأنظمة العسكرية في الدول الثلاث اتفاقاً يوم 16 سبتمبر (أيلول) 2023 في العاصمة المالية باماكو، وبموجبه تعهدت الدول الثلاث بمساعدة بعضها البعض في حالة وقوع أي تمرد أو عدوان خارجي ضد أي منها، واعتبار أي اعتداء على سيادة وسلامة طرف أو أكثر من الأطراف الموقعة عليه، عدواناً على الأطراف الأخرى.

الحضور الروسي جاء سريعاً وحاسماً. فبعد الاتفاق الثلاثي، زار باماكو نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك ييفكوروف، والتقى هناك وزراء دفاع الدول الثلاث، في رسالة دعم واضحة وعلنية. ودفع الأمر كثرة من المراقبين إلى القول بأن دعم موسكو كفيل بإجهاض تأثير أي عقوبات اقتصادية جديدة على الدول الثلاث بضغوط فرنسية، فضلاً عن إنهاء فكرة التدخل العسكري بشكل شبه نهائي في ظل التحالف الجديد.

طرد فرنسا

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأى الدكتور العابد مصطفى البشير، الباحث السياسي والمحاضر بجامعة ندجامينا في تشاد، في التقارب الأفريقي الروسي «أكبر الأخطار المحدقة بفرنسا». وذكر أن تلك التحديات التي تدفع النفوذ الفرنسي إلى التلاشي في أفريقيا «كثيرة»، ويأتي على رأسها الوعي المتنامي للشباب الأفريقي، وكذلك وجود نماذج اتجهت بكل جدّية نحو التنمية بعد طرد فرنسا، كما هو الحال في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

ووفق البشير، فإن التقارب الرسمي سواءً بين الدول الأفريقية التي تتخلص من النفوذ الفرنسي، أو بينها وبين روسيا، يقطع الطريق على فرنسا، التي «خلقت المنظمات الإرهابية وموّلتها بهدف إضعاف الحكومات الوطنية في أفريقيا». وأردف الباحث التشادي: «لا يجوز أن تكون روسيا بديلاً استعمارياً بل قوة مساندة ومستفيدة»، لافتاً إلى أنها ستوفر الإمكانات للحكومات الأفريقية في المجالات العسكرية والأمنية التي كانت تستخدمها الأجهزة الفرنسية للهيمنة على دول القارة، وبالأخص في منطقة الساحل والغرب الأفريقي. وتابع جازماً أن «فرنسا تتقهقر يوماً بعد آخر سواء على المستوى الرسمي، أو في الوجدان الشعبي الذي بدأ يتخلص من كل ميراث حقبة الاستعمار الفرنسي».

من ناحية أخرى، يعتقد البشير - وهو أيضاً مفوض في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في تشاد - أن انسحاب مالي وبوركينا فاسو والنيجر من «إيكواس» يمثل «تطوراً متوقعاً» رداً على فشل المجموعة في تحقيق التنمية، وتحولها إلى أداة فرنسية للضغط على الدول الأفريقية، وصولاً إلى التهديد بالتدخل العسكري الذي فضح طبيعة أدوار تلك المنظمة. وتوقّع، من ثم، أن يشكل الانسحاب الثلاثي سابقة لدول أخرى، وفرصة لبداية تقارب أفريقي مع الشرق تلعب فيه روسيا دوراً أساسياً، باعتبارها قادرة على سد الفراغ الأمني، إلى جانب الصين وتركيا وبعض الدول العربية.

وللعلم، لم يقتصر التنسيق الروسي والتواصل مع دول منطقة الساحل والغرب الأفريقي على الدول الثلاث المنسحبة من «إيكواس»، ففي 24 يناير الماضي، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره التشادي الفريق أول محمد إدريس ديبي في الكرملين، وحسب بيان للرئاسة التشادية كان اللقاء «أخوياً»، وجرى خلاله بحث العلاقات الروسية – التشادية، والتطرق إلى قضايا الساعة الإقليمية والدولية.

حضور روسي لافت

وحقاً، مع أن روسيا لم تعلن دعمها الصريح للتحولات الجديدة في العديد من الدول الأفريقية، لكنها سارعت إلى تقديم العون والمساندة للأنظمة الجديدة.

إذ إنها حذرت من أي تدخل عسكري في تلك الدول، ونجحت في استغلال اتساع الفجوة بين القوى الغربية ومالي، وسارعت بإرسال قوات «فاغنر» المسلحة بديلاً عن القوات الفرنسية في دول تعاني أوضاعاً أمنية سيئة وأعمال عنف ترتكبها جماعات متشددة، وظروفاً اجتماعية متردية، وهذا ما دعا الولايات المتحدة إلى اتهام مجموعة «فاغنر» باستغلال حالة اللا استقرار في تلك الدول.

