موسكو تواجه تداعيات كبرى... داخلياً وخارجياً

رصد روسي لتحولات استراتيجية يتوقع مرحلة من الفوضى العالمية

نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)
نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)
TT

موسكو تواجه تداعيات كبرى... داخلياً وخارجياً

نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)
نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)

لم تكن موسكو في بداية الحرب الإسرائيلية - الفلسطينية الجديدة، تتوقع أن تكتسب المواجهة الدموية المتفاقمة أبعاداً جيو - سياسية تلقي بثقل إضافي على التحولات الجارية في العالم، ومساعي بلورة ملامح نظام دولي جديد. إذ تراوحت التقديرات الروسية في البداية على أن المواجهة التي فجّرتها «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) لا تعدو كونها حلقة جديدة من الصراع المتواصل منذ عقود. غير أن تطورات المشهد المأساوي في غزة، وحجم الحشد الغربي الذي ألقى بثقله بالكامل خلف إسرائيل، عسكرياً وسياسياً، دفع إلى إعادة ترتيب حسابات الكرملين. لقد أعادت نيران الصراع المتجدد في الشرق الأوسط وفقاً لوجهات نظر روسية تقسيم العالم، وفي حين أن المعسكر الغربي توحّد مجدّداً بعد الحرب الأوكرانية خلف أهداف مشتركة، فإن الطرف الآخر المتمثل في روسيا والصين وجزء كبير من المجتمع الدولي ما زال لم يجد آليات مشتركة لمواجهة الوضع المتفاقم. ومع تلك الحسابات على الصعيد الخارجي، حملت بعض ردود الفعل الداخلية في روسيا المشغولة بأولوياتها الخاصة في أوكرانيا، مستوًى جديداً من التنبيه بخطر محدق. ورأت أوساط مقرّبة من الكرملين في حادثة اقتحام مطار محج قلعة عاصمة جمهورية داغستان الذاتية الحكم مؤشراً مقلقاً جديداً، يدل إلى مستوى تأثير الأحداث الخارجية على الوضع في البلاد. بل، وشكّل هذا العنصر السبب الأساسي وراء الربط غير المسبوق للكرملين بين حربي غزة وأوكرانيا.

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أخيراً، إن بلاده تقاتل في أوكرانيا «مصدر الخطر» عليها وعلى الفلسطينيين. وصعّد لهجته ضد واشنطن على خلفية أعمال الشغب التي شهدتها، الأسبوع الماضي، جمهورية داغستان الذاتية الحكم في منطقة شمال القوقاز. كذلك، ربط الرئيس بوتين بين محاولات تأجيج الوضع الداخلي في روسيا بتحريض مباشر من الغرب والتطورات الدامية في فلسطين، وقال: إن «مساعدة الفلسطينيين تكون بمكافحة مَن يقف وراء هذه المأساة، وهم مَن تقاتلهم روسيا في إطار العملية العسكرية الخاصة» التي تخوضها في أوكرانيا.

جدير بالذكر، أن داغستان كانت قد شهدت أعمال شغب بعد اقتحام مطار العاصمة محج قلعة من جانب متظاهرين مناصرين لفلسطين، سعوا إلى منع دخول ركاب طائرة أقلت إسرائيليين من مزدوجي الجنسية. وبالفعل، سيطر المتظاهرون لساعات على المطار، قبل أن تعلن السلطات إطلاق عملية أمنية انتهت بعودة فتح المطار أمام الرحلات الدولية من دون أن يعلن عن اعتقالات وسط المهاجمين.

هذا الحادث أثار قلقاً واسعاً في روسيا، خصوصاً أن دعوات للعنف سبقته وفقاً لإعلان السلطات الداغستانية. ومن جهة أخرى، رأت الحكومة الروسية أن أجهزة غربية وأوكرانية وقفت وراء التحريض على العنف، وسط مخاوف من انتشار هذه الظاهرة إلى مناطق روسية تسكنها غالبية مسلمة. وعليه، دعا بوتين إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن، أكد خلاله أن بلاده تتصدى لخطر التحريض الخارجي ومحاولات استفزاز انقسام واسع في المجتمع الروسي.

