غبريال أتّال... الوزير الأول الأصغر سناً في تاريخ فرنسا

قانون حظر العباءة أهم «إنجازاته»

غبريال أتّال... الوزير الأول الأصغر سناً في تاريخ فرنسا
TT

غبريال أتّال... الوزير الأول الأصغر سناً في تاريخ فرنسا

غبريال أتّال... الوزير الأول الأصغر سناً في تاريخ فرنسا

«أصغر رئيس جمهورية في تاريخ الجمهورية يُعيّن أصغر وزير أول في تاريخ الجمهورية». هذه الجملة التي تفّوه بها غبريال أتّال، وزير التربية السابق والوزير الأول الجديد في فرنسا، على أثر مراسم حفل تسلُّم مهامّه الجديدة، تحمل دلالات قوية. الصعود المبهر والسريع للوزير الأول جاء ليُذكّر الفرنسيين بخلفية الرئيس إيمانويل ماكرون في بداياته، فهو يتمتّع بحماس الشباب والطموح الجامح والشعبية الواسعة، حتى لقّبه البعض بـ«ماكرون الجديد». ولقد جاء تعيين أتّال خلفاً لإليزابيث بورن التي قدَّمت استقالتها للرئيس - أو بالأحرى أُقيلت - على أثر تراجع شعبيّتها بشكل واضح، وفي سياق سياسي خاص اتسم بعجز حزب الرئيس ماكرون عن الحصول على الغالبية، واللجوء إلى تحالفات مع اليمين واليمين المتطرف، من أجل المصادقة على قوانين مهمة أُثير حولها كثير من الجدل. ويضاف إلى كل هذا التوقعات بنجاح ساحق لقائمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في الانتخابات الأوروبية المقبلة بقيادة السياسي الشاب جوردان برديلا، الأمر الذي سيُضعف أكثر موقف الحكومة الحالية ويجعل العهدة الثانية والأخيرة لماكرون البوابة التي ستفتح الطريق نحو وصول اليمين المتطرف إلى سُدة الحكم.

جاء الوزير الأول الفرنسي، الأصغر سناً في التاريخ، غبريال أتال (34 سنة) ليحطّم الرقم القياسي لأصغر رؤساء الحكومة سناً في فرنسا، الذي كان سابقاً بحوزة لوران فابيوس، إذ وصل الأخير إلى قصر ماتينيون؛ أي قصر الرئاسة، عام 1984 وهو يبلغ من العمر 38 سنة. كذلك كان أتّال أيضاً أصغر عضو في الحكومة حين تَقّلد منصب وزير منتدب بديوان وزارة التربية والتعليم (وهو المنصب رقم اثنين بعد الوزير) عام 2018 وهو لا يتعدّى 29 سنة.

الصحافة الفرنسية نقلت شغف الوزير الأول المبكّر بالسياسة، وكانت أول مناسبة احتكّ فيها بالسياسة حين شارك مع والديه، وهو في سن الثانية عشرة من عمره، في مسيرة احتجاجية على أثر وصول جان ماري لوبان، زعيم اليمين المتطرف، إلى الدور الثاني من الرئاسيات عام 2002. بعدها انخرط أتّال في أوساط الحزب الاشتراكي، أوائل عام 2006، ولمّا يتجاوز سن السابعة عشرة لدعم المرشحة السابقة للرئاسيات، سيغولان رويال، وكان أحد الأعضاء البارزين إلى جانب توماس هولاند؛ ابن السيدة رويال في جمعية «ديزير دافونير»، التي أُسّست في حينه لدعم ترشح الوزيرة السابقة، وكان مَثَله الأعلى في السياسة وزير الاقتصاد ورئيس «صندوق النقد الدولي» السابق دومنيك ستروس-كان.

انطلاقة مبكّرةبعد تخرّج أتّال في معهد «سيانس بو» للعلوم السياسية بباريس عام 2012، اضطلع بأولى مهامّه السياسية، حين عُيّن مساعداً لوزيرة الصحة السابقة، ماري سول، وكان مكلَّفاً بتحرير خطاباتها الرسمية. إلا أنه في عام 2016 قرّر ترك صفوف الحزب الاشتراكي، والالتحاق بإيمانويل ماكرون الذي كان قد أسّس آنذاك تشكيلته السياسية «أون مارش (أو «إلى الأمام») لخوض المعركة الانتخابية، وأصبح، منذ ذلك الوقت، أحد أقرب المقرّبين للرئيس ماكرون، حتى لُقّب بـ«أوائل جيل المشاة»؛ نسبة للحاشية المقرَّبة من ماكرون وأبرز الأعضاء الذين أسهموا في تأسيس حزبه «إلى الأمام» (حالياً الـ«رونيسانس» أي «النهضة» أو «البعث»).

ولكسب الشرعية السياسية، ومزيد من الخبرة الميدانية، دخل غبريال أتّال في السنة التالية معترك الانتخابات التشريعية ليغدو نائباً عن منطقة أو دو سان في ضواحي العاصمة عام 2017، كذلك شغل منصب الناطق الرسمي للحكومة مرتين؛ الأولى في حكومة إدوارد فيليب عام 2018، والثانية في حكومة جان كاستيكس عام 2020. ويومذاك، اختير تقديراً لمهاراته في التواصل والخطاب وتعامله السلِس مع وسائل الإعلام، وبالأخص إبّان فترة انتشار جائحة «كوفيد-19»، ما أسهم في اتساع شهرته عند الرأي العام.

نحو وزارة التربيةأتال شغل أيضاً منصب وزير منتدب بوزارة التربية والتعليم والشباب بين 2018 و2020، ثم منصب وزير منتدب مكلَّف بالحسابات العامة بين 2022 و2023، إلى أن عُيّن وزيراً للتربية والتعليم، خلال يوليو (تموز) 2023، ومع أنه لم يمكث في هذا المنصب سوى ستة أشهر، تمكّن أتّال من لفت الانتباه إليه للهجته الحازمة ومواقفه اليمينية المتشددة كفرض قانون حظر لبس العباءة، ومحاربة التنمّر في المدارس، مُرفقاً تصريحاته بضجيج إعلامي كبير. وقد أسهم هذا الأمر أيضاً في سطوع نجمه، ووصوله إلى نسب قياسية من الشعبية في بلد أضحت غالبية ناخبيه تميل إلى اليمين.

وفي حوار مع صحيفة «لوبوان»، قال الصحافي الكاتب باتريس دوهاميل، مؤلف كتاب «القط والثعلب» (دار نشر لوبسرفاتوار) الذي يتناول علاقة رؤساء فرنسا بوزرائهم الأولين، ما يلي: «علاقة ماكرون بأتال تُذكِّر بالثنائي (فرنسوا) ميتران - (لوران) فابيوس، إذ كان لوران فابيوس آنذاك وزيراً أول شابّاً وقليل الخبرة، وهو كذلك عُيّن في عِزّ أزمة سياسية شديدة بعد سحب قانون «سافاري» حول المدارس الخاصة، أما الفارق فهو أن سلفه (الوزير الأول في حينه) بيار موروا كان يريد الاستقالة، بينما لم تغادر إليزابيث بورن المنصب بملء اختيارها ووفق رغبتها. على أي حال، وفق المعايير المعتادة لاختيار الوزير الأول منذ تأسيس الجمهورية، فإن غبريال أتّال يوافق كل المواصفات المطلوبة. إذ بينه وبين الرئيس ماكرون ثقة كبيرة، كما أن الولاء الذي أظهره للرئيس أمر لا جدال فيه، وإذا رجعنا لمبادئ الأيديولوجية «الماكرونية»، فإن الوزير الأول الجديد هو دون أدنى شك الأكثر انسجاماً مع «فكر» ماكرون من كل نُزلاء ماتينيون الأربعة السابقين. بَيْد أن السؤال المهم - يواصل دوهاميل - هو: هل سيترك ماكرون لغبريال أتّال المساحة الكافية ليحقق ذاته سياسياً؟ وكيف سيُصار إلى الفصل بين مهامّ الاثنين، فالمعروف عن الرئيس الفرنسي أنه يريد التحكم في كل صغيرة وكبيرة، ولا يحبُّ المنافسين؟»

وسط برجوازي وهجوم المعارضة

وُلد غبريال أتّال وترعرع وسط عائلة برجوازية غنية، فوالده إيف أتّال محامٍ ومُنتج سينمائي من أصول يهودية تونسية، أنتج أفلاماً نالت نجاحاً عالمياً كفيلم «الكعب العالي» لبيدرو ألمودوفار عام 1991، و«الوحش» لروبرتو بينيني عام 1994، و«الجمال المسروق» لبرناردو برتولوتشي عام 1996، أما والدته ماري دو كوريس فهي كاتبة سيناريو ومُنتجة من أصول مسيحية أرثوذوكسية روسية. وقد تفسِّر هذه الخلفية ميل غبريال وهو صغير إلى فنون السنيما والمسرح، إذ كان الوزير الأول الجديد شغوفاً بالتمثيل، وتابع بالفعل دروساً في المسرح والتمثيل عندما كان تلميذاً بالمرحلة الابتدائية، وكان قد صّرح، في حوار لمجلة «غالا» الفرنسية بأن مسرحيات موليير وغولدوني التي مثّل فيها تُعدّ تجارب إيجابية سمحت له بالتغلب على الخوف والقلق حين يتعلق الأمر بالكلام على الملأ.

في سياق متصل، كانت وسائل الإعلام قد كشفت عن تسجيل قديم من الأرشيف يظهر فيه غبريال أتّال في سن «التاسعة والنصف» وهو يصرّح، لصحافي كان ينجز تحقيقاً حول مدرسته، بأنه يريد أن يصبح ممثلاً مشهوراً في المستقبل، وقد نصحه والده الذي يعمل في السينما بالبدء بالمسرح. وبالفعل، حين وصل إلى المرحلة الثانوية شارك في إنتاج سينمائي بدور صغير إلى جانب النجمة ليا سيدو، قبل أن يتوجّه نهائياً إلى معترك السياسة.

أيضاً، في حوار مع صحيفة «شالنج»، صرّح غبريال أتّال بشأن عائلته قائلاً: «أنا محظوظ لأنني وُلدت في عائلة ميسورة الحال، وأنا أعلم أن هذا يجعلني عرضة لانتقادات الخصوم الذين يحاولون التشكيك في مهاراتي، لكنني لو لم أكن أعمل بجدّ لَما وصلت حيث أنا اليوم...».

هجمات يسارية و«فتور» يمينيفي المقابل، صرّح مانويل بومبار، النائب من حركة «فرنسا الأبية» اليسارية، منتقداً اختيار أتّال: «لا نستطيع أن نقول إنه عمل كثيراً، أو أنه واجه المشاكل التي يواجهها عامة الفرنسيين والفرنسيات. كيف سيواجه مشاكل الشعب التي لم يعِشها في حياته؟!». وأضافت مانو أوبري، النائبة من التشكيلة السياسية اليسارية نفسها، أن الوزير الأول الجديد «شخص وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب. ومشواره السياسي يتلخص في انتقاله من الدائرة السادسة إلى الدائرة السابعة من باريس»، مُلمّحة إلى حيّين من أرقى أحياء باريس هما الدائرة السادسة حيث تلقّى تعليمه بدءاً بـ«المدرسة الألزاسية» التي لا يقصدها إلا أطفال العائلات الغنية، ثم معهد «سيانس بو» للعلوم السياسية، والدائرة السابعة حيث عمل في الوظائف الحكومية السامية فور تخرّجه، «الأمر الذي يوحي بقلة خبرته الميدانية... ووصوله بفضل امتيازات خاصة». وأدلت بدلوها أيضاً، زعيمة كتلة اليسار الراديكالي، ماتيلد بانو، فوصفت أتال بـ«ماكرون الصغير (جونيور) المتخصّص في الغطرسة والازدراء».

أما قوى اليمين وبعض شخصياته المعروفة أمثال فرنسوا بايرو، زعيم كتلة الموديم (وسط اليمين)، وكذلك إدوارد فيليب الوزير الأول السابق، وألكسي كوهلر السكرتير العام للإليزيه، فأبدوا معارضتهم أيضاً قرار التعيين، بل حاولوا - وفقاً لبعض وسائل الإعلام - إقناع ماكرون بالتخلي عن اختيار أتّال.

بايرو أعرب، في لقاء نُشر بصحيفة «لو باريزيان» عن شكوكه في قدرة أتّال على مواجهة المشاكل الكثيرة التي تمرّ بها الحكومة الحالية بسبب قلّة خبرته الميدانية. في سياق آخر، وجّهت بعض الأصوات اتهامات للوزير الأول الجديد بأنه اتخذ من منصب وزير التربية ذريعة للوصول إلى «قصر ماتينيون»، وبأنه لم يكن يوماً صادقاً في اهتمامه بقطاع التربية والتعليم، «والدليل أنه اكتفى بإعلان حظر العباءة، لإرضاء غالبية من الفرنسيين، والصعود في استطلاعات الرأي، دون أن يتطرق إلى المشاكل الجوهرية التي يتخبط فيها قطاع التربية والتعليم في فرنسا، كنقص الأساتذة، وتدنّي المستوى التعليمي».

غير أن الهجوم الأعنف على أتّال في وسائل التواصل جاء من المحامي والناشط السياسي جان برانكو، الذي كان زميل دراسة للوزير الأول الجديد، إذ خصّص له أربعين صفحة من كتابه «الغسق»، واصفاً إياه بـ«الانتهازي» الذي لم يتردد في خيانة مبادئه السياسية للوصول إلى مراكز السلطة السياسية والنفوذ. وهنا نشير إلى أن برانكو كان أول مَن كشف علاقة أتّال برفيق حياته السابق ستيفان سيجورني، مستشار ماكرون السابق ووزير الخارجية والشؤون الأوروبية الجديد. ومما زعمه أن سيجورني «هو مَن توسّط لغبريال أتّال عند ماكرون ليضمّه إلى فريق أعوانه المقرّبين».

الملفّات الساخنة

على صعيد عملي، في انتظار الوزير الأول الجديد عدةُ ملفات ساخنة؛ أهمها مواجهة تحدّي الانتخابات الأوروبية المقبلة، حيث يبدو الوزير الأول الجديد بشعبيته الكبيرة الشخصية الوحيدة القادرة على مواجهة خطر زحف حزب «التجمع الوطني» المتطرف، إذ توقعت عدة استطلاعات للرأي أن قائمة اليمين المتطرف، بقيادة جوردان برديلا - الرقم 2 في قيادته - ستستحوذ على أكبر نصيب من أصوات الفرنسيين، متقدّمة على حزب ماكرون بأكثر من تسعة نقاط مئوية، لذا سارع الوزير الأول الجديد فور تسلّمه مهامّه، إلى تكثيف الزيارات الميدانية؛ في محاولة لكسب ثقة الفرنسيين وأصواتهم.

ومن ثم فإن المنتظَر من الوزير الأول الجديد أيضاً إعطاء «نَفَس جديد» للعهدة الثانية لماكرون، التي تشهد انقسامات كثيرة في صفوف الغالبية، ولا سيما الجناح اليساري الذي رفض وبقوة مشروع نظام المعاشات، وقانون الهجرة المثير للجدل.

أضفْ إلى ذلك أن العهدة الماكرونية الثانية ستشهد أيضاً التحضير للألعاب الأولمبية في صيف 2024، ومشروع تعديلات قطاع التربية والتعليم وقطاع العمل، لذا فأتّال مُطالَب أيضاً بإيجاد 12 مليار يورو لقطاع الاقتصاد في مصاريف الدولة، بعدما التزمت فرنسا تجاه المجموعة الأوروبية بالحدّ من ديونها التي بلغت في عام 2023 أرقاماً قياسية وصلت إلى 3000 مليار يورو.

المراقبون يرون أن عمل أتّال سيكون صعباً جداً، فمطلوب منه التقرّب من اليمين لكسب مزيد من الأصوات، لكن دون إغضاب الجناح اليساري للغالبية. ومطلوب منه أيضاً فرض سلطته على وزراء حكومته... ومعظم هؤلاء يَكبرونه سناً، بل بعضهم أشرف على تدريبه منذ فترة قصيرة، والبعض الآخر كان يحلم بمنصبه منذ فترة طويلة، كوزير الاقتصاد برونو لومير، ووزير الداخلية جيرالد دارمانان.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.