بنغلاديش: الشيخة حسينة لانتصار مجهول العواقب

المصالح المشتركة للهند والصين دعمت استمرارية زعيمة «رابطة عوامي» رغم المعارضين

الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)
الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)
TT

بنغلاديش: الشيخة حسينة لانتصار مجهول العواقب

الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)
الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)

أحرز حزب «رابطة عوامي» الذي تتزعمه رئيسة وزراء بنغلاديش، الشيخة حسينة واجد، فوزاً ساحقاً في الانتخابات البرلمانية الـ12 التي تشهدها البلاد، والتي قاطعتها أحزاب المعارضة. وبهذا الفوز أصبحت الشيخة حسينة، التي تحكم بلا انقطاع منذ 2009، صاحبة أطول فترة قيادة دولة في العالم، كما منح الفوز حزبها فترة رابعة على التوالي في انتخابات من جانب واحد، وشهدت نسبة إقبال ضئيلة بلغت 40 في المائة. أما عن بنغلاديش، التي كانت تُعرف سابقاً بباكستان الشرقية، فإنها بعد نيلها استقلالها عن باكستان عام 1971، وأصبحت ثامن أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. إذ يبلغ عدد سكانها 174 مليون نسمة (غالبيتهم العظمى من المسلمين). وللعلم، يتألف البرلمان البنغلاديشي من 350 نائباً، منهم 300 يجري انتخابهم بشكل مباشر لفترة خمس سنوات. أما المقاعد الـ50 المتبقية فمخصصة للنساء اللاتي يشكلن ما يقرب من نصف الناخبين المؤهلين البالغ عددهم نحو 120 مليوناً، في حين يبلغ عدد الناخبين لأول مرة قرابة 15 مليوناً. ويتولى النواب الـ300 المنتخبون بدورهم انتخاب 50 نائبة بشكل متناسب للمقاعد المحجوزة. ووفق تقارير إعلامية فإن نسبة المشاركة كانت متدنية بلغت 41.8 في المائة فقط، وفقاً للجنة الانتخابات، مقارنة بأكثر من 80 في المائة في الانتخابات الأخيرة عام 2018.

بينما تبدو بنغلاديش كأنها تشق لنفسها طريقاً نحو الرخاء والتخلص من إرث الانقلابات والاغتيالات، جاءت الانتخابات المفتقرة إلى التنافسية لتكشف كيف تظل السياسة في هذه البلاد رهينة لعقود من العداء بين الحزبين الرئيسيين، «رابطة عوامي» و«الحزب الوطني البنغلاديشي».

وتوافقاً مع ما كانت عليه الحال خلال الجزء الأكبر من العقود الثلاثة الماضية، هيمنت على الساحة السياسية البنغلاديشية حالة من التنافس المرير بين امرأتين: الشيخة حسينة واجد (76 سنة) زعيمة حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، والبيغوم خالدة ضياء (78 سنة) زعيمة «الحزب الوطني البنغلاديشي» (يمين الوسط).

حسينة هي ابنة مؤسس لبنغلاديش، الشيخ مجيب الرحمن، الذي قاد حركة استقلال البلاد عن باكستان خلال ديسمبر (كانون الأول) 1971. وفي أغسطس (آب) 1975، اغتيل الشيخ مجيب الرحمن وزوجته (أم حسينة) وإخوتها الثلاثة، إلى جانب الكثير من أفراد الأسرة الآخرين في بنغلاديش في مجزرة مروّعة داخل منزلهم على يد ضباط عسكريين. في حين نجت حسينة وشقيقتها ريحانة من الموت لأنهما كانتا في الخارج.