لقد كان لافتاً تشديد الرئيس الروسي على أن جذور الاضطرابات الداغستانية «تنبع من المأساة التي تتكشف في فلسطين»، وأوضح أنه «حينما تنظر إلى الأطفال الملطخين بالدماء، والقتلى من الأطفال، وإلى معاناة النساء وكبار السن، وكيف يموت الأطباء، بالطبع تنقبض قبضات يدك وتنفجر الدموع في عينيك، ولا يمكن التعبير عن ذلك بأي طريقة أخرى (...) إلا أنه لا ينبغي، ولا حق لنا، ولا يمكن أن نسمح لأنفسنا بأن نسترشد بالعواطف». ومن وصل إلى النتيجة الرئيسية ومفادها أن روسيا «لا تشارك فقط في تشكيل عالم جديد، بل هي أحد قادة هذه العملية». وزاد: «إننا نقاتل من أجل مستقبلنا في ساحة المعركة. نحن نقاتل باستمرار ونفقد رفاقنا. إن وراء مأساة الفلسطينيين، ووراء الصراع في أوكرانيا، وفي أفغانستان وسوريا، تقف النخب الحاكمة في الولايات المتحدة. هؤلاء هم الذين يزرعون قواعد عسكرية في كل مكان، ويريدون تقسيمنا من الداخل».

لقطة من مهاجمة الطائرة الإسرائيلية في مطار العاصمة الداغستانية محج قلعة (آ ب)

مخاوف روسية داخلية

كشفت العبارات التي استخدمها الرئيس بوتين عن مستوى القلق الروسي من تفاقم الموقف، لا سيما، مع ربط ذلك باتهامات للغرب بمحاولة زعزعة الوضع في روسيا.

وعلى الرغم من أن اقتحام المطار شكّل تطوراً نوعياً في آليات التعبير عن الغضب، لكنه لا يُعدّ التحرك الوحيد الذي أقلق السلطات الروسية خلال الأيام الماضية. إذ أصدرت الإدارات الدينية لمسلمي روسيا نداءات متواصلة مطالبة بالتدخل لحماية الشعب الفلسطيني، كما دخل بعضها على خط إطلاق حملة واسعة لمقاطعة البضائع التي يدعم منتجوها إسرائيل. وكذلك، حفلت صفحات مسلمين روس على وسائل التواصل الاجتماعي بدعوات للتحرك من أجل حماية الفلسطينيين. لكن التطوّر الأبرز كان توجيه رسائل حادة جداً من رئيس الشيشان رمضان قديروف، الذي يحظى بنفوذ واسع في منطقة شمال القوقاز ذات الغالبية السكانية المسلمة. وكان قديروف قد قال: إن «الفاشية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ليست أقل من فاشية هتلر، وربما تفوقها». وأعلن، من ثم، عن استعداده لإرسال «قوات تفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتأمين حماية الشعب الفلسطيني». وعلى الأثر، وجد الكرملين نفسه مضطراً إلى الرد بسرعة على هذه التصريحات؛ إذ قال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف: إن «لدى روسيا علاقات تاريخية طويلة الأمد مع الطرفين وتسعى إلى المحافظة على توازن علاقاتها».

في كل الأحوال، شكّل هذا التطور علامة فارقة في مستوى التحركات الداخلية المتوقعة كرد فعل على أحداث تجري في خارج البلاد. وللعلم، يُعد اقتحام المطار من حيث خطورته على استقرار الوضع الداخلي واحداً من التطورات الأبرز في روسيا، بعد منعطفي تمرّد مجموعة «فاغنر» في مايو (أيار) الماضي، وحملات النزوح الجماعية للشبان مع إطلاق عملية التعبئة العسكرية في مطلع العام.