ثم إن روسيا والصين تصدّتا، عبر عضويتيهما الدائمتين في مجلس الأمن، للمحاولات الغربية - والفرنسية تحديداً - لإدانة التحولات الجديدة في دول الغرب الأفريقي. فعلى سبيل المثال، حال النفوذ الروسي والصيني دون فرض مجلس الأمن عقوبات على مالي خلال يناير 2023، كما دعت بكين وموسكو المجلس إلى مساعدة مالي في حربها ضد الإرهاب.

وبالفعل، تزايد الحضور الروسي في أفريقيا، بصورة لافتة خلال السنوات الماضية؛ إذ استضافت موسكو قمتين للتعاون مع دول القارة، عامي 2019 و2023، كما وقّعت اتفاقيات للتعدين والنفط والاستثمار والطاقة النووية والتعاون العسكري بقيمة 12.5 مليار دولار مع حكومات أفريقية مختلفة.

وبينما حصد التعاون العسكري النصيب الأكبر من الاهتمام، حيث تتصدر أفريقيا قائمة مستوردي الأسلحة الروسية، عزّزت موسكو من حضورها الأمني والاقتصادي في الدول التي تشهد تحولات جوهرية، وتبحث عن ظهير دولي للتخلص من النفوذ الفرنسي. ومالياً، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلغاء 20 مليار دولار من الديون المستحقة على البلدان الأفريقية، وكشف النقاب عن خطط لمضاعفة التجارة مع البلدان الأفريقية إلى 40 مليار دولار سنوياً.

جندي نيجيري من قوات "إيكواس" (آ ف ب)

مشاعر شعبية معادية

هذه الخطوات الروسية تراها الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية، «أكثر مقبولية» لدى الدول الأفريقية من تلك الإجراءات التي اتخذتها فرنسا لإنقاذ نفوذها المتراجع في دول القارة.

وتشير توفيق لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أفريقيا «تمثل أولوية في الاستراتيجية الروسية الساعية إلى كسر النظام العالمي الأحادي القطب، والتحول إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب»، تعود فيه من جديد إلى وضعها قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. وتضيف أن التحركات الروسية أثمرت بالفعل؛ إذ أقنعت روسيا عام 2014 أكثر من نصف الحكومات الأفريقية بمعارضة أو الامتناع عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين ضم شبه جزيرة القرم، وامتنعت 17 دولة أفريقية عن التصويت على قرار يدين روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال مارس (آذار) 2022، على خلفية العملية العسكرية التي تخوضها في أوكرانيا، ومثّلت الدول الأفريقية نصف عدد الدول التي امتنعت عن التصويت آنذاك.

في المقابل تعتقد الباحثة المصرية أن الموقف الأفريقي من الإجراءات الفرنسية كان «مغايراً تماماً»، فعلى الرغم مما اتخذه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من خطوات تصالحية هدفها تحسين صورة باريس في أفريقيا، شملت تعديلات تاريخية في العلاقات المالية بين فرنسا وأفريقيا - بحيث تتوقف فرنسا عن الاحتفاظ بنسبة 50 في المائة من الاحتياطيات في الخزانة الفرنسية - لم يسهم هذا في تخفيف حدة الحنق الشديد والغضب لدى أبناء غرب أفريقيا ضد فرنسا. وتجلّى هذا في المشاعر المُعادية لفرنسا التي انتشرت في الآونة الأخيرة في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وعلى نطاق أوسع في منطقة غرب أفريقيا.

أيضاً، ترى توفيق أن إجراءات «إيكواس» في معالجة الأزمات بالغرب الأفريقي زادت من وتيرة التصعيد والغضب ضد فرنسا، وبخاصة التهديد بالتدخل العسكري، الأمر الذي استرجع ذكريات التدخل الاستعماري... وهو ما فاقم التوتر وزاد شعبية الأنظمة الجديدة، ودفعها لمزيد من التنسيق مع روسيا كرد فعل طبيعي في مواجهة مثل هذه التهديدات.

«تحالف دول الساحل»

في سياق متصل، وفي ضوء التطورات الجارية في منطقة الغرب الأفريقي، لا يبدو مستقبل التعاون في إطار «إيكواس» مشرقاً، وفق تحليل لأحمد عسكر، الباحث المشارك في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية».

