موسكو تواجه تداعيات كبرى... داخلياً وخارجياً

رصد روسي لتحولات استراتيجية يتوقع مرحلة من الفوضى العالمية

نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)
نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)
TT

موسكو تواجه تداعيات كبرى... داخلياً وخارجياً

نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)
نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مستقبلاً قياديي "حماس" موسى أبو مرزوق وباسم نعيم في موسكو (رويترز)

لم تكن موسكو في بداية الحرب الإسرائيلية - الفلسطينية الجديدة، تتوقع أن تكتسب المواجهة الدموية المتفاقمة أبعاداً جيو - سياسية تلقي بثقل إضافي على التحولات الجارية في العالم، ومساعي بلورة ملامح نظام دولي جديد. إذ تراوحت التقديرات الروسية في البداية على أن المواجهة التي فجّرتها «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) لا تعدو كونها حلقة جديدة من الصراع المتواصل منذ عقود. غير أن تطورات المشهد المأساوي في غزة، وحجم الحشد الغربي الذي ألقى بثقله بالكامل خلف إسرائيل، عسكرياً وسياسياً، دفع إلى إعادة ترتيب حسابات الكرملين. لقد أعادت نيران الصراع المتجدد في الشرق الأوسط وفقاً لوجهات نظر روسية تقسيم العالم، وفي حين أن المعسكر الغربي توحّد مجدّداً بعد الحرب الأوكرانية خلف أهداف مشتركة، فإن الطرف الآخر المتمثل في روسيا والصين وجزء كبير من المجتمع الدولي ما زال لم يجد آليات مشتركة لمواجهة الوضع المتفاقم. ومع تلك الحسابات على الصعيد الخارجي، حملت بعض ردود الفعل الداخلية في روسيا المشغولة بأولوياتها الخاصة في أوكرانيا، مستوًى جديداً من التنبيه بخطر محدق. ورأت أوساط مقرّبة من الكرملين في حادثة اقتحام مطار محج قلعة عاصمة جمهورية داغستان الذاتية الحكم مؤشراً مقلقاً جديداً، يدل إلى مستوى تأثير الأحداث الخارجية على الوضع في البلاد. بل، وشكّل هذا العنصر السبب الأساسي وراء الربط غير المسبوق للكرملين بين حربي غزة وأوكرانيا.

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أخيراً، إن بلاده تقاتل في أوكرانيا «مصدر الخطر» عليها وعلى الفلسطينيين. وصعّد لهجته ضد واشنطن على خلفية أعمال الشغب التي شهدتها، الأسبوع الماضي، جمهورية داغستان الذاتية الحكم في منطقة شمال القوقاز. كذلك، ربط الرئيس بوتين بين محاولات تأجيج الوضع الداخلي في روسيا بتحريض مباشر من الغرب والتطورات الدامية في فلسطين، وقال: إن «مساعدة الفلسطينيين تكون بمكافحة مَن يقف وراء هذه المأساة، وهم مَن تقاتلهم روسيا في إطار العملية العسكرية الخاصة» التي تخوضها في أوكرانيا.

جدير بالذكر، أن داغستان كانت قد شهدت أعمال شغب بعد اقتحام مطار العاصمة محج قلعة من جانب متظاهرين مناصرين لفلسطين، سعوا إلى منع دخول ركاب طائرة أقلت إسرائيليين من مزدوجي الجنسية. وبالفعل، سيطر المتظاهرون لساعات على المطار، قبل أن تعلن السلطات إطلاق عملية أمنية انتهت بعودة فتح المطار أمام الرحلات الدولية من دون أن يعلن عن اعتقالات وسط المهاجمين.

هذا الحادث أثار قلقاً واسعاً في روسيا، خصوصاً أن دعوات للعنف سبقته وفقاً لإعلان السلطات الداغستانية. ومن جهة أخرى، رأت الحكومة الروسية أن أجهزة غربية وأوكرانية وقفت وراء التحريض على العنف، وسط مخاوف من انتشار هذه الظاهرة إلى مناطق روسية تسكنها غالبية مسلمة. وعليه، دعا بوتين إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن، أكد خلاله أن بلاده تتصدى لخطر التحريض الخارجي ومحاولات استفزاز انقسام واسع في المجتمع الروسي.

