«إيكواس»... حلم أفريقي تهزّه كوابيسُ الانقلابات

أُسست لتحقيق الاندماج الاقتصادي وسط تهديد الأزمات السياسية

مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)
مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)
TT

«إيكواس»... حلم أفريقي تهزّه كوابيسُ الانقلابات

مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)
مؤيدون للانقلاب يتظاهرون في نيامي عاصمة النيجر (آ ف ب)

منذ سيطر العسكريون على الحكم في النيجر، يوم الأربعاء 26 يوليو (تموز) الماضي، و«المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا»، المعروفة اختصاراً باسم «إيكواس ECOWAS»، تفرضُ العقوبات وتتوعد بشن عملية عسكرية للإطاحة بالمجلس العسكري الحاكم، وإعادة الرئيس المنتخب محمد بازوم المحتجز لدى العسكريين. إلا أن كل هذه التهديدات ذهبت - حتى الآن - أدراج الرياح، ويبدو أن هذه المنظمة الإقليمية التي أسست قبل قرابة 5 عقود بدأت تفقدُ أنيابها، ولم يبقَ منها سوى الريش المنفوخ... ولعل انقلاب الغابون الأخير أوضح دليل على ذلك. «إيكواس» كانت قبل سنوات نموذجاً ناجحاً للاندماج الاقتصادي والتجاري، وبدأت تتحول إلى سوق كبيرة يتطلعُ نحوها الجميع، حتى إنها في عام 2017 تلقت طلباً من المغرب بالانضمام إليها، ثم وقعت معها موريتانيا عقد شراكة، لكنها انسحبت منها عام 2000. واليوم نرى أن هذا النموذج مهدّد وجودياً بموجة انقلابات عسكرية تكاد تعصف به. فهل تنجح المنظمة في تجاوز واحد من أصعب الامتحانات في تاريخها، وهي التي كانت قد غيّرت استراتيجيتها غير مرة؟... إذ إنها بعدما أسست لأغراض اقتصادية وتجارية، صارت مع الوقت تهتم بالأمن والاستقرار والديمقراطية في دولها الأعضاء، وشكّلت قوة احتياط عسكرية سبق أن تدخلت عدة مرات لإنهاء انقلابات أو حروب، أو من أجلِ حفظ الأمن والسلم.

تعود فكرة إنشاء «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس) إلى عام 1972، حين اقترحها اثنان من أشهر القادة العسكريين في غرب أفريقيا هما يعقوبو غوون وغناسينغبي إياديما.

في البداية راودت الفكرة الجنرال يعقوبو غوون، الذي تولّى حكم نيجيريا عام 1966 إثر انقلاب عسكري واحتفظ بالسلطة حتى أسقطه انقلاب عسكري آخر عام 1975، ولقد شهد حكمه إنهاء واحدة من أكثر الحروب بشاعة في تاريخ غرب أفريقيا، ألا وهي حرب إقليم بيافرا الغني بالنفط في جنوب شرق نيجيريا.

والواقع أن غوون الذي طالما وصفُه خصومه بأنه «ديكتاتور»، كان يحلم رغم الأزمات التي تحاصره في الداخل، بإنشاء تكتل إقليمي لدول غرب القارة السمراء، يمكّنها من تحقيق حلم «الاندماج الإقليمي»، وكان هدفه الأبرز تسهيل نقل الأفراد والبضائع بين هذه الدول. وحقاً سارع الجنرال النيجيري - البالغ من العمر اليوم 88 سنة، والذي تحوّل إلى شخصية أكاديمية - إلى طرح الفكرة على عسكري آخر هو الجنرال غيناسينبي إياديما، الذي حكم التوغو لقرابة أربعة عقود وانتهى حكمه حين توفي عام 2005 على متن طائرة خاصة كانت تنقله للعلاج في فرنسا. ويومها وافق إياديما المتهم بدوره بالديكتاتورية، بسرعة على فكرة غوون ودافع عنها بشدة.