عسكر يرجّح أن يؤدي توقيع «ميثاق ليبتاكو - غورما»، في سبتمبر الماضي، لتأسيس تحالف جديد يُطلق عليه «تحالف دول الساحل»، يضم الدول الثلاث بوركينا فاسو ومالي والنيجر، إلى تضاعف عدد دوله الأعضاء خلال الفترة المقبلة. ويرى في هذا رسالة واضحة إلى كل من «إيكواس» والغرب تؤكد إصرار دول «حزام الانقلابات» على الاستغناء عن فرنسا والغرب، وبخاصة مع دخول موسكو حليفاً جديداً. ومن ثم يتشكل خط مواجهة يسعى إلى تقليص الدور الفرنسي في المنطقة، وملء الفراغ الذي ستخلفه باريس خلال المرحلة المقبلة.

هذا، ويوضح التحليل المنشور على الموقع الإلكتروني لـ«المركز» أن التراجع المستمر الذي يتجلى في انسحاب القوات الفرنسية من بعض دول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو - وقبلها أفريقيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة - مقابل انتشار واسع لمجموعة «فاغنر» الروسية الأمنية هناك، يعكس سياقاً إقليمياً متوتراً بفضل سياسة شدّ الأطراف التي تتبناها فرنسا و«إيكواس» ضد «دول الممانعة الجديدة» في الساحل.

ويتوقّع عسكر أن تظل موسكو المستفيد الأكبر من تدهور العلاقات الفرنسية مع دول الساحل، لا سيما، مع تحوّل المزيد من القادة العسكريين الجدد للتحالف مع موسكو على حساب باريس. وهذا يعني توسيع دائرة النفوذ الروسي في الساحل، ومنح موسكو المزيد من أوراق الضغط لتمارسها ضد الغرب في مناطق استراتيجية أخرى مثل أوكرانيا، الأمر الذي يعزّز التنافس الدولي في المنطقة... بما في ذلك تنامي «عسكرتها» خلال الفترة المقبلة.

مع أن روسيا لم تعلن دعمها الصريح للتحولات الجديدة في العديد من الدول الأفريقية، فإنها سارعت إلى تقديم العون والمساندة للأنظمة الجديدة

مقر «إيكواس» في العاصمة النيجيرية أبوجا (إيكواس)

«إيكواس»... مجموعة اقتصادية غارقة في أزمات السياسة

> على مدى سنوات، مثّلت «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) إطاراً مهماً للتعاون بين دول الغرب الأفريقي التي عانت، ولا تزال، من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.ومع توالي الأزمات التي تتعرض لها دول المنطقة، تزايد نفوذ «المجموعة»، وتجاوزت الأدوار الاقتصادية لتلعب أدواراً سياسية وأمنية، وترسخ جذورها عبر شبكة من المؤسسات البينية والدعم المتبادل بين الدول الأعضاء.غير أن رياح الأزمات التي كانت سبباً في تعزيز المصالح المشتركة لدول «إيكواس» تحوّلت في اتجاه لا تشتهيه سفن «المجموعة»، خاصةً مع تطاير الاتهامات بخضوعها لضغوط غربية، وفرنسية بالأساس، وهو ما تنفيه المجموعة دائماً.أسست «إيكواس» عام 1975 بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية بين أعضائها الـ15. وضمت المجموعة يوم تأسيسها عدة دول ناطقة بالفرنسية، هي: بنين (الداهومي سابقاً) وغينيا وساحل العاج (كوت ديفوار) والسنغال وتوغو، إضافة إلى بوركينا فاسو (أعالي الفولتا سابقاً) ومالي (السودان الفرنسي سابقاً) والنيجر التي أعلنت انسحابها من المجموعة أخيراً.ومن الدول الناطقة بالإنجليزية ضمت: غامبيا وغانا وليبيريا ونيجيريا وسيراليون. كما أضيفت لها دولتان ناطقتان بالبرتغالية، هما: الرأس الأخضر وغينيا بيساو. وبالمناسبة، كانت المجموعة تضم أيضاً موريتانيا، التي بانسحابها عام 2001، خلت «إيكواس» من أي حضور عربي.يقع مقر «المجموعة» في العاصمة النيجيرية أبوجا، وتهيمن نيجيريا على «المجموعة» سياسياً واقتصادياً، كيف لا وهي التي تمثل وحدها نحو ثلثي عدد سكانها، و60 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. وللعلم، يبلغ مجموع سكان «إيكواس» (قبل انسحاب الدول الثلاث) نحو 350 مليون نسمة، وفق إحصاءات 2021، وتبلغ مساحتها الإجمالية 5 ملايين كيلومتر مربع، أي 17 في المائة من إجمالي مساحة قارة أفريقيا.من جهة ثانية، تضم «المجموعة» عدداً من المؤسسات البينية؛ أبرزها: - «مجلس رؤساء الدول والحكومات» الذي يعد أعلى هيئة سياسية، وإليه ترجع القرارات الكبرى. - «المجلس الوزاري» الذي يتولى عادةً مهمة التحضير للقمم ومناقشة القرارات السياسية قبل إقرارها من قِبل مجلس الرؤساء. - «برلمان المجموعة» الذي يتمتع بسلطة إقرار النصوص التي تصدر عن المؤسسات التنفيذية. - «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» الذي يتولّى تقديم المقترحات المتعلقة بالمشاريع التنموية المشتركة بين دول المجموعة. - «محكمة المجموعة» التي تنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة خلال الصراعات التي تنشب في المنطقة.وكما سبقت الإشارة، كانت الغاية من «إيكواس» بالأساس، إزالة الحواجز الاقتصادية والسياسية واللغوية أمام التجارة بين أعضائها؛ بغية تحقيق التكامل الاقتصادي بينها، وتعزيز التبادل التجاري بين دول المنطقة، وتحقيق الاندماج في مجالات الصناعة والنقل والاتصالات والطاقة والزراعة والمصادر الطبيعية.ولكن، مع مرور الوقت تعاظم نفوذ «المجموعة السياسي»، وتدخلت بشكل مباشر في تسوية النزاعات السياسية والعسكرية في جميع أنحاء المنطقة. وفي عام 1993 تبنت قانوناً جديداً يمنحهاً رسمياً مسؤولية منع النزاعات الإقليمية وتسويتها.وبالفعل، شكلت في يونيو (حزيران) 2004 قوة عسكرية قوامها 6500 جندي، من بينها «وحدة للتدخل السريع» في حالة نشوب أي نزاع، وأدّت القوات التابعة لـ«إيكواس» مهمات كبرى إبان الحروب الأهلية في ليبيريا وسيراليون. وتدخلت أيضاً لتسوية نزاعات واضطرابات في كل من غينيا بيساو وكوت ديفوار وغينيا وتوغو ومالي وغامبيا. وفي حين فرضت «إيكواس» عقوبات شديدة على مالي والنيجر للضغط عليهما من أجل عودة الحكم المدني، فإنها هددت بالتدخل عسكرياً لإعادة الحكم المدني بعد الانقلاب الذي حدث في النيجر، وعلقت مشاركة الدول الثلاث في مؤسساتها... وكانت تلك المحطة التي تأزم بعدها الموقف، ما أدى إلى اتخاذ بوركينا فاسو ومالي والنيجر قرارها الانسحاب من «المجموعة».