بعد اغتيال العائلة، عاشت حسينة لسنوات في المنفى بالهند المجاورة. لكنها، عادت في ما بعد إلى الوطن عام 1981، وانضمت إلى منافستها السياسية المستقبلية خالدة ضياء لقيادة انتفاضة شعبية من أجل الديمقراطية أطاحت الحاكم العسكري الجنرال حسين محمد إرشاد من السلطة عام 1990. بيد أن التحالف مع خالدة (أرملة الرئيس الأسبق الجنرال ضياء الرحمن) لم يطل، بل استمر التنافس المرير والعميق بين المرأتين، مهيمناً على الساحة السياسية بالبلاد لعقود.

الانتصار الأول

قادت حسينة «رابطة عوامي» للمرة الأولى نحو نصر انتخابي عام 1996، وحكمت فترة ولاية مدتها خمس سنوات قبل أن تستعيد السلطة عام 2009، ولم تخسرها بعد ذلك قط. غير أن جماعات حقوق الإنسان والحكومات الغربية تتهم الشيخة الملقبة عادة بـ«المرأة الحديدية»، بقمع «الحزب الوطني البنغلاديشي» المعارض وغيره من المعارضين والمنتقدين عبر حملات قمع عنيفة واختلاق مشاكل قانونية أمامهم. ويُذكر أن الجنرال ضياء الرحمن، زوج البيغوم خالدة كان ضابطاً في الجيش، قبل أن يغدو أول ديكتاتور عسكري يحكم بنغلاديش عندما تولى الرئاسة بين عامي 1977 و1981، قبل أن يقضي اغتيالاً.

لماذا قاطعت المعارضة الانتخابات؟

قاطع «الحزب الوطني البنغلاديشي» وحلفاؤه، إلى جانب بعض الأحزاب الإسلامية الكبرى، الانتخابات بعد مطالبتهم باستقالة الحكومة الحالية خلال فترة الانتخابات لصالح حكومة مؤقتة محايدة. إلا أن حسينة رفضت طلب التنحي إبّان الحملة الانتخابية لكي تُجرى الانتخابات تحت إدارة محايدة. وحقاً، احتشد عشرات الآلاف من أنصار المعارضة في العاصمة دكا في ديسمبر 2022 لمطالبة حكومة حسينة بالاستقالة وتعيين حكومة تصريف أعمال محايدة قبل الانتخابات العامة. وفي سلسلة من المقابلات مع وسائل الإعلام المحلية، أعرب عدد من المحللين والشخصيات المدنية عن مخاوفهم بشأن الانتخابات. ورأوا أنه من دون مشاركة «الحزب الوطني البنغلاديشي» والأحزاب الأخرى، ستفتقر النتائج للصدقية، وسيواجه البرلمان الوطني الـ12 فترة صعبة.

في المقابل، استبعدت حسينة وحزبها طلب المعارضة، مبرّرين ذلك بأن تشكيل حكومة انتقالية يتعارض مع روح دستور البلاد. وهنا نذكر أنه لم تُجر سوى أربع من الانتخابات الوطنية الـ11 السابقة في ظل حكومة تصريف أعمال محايدة: خلال الأعوام 1991، و1996، و2001، و2008. ولاقت هذه الانتخابات قبولاً على نطاق واسع، بكونها حرة ونزيهة نسبياً.

لقد أقرّ مبدأ تكليف حكومات تصريف الأعمال بالإشراف على الانتخابات في دستور عام 1996، لكنه ألغي عام 2011 إبان عهد حسينة عبر تعديل دستوري، بعدما قضت المحكمة العليا بأن هذا النظام يتعارض مع الدستور. وعلى الأثر، قاطع «الحزب الوطني البنغلاديشي» انتخابات عام 2014. وكانت نتائج التصويت عام 2018 محل نزاع بسبب مزاعم حول التزوير لصالح «رابطة عوامي» الذي فاز بأغلبية ساحقة.

فترة حكم خالدة

من جهتها، تولّت البيغوم خالدة ضياء رئاسة الحكومة مرتين بين عامي 1991 و1996 وعامي 2001 و2006، وعاون خالدة ولداها طارق الرحمن وعرفات الرحمن (المتوفى الآن). وراهناً، يعيش طارق - الوريث السياسي لخالدة - في المنفى منذ عام 2008، بعدما غادر بنغلاديش لأول مرة لتلقي العلاج الطبي، وهو يدير حزبه اليوم من لندن.