هذا الأمر دفع السلطات إلى إبداء مستوى زائد من القلق على انعكاسات هذا المزاج على المستوى الداخلي الروسي. وأعلن الكرملين، أن أعمال الشغب التي شهدها مطار داغستان الروسية سوف يجري تحليلها عن كثب لمنع تكرارها. وبعد ذلك مباشرةً، بدأت تتردد معطيات حول توجيه تعليمات صارمة في الأقاليم، وخصوصاً تلك ذات الغالبية السكانية المسلمة بمنع وقوع أحداث مشابهة. وأيضاً وجّه بوتين، خلال ترؤسه مجلس الأمن الروسي الاستخبارات والسلطات الأمنية والمحلية، بالتصرف بحزم وفي الوقت المناسب لحماية النظام الدستوري والحفاظ على حقوق وحريات المواطنين، وحماية السلم الأهلي والديني في روسيا.

... والبعد الخارجيفي الواقع، كانت موسكو قد سعت إلى إظهار تميز موقفها عن الغرب، عندما استقبلت وفداً من حركة «حماس» بشكل رسمي. وبرّر سياسيون روس الزيارة التي كانت استعراضية أكثر من أن يكون لها بُعد سياسي مهم يحشد موقفاً روسياً جديداً، وذلك عبر الحديث عن أن موسكو «منفتحة على الأطراف ويمكن أن يساعدها ذلك في لعب دور وساطة».

وفي هذا الشأن، صحيح أن كثيرين في روسيا وإسرائيل يشككون في قدرة موسكو حالياً، على لعب دور للوساطة، وبخاصة، على خلفية المواجهة المتفاقمة مع الغرب واتساع الهوة بين تل أبيب وموسكو على خلفية مواقف إسرائيل من الحرب الأوكرانية، لكن هذين الأمرين لا يمنعان - من وجهة النظر الروسية - من العمل على هذا المسار الذي يعزّز النفوذ الروسي ويشكل مؤشراً إضافياً على فشل سياسة عزل موسكو.

منطلقات روسية

هنا، لا بد من التوقف عند منطلقات الموقف الروسي حيال الحرب الجارية، وأسباب تبني موسكو مواقف وُصفت في إسرائيل بأنها عدائية.

يقول خبراء: إن السبب الرئيسي هو أن موسكو تستفيد حالياً من صرف الانتباه عن الحرب الدائرة في أوكرانيا، ومن الارتباك الغربي الحاصل على صعيد توزيع الجهد في إمداد إسرائيل وأوكرانيا بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية والموازنات المالية الكبرى.

بعبارة أخرى، فإن بعض المجتمعات الغربية - وخصوصاً في أوروبا - سوف تبدأ بطرح تساؤلات حول الجدوى من استمرار دعم أوكرانيا بالسلاح والمال. وهذا ما أظهره، مثلاً، فشل الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى اتفاق حول الموضوع أخيراً. أضف إلى ما سبق، أن تركيز العالم كله على إسرائيل وقطاع غزة، يمنح روسيا حرية أوسع للتصرف. وهنا، على سبيل المثال، نجحت روسيا في التخلي عن معاهدة حظر التجارب النووية بهدوء نسبي. وبالإضافة إلى ذلك، حصلت روسيا على فرصة لتنشيط دبلوماسيتها، والانفتاح بشكل أنشط على الأطراف الدولية ومنظمات المجتمع الدولي؛ ما يعني تقويض المحاولات الغربية لعزلها. وهذا ظهر أخيراً في النشاط الزائد لموسكو في مجلس الأمن وفي الاتصالات مع الأطراف المختلفة.

ومن جانب، آخر، وإن كان صحيحاً القول بصعوبة تصوّر أن تقبل القيادة الإسرائيلية بوساطة روسية في الحرب الجارية، فإن هذا لا يمنع موسكو من مراكمة فوائد بسبب الوضع الحالي.

اتساع الهوة مع إسرائيل

في سياق متصل، فإن تركيز بعض الخبراء على فكرة «الفوائد الروسية» من الصراع المتفاقم، لا يعكس وحده منطلقات الموقف الروسي من الصراع الحالي. إذ لا بد من ملاحظة مستوى الانزلاق الذي وصلت إليه العلاقات بين موسكو وتل أبيب خلال الفترة الأخيرة، على خلفية المواقف الإسرائيلية من الحرب الأوكرانية. وهنا يدخل عاملان رئيسيان على خط السجالات:

الأول، العلاقة الروسية - الإيرانية التي وصلت مستويات من التنسيق والتحالف، جعلت محللين إسرائيليين يتحدثون عن مواجهة «محور يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وبلداناً أخرى كثيرة».

