ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

تمسُّك مناصريه بتأييده رغم الاتهامات الجنائية قد يخدم منافسه الديمقراطي

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
TT

ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)

يستبعد العديد من المحللين ومراقبي المناظرات الرئاسية ونتائجها، أن تؤدي المناظرة الأولى التي أجريت بين المتنافسين الجمهوريين، قبل أيام، إلى تغييرات درامية في حلبة السباق الرئاسي، سواءً لدى الجمهوريين أو عند الديمقراطيين. دونالد ترمب، الذي «قاطع» المناظرة، كان الحاضر الأبرز، رغم محاولات منافسيه الموازنة بين انتقادهم له، ومهاجمة بعضهم البعض، وانتقاد إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن. فالمناظرة بالنسبة لهم وفرت أكبر جمهور لمواكبة السباق حتى الآن، وعدت الفرصة الأولى، ليس فقط للتأثير على الناخبين، بل جعل السباق الرئاسي منافسة حقيقية.

يبدو أن رهان كثيرين على حدوث اختراق في جدار الدعم الذي يحظى به الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لدى قاعدة مناصريه الجمهوريين، قد فشل. وهذا، بينما يواصل ترمب الحفاظ على تقدمه بعيداً من منافسيه في استطلاعات التفضيل لدى الناخبين الجمهوريين، رغم تعرّضه لـ91 تهمة جنائية متنوعة.

هذا الواقع دفع نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب السابق، وأحد المرشحين الجمهوريين السابقين، إلى وصف هذه اللحظة قائلاً: «ترمب كان لا يزال قادراً على تبديد جهود منافسيه، حتى من دون أن يبذل جهداً كبيراً للتنفس».

آن كولتر

ترمب يجهض استفادة خصومه

وبالفعل، سرعان ما وضع ترمب بصمته على «اللحظة»، بعدما ظهر في مقابلة مسجلة على الإنترنت، مع المضيف السابق في محطة «فوكس نيوز» (راعية المناظرة الرئاسية نفسها) تاكر كارلسون، وقام «بتسليم نفسه» أمام الكاميرات لسلطات مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا التي تتهمه بالتدخل في انتخابات الولاية، ما أدى عملياً إلى قطع الطريق على أي استفادة إعلامية محتملة لمنافسيه من المناظرة.

وفي حين يرى بعض المراقبين أن الاتهامات الجنائية التي تلاحق ترمب، وتبعاتها المتوقعة على السباق، تستحوذان على معظم النقاش الذي يبحث في الاختلافات القائمة بين المرشحين الجمهوريين، يرى آخرون أن القضايا الجوهرية التي تقسم الحزب الجمهوري، وتعكس الانزياح الحاصل في آيديولوجيته منذ أكثر من عقد، هي الغائب الأكبر عن تلك المناقشات.

غير أن التركيز على الاتهامات الجنائية، وسعي منافسي ترمب لبناء حيثية تقنع الناخبين الجمهوريين والأميركيين عموماً بضرورة البحث عن بديل له، لم ينجح في إخفاء انقسام الجمهوريين، الذين هدّد بعض مرشحيهم بخفة واضحة بالحرب الأهلية، بينما الخلاف يدور تقريباً على كل شيء.

هنا يقول العديد من الديمقراطيين، وكذلك بعض الاستراتيجيين الجمهوريين، من «حراس» القيم الجمهورية، إن الدافع وراء تحذيرات الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما للرئيس جو بايدن - في حال أصر على مواصلة ترشحه بسبب سنه - من «عناصر القوة السياسية» التي يتمتع بها ترمب، يعود إلى نجاح «الخطاب الشعبوي» لترمب في الصمود بوجه كل القضايا المرفوعة ضده. وهذا خطاب يتغذى من جمهور أميركي مأزوم، في مواجهة القضايا الجدية التي تواجه الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي على حدٍّ سواء.

خلافات «جمهورية»... على كل شيءالجمهوريون، راهناً، يختلفون فيما بينهم ومع الديمقراطيين، على قضايا عدة منها: الأمن على الحدود، والتضخم، و«تنظيف سياسات» واشنطن من الفساد، والحروب الثقافية، إلى الموقف من الصين، والحرب الأوكرانية. غير أن قضيتين تقسمان الجمهوريين أكثر من أي قضية أخرى هما: الإجهاض ودعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا.

كارل روف

حيال القضية الأولى، من نافلة القول إن الديمقراطيين عزّزوا انتصاراتهم الانتخابية منذ إلغاء المحكمة العليا هذا الحق، في حين يناضل الجمهوريون من أجل التوحّد حول موقف مركزي. أما بالنسبة لحرب أوكرانيا، فإنها كشفت عن صدع كبير بين «صقور» السياسة الخارجية والجناح «الانعزالي» المناهض للتدخل.

ومع أن غالبية المرشحين الجمهوريين، باستثناء فيفيك رامسوامي، الذي أعلن بشكل واضح رفضه لمواصلة دعم أوكرانيا - متناغماً مع موقف ترمب - وضبابية موقف حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، يتبنى ترمب في القضيتين موقفاً «مختلطاً» عده البعض سياسة مدروسة للنيل من صدقية «النظام السياسي الأميركي والقيَم الأميركية» التي كانت تعد فريدة من نوعها ونموذجاً يقتدى به.

واليوم مع سعي ترمب للعودة إلى البيت الأبيض، نراه يواصل الترويج لمزاعمه التي لم تثبتها المحاكم عن سرقة انتخابات 2020. ويدافع عن مرتكبي الهجوم العنيف الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، واعداً بأنه سيعفو عنهم باستثناء اثنين قال إنهما «خرجا عن السيطرة». ثم إنه يرفض الالتزام بنتائج انتخابات 2024، كما فعل في عامي 2016 و2020، متهماً الديمقراطيين بفعل الشيء نفسه في مناسبات عدة!

في المقابل، تفاوتت مواقف منافسيه من هذه القضايا خلال المناظرة الأولى، مظهرة كيف يكافح الجمهوريون من أجل الإجابة بوضوح على «الافتراضات الأساسية للديمقراطية».

ورغم إشادة غالبية المرشحين المتناظرين بالدور الدستوري الذي أداه مايك بنس، نائب ترمب، في تثبيت انتخاب بايدن عام 2021، فإنهم أعلنوا باستثناء كريس كريستي وآزا هتشينسون، عن جاهزيتهم لتأييد ترمب إذا ما ظفر بترشيح الحزب، حتى ولو أدين بالجرائم المتّهم بها.

صحيفة «واشنطن بوست»، كانت وجهت، في تحقيق لها، 3 أسئلة لـ15 مرشحاً رئاسياً عمّا إذا كانوا يعترفون بفوز الرئيس جو بايدن بانتخابات 2020؟ وهل سيعترفون بفوز الناجح في انