فيفيك راماسوامي صار بين ليلة وضحاها شخصية رئيسية في سباق البيت الأبيض

ملياردير هندي الأصل «يغازل» قاعدة ترمب و«الإيفانجيليين الجدد»

فيفيك راماسوامي صار بين ليلة وضحاها شخصية رئيسية في سباق البيت الأبيض
TT

فيفيك راماسوامي صار بين ليلة وضحاها شخصية رئيسية في سباق البيت الأبيض

فيفيك راماسوامي صار بين ليلة وضحاها شخصية رئيسية في سباق البيت الأبيض

كشفت المناظرة الرئاسية الأولى لمرشحي الحزب الجمهوري الأميركي، التي أجريت في مدينة ميلووكي يوم 23 أغسطس (آب) المنصرم، عن جانب جديد، لكنه «مألوف» في مواسم الانتخابات الرئاسية الأميركية. ومعلوم أنه غالباً ما يحظى الناخبون الأميركيون بفرصة التعرف على شخصيات «مجهولة» ومغمورة، رغم إدراكهم أن مصيرها بعد انتهاء موسم الانتخابات، قد لا يتجاوز محاولة، حجز مقعد أو منصب في الإدارة الجديدة، أو تحقيق شهرة تدفع بأعمالهم التجارية. هكذا وصف فيفيك راماسوامي، المرشح الذي وقف في منتصف المنصة، إلى جانب رون ديسانتيس، حاكم ولاية فلوريدا، وثاني أقوى المرشحين في استطلاعات الجمهوريين. وخلال أقل من 24 ساعة من «مهاراته الكلامية» المستفزة لمنافسيه، كان هناك أكثر من مليون عملية بحث على «غوغل» عن اسمه، ما عدا العمليات التي أخطأت في كتابة اسمه، بحسب وسائل الاعلام الأميركية، التي انشغلت هي الأخرى في البحث عن هوية هذا الوافد الجديد.

شبّه المرشح الجمهوري الشاب فيفيك راماسوامي بـ«ترمب» الصغير. ومع أجوبته السريعة وكلامه الذي لا يتوقف قبل إيصال فكرته، جاء التعليق الأكثر تهكماً، على لسان منافسه الجمهوري كريس كريستي، حاكم ولاية نيوجيرسي السابق؛ إذ خاطب مضيفي المناظرة والجمهور قائلاً: «لقد سئمت من الرجل الذي يبدو مثل «تشات جي بي تي» (برنامج تطبيق الذكاء الاصطناعي)».

وحقاً، كان راماسوامي مفعماً بالحيوية ومزعجاً لمنافسيه. ولقي تصفيقاً حاراً في كل مرة أشاد فيها بالرئيس السابق، بعدما تمكن بطريقة غير متوقعة، من الاستحواذ على انتباه منافسيه على منصة المناظرة.

الشاب اليميني المتشدد المتحدر من أصول هندية، أدلى بآراء مثيرة للجدل، تبدأ من استهجانه «تشويه» سياسات تغير المناخ، وانتهاءً باستعداده لزيارة روسيا والتفاوض مع فلاديمير بوتين، عبر تخلي أوكرانيا عن أراضيها وتحاشي ضمها لحلف الـ«ناتو»، مقابل الوعد بإنهاء تحالفه مع زعيم الصين. وبالفعل، استشاط منافسوه غضباً، وسخروا من تعليقاته وآرائه، مواصلين الخطأ في نطق اسمه «فيفيك». ولكن، بحلول صباح اليوم التالي، أصبح راماسوامي فجأة شخصية رئيسية في السباق الجمهوري.

فمن هو هذا الوافد الجديد إلى عالم السياسة الأميركية، بعدما كان حتى وقت قريب، يصف نفسه بأنه «غير سياسي»؟

دعم ترمب عام 2020

قال راماسوامي إنه صوّت لصالح المرشح الرئاسي للحزب الليبرتاري (يمين متشدد) في عام 2004، لكنه لم يصوّت في الانتخابات الرئاسية في 2008 أو 2012 أو 2016. غير انه عام 2020، عاد فدعم وصوت لدونالد ترمب.

ثم في 2021، سجل نفسه «غير منتسب» للتصويت في ولاية أوهايو، لكنه وصف نفسه بأنه جمهوري. ومع ذلك، قدم تبرّعات لكل من الديمقراطيين والجمهوريين؛ إذ قدم عام 2016 تبرّعاً بمبلغ 2700 دولار لحملة دينا غرايسون، المرشحة الديمقراطية للكونغرس في ولاية فلوريدا. وبين عامي 2020 و2023، تبرّع بمبلغ 30 ألف دولار للحزب الجمهوري في أوهايو، حيث فكّر في الترشح لانتخابات مجلس الشيوخ الأميركي لعام 2022 في الولاية.

ويوم 21 فبراير (شباط)، تنحى راماسوامي عن منصبه رئيساً لشركة «رويفانت ساينسز»، للتكنولوجيا الحيوية. وفي برنامج «الليلة» مع تاكر كارلسون على محطة «فوكس نيوز» (غادرها لاحقاً ليؤسس موقعاً إخبارياً على الإنترنت)، أعلن ترشحه عن الحزب الجمهوري لمنصب الرئاسة.

«الديانات العلمانية الجديدة»

بدأ راماسوامي حملته مدعياً أن الولايات المتحدة في «أزمة هوية وطنية»، فاقمتها ما أسماها «الديانات العلمانية الجديدة»، مثل التعامل مع وباء «كوفيد - 19» والمناخ و«الآيديولوجية الجنسانية».

أيضاً، انتقد المبادرات البيئية والاجتماعية ومبادرات حوكمة الشركات. وأصدر علناً إقرارات ضريبة الدخل الخاصة به عن 20 سنة، داعياً منافسيه إلى فعل الشيء نفسه (ترمب الذي لا يزال ممتنعاً عن ذلك). ومع ان أموال حملته جاءت بغالبيتها من أمواله الخاصة، فإنها كانت أقل بكثير عن تلك التي جمعها ترمب ورون ديسانتيس. ومع ذلك، تقدم على معظم المرشحين الجمهوريين الأساسيين الآخرين.

من جهة ثانية، سعى راماسوامي إلى جذب الناخبين اليمينيين المسيحيين الإيفانجيليين («الإنجيليون الجدد») والقوميين المسيحيين، وهؤلاء جزء مهم جداً من القاعدة الجمهورية، ويذكر أن بعضهم متردد أو غير راغب في دعم مرشح غير مسيحي وغير أبيض. ولذا؛ لم يتوانَ خلال حملاته الانتخابية ومقابلاته عن انتقاد العلمانية، قائلاً إن الولايات المتحدة أسست على «القيم المسيحية» أو «القيم اليهودية المسيحية»، وأنه يشارك تلك القيم ويؤمن بإله واحد.

قومي... غير اعتذاري!

كذلك، وصف راماسوامي نفسه، بأنه «قومي أميركي غير اعتذاري» وهاجم كثيراً ديسانتيس. ومع أنه «ينافس» دونالد ترمب، تجنب انتقاده بشكل مباشر... لا، بل دعمه قبل المناظرة وخلالها وبعدها، متراجعاً عن الاتهامات التي ساقها ضده، إثر الهجوم على مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021. فقد وصف راماسوامي تصرفات ترمب في ذلك اليوم، بأنها «بغيضة تماماً»، وانتقد مزاعمه عن «الانتخابات المسروقة» في كتابه الثاني «أمة الضحايا». وكتب: «لقد كان يوماً مظلماً للديمقراطية. رفض الخاسر في الانتخابات الأخيرة التنازل عن السباق، وادّعى أن الانتخابات سُرقت، وجمع مئات الملايين من الدولارات من المؤيدين المخلصين، ويفكر في الترشح لمنصب تنفيذي مرة أخرى... أقصد بالطبع دونالد ترمب».

إلا أنه، بعد ذلك، قال: إن حظر حسابات ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، انتهاك للتعديل الدستوري الأول. وبعد توجيه الاتهامات الجنائية الفيدرالية للرئيس السابق هذا العام، وقف راماسوامي معه على الفور، واعداً بالعفو عنه إذا ما انتُخِب رئيساً. وأيضاً وعد بالعفو عن جوليان أسانج وإدوارد سنودن، مقترحاً تسمية روبرت كينيدي «الابن»، المرشح الرئاسي الديمقراطي، مرشحاً محتملاً للجمهوريين لمنصب نائب الرئيس.