 

 


مقالات ذات صلة

تنزانيا تعلن أول اكتشاف للغاز الطبيعي منذ أكثر من عقد

الاقتصاد يقدِّر الاكتشاف بنحو 223 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي في خليج منازي بتنزانيا (إكس)

تنزانيا تعلن أول اكتشاف للغاز الطبيعي منذ أكثر من عقد

اكتشفت شركة «تنزانيا بتروليم ديفيلوبمنت» 223 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي بخليج منازي، وهو أول اكتشاف من نوعه في البلاد منذ عام 2015، وفقاً لوزير الطاقة.

«الشرق الأوسط» (دار السلام)
شمال افريقيا صورة تذكارية للقادة المشاركين في القمة الأفريقية - الروسية بسان بطرسبرغ الروسية 2023 (الرئاسة المصرية)

قمة روسية - أفريقية لتعميق الشراكة وخفض منسوب التوتر بالقارة السمراء

في توقيت حرج بالقارة السمراء وسط صراعات ونزاعات، تلتئم قمة روسية - أفريقية في موسكو، تحت شعار «من أجل السلام والأمن والتنمية»؛ لبحث تعميق الشراكات، وخفض التوتر

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

رئيس الصومال يدعو المعارضة للحوار... هل تتفكّك الأزمة؟

دعا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود المعارضة في البلاد إلى الحوار للتوصل لحلول بشأن قضايا الوطن، بعد أيام من رفض قوى سياسية مسار الانتخابات المباشرة.

محمد محمود (القاهرة )
علوم الأداة الجديدة ترسم خرائط أكثر دقة للمحاصيل في المزارع الصغيرة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية (جامعة كمبردج)

تقنية مبتكرة بالذكاء الاصطناعي لتقدير إنتاج الغذاء في أفريقيا

مع تزايد تأثير التغيرات المناخية في الزراعة، أصبحت معرفة ما يُزرع وأين، وحجم المساحات المزروعة، عاملاً مهماً في تقدير إنتاج الغذاء، والاستعداد لنقصه.

محمد السيد علي (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي أكد أن مصر تحترم حق جميع دول حوض النيل في التنمية وتدعمه (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: السيسي يرفض «الأمر الواقع» ويضع شروطاً للتعاون مع إثيوبيا

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التأكيد على رفض بلاده سياسة «الأمر الواقع»، وحدد شروطاً للتعاون مع إثيوبيا.

عصام فضل (القاهرة )

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.