خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا

دول القارة قلقة من تأقلم ناخبيها مع حكم غلاة اليمين

خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا
TT

خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا

خيرت فيلدرز... يفاقم هموم أوروبا إثر «اختراق» حزبه المتطرف في هولندا

قد يكون النائب الهولندي خيرت فيلدرز من أكثر الوجوه السياسية شهرة في أوروبا منذ عقود، رغم أنه لم يتولَّ مناصب رسمية حتى الآن. شهرة الرجل نابعة من أفكاره اليمينية الشديدة التطرف، وكرهه المعلن للإسلام والمسلمين. ومع أن فيلدرز حاضر على الساحة السياسية في أوروبا منذ عام 1998 عندما دخل البرلمان للمرة الأولى، بالكاد نُظر إليه - قبل الآن - على أنه لاعب سياسي قوي قادر على الوصول للسلطة وحكم هولندا. ولذا شكل فوز حزبه «الحرية» بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية، حصد فيها 37 مقعداً من أصل 150 (أي ربع مقاعد البرلمان) مفاجأة كبيرة وصدمة خاصة للمسلمين في هولندا الذين بدأوا فعلاً يخشون على مستقبلهم هناك. ولكن، فوز حزب فيلدرز في الانتخابات الأخيرة لا يعني أنه سيصبح تلقائياً رئيس الحكومة المقبلة. ذلك أنه، في غياب الغالبية المطلقة، سيكون مُجبراً على إقناع أحزاب أخرى بالمشاركة معه في حكومة يرأسها هو، ما قد يكون مهمة صعبة. ولكن الثابت الآن هو استحالة تجاهل قوة هذا الحزب، ولا المليوني ونصف المليون شخص تقريباً الذين صوتوا له رغم أفكاره الشديدة التطرّف حول المسلمين والمهاجرين والاتحاد الأوروبي وغيرها الكثير. أمر آخر، لا يخلو من الخطورة، هو أن إنجاز متطرفي هولندا أعطى أملاً جديداً للأحزاب الأخرى الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا التي بدأت صعودها أصلاً في السنوات الماضية، ووصل بعضها إلى السلطة مثل حزب رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، والحزب اليميني المتطرف في فنلندا الذي بات جزءاً من الحكومة الائتلافية. ذلك أنه في فرنسا يتقدم اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبين في استطلاعات الرأي باعتباره أكبر حزب في البلاد. وفي ألمانيا يصعد حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف بوتيرة مقلقة في بلد تعهدت كل الأحزاب الأساسية فيه بألا تشاركه الحكم. ولكن الكثير قد يتغير حتى موعد الانتخابات المقبلة في عام 2025، خاصة في حال نجح فيلدرز بإقناع أحزاب هولندية وسطية بالمشاركة معه في حكومة ائتلافية.

كرّر السياسي الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز، خلال حملته الانتخابية الأخيرة، الكلام عن الخطط التي اعتمدها ويريد تطبيقها في حال وصوله للسلطة. ووضع على رأس تلك الخطط حظر القرآن والحجاب في الأبنية الرسمية، وإقفال المساجد والمدارس الدينية المسلمة. وللعلم، تتماشى هذه الأفكار مع ما عُرف به فعلاً هذا السياسي المتطرف المعادي للإسلام والمسلمين منذ بداية صعوده؛ إذ سبق له أن وصف المواطنين الهولنديين المتحدرين من أصول مغاربية بأنهم «حثالة». وفي عام 2004 تسبّب بجدل كبير عندما سأل المتجمهرين في أحد التجمعات الانتخابية: «هل تريدون مغاربة أقل في هولندا؟»، فردّوا: «نعم ...نعم...»، وعلى الفور أعلن وهو يبتسم بأنه يستطيع أن يفعل ذلك. وفي حينه، حوكم فيلدرز بسبب تلك التصريحات التي اعتبرت تحريضاً على الكراهية والتمييز ضد المغاربة، وأدين بغرامة مالية مقدارها 5 آلاف يورو.