لقد كان لافتاً تشديد الرئيس الروسي على أن جذور الاضطرابات الداغستانية «تنبع من المأساة التي تتكشف في فلسطين»، وأوضح أنه «حينما تنظر إلى الأطفال الملطخين بالدماء، والقتلى من الأطفال، وإلى معاناة النساء وكبار السن، وكيف يموت الأطباء، بالطبع تنقبض قبضات يدك وتنفجر الدموع في عينيك، ولا يمكن التعبير عن ذلك بأي طريقة أخرى (...) إلا أنه لا ينبغي، ولا حق لنا، ولا يمكن أن نسمح لأنفسنا بأن نسترشد بالعواطف». ومن وصل إلى النتيجة الرئيسية ومفادها أن روسيا «لا تشارك فقط في تشكيل عالم جديد، بل هي أحد قادة هذه العملية». وزاد: «إننا نقاتل من أجل مستقبلنا في ساحة المعركة. نحن نقاتل باستمرار ونفقد رفاقنا. إن وراء مأساة الفلسطينيين، ووراء الصراع في أوكرانيا، وفي أفغانستان وسوريا، تقف النخب الحاكمة في الولايات المتحدة. هؤلاء هم الذين يزرعون قواعد عسكرية في كل مكان، ويريدون تقسيمنا من الداخل».

لقطة من مهاجمة الطائرة الإسرائيلية في مطار العاصمة الداغستانية محج قلعة (آ ب)

مخاوف روسية داخلية

كشفت العبارات التي استخدمها الرئيس بوتين عن مستوى القلق الروسي من تفاقم الموقف، لا سيما، مع ربط ذلك باتهامات للغرب بمحاولة زعزعة الوضع في روسيا.

وعلى الرغم من أن اقتحام المطار شكّل تطوراً نوعياً في آليات التعبير عن الغضب، لكنه لا يُعدّ التحرك الوحيد الذي أقلق السلطات الروسية خلال الأيام الماضية. إذ أصدرت الإدارات الدينية لمسلمي روسيا نداءات متواصلة مطالبة بالتدخل لحماية الشعب الفلسطيني، كما دخل بعضها على خط إطلاق حملة واسعة لمقاطعة البضائع التي يدعم منتجوها إسرائيل. وكذلك، حفلت صفحات مسلمين روس على وسائل التواصل الاجتماعي بدعوات للتحرك من أجل حماية الفلسطينيين. لكن التطوّر الأبرز كان توجيه رسائل حادة جداً من رئيس الشيشان رمضان قديروف، الذي يحظى بنفوذ واسع في منطقة شمال القوقاز ذات الغالبية السكانية المسلمة. وكان قديروف قد قال: إن «الفاشية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ليست أقل من فاشية هتلر، وربما تفوقها». وأعلن، من ثم، عن استعداده لإرسال «قوات تفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتأمين حماية الشعب الفلسطيني». وعلى الأثر، وجد الكرملين نفسه مضطراً إلى الرد بسرعة على هذه التصريحات؛ إذ قال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف: إن «لدى روسيا علاقات تاريخية طويلة الأمد مع الطرفين وتسعى إلى المحافظة على توازن علاقاتها».

في كل الأحوال، شكّل هذا التطور علامة فارقة في مستوى التحركات الداخلية المتوقعة كرد فعل على أحداث تجري في خارج البلاد. وللعلم، يُعد اقتحام المطار من حيث خطورته على استقرار الوضع الداخلي واحداً من التطورات الأبرز في روسيا، بعد منعطفي تمرّد مجموعة «فاغنر» في مايو (أيار) الماضي، وحملات النزوح الجماعية للشبان مع إطلاق عملية التعبئة العسكرية في مطلع العام.

هذا الأمر دفع السلطات إلى إبداء مستوى زائد من القلق على انعكاسات هذا المزاج على المستوى الداخلي الروسي. وأعلن الكرملين، أن أعمال الشغب التي شهدها مطار داغستان الروسية سوف يجري تحليلها عن كثب لمنع تكرارها. وبعد ذلك مباشرةً، بدأت تتردد معطيات حول توجيه تعليمات صارمة في الأقاليم، وخصوصاً تلك ذات الغالبية السكانية المسلمة بمنع وقوع أحداث مشابهة. وأيضاً وجّه بوتين، خلال ترؤسه مجلس الأمن الروسي الاستخبارات والسلطات الأمنية والمحلية، بالتصرف بحزم وفي الوقت المناسب لحماية النظام الدستوري والحفاظ على حقوق وحريات المواطنين، وحماية السلم الأهلي والديني في روسيا.