خالدة كانت اتُّهمت بسرقة 252.000 دولار من صندوق أسس أصلاً لدار أيتام. وحكم القضاء على ابنها طارق أيضاً بالسجن لمدة تسع سنوات بتهم الفساد في قضية رفعتها حكومة حسينة عام 2007. ويزعم أنصار «الحزب الوطني البنغلاديشي» أن وراء الحكم دوافع سياسية، أبرزها إبعاد طارق عن السياسة، حيث يقولون إنه إذا عاد إلى بنغلاديش سيُعتقَل، ويُزَج به في السجن.

أما خالدة فتعيش قيد الإقامة الجبرية، وما زال حزبها يواجه تحديات متزايدة من جانب حكومة حسينة، بينها منعها من مغادرة البلاد لتلقي العلاج الطبي. وبالفعل، انتقد «الحزب الوطني البنغلاديشي» وعدّها عملاً من أعمال «الانتقام السياسي».

أيضاً برّرت الشيخة حسينة موقفها بأن على خالدة تمضية عقوبة السجن قبل الحصول على الإذن بالمغادرة؛ إذ قالت لوسائل الإعلام: «عليها العودة إلى السجن أولاً إذا أرادت السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، وإذا أراد حزبها نقلها للخارج يتوجب عليه الذهاب إلى المحكمة والتقدم بطلب للحصول على ذلك، وإذا سمحت يمكنها السفر».

انتخابات «صوَرية»

في أي حال، زعم «الحزب الوطني البنغلاديشي» أن «رابطة عوامي» دعمت مرشحين «صوريين» كمستقلين لمحاولة جعل الانتخابات تبدو ديمقراطية. كذلك وصف الجنرال المتقاعد سخاوت حسين، مفوض الانتخابات السابق، انتخابات الأحد الفائت بأنها «صورية». وفعلاً، بقاء خالدة قيد الإقامة الجبرية واستمرار غياب حزبها عن المشهد السياسي، يهددان النفوذ السياسي الذي يتمتع به الحزب، في حين تبدو حسينة في طريقها لأن تغدو أقوى وأكثر نفوذاً، على غرار مثلها الأعلى أنديرا غاندي، حسبما يضيف تقرير نشرته صحيفة «إنديان إكسبريس».

صناديق الاقتراع داخل أحد مراكز الفرز (رويترز)

الهند والصين تدعمان الشيخة حسينة

يقدر حجم اقتصاد بنغلاديش بـ400 مليار دولار، ونما بنسبة 7.1 في المائة عام 2022. وفي الوقت ذاته، لدى كل من الهند والصين مصالح كبيرة في نتيجة العملية الانتخابية ومصداقيتها، ليس فقط بفضل علاقاتهما الاقتصادية القوية مع بنغلاديش، بل أيضاً في ضوء التنافس الأوسع بينهما على مستوى المنطقة. ورغم تفضيل الولايات المتحدة والدول الأوروبية تشكيل حكومة محايدة قبل الانتخابات الأخيرة، وقف الغريمان الآسيويان، الهند والصين، صفاً واحداً خلف الشيخة حسينة. إذ كانت واشنطن قد اعتمدت سياسة تأشيرات جديدة لبنغلاديش في العام الماضي بهدف «دعم الانتخابات الحرة والنزيهة» في البلاد، وهي تتيح للسلطات الأميركية رفض منح التأشيرات لأي فرد أو كيان يعرقل العملية الانتخابية في بنغلاديش. لكن لدى كل من الهند والصين رغبة ومصلحة كبرى في بقاء «رابطة عوامي» بزعامة حسينة في سدة الحكم.