الواقع، أنه قد يتوجب على الجمهوريين أن يعتادوا على هذه الظاهرة التي كانت غريبة منذ وقت ليس ببعيد، أي قبل أن يحصل الوافد السياسي الجديد المليونير من جيل الألفية على نتائجه في استطلاعات الرأي.

إذ إن راماسوامي يقترب الآن في استطلاعات الرأي الوطنية من ديسانتيس، الذي تراجعت أرقامه أكثر بعد المناظرة. وهذا بينما تعدّه كثرة من الجمهوريين «دخيلاً آيديولوجياً، وشخصاً يجذب الشعبوية الجديدة عبر الإنترنت.

باختصار، كان بمثابة مغناطيس بشري، سرق المشهد في أول مناظرة بين الجمهوريين.

بطاقة تعريف

ولد فيفيك جاناباثي راماسوامي (38 سنة) يوم 9 أغسطس (آب) 1985، في مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو، لأبوين مهاجرين هندوسيين هنديين.

عائلته من البراهمة الهندوس الناطقين باللغة التاميلية في ولاية كيرالا بأقصى جنوب الهند. ووالده، خريج المعهد الوطني للتكنولوجيا في مدينة كاليكوت، عمل مهندساً ومحامي براءات اختراع لشركة «جنرال إلكتريك»، أما والدته فطبيبة نفسانية لكبار السن وخريجة كلية ميسور الهندية الطبية ومعهد الأبحاث. وهو متزوج وأب لولدين.

نشأ فيفيك الصغير في ولاية أوهايو، وغالباً ما كان يرتاد المعبد الهندوسي المحلي في مدينة دايتون مع عائلته، كما أمضى الكثير من إجازاته الصيفية في الهند مع والديه. ووفق سيرته، أثّر كثيراً على آرائه الاجتماعية مدرّس البيانو المسيحي المحافظ، الذي أعطاه دروساً خاصة من المرحلة الابتدائية حتى المدرسة الثانوية.

بعدها التحق راماسوامي بالمدارس العامة حتى الصف الثامن. ثم التحق بمدرسة سانت كزافييه الثانوية في سينسيناتي، وهي مدرسة كاثوليكية تابعة للرهبنة اليسوعية، وتخرج منها بتفوّق في عام 2003.

في عام 2007، تخرّج راماسوامي من جامعة هارفارد بدرجة بكالوريوس بامتياز مع مرتبة الشرف في علم الأحياء، واكتسب فيها سمعة بوصفه تحررياً جريئاً وواثقاً من نفسه. كذلك، كان عضواً في اتحاد هارفارد السياسي، وأصبح رئيساً له. وفي لقاء مع صحيفة «هارفارد كريمسون» الجامعية قال إنه يعدّ نفسه مجادلاً يحب المناظرات. أما عملياً، فقد تدرب في صندوق التحوّط «امارانث ادفايزر» وبنك الاستثمار «غولدمان ساكس»، وكتب أطروحته العليا حول الأسئلة الأخلاقية التي أثيرت بعد خلق خلايا بشرية - حيوانية، وحصل على جائزة بودوين العلمية.

"أكثر من مليون عملية بحث عن اسمه على «غوغل» في غضون 24 ساعة..."

15 مليون دولار ... قبل تخرجه

في عام 2011، حصل راماسوامي على منحة دراسات العليا للدراسة في كلية الحقوق المرموقة في جامعة ييل، وحصل منها على الإجازة في الحقوق عام 2013. وخلال مقابلة عام 2023، قال إنه كان عضواً في جمعية المناقشة الفكرية اليهودية «شبتاي» في ييل عندما كان طالب حقوق. وللعلم، بحلول الوقت الذي التحق فيه بجامعة ييل، كان راماسوامي ثرياً بالفعل من خلال مشاركته في الصناعات المالية والأدوية والتكنولوجيا الحيوية. ولقد ذكر في عام 2023 أن ثروته الصافية بلغت قبل تخرّجه في كلية الحقوق، نحو 15 مليون دولار.