... والبعد الخارجيفي الواقع، كانت موسكو قد سعت إلى إظهار تميز موقفها عن الغرب، عندما استقبلت وفداً من حركة «حماس» بشكل رسمي. وبرّر سياسيون روس الزيارة التي كانت استعراضية أكثر من أن يكون لها بُعد سياسي مهم يحشد موقفاً روسياً جديداً، وذلك عبر الحديث عن أن موسكو «منفتحة على الأطراف ويمكن أن يساعدها ذلك في لعب دور وساطة».

وفي هذا الشأن، صحيح أن كثيرين في روسيا وإسرائيل يشككون في قدرة موسكو حالياً، على لعب دور للوساطة، وبخاصة، على خلفية المواجهة المتفاقمة مع الغرب واتساع الهوة بين تل أبيب وموسكو على خلفية مواقف إسرائيل من الحرب الأوكرانية، لكن هذين الأمرين لا يمنعان - من وجهة النظر الروسية - من العمل على هذا المسار الذي يعزّز النفوذ الروسي ويشكل مؤشراً إضافياً على فشل سياسة عزل موسكو.

منطلقات روسية

هنا، لا بد من التوقف عند منطلقات الموقف الروسي حيال الحرب الجارية، وأسباب تبني موسكو مواقف وُصفت في إسرائيل بأنها عدائية.

يقول خبراء: إن السبب الرئيسي هو أن موسكو تستفيد حالياً من صرف الانتباه عن الحرب الدائرة في أوكرانيا، ومن الارتباك الغربي الحاصل على صعيد توزيع الجهد في إمداد إسرائيل وأوكرانيا بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية والموازنات المالية الكبرى.

بعبارة أخرى، فإن بعض المجتمعات الغربية - وخصوصاً في أوروبا - سوف تبدأ بطرح تساؤلات حول الجدوى من استمرار دعم أوكرانيا بالسلاح والمال. وهذا ما أظهره، مثلاً، فشل الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى اتفاق حول الموضوع أخيراً. أضف إلى ما سبق، أن تركيز العالم كله على إسرائيل وقطاع غزة، يمنح روسيا حرية أوسع للتصرف. وهنا، على سبيل المثال، نجحت روسيا في التخلي عن معاهدة حظر التجارب النووية بهدوء نسبي. وبالإضافة إلى ذلك، حصلت روسيا على فرصة لتنشيط دبلوماسيتها، والانفتاح بشكل أنشط على الأطراف الدولية ومنظمات المجتمع الدولي؛ ما يعني تقويض المحاولات الغربية لعزلها. وهذا ظهر أخيراً في النشاط الزائد لموسكو في مجلس الأمن وفي الاتصالات مع الأطراف المختلفة.

ومن جانب، آخر، وإن كان صحيحاً القول بصعوبة تصوّر أن تقبل القيادة الإسرائيلية بوساطة روسية في الحرب الجارية، فإن هذا لا يمنع موسكو من مراكمة فوائد بسبب الوضع الحالي.

اتساع الهوة مع إسرائيل

في سياق متصل، فإن تركيز بعض الخبراء على فكرة «الفوائد الروسية» من الصراع المتفاقم، لا يعكس وحده منطلقات الموقف الروسي من الصراع الحالي. إذ لا بد من ملاحظة مستوى الانزلاق الذي وصلت إليه العلاقات بين موسكو وتل أبيب خلال الفترة الأخيرة، على خلفية المواقف الإسرائيلية من الحرب الأوكرانية. وهنا يدخل عاملان رئيسيان على خط السجالات:

الأول، العلاقة الروسية - الإيرانية التي وصلت مستويات من التنسيق والتحالف، جعلت محللين إسرائيليين يتحدثون عن مواجهة «محور يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وبلداناً أخرى كثيرة».

والآخر، يتعلق بتبلور رؤية روسية جديدة للتحالفات على خلفية الصراع المتفاقم مع الغرب؛ ما يعني أن موسكو بدأت تدريجياً تفقد اهتمامها ببناء توازنات صعبة مثل تلك التي بنتها منذ حلول قواتها العسكرية في سوريا.

على هذه الخلفية، من الصعب توقع تراجع موسكو عن مواقفها المعلنة. ذلك أنه من الناحية الجيو - سياسية ترى موسكو أن المواجهة الكبرى الحالية مع المخاوف من اتساع رقعتها وتحولها، كما قال بوتين، إلى «حرب إقليمية» تشكل فرصة مواتية لتعزيز التحركات الروسية على صعيد بلورة ملامح «نظام دولي جديد» دعت إليه مراراً موسكو وبكين. وفي هذا الإطار، يُنتظَر أن تواصل موسكو نشاطها السابق في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يهدف إلى تشكيل أوسع جبهة ممكنة معارضة للحرب. وبالأخص، أن إيقاف الحرب من دون تحقيق هدف تغيير الخرائط في المنطقة، سيؤدي إلى إضعاف نفوذ وتأثير واشنطن الإقليمي من وجهة النظر الروسية. وعلى صعيد موازٍ، صحيح أنه لن يكون بمقدور موسكو تجديد الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام أو طرح مبادرات كبرى - لأنها لن تكون وسيطاً مقبولاً من جانب الغرب - لكنها تظل قادرة على دعم مبادرات عدة قد تصدر من جهات مختلفة. وهنا يبرز مثال الدعوة الصينية لعقد مؤتمر للسلام. وأيضاً، بمقدور موسكو تحفيز مجموعات إقليمية عدة، بينها المجموعة العربية، لطرح آليات مختلفة عبر الجمعية العامة أو مجلس الأمن.

في مطلق الأحوال، ترى موسكو في الحرب الجارية مؤشراً إلى اتساع المأزق الغربي في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وفرصة لتجديد حضورها المؤثر في هذه الأزمات. ومع أنها هنا قد لا تكون قادرة على القيام بمبادرة مباشرة لوحدها في ظل غياب أو تريث معسكر الحلفاء عن تقديم رؤية كاملة، من المرجح أن تقف موسكو بقوة خلف أي خطوات قد تقترحها الصين.

رمضان قديروف (آ ب)

«حرب غزة»... هل هي بداية تحولات استراتيجية؟

> يرى خبراء روس أن الحرب في فلسطين حالياً باتت تشكل المرحلة التالية من إعادة ترتيب النظام العالمي الجديد. وكتب الخبير فيودور لوكيانوف، أن «هذه العملية التي بدأت في مطلع القرن، اتخذت بُعداً جديداً، بعدما كانت القناعة قد سادت بأن جوهرها قد تحدد بنهاية المواجهة العسكرية الآيديولوجية العالمية في القرن العشرين. وانطلاقاً من هذا الفهم، فإن الصراعات الإقليمية عكست الفشل في تسريع وتيرة بناء النظام الدولي الجديد، كما أن كثرة التناقضات في العالم أدت إلى تراكم التوتر وتحول الصراعات المجمدة إلى صراعات ساخنة».

لقد بدأت الحروب في منطقتي جنوب القوقاز وأوروبا الشرقية، والآن في الشرق الأوسط، تشهد - وفقاً للخبير الروسي - «مرحلة الدعم العسكري المفتوح للتحولات السياسية والاقتصادية العالمية». وهنا يلاحظ لوكيانوف، أن «نظام العلاقات، الذي تأسس مع اختفاء الاتحاد السوفياتي وسيطرة القطب الواحد، لم يكن قادراً في نهاية المطاف على نزع فتيل «الألغام» القديمة أو عزلها من أجل الحد من تأثير التفجير. وللأسف، هناك عدد غير قليل من براميل البارود من هذا النوع منتشرة حول العالم، والأمل ضئيل في أن يقتصر الأمر على الانفجارات التي حدثت بالفعل».

وانطلاقاً من هذا الفهم، يرى خبراء روس، أن «حرب غزة 2023» لن تحل القضية الفلسطينية التي لا توجد بعد آليات لحل نهائي لها، لكنها أصبحت بالفعل «علامة فارقة في السياسة العالمية». ولتوضيح هذه الفكرة؛ كتب موقع «روسيا في السياسة العالمية»: إنه «من ناحية، هناك مجموعة من البلدان القريبة ثقافياً وتاريخياً والتي تقاتل، من أجل منع إعادة النظر في نتائج الحرب الباردة. وفي هذا الصدد، يهدف الغرب إلى تحقيق أقصى قدر من التوحيد ومواجهة الاتجاهات غير المواتية له. لكن الأمر اللافت هو أن مهمة الدمج ليست خارجية فحسب، بل داخلية أيضاً. إذ يتزايد عدد التناقضات الاجتماعية والسياسية داخل دول المجتمع الغربي. ما يؤسس لزيادة الحاجة إلى ظهور تهديد موحد من الخارج. لكن من المرغوب فيه ألا يكون هذا التهديد مفرطاً».

ويمضي الموقع «وهذا أمر مفهوم أيضاً - فغالبية المجتمعات لا تريد خوض حروب مباشرة سواء في أوروبا أو في أميركا. ومن هنا يأتي وفقاً لمجتمع الخبراء الروس، الشعار الثابت الذي يعبّر عنه الأميركيون بشكل أكثر صراحة، ويعبّر عنه الأوروبيون بشكل مستتر، بأن مساعدة الطرف المتحالف معهم المتحارب (أوكرانيا، والآن إسرائيل على ما يبدو) تشكل استثماراً مربحاً. وبهذا المعنى، يظل الغرب المجموعة الوحيدة من الدول التي لديها نظام فعّال للتبعية. وعلى رأس هذا التسلسل الهرمي تأتي الولايات المتحدة، التي عزّزت الآن هيمنتها. ولكن على وجه التحديد داخل القطب».

في المقابل، وفق الموقع الروسي، «فإن ممثلي بقية العالم لا تجد آليات للانخراط في شكل موحّد في مواجهة الغرب. ولذا ينجح الغرب بطرح آليات مؤقتة لتحقيق توازنات على المستوى الإقليمي مثلاً تحظى بقبول من جانب الأطراف التي لا تجد آليات أخرى لمواجهة التحديات الناشئة». ومن ثم، يرى الخبراء الروس أن هذا هو شكل النظام الدولي الحالي، وأن هذا المسار قد يمر بفترة انتقالية طويلة نسبياً. وهذا يعني أن على روسيا «الاستعداد لتحوّلات وانفجارات عدة في مناطق كثيرة في العالم».


مقالات ذات صلة

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل

أوروبا الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية وسط مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب) p-circle

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل

بوتين يعلن بمناسبة عيد الفصح عن وقف لإطلاق النار... وزيلينسكي يرد بالمثل، وكييف تتوقع ضغوطاً دبلوماسية وعسكرية مع نشر قوات روسية استراتيجية على الخطوط الأمامية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» في موسكو يوم 26 مارس 2026 (أ.ب)

بوتين يعلن وقف إطلاق النار في عيد القيامة ويتوقع المثل من أوكرانيا

أعلن الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين، اليوم (الخميس)، وقف إطلاق النار لمدة يومين بمناسبة ‌عيد القيامة ‌عند ​الأرثوذكس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مستقبلاً الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في وزارة الخارجية بواشنطن الأربعاء (رويترز)

أوكرانيا تبقى رهينة مزاج ترمب تجاه «الأطلسي»

خرج ترمب من الاجتماع مع الأمين العام لـ«الناتو» من غير إعلان خطوة دراماتيكية ضد الحلف لكنه كرر اتهامه له بأنه «لم يكن هناك عندما احتجناه»

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

قالت القوات المسلحة البريطانية، الخميس، إنَّ القوات العسكرية البريطانية قادت ونظيرتها النرويجية عمليةً استمرت أسابيع؛ لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بعد 16 عاماً في السلطة يواجه رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، تحدياً من بيتر ماجيار، الذي يتقدم حزبه في معظم استطلاعات الرأي المستقلة وإن لم يكن تقدماً حازماً

«الشرق الأوسط» (لندن)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.