في الواقع، الشيخة حسينة كانت دائماً تضع في حسبانها المصالح الهندية، رغم توسع نطاق الوجود الصيني بقطاع البنية التحتية. وتكشف الأرقام عن أن التجارة الثنائية بين الهند وبنغلاديش تجاوزت 15 مليار دولار في 2021-2022. كذلك، ترى الهند بنغلاديش «منطقة عازلة» شرقية حيوية، وتؤمّن دعماً محورياً لها على مستوى الموانئ والوصول إلى شبكة الكهرباء، ثم أن الروابط التاريخية والتلاصق الجغرافي يعززان العلاقات التجارية التكافلية بين الجانبين.

وبالتوازي، تجاوزت التجارة الثنائية بين بنغلاديش والصين 25 مليار دولار عام 2022. وتتوافق بنغلاديش استراتيجياً مع الصين، التي تساعد في تحويل المشهد العام بها من خلال مشروعات ضخمة. ولقد تجاوزت الاستثمارات الصينية في مشروعات البنية التحتية الممولة عبر «مبادرة الحزام والطريق» 10 مليارات دولار.

حول الحسابات السياسية لعلاقات نيودلهي وبكين مع مَن يحكم في دكا، يقول المعلق السياسي سي. رجا موهان: «جرت مراقبة الانتخابات البنغلاديشية باهتمام كبير في الهند، لجملة من الأسباب، أبرزها:

- تشارك بنغلاديش مع الهند في حدود يبلغ طولها 4096 كلم، هي الأطول للهند مع أي من جيرانها.

- العلاقات التاريخية والثقافية والاقتصادية عميقة التي تعني أن بنغلاديش مستقرة ومزدهرة وصديقة يصبّ في مصلحة الهند؛ ولذا تقف بقوة خلف الشيخة حسينة.

- لطالما كان المنافس الرئيسي لحسينة، أي «الحزب الوطني البنغلاديشي»، يتمتع دائماً بعلاقات وثيقة مع «الجماعة الإسلامية» ويرتبط الحزب بتحالف تقليدي مع باكستان. وحقاً، إبان حكم «الحزب الوطني البنغلاديشي»، وقعت هجمات إرهابية عدة ضد الهند من داخل بنغلاديش. وبالتالي، تخشى نيودلهي أنه إذا عاد إلى السلطة، قد يتحول الإرهاب هاجساً كبيراً.

أما بالنسبة لبكين، فقد نما الحضور الصيني في بنغلاديش بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. وبعد عام 2016، انضمت بنغلاديش، مثل دول أخرى بالمنطقة، إلى «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. ومنذ ذلك الحين، أنجزت الصين الكثير من مشروعات البنية التحتية في البلاد. وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، أنجز بناء وصلة السكك الحديدية «جسر بادما»، بجانب مشاركة بكين في الكثير من المشروعات الأخرى داخل بنغلاديش. وبالتالي، يهم بكين الاستمرارية والاستقرار داخل بنغلاديش؛ لضمان نجاح خطط «مبادرة الحزام والطريق»، وترى أن قوة «رابطة عوامي» الخيار الأفضل لتحقيق هذا النجاح.

التحديات أمام حسينة

على صعيد آخر، ستواجه حكم الشيخة حسينة تحديات عدة. وهنا يرى الصحافي صلاح الدين شعيب شودري، المقيم في بنغلاديش، أن «أحد أكبر التحديات الأكثر إلحاحاً التي تواجه حسينة سيكون إدارة مخاطر الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات، لا سيما وأن الانتخابات تسببت في تفاقم الاستقطاب السياسي الخطير في البلاد. وبينما طمّعت النتيجة «رابطة عوامي» يشعر «الحزب الوطني البنغلاديشي» بالغضب والظلم... وسيكون من الحكمة رصد ردة الفعل التالية التي سيتخذها «الحزب»، فهل سيبقى مبتعداً عن دائرة الضوء أم سيحاول تعزيز جهود المقاومة من جانبه؟».