قبل ذلك، في عام 2007، شارك راماسوامي مع ترافيس ماي في تأسيس شبكة للتواصل الاجتماعي، لطلاب الجامعات الذين يطمحون إلى إطلاق مشروع تجاري. وبيعت الشركة في عام 2009 إلى مؤسسة «إوينغ ماريون كوفمان». وبين عامي 2007 و2014، كان شريكاً في شركة لإدارة محفظة استثمارات التكنولوجيا الحيوية، وامتلك حصصاً في الكثير من شركات الأدوية الحيوية.

وفي عام 2014، أسس راماسوامي شركته الخاصة «رويفانت ساينسز» للتكنولوجيا الحيوية، في جزيرة برمودا، وهي ملاذ ضريبي، وحصلت على ما يقرب من 100 مليون دولار من رأس المال المبدئي من شركات ومستثمرين آخرين. ولقد تمثلت استراتيجية الشركة في شراء براءات الاختراع من شركات الأدوية الكبرى للأدوية التي لم تكن قد طوّرت بنجاح بعد، ومن ثم طرحها في السوق. وبعدها أنشأت الشركة الكثير من الشركات التابعة، بما في ذلك شركة «شينوفانت» و«سيتوفانت» ومقرّهما الصين، وتركزان على السوق الآسيوية.

 

طموح لا يُحد

في عام 2015، جمع راماسوامي 360 مليون دولار لصالح شركة «إكسوفانت ساينسيز» التابعة لشركته الأم، في محاولة لتسويق عقار «الإنتبيردين» لمرض ألزهايمر، الذي اشترى براءة اختراعه مقابل 5 ملايين دولار، من شركة «غلاكسو سميث كلاين» في ديسمبر (كانون الأول) 2014. وفي عام 2015، ظهر راماسوامي على غلاف مجلة «فوربس»، وصرح بأن شركته «ستحقق أعلى عائد استثماري على الإطلاق في صناعة الأدوية». وقبل بدء التجارب السريرية الجديدة للدواء، صمم طرح اكتتاب عام أولي، ويومها جذبت شركته اهتمام بورصة «وول ستريت»، وجمعت 315 مليون دولار.

في البداية، ارتفعت القيمة السوقية للشركة إلى ما يقرب من 3 مليارات دولار، على الرغم من أنها في ذلك الوقت، كانت صغيرة لديها ثمانية موظفين فقط، بينهم شقيقه ووالدته. وبعدما حقق أكثر من 37 مليون دولار من المكاسب الرأسمالية من شركته، قال إنها ستكون مثل شركة «بيركشاير هاثاواي» لتطوير الأدوية، واصفاً الدواء بأنه فرصة «هائلة» «يمكن أن تساعد الملايين» من المرضى.

ولكن، بعد أربع تجارب سريرية، أعلنت الشركة في 2017، أن «الإنتبيردين» فشل، وتخلت عنه، لتنخفض قيمة الشركة وتخسر في يوم واحد 75 في المائة من قيمتها، من دون أن يخسر شخصياً لاحتفاظه بحصته في شركته الأم. ولكن كان بين المساهمين الذين خسروا أموالهم الكثير من المستثمرين المؤسسيين، مثل صندوق تقاعد المعلمين في ولاية كاليفورنيا.

راماسوامي، الشاب الطامح دائماً إلى القمة، خاض الكثير من الشراكات والمغامرات التجارية، محققا أرباحاً طائلة؛ إذ قدّرت مجلة «فوربس» ثروته بنحو مليار دولار هذا العام. وأثناء حملته الانتخابية للرئاسة، أطلق على نفسه لقب «العالِم» وتباهى: «لقد طوّرت عدداً من الأدوية». لكن الحقيقة أنه حصل على شهادته الجامعية في علم الأحياء، ولم يكن «عالماً» أبداً، بل نشط في مجال صناعة التكنولوجيا الحيوية، مموِّلاً ورجل أعمال.

 


مقالات ذات صلة

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

ضغوط تعوق «التنسيقي» عن تشكيل الحكومة العراقية

تواجه القوى الشيعية الرئيسية في العراق صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافق على مرشح لتشكيل الحكومة قبل انتهاء المهلة الدستورية.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.