اتسعت الدائرة بعد ذلك، ووصلت الفكرة عام 1973 إلى موافقة 12 دولة في غرب أفريقيا. وهكذا أسّس كيان المنظمة بشكل رسمي عام 1975، وهو العام نفسه الذي سقط فيه غوون، صاحب الفكرة و«الأب المؤسس»، واتجه على الأثر إلى بريطانيا حيث تابع دراسته العليا وحصل على الدكتوراه من جامعة ووريك المرموقة. ولكن، ثمة مَن يقول إن غوون لم يأت بالفكرة من فراغ، بل استمدها من «الاتحاد الجمركي في غرب أفريقيا»، الذي أسس عام 1959، وضم خمس دول لم تكن حينها قد حصلت على الاستقلال التام عن فرنسا، هي: مالي وبوركينا فاسو (أعالي الفولتا في حينه)، والنيجر، وبنين (الداهومي في حينه)، وكوت ديفوار. قبل أن تلتحق بها التوغو عام 1961.

كانت روح الاستعمار حاضرة في مختلف التكتلات الإقليمية التي شكّلت في غرب أفريقيا، خلال منتصف القرن العشرين. فالفرنسيون كانوا حاضرين بقوة في رسم معالم هذه الهيئات الإقليمية، بل إنهم كانوا أصحاب القرار الحقيقي؛ لأن شخصية «الدولة» في كيانات غرب أفريقيا آنذاك كانت «صورية»... لا تتمتع بالكثير من الصلابة المؤسسية والوعي البيروقراطي. وهُنا يبني معارضو «إيكواس» حجّتهم للكلام عن موت المنظمة، ويطلقون دعواتهم لإعادة التأسيس، وبالتالي يعارضون جميع قرارات المنظمة. ومن ضمن هؤلاء الدبلوماسي والسفير السابق سوغايو كيغيو، الذي يعتبر أن «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا لم تعد موجودة؛ لأن التكتل الإقليمي الذي تركه لنا الآباء المؤسسون مات. الموجود الآن هو مجموعة من الدُّمى التي تتملّق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهذا أمر لا يهمّ شعوب غرب أفريقيا».

الرئيس الانقلابي النيجري عبد الرحمن تشياني (أ.ف.ب)

الحلم الكبير

الحقيقة أنه رغم تنامي الأصوات المعارضة لمواقف «إيكواس»، خاصة في السنوات الأخيرة حين فرضت عقوبات ضد دول أعضاء بسبب الانقلابات العسكرية، لا يزالُ حلم الاندماج الإقليمي حاضراً. وبالذات في وثيقة «رؤية 2050» التي وضعتها المنظمة عام 2020، تحت شعار «إيكواس الشعوب: السلام والتنمية للجميع»، ولكن هذه الطموحات تواجه تحديات كبيرة. لقد سبق لـ«إيكواس» أن وضعت وثيقة مشابهة عام 2007، وأطلقت عليها يومذاك اسم «رؤية 2020». وكان شعار المرحلة آنذاك إنشاء «منطقة بلا حدود، مستقرة، ومزدهرة، ومتناغمة، يسودها الحكم الرشيد». إلا أنه حين حل الموعد ما كانت غالبية المشاريع الكبرى قد تحققت، بل إن موجة انقلابات عسكرية عصفت بكل ذلك، مع تصاعد وتيرة الإرهاب والجريمة المنظمة.

مع ذلك، لا تزالُ المنطقة تتمتعُ بإمكانيات كبيرة؛ إذ تصلُ مساحة دولها الخمس عشرة إلى أكثر من خمسة ملايين كيلومتر مربع، بينما يزيد عدد السكان على 400 مليون نسمة، تستحوذ نيجيريا وحدها على النصف (206 ملايين نسمة). ثم إن أكثر من 60 في المائة من هؤلاء السكان شباب، فمتوسط العمر في غرب أفريقيا 18 سنة فقط، و65 في المائة من السكان لم يبلغوا بعد 25 سنة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يُقدّر الناتج المحلي الخام لدول «إيكواس» بنحو 700 مليار دولار أميركي، إلا أن 36 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، أي بأقل من دولارين في اليوم الواحد، وفق إحصائيات 2019. وهذا، في وقت تتوافر فيه المنطقة على موارد معدنية هائلة جداً من الذهب واليورانيوم والألماس والنفط والغاز والفوسفات، ومعظمها ما زال في باطن الأرض ويُسيل لعاب قوى العالم.

من جهة ثانية، تسعى «إيكواس» في خططها إلى أن تصبح دولها سوقاً واحدة، عبر إلغاء الحدود وتوحيد التعرفة الجمركية، وسكّ عملة موحّدة اختير لها اسم «إيكو»، وتنفيذ مشاريع بنية تحتية تكاملية، من شأنها أن تسهل حركة الأفراد والبضائع. بيد أنه بسبب موجة انقلابات عصفت بالمنطقة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، راجعت خططها مطلع التسعينات، وأضافت إلى أهدافها ضمان الأمن والسلم، وتعزيز الديمقراطية، انطلاقاً من فكرة الارتباط العضوي بين التنمية والأمن... وها هي تجد نفسها بعد مرور ثلاثة عقود أمام موجة جديدة من الانقلابات.

الرئيس النيجيري السابق يعقوبو غوون (أ ف ب)

أزمة الديمقراطية

يقول سيد أعمر ولد شيخنا، وهو باحث موريتاني مختص في العلوم السياسية والتاريخ ومدير المركز الإقليمي للدراسات والاستشارات، إن «الديمقراطية في منطقة الإيكواس، وفي عموم أفريقيا، تعيش في المنطقة الرمادية... فلا هي ديمقراطية راسخة، ولا هي تسلطية خالصة، بل بقيت دائماً هجينة. ومع أنها راكمت بعض التقاليد الديمقراطية، فإنها تعيش تهديداً مستمراً بالانتكاسة إلى مربع الانقلابات والحروب الأهلية، بسبب ضعف الدولة، وهشاشة الأوضاع الاقتصادية، والعجز عن إدارة الاختلاف والتنوعات العرقية، إلى جانب تحديات الإرهاب والتدخلات الدولية». ويضيف ولد شيخنا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن المنظمة «عانت من الانقلابات العسكرية لعقود، وبالتالي، فهي تحاولُ تشجيع الديمقراطية، باعتبار ذلك هو الطريق إلى الاستقرار والتنمية. وهذا دور معروف في أدبيات الانتقال الديمقراطي بالمشروطية السياسية والاقتصادية، وكان في السابق تقوم به منظمات دولية، وأصبح - لحسن الحظ - تقليداً لدى بعض المنظمات الإقليمية». وفي السياق ذاته، يقول الصحافي السنغالي داود صاو، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن أزمة الديمقراطية في غرب أفريقيا «تتجلى في أن الشعوب لا تجد ذاتها في حُكّامها، كما أن مواطني هذه الدول لا يرون أن البرلمانات تمثلهم أو تدافع عن مصالحهم... فهناك بالفعل أزمة ثقة واضحة بين المواطن والحكومة».

ويتابع الصحافي السنغالي: «من السهل أن نعيد الانقلابات إلى التدخل الخارجي، إلا أنني لستُ متفقاً مع هذه النظرية؛ لأنه بدل إلقاء اللوم على الآخرين، يجبُ علينا البحث عن الخلل في سياساتنا؛ إذ حين نرجع إلى الدول التي وقعت فيها انقلابات سنجد أنها تعاني من أزمة حكم، فهي دول غنية بالموارد الطبيعية مثل الذهب واليورانيوم والنفط، ولكن معظم سكانها يعيشون تحت خط الفقر، وهم محرومون من الماء والكهرباء وأبسط مقومات الحياة الكريمة... وفي المقابل هناك ثلة تزداد ثراءً يوماً بعد يوم. هذا يوضح أننا فشلنا في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وأنه ليس هنالك توزيع عادل للثروة، مثل هذه المشاكل تقود إلى وضعيات تمهد بدورها للانقلابات العسكرية».

أما الكاتب الصحافي الموريتاني سيدي المختار ولد سيدي، فيرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «الانقلابات الأخيرة لم تكن تستهدف تقويض التجارب الديمقراطية، بل انطلقت من معطيات تتعلق بمشروعية الانتخابات والظروف التي وصل فيها الرؤساء للحكم، بالإضافة لعوامل أخرى مرتبطة بالتحديات الأمنية والتحالفات الجيوستراتيجية، بالإضافة إلى الطموح الذاتي لبعض العسكريين».

تجاهل الأسباب

في أي حال، الاتفاقيات الموقعة بين الدول الأعضاء في «إيكواس»، تمنح المنظمة الحق في فرض عقوبات قد تصل للتدخل العسكري من أجل منع أي استيلاء على السلطة بالقوة، لكنها رغم ذلك لم تنجح في إفشال انقلابات مالي وبوركينا فاسو وغينيا، وها هي اليوم في موقف صعب تجاه النيجر. وهنا، يرجع سيدي المختار ولد سيدي هذا الفشل إلى أن المنظمة «لا تهتم بما يحدث في دولها قبل وقوع الانقلابات، فهي لا تتكلّم عن أوضاع حقوق الإنسان، ولا عن تعزيز الديمقراطية ومحاربة الفساد... وبالتالي فهي تتدخل كردة فعل على حدوث الانقلابات، بدل العمل من أجل تحصين الديمقراطية».

وجهة النظر ذاتها يعرضها الصحافي السنغالي داود صاو، ملاحظاً أن «إيكواس بدلاً من أن تفكر في الأسباب ظلت تركّز على مواجهة النتائج، أي الانقلابات العسكرية... وهذا موقف مفهوم لأنه يتماشى مع مبادئ المنظمة الإقليمية التي ظلت وفية لمنطقها، وهي تصارع أشكالاً مختلفة من السيطرة على الحكم بطريقة غير دستورية». غير أنه يستطرد مضيفاً أن «الخطأ الذي ترتكبه (إيكواس) هو أنها تتجاهل الأسباب التي هيأت الظرفية للانقلاب، وتتجه مباشرة نحو العقوبات بدل البحث عن أسباب لجوء العسكريين للانقلاب... هذا المنطق هو الذي أدخل المنطقة في موجة من الانقلابات؛ لأن التجربة أثبتت أن العقوبات لم تضعف عزيمة العسكريين». غير أن ولد سيدي يشدد على أنه «لا يجوز التعويل كثيراً على (إيكواس) وتحميلها ما لا طاقة لها به، فهي في النهاية لا تمتلك الكثير من الأدوات الفعالة والمستقلة عن الحكومات والقادرة على الضغط عليها عند الضرورة».

التنافس الدولي

في خضم كل ما سبق، من العبث تجاهل التنافس الدولي المحتدم في غرب أفريقيا، ما بين الكتلة الدولية الغربية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. وهو تنافس له تأثيره المباشر على الوضعية الصعبة التي تمرُّ بها مجموعة «إيكواس». وهو ما يؤكده سيد أعمر ولد شيخنا، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»؛ إذ يوضح أن «إيكواس فضاء اقتصادي وبشري مهم وكبير، وموضع تنافس القوى الدولية.

وصحيحٌ أن فرنسا لها تأثير وصلات قوية، وصحيحٌ أيضاً أن إيكواس تدفع نسبياً ثمن الموقف الشعبي المتصاعد ضد فرنسا، لكن فرنسا تبقى في النهاية شريكاً موثوقاً لدول المنظمة، وليس هناك أي استعداد للخضوع للابتزاز الروسي عبر الانقلابات، أو الاستجارة من الرمضاء بالنار». ويتابع ولد شيخنا أن التنافس يحتدم بشكل غير مسبوق، مشيراً إلى أن «ثمة استراتيجية الصين الناعمة القائمة على التعاون الاقتصادي، عبر القروض والمقاولات ومشاريع البنية التحتية مع تحاشي التدخل في الشؤون الداخلية، بل التعامل مع الأوضاع القائمة بغض النظر عن الديمقراطية والشرعية الانتخابية. وفي المقابل هناك مشروع روسي يعتمد القوة الخشنة، عبر الانقلابات العسكرية وشركة (فاغنر) والدعم العسكري، وهو يحاول طرد النفوذ الفرنسي ووراثته، ولذلك يوجد ارتباط بالحرب الأوكرانية ومشاريع الغاز الأفريقي البديل للغاز الروسي». أما من جانب الغرب، فيقول الباحث إن «الاستراتيجية الأميركية تترجم في التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني لمحاربة الإرهاب، والاستفادة من الموارد، ورفض ترك المجال للقوى الأوراسية، أي الصين وروسيا، مع إدراك التراجع الفرنسي. ومن ثم، تبقى الاستراتيجية الفرنسية تقليدية، وتخضع حالياً لامتحان عسير، وهي مرغمة على انتهاج خيارات بديلة».