ويرى شودري، أنه رغم الاتهامات الغربية بانحسار الديمقراطية، فإن ما تسعى إليه «رابطة عوامي» الحاكمة لنفسها هو سياساتها وأدائها، ومن المتوقع أن تصبح بنغلاديش دولة متوسطة الدخل بحلول عام 2041. كما أنها في طريقها للخروج من فئة أقل البلدان نمواً، تبعاً لتصنيف الأمم المتحدة بحلول عام 2026. وبالمقارنة مع بلدان جنوب آسيا الأخرى، تجد بنغلاديش نفسها أعلى من المتوسط في معايير مؤشر التنمية البشرية. وأفاد تقرير للبنك الدولي صدر في أكتوبر (تشرين الأول) بأن معدل الفقر المدقع انخفض من 9 في المائة عام 2016 إلى 5 في المائة عام 2022. وقد يشكّل هذا الوضع تحدياً لبعض علاقات دكا الدبلوماسية، خاصة مع واشنطن.

أما سيما غوها، الصحافية المعنية بشؤون بنغلاديش، فتعلّق: «ثمة إجماع واسع في الولايات المتحدة وأوروبا على أن هذه لم تكن انتخابات ديمقراطية. وكمثال، لم يرسل الاتحاد الأوروبي بعثة لمراقبة الانتخابات بسبب انعدام الظروف المواتية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وكذلك ضمان عمل البعثة نفسها بحرية. إن قمع المعارضة البنغلاديشية أمر معروف ومرفوض بشكل عام داخل الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية».

على هذا، يرد أنصار حسينة وحزبها «رابطة عوامي» بالقول إن الرئيسة والحزب شيّدا دولة تتمتع بصناعة متنامية ومشروعات تنموية مزدهرة. وكذلك أسهم الاستقرار في تجنيب بنغلاديش الانقلابات العسكرية.

وعلى الساحة الدولية، نجحت في تعزيز العلاقات مع الدول القوية، وتحقيق توازن بعلاقات بلدها مع قوى متنافسة. ثم أنها مدعومة بقوة من كل من الهند والصين، حتى عندما تواجه العملاقان الآسيويان عسكرياً في المناطق الحدودية المتنازع عليها، ناهيك من تمويلهما عدداً كبيراً من مشروعات البنية التحتية البنغلاديشية.

أيضاً في عهد حسينة، بنت دكا علاقات مهمة مع روسيا، حتى عندما كانت تضغط لوقف القتال في أوكرانيا، وتتودّد على نحو متزايد إلى الزعماء الغربيين.

ثم أنه يُنسب إلى حسينة الفضل في تغيير مسار الاقتصاد البالغ حجمه 416 مليار دولار وصناعة الملابس الضخمة، في حين نالت كذلك إشادة دولية لإيواء ما يقرب من مليون مسلم من الروهينغا الفارين من الاضطهاد في ميانمار المجاورة. ورغم، الهزة الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة، إثر اشتعال احتجاجات عنيفة على القفزة في تكاليف المعيشة، وافق صندوق النقد الدولي على المراجعة الأولى لخطة إنقاذ بنغلاديش البالغة 4.7 مليار دولار في ديسمبر الماضي؛ ما أتاح الوصول الفوري إلى نحو 468.3 مليون دولار وأتاح 221.5 مليون دولار لأجندة مكافحة التغييرات المناخية.