والآخر، يتعلق بتبلور رؤية روسية جديدة للتحالفات على خلفية الصراع المتفاقم مع الغرب؛ ما يعني أن موسكو بدأت تدريجياً تفقد اهتمامها ببناء توازنات صعبة مثل تلك التي بنتها منذ حلول قواتها العسكرية في سوريا.

على هذه الخلفية، من الصعب توقع تراجع موسكو عن مواقفها المعلنة. ذلك أنه من الناحية الجيو - سياسية ترى موسكو أن المواجهة الكبرى الحالية مع المخاوف من اتساع رقعتها وتحولها، كما قال بوتين، إلى «حرب إقليمية» تشكل فرصة مواتية لتعزيز التحركات الروسية على صعيد بلورة ملامح «نظام دولي جديد» دعت إليه مراراً موسكو وبكين. وفي هذا الإطار، يُنتظَر أن تواصل موسكو نشاطها السابق في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يهدف إلى تشكيل أوسع جبهة ممكنة معارضة للحرب. وبالأخص، أن إيقاف الحرب من دون تحقيق هدف تغيير الخرائط في المنطقة، سيؤدي إلى إضعاف نفوذ وتأثير واشنطن الإقليمي من وجهة النظر الروسية. وعلى صعيد موازٍ، صحيح أنه لن يكون بمقدور موسكو تجديد الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام أو طرح مبادرات كبرى - لأنها لن تكون وسيطاً مقبولاً من جانب الغرب - لكنها تظل قادرة على دعم مبادرات عدة قد تصدر من جهات مختلفة. وهنا يبرز مثال الدعوة الصينية لعقد مؤتمر للسلام. وأيضاً، بمقدور موسكو تحفيز مجموعات إقليمية عدة، بينها المجموعة العربية، لطرح آليات مختلفة عبر الجمعية العامة أو مجلس الأمن.

في مطلق الأحوال، ترى موسكو في الحرب الجارية مؤشراً إلى اتساع المأزق الغربي في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وفرصة لتجديد حضورها المؤثر في هذه الأزمات. ومع أنها هنا قد لا تكون قادرة على القيام بمبادرة مباشرة لوحدها في ظل غياب أو تريث معسكر الحلفاء عن تقديم رؤية كاملة، من المرجح أن تقف موسكو بقوة خلف أي خطوات قد تقترحها الصين.

رمضان قديروف (آ ب)

«حرب غزة»... هل هي بداية تحولات استراتيجية؟

> يرى خبراء روس أن الحرب في فلسطين حالياً باتت تشكل المرحلة التالية من إعادة ترتيب النظام العالمي الجديد. وكتب الخبير فيودور لوكيانوف، أن «هذه العملية التي بدأت في مطلع القرن، اتخذت بُعداً جديداً، بعدما كانت القناعة قد سادت بأن جوهرها قد تحدد بنهاية المواجهة العسكرية الآيديولوجية العالمية في القرن العشرين. وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن الصراعات الإقليمية عكست الفشل في تسريع وتيرة بناء النظام الدولي الجديد، كما أن كثرة التناقضات في العالم أدت إلى تراكم التوتر وتحول الصراعات المجمدة إلى صراعات ساخنة».

لقد بدأت الحروب في منطقتي جنوب القوقاز وأوروبا الشرقية، والآن في الشرق الأوسط، تشهد - وفقاً للخبير الروسي - «مرحلة الدعم العسكري المفتوح للتحولات السياسية والاقتصادية العالمية». وهنا يلاحظ لوكيانوف، أن «نظام العلاقات، الذي تأسس مع اختفاء الاتحاد السوفياتي وسيطرة القطب الواحد، لم يكن قادراً في نهاية المطاف على نزع فتيل «الألغام» القديمة أو عزلها من أجل الحد من تأثير التفجير. وللأسف، هناك عدد غير قليل من براميل البارود من هذا النوع منتشرة حول العالم، والأمل ضئيل في أن يقتصر الأمر على الانفجارات التي حدثت بالفعل».