خلفية العداء

يدّعي فيلدرز أن أفكاره المعادية للإسلام ترسّخت بعد قتل المخرج الهولندي تيو فان كوخ عام 2004 على يد شاب هولندي من أصل مغربي بعد إخراج فان كوخ فيلم «الخضوع» للكاتبة الهولندية الصومالية المعادية للمسلمين أعيان حرسي علي، الذي يصوّر الإسلام بصورة سلبية للغاية. ثم في العام نفسه أسس فيلدرز حزبه «الحرية» في أعقاب انفصال عن حزب «الشعب للحرية والديمقراطية» اليميني المعتدل الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة الهولندي الحالي مارك روته.

ما يستحق الذكر أن فيلدرز امتهن لفترة التأمين الصحي، كما درس لنيل شهادات في القانون من جامعة هولندا المفتوحة، قبل أن يتفرّغ للسياسة. ولقد التحق بصفوف حزب روته منذ عام 1989، وانطلق منه في حياته السياسية. بيد أنه منذ ذلك الحين، عُرف داخل الحزب بأفكاره المتطرّفة، وبصفة خاصة تجاه المسلمين.

بعدها، برز الاختلاف الكبير بين فيلدرز وأعضاء الحزب الآخرين في أعقاب تعيينه عام 2002 ناطقاً باسم الكتلة البرلمانية لحزبه. وحقاً، تسبّب العديد من تصريحاته المتطرفة ضد الإسلام والمسلمين، آنذاك، بتوتر شديد داخل الكتلة البرلمانية، ويضاف إلى ذلك، أنه كان غالباً ما يتكلّم في مواضيع خارج الخطوط الأساسية لسياسة الحزب.

غير أن «القشة التي قصمت ظهر البعير» تمثّلت في رفض فيلدرز العنيد تأييد موقف حزبه من بدء مفاوضات قبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. هذا، كانت نقطة الخلاف الحاسمة والأخيرة التي أدت إلى قراره الانفصال عن الحزب وتأسيسه «حزب الحرية». وهنا تجدر الإشارة، إلى أن السبب الأبرز لمعارضة فيلدرز الشديدة القبول بإطلاق مفاوضات الانضمام مع تركيا كون الأخيرة «دولة مسلمة»، وهي بالتالي - وفق قناعاته - «لا تنتمي إلى العائلة الأوروبية» وقيَمها وثقافتها.

كاثوليكي العائلة والنشأة

فيلدرز نفسه ولد لعائلة كاثوليكية، هو ابنها الأصغر وله 3 أخوة آخرين، إلا أنه يزعم حالياً أنه لا ينتمي لأي ديانة على الرغم من أنه يعتبر أن المسيحيين هم «حلفاء» له. واللافت أن الرجل الذي تحول إلى أحد أهم الرموز المعادية للإسلام في أوروبا وأبعد، هو نفسه يتحدّر جزئياً من عائلة ذات أصول إندونيسية مسلمة يحاول إخفاءها... ونادراً ما يتطرّق إليها.

ذلك أن جدّته لوالدته إندونيسية تزوّجت والده الهولندي أيام حقبة الاستعمار الهولندي على إندونيسيا، عندما كان يعمل في تلك البلاد التي كانت تُعرف بـ«جزر الهند الشرقية الهولندية»، وذلك قبل أن تتحوّل إلى جمهورية إندونيسيا بعد الاستقلال عن هولندا عام 1949 بقيادة أحمد سوكارنو.

وفي عام 2009، نشرت مجلة «أمستردام الخضراء» تحقيقاً مفصلاً عن فيلدرز نبشت فيه إرثه العائلي، مستندة إلى وثائق في «الأرشيف الوطني» أظهرت تفاصيل حول جده لوالدته يوهان أوردينغ الذي كان يعمل موظفاً حكومياً تابعاً لسلطة «جزر الهند الشرقية الهولندية»، ونجح هناك بكسب أموال من أعمال كان يقوم بها في المستعمرة الهولندية السابقة. وهناك أيضاً، تعرف على زوجته الإندونيسية جوهانا التي أنجب منها 7 أولاد بينهم والدة فيلدرز، ولدوا جميعهم في جزيرة جاوة، كبرى الجزر الإندونيسية من حيث تعداد السكان، وفيها العاصمة جاكارتا.

وبحسب المجلة، طُرد جد فيلدرز من وظيفته ومنع من العودة إلى جاوة عام 1934 عندما كان في إجازة في الخارج بعدما تبيّن أنه قد أفلس. وهكذا، حُرم الرجل من معاشه التقاعدي، واضطر على الأثر للانتقال مع زوجته - التي لم تكن تتكلم اللغة الهولندية - وعائلتهما للعيش في منزل صغير، وفق المجلة، في هولندا مع 7 أطفال، تاركين وراءهم منزلاً كبيراً وخدماً وحياة رفاهية ما عادت متوافرة لهم.

وتروي مجلة «أمستردام الخضراء» في تحقيقها أن العائلة مرّت بأيام شديدة الصعوبة، وعانت من الفقر الشديد. وأكملت لتشير إلى أن أوردينغ نجح فيما بعد بإعادة بناء حياته العملية بعدما وجد وظيفة له حارسَ سجن. ومن ثم، استقر مع عائلته في مدينة فينلو الصغيرة، بجنوب شرقي هولندا قرب الحدود الألمانية، وهي المدينة حيث ولد خيرت عام 1962 وفيها نشأ. ولقد نسبت الصحيفة إلى خيرت فيلدرز نفسه القول إن جدّيه كانا يعيشان على بعد نصف كيلومتر من منزله، وأنه كان غالباً ما يزورهما. وفي حين توفي أوردينغ عندما كان خيرت في الثامنة عشرة من عمره، توفيت زوجته بعده بست سنوات.

مرارة التجربة وأزمة الهوية

بناءً على ما سبق، استنتجت «أمستردام الخضراء» أن إبعاد عائلة فيلدرز عن إندونيسيا، وما تعرّض له أفرادها وكثيرون غيرهم من معاملة مشابهة بعد استقلال المستعمرة السابقة ذات الغالبية الإسلامية الكبيرة عن هولندا، ترك الكثير من الاستياء لدى سكانها السابقين من الهولنديين... الذين خسروا بعد أفول نجم الاستعمار كل شيء، ولم يعد بإمكانهم العودة إلى ديارهم.

أيضاً، تتطرّق المجلة المذكورة إلى «تيار سياسي» نشأ في هولندا منذ ذلك الحين، في بداية الخمسينات، يضم أولئك المستوطنين المستائين من إقصائهم مع العلم أن هولندا لم تسهّل عودة كثيرين منهم إليها؛ لأنها لم تعتبرهم «هولنديين» لكونهم «شرقيي الهوى». وفي المقابل، لم تعتبرهم إندونيسيا من جهتها «إندونيسيين». ومن ثم، تشير المجلة إلى أن كثرة من هؤلاء انتهى بهم الأمر مهاجرين إلى الولايات المتحدة أو كندا أو أستراليا بسبب رفض كل من هولندا وإندونيسيا قبولهم مواطنين فيها. وفي هذا السياق، ترى المجلة الهولندية أن أفكار فيلدرز «تتماشى مع الخطاب الاستعماري والأفكار المحافظة النابعة من تلك الحقبة، التي تأثر بها على ما يبدو، بسبب ما عاناه جدّاه».

من جانب آخر، نقلت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن المؤرخ والباحث الهولندي إيان بوروما قوله، إن «بعض الهولنديين المتحدّرين من أصول إندونيسية يحاولون التعويض عن إرثهم المختلط بأن يكونوا هولنديين أكثر من الهولنديين»، وأن البعض الآخر «يظهر ازدراءً كبيراً للإسلام وهو ما كان يمارسه المستعمرون الهولنديون في مستعمرتهم الآسيوية السابقة».