ناشطو المعارضة في تظاهرة تدعو إلى مقاطعة الانتخابات (رويترز)

أحداث وعنف وانتخابات في بنغلاديش

1971: ولادة بنغلاديش، بعد حرب مزَّقت باكستان، بقيادة «رابطة عوامي» وزعيمها الشيخ مجيب الرحمن. 1973: أول انتخابات انتهت بانتصار ساحق لـ«رابطة عوامي»، وسط مزاعم بوقوع تزوير في بعض الأماكن. 1974: مجيب يحظر أحزاب المعارضة، ويحول بنغلاديش فعلياً إلى نظام الحزب الواحد. 1975: قتل مجيب إثر انقلاب عسكري مع معظم أفراد عائلته. ولم ينجُ سوى ابنتيه الشيخة حسينة والشيخة ريحانة، اللتين كانتا في الخارج ذلك الوقت. الجنرال ضياء الرحمن تولى المسؤولية فعلياً. 1979: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يفوز بالانتخابات، بقيادة ضياء الرحمن، و«رابطة عوامي» تزعم حدوث عمليات تزوير واسعة وترفض النتائج. 1981: اغتيال ضياء الرحمن، وتولي نائبه عبد الستار السلطة، وفوزه بالانتخابات العامة. 1982: قائد الجيش الجنرال حسين إرشاد يقود انقلاباً آخر. 1986: حزب «غاتيا» بزعامة إرشاد يفوز بالانتخابات، وسط إقبال ضعيف. «الحزب الوطني البنغلاديشي»، الذي تترأسه الآن خالدة ضياء، أرملة ضياء الرحمن، يقاطع، بينما يشارك حزب «رابطة عوامي» بقيادة حسينة. الغالبية ترى أن النتائج غير مشروعة. 1988: انتخابات أخرى وسط دعوات لإقالة إرشاد، قاطعها كل من «رابطة عوامي» و«الحزب الوطني البنغلاديشي»، وقادت خالدة وحسينة الاحتجاجات معاً. 1990: استقالة إرشاد وسط احتجاجات حاشدة، وتولي حكومة تصريف الأعمال السلطة. 1991: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يفوز بغالبية ضئيلة فيما عُدَّت الانتخابات الأكثر نزاهة حتى الآن. خالدة تصبح رئيسة للوزراء، و«رابطة عوامي» في المعارضة. 1996: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يرفض تعيين حكومة تصريف أعمال، ويفوز في انتخابات مثيرة للجدل مع مقاطعة معظم الأحزاب. تستمر الحكومة 12 يوماً فقط، وتُجرى الانتخابات مرة أخرى، وهذه المرة في ظل حكومة تصريف أعمال. فوز «رابطة عوامي» وتولي حسينة مقاليد السلطة للمرة الأولى. 2001: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يفوز في الانتخابات في ظل حكومة تصريف أعمال. ويمنح الحقائب الوزارية للجماعة الإسلامية. عنف انتخابي يستهدف الأقلية الهندوسية في بنغلاديش. 2006: حالة جمود مع عجز «الحزب الوطني البنغلاديشي» و«رابطة عوامي» عن اتخاذ قرار بشأن حكومة تصريف الأعمال، والرئيس عياض الدين أحمد، بدعم من الجيش، يعلن نفسه زعيماً للبلاد. 2007: حكومة تصريف الأعمال المدعومة من الجيش تعتقل خالدة ضياء والشيخة حسينة بتهم الفساد. 2008: إجراء انتخابات في ظل حكومة تصريف الأعمال، وحققت الشيخة حسينة و«التحالف الكبير» بقيادة «رابطة عوامي» فوزاً كاسحاً. 2011: حسينة تلغي الأحكام المتعلقة بحكومة تصريف الأعمال مستشهدة بالخبرة السابقة في الفترة من 2006 إلى 2007. المعارضة تتعرض للقمع. 2014: وضع خالدة قيد الإقامة الجبرية، و«الحزب الوطني البنغلاديشي» وأحزاب المعارضة يقاطعون الانتخابات. وفوز كبير آخر لـ«رابطة عوامي». 2018: «رابطة عوامي» يحقق انتصاراً ساحقاً، حتى مع ظهور تقارير عن العنف وقمع الناخبين وتزوير الانتخابات مرة أخرى. «الحزب الوطني البنغلاديشي» يقاطع الانتخابات من جديد.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