وانطلاقاً من هذا الفهم، يرى خبراء روس، أن «حرب غزة 2023» لن تحل القضية الفلسطينية التي لا توجد بعد آليات لحل نهائي لها، لكنها أصبحت بالفعل «علامة فارقة في السياسة العالمية». ولتوضيح هذه الفكرة؛ كتب موقع «روسيا في السياسة العالمية»: إنه «من ناحية، هناك مجموعة من البلدان القريبة ثقافياً وتاريخياً والتي تقاتل، من أجل منع إعادة النظر في نتائج الحرب الباردة. وفي هذا الصدد، يهدف الغرب إلى تحقيق أقصى قدر من التوحيد ومواجهة الاتجاهات غير المواتية له. لكن الأمر اللافت هو أن مهمة الدمج ليست خارجية فحسب، بل داخلية أيضاً. إذ يتزايد عدد التناقضات الاجتماعية والسياسية داخل دول المجتمع الغربي. ما يؤسس لزيادة الحاجة إلى ظهور تهديد موحد من الخارج. لكن من المرغوب فيه ألا يكون هذا التهديد مفرطاً».

ويمضي الموقع «وهذا أمر مفهوم أيضاً - فغالبية المجتمعات لا تريد خوض حروب مباشرة سواء في أوروبا أو في أميركا. ومن هنا يأتي وفقاً لمجتمع الخبراء الروس، الشعار الثابت الذي يعبّر عنه الأميركيون بشكل أكثر صراحة، ويعبّر عنه الأوروبيون بشكل مستتر، بأن مساعدة الطرف المتحالف معهم المتحارب (أوكرانيا، والآن إسرائيل على ما يبدو) تشكل استثماراً مربحاً. وبهذا المعنى، يظل الغرب المجموعة الوحيدة من الدول التي لديها نظام فعّال للتبعية. وعلى رأس هذا التسلسل الهرمي تأتي الولايات المتحدة، التي عزّزت الآن هيمنتها. ولكن على وجه التحديد داخل القطب».

في المقابل، وفق الموقع الروسي، «فإن ممثلي بقية العالم لا تجد آليات للانخراط في شكل موحّد في مواجهة الغرب. ولذا ينجح الغرب بطرح آليات مؤقتة لتحقيق توازنات على المستوى الإقليمي مثلاً تحظى بقبول من جانب الأطراف التي لا تجد آليات أخرى لمواجهة التحديات الناشئة». ومن ثم، يرى الخبراء الروس أن هذا هو شكل النظام الدولي الحالي، وأن هذا المسار قد يمر بفترة انتقالية طويلة نسبياً. وهذا يعني أن على روسيا «الاستعداد لتحوّلات وانفجارات عدة في مناطق كثيرة في العالم».


مقالات ذات صلة

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا فرق إطفاء تعمل على إخماد حريق شب عقب هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا (رويترز)

مقتل شخصين على الأقل بهجوم روسي على دنيبرو

قُتل شخصان على الأقل وفقد ثالث وأصيب ثمانية في هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا، وفق ما أعلنت السلطات الإقليمية الخميس.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

قمة للقادة الأوروبيين في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف قرض 90 مليار يورو لأوكرانيا

يجتمع القادة الأوروبيون في قمة، مساء الخميس، في قبرص سيحضرها الرئيس فولوديمير زيلينسكي عقب موافقة بروكسل على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو .

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز) p-circle

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي...

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

روته يطالب تركيا بزيادة القدرات الدفاعية لـ«ناتو» لمواجهة التهديدات

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ضرورة سعي الحلف إلى زيادة قدراته الدفاعية في ظل التقلبات المتزايدة في بيئة الأمن العالمي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.