وقبل سنوات كتبت مجلة «نيوزويك» الأميركية قصة عن خيرت فيلدرز تناولت فيها إرثه الإندونيسي، ونقلت عن عالمة الأنثروبولوجيا الهولندية ليزي فان لوفن - التي تتحدر بدورها من إرث إندونيسي هولندي مختلط - تفاصيل حول بحث أجرته وعثرت فيه على إرث فيلدرز العائلي المختلط. وكما تقول فان لوفن إن كثيرين من جيل والدة فيلدرز ووالدتها يختزنون غضباً ضد المسلمين الإندونيسيين «على طردهم إياهم من بلدهم، وأيضاً لعجزهم هم عن العودة، وما تبع ذلك من فقر عاشوه بعدما اضطروا للعيش في هولندا». وهذا الأمر تفسره فان لوفن على أنه «محرّك أساسي» خلف كراهية فيلدرز للمسلمين. ثم تفسّر كذلك تسريحة شعره وصبغته الشقراء دائماً بأن غايته منهما إخفاء معالمه الإندونيسية التي قد تظهر في شعره الطبيعي الأسود اللون الذي كانت جذوره تظهر عندما كان أصغر سناً قبل أن تتحول الآن بفعل الشيب إلى جذور بيضاء.

نفور من إندونيسيا وانجذاب لإسرائيل

في المقابل، ثمة من يقول إن «كراهية» خيرت فيلدرز للإسلام والمسلمين لا تقتصر على إرث استعمار إندونيسيا، بل يعود كذلك إلى فترة من مراهقته - عندما بلغ سن السابعة عشرة - أمضى خلالها سنة كاملة وهو يعمل في موشاف (تجمع قروي زراعي) إسرائيلي في الضفة الغربية. ثم، أمضى سنوات لاحقاً متنقلاً في الشرق الأوسط بين عدة دول عربية مثل الأردن وسوريا ومصر.

وفي أعقاب عودة فيلدرز - المتزوّج من سيدة من أصول مجرية يهودية - إلى هولندا من الشرق الأوسط، نقل عنه أنه حمل معه «شعوراً مميّزاً بالتضامن مع إسرائيل». وبالفعل، في الأسابيع الماضية، علّق على الحرب الحالية على قطاع غزة داعياً إلى نقل الفلسطينيين إلى الأردن، وتحويل الأردن إلى فلسطين بديلة، ما أثار سيلاً من الإدانات الواسعة والشديدة من كل من الأردن والسلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية.

ولكن، بغضّ النظر عن أسباب كراهية فيلدرز للإسلام، فإن مواقفه المحرّضة على الكراهية ضد الإسلام، والتي تمثلت خصوصاً في الفيلم الذي أنتجه عام 2008 باسم «فتنة»، جعلته شخصاً معزولاً يعيش تحت حماية أمنية دائمة. وفي الواقع، كان الرجل قد تعرّض عام 2004 لمحاولة اغتيال إلى جانب حليفته النائبة الصومالية أعيان حرسي علي. ويومذاك، حاول رجلان مسلحان بقنابل يدوية قتلهما داخل مبنى في مدينة لاهاي، ولكنه قبض عليهما ولم ينجحا في تنفيذ مأربهما. ومنذ ذلك الحين، يعيش فيلدرز بحماية دائمة ولا يتحرك من دون حراسة مشددة، بل إنه نادراً ما يغادر منزله باستثناء الانتقال للمشاركة في تجمعات انتخابية، وأيضاً، إلى مكتبه في البرلمان الذي يقع في زاوية معزولة يسهل مراقبتها وحمايتها. كذلك، لا يتحرك فيلدرز من دون سترة واقية من الرصاص.

مارك روته (رويترز)

تطرف حزب فيلدرز... عامل منفّر لمعظم شركاء الحكم المحتملين

> ذكر بول فيلدرز، الشقيق الأكبر للزعيم الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز، في مقابلة مع مجلة «دير شبيغل» الألمانية قبل سنوات، أن راديكالية شقيقه جاءت تدريجية.

وأوضح بول، الذي ينتقد شقيقه بشكل كبير بسبب تطرفه، أن عيش خيرت في موشاف إسرائيلي، حيث كان شاهداً على التوتر مع الفلسطينيين، ثم انتقاله إلى مدينة أوتريخت الهولندية؛ حيث انتقل أتراك ومغاربة بشكل متكاثر إلى منطقته عبر السنوات، من العوامل التي أسهمت بزيادة تطرفه. ثم أضاف أنه بعد «أحداث 11 سبتمبر (أيلول) واغتيال المخرج تيو فان غوخ بدأ أخوه يكسب صيتاً لنفسه على أنه معادٍ للإسلام ووجد أن هناك متلقين لذلك».

تيو فان غوخ (أ.ب)

من جهة أخرى، حتى قبل أن يصبح فيلدرز قريباً من المشاركة في الحكومة، كان شقيقه بول ينتقد دعواته لحظر القرآن وإقفال المدارس الإسلامية والمساجد. ولقد وصف تلك الدعوات في مقابلته مع «دير شبيغل» بأنها تشكّل خرقاً للدستور الهولندي، وبأن تطبيقها سيكون بحاجة لموافقة غرفتي البرلمان (السلطة التشريعية) وبغالبية كبيرة.

شعار «حزب الحرية»

ومن ثم، يتابع بول فيلدرز القول إنه «بسبب التركيبة السياسية لهولندا، فهو - أي شقيقه خيرت - لن ينجح أبداً في تحقيق ذلك». ويستنتج أنه إذا أراد أن يصبح رئيس حكومة سيكون عليه التفاوض مع عدد من الشركاء للدخول في حكومة ائتلافية أو تشكيل حكومة أقلية، ما يعني أنه «سيضطر إلى تقديم تنازلات وكسر الكثير من الوعود الانتخابية».

وحقاً، تبدو الكثير من أفكار فيلدرز عاملاً سياسياً سلبياً يبعد الأحزاب الأخرى عن التفكير في التحالف معه. ذلك أن أفكاره المتطرفة لا تتوقف فقط عند المسلمين بل تتخطاها إلى مسائل تتعلق بـ«اتفاقية شينغن»؛ حيث يريد - مثلاً - إعادة العمل بنظام تأشيرات العمل حتى للقادمين من داخل الاتحاد الأوروبي، وهو أمر يخالف مبدأ «حرية التحرك» داخل دول الاتفاقية.

ثم إن أفكاره المتطرفة تمتد لتمسّ الاتحاد الأوروبي نفسه، إذ يريد طرح استفتاء على خروج هولندا منه أسوة ببريطانيا. وهو يرى الكثير من القوانين الأوروبية «مقيّدة» لهولندا؛ منها قوانين «التغير المناخي»، الذي لا يؤمن به، كما أنه يسعى إلى وقف الاستثمارات بالطاقة الخضراء الرفيقة بالبيئة وإعادة العمل بالفحم والغاز وغيرهما. بل أكثر من هذا، يؤيد فيلدرز بقوة حتى الانسحاب من «اتفاقية باريس للمناخ» التي كان قد انسحب منها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. وطبعاً، من الخطط التي تكلّم عنها خلال حملته الانتخابية وخطّها في وثيقة نُشرت على صفحة الحزب وقف قبول اللاجئين، ووقف السماح بازدواجية الجنسية، وتجريد المدانين بجرائم منها وترحيلهم.

أما بالنسبة للحرب الأوكرانية، فيريد خيرت فيلدرز إنهاء الدعم العسكري لأوكرانيا، ووقف كل المساعدات الخارجية المتعلقة بالتنمية. وفيلدرز مثل معظم قيادات اليمين المتطرف في أوروبا يُعد اليوم مقرّباً من موسكو، ويبدي تحمساً لإعادة العلاقات معها كما كانت قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. وهو غالباً ما يتكلم باستنكار عن وجود عن «فوبيا (رهاب) من روسيا» في أوروبا، ولذا فهو يدعو إلى إعادة علاقات الشراكة مع موسكو عوضاً عن العداوة.

كل هذه الأفكار، بلا شك، صعبة التقبل بالنسبة لأي حزب آخر قد يريد مشاركة اليمين الهولندي المتطرف في الحكومة العتيدة. ومع أن حزب رئيس الوزراء المودّع، مارك روته، نفسه حزب محافظ، وقد لا يعارض نقاطاً تتعلق بالهجرة والحد من المهاجرين واللاجئين، فإن النقاط الأخرى مثل الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ومعاداة المسلمين، ستجد حتى أكثر الأحزاب المحافظة صعوبة في السير بها.

وفي أي حال، قد تستغرق عملية التشاور لتشكيل حكومة هولندية جديدة أشهراً طويلة. وكانت هولندا قد اضطرت للانتظار نحو السنة قبل تشكيل إحدى الحكومات، علماً بأنه لم يكن آنذاك حزب يميني متطرف «محور» المفاوضات.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».