في هذه الأثناء، يقول الصحافي السنغالي صاو إن «السياسات الفرنسية تجاه غرب أفريقيا ظلت جامدة ولم تتغير، في حين نجد أن طبقة من الشباب الأفريقي لم تعد تقبل هذا الوضع، بل ترى في السياسات الفرنسية تجاه بلدانهم نوعاً من الاستعمار الجديد... إنها ليست طبقة معادية لفرنسا أو للثقافة الفرنسية، لكنا ترى أن فرنسا ذات عقلية أبوية، وتمارس الوصاية تجاه دولهم».

«حزام انقلابي» ناري قسم «إيكواس» إلى قسمين

لدى إلقاء نظرة على خارطة "إيكواس"، يتضح أنه في غضون ثلاث سنوات فقط، تشكل "حزام ناري" يقسم المنظمة الإقليمية إلى جزئين منفصلين. إنه "الحزام الانقلابي" الذي يضم مالي وبوركينا فاسو وغينيا والنيجر، وهي أربع دول جمّدت المنظمة عضويتها وفرضت عليها حصارًا اقتصاديًا، فكانت خنجرًا مغروسًا في خاصرة المنظمة التي أسست من أجل "الاندماج".

الكاتب الصحافي الموريتاني سيدي المختار ولد سيدي يعتقد أن المنظمة "مهدّدة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتشظي والانقسام"، في حين يذهبُ الصحافي السنغالي داوود صاو إلى أن على المنظمة "مراجعة أهدافها، لكي تضع في صدارتها الاستجابة لتطلعات شعوب المنطقة... يكفي أن نعرف أن الشعوب اليوم تصف المنظمة بأنها نادي الرؤساء، كونهم يرونها مجرّد تجمّع هدفه الوحيد هو حماية الرؤساء الموجودين في الحكم". ويضيف صاو أن "إيكواس بحاجة إلى الكثير من الحكمة لتجاوز هذه المرحلة الصعبة"، ويشير إلى أن تعامل "إيكواس انقلاب النيجر كان مفتقراً إلى الحكمة حين لوّحت منذ الوهلة الأولى بالتدخل العسكري، ثم تراجعت عنه لتمنح الأولوية للحل الدبلوماسي، ثم عادت بعد ذلك وأكدت أن الخيار العسكري ما يزال مطروحاً... كل هذا التذبذب كان سببه غياب الحكمة".

بيد ان الصحافي السنغالي يخلص إلى القول أن الكلام عن إمكانية تشرذم المنظمة الإقليمية "لا يخلو من مبالغة وتشاؤم"، متابعاً أن "موقف المنظمة الإقليمية الصارم تجاه الانقلابات العسكرية مطلوب وجيد، وتنصّ عليه قوانين ومواثيق وقعّت عليها جميع الدول الأعضاء، إنها مواقف من صميم اختصاص المنظمة".

واختتم "لا خلاف على مبدأ رفض الانقلابات وضرورة مواجهتها، ولكن يتوجب ايضاً على قادة المنظمة أن يكونوا أكثر حكمة، وأن تتوافر لديهم القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، والبحث عن حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية... حلول نابعة من صميم ثقافتنا المحلية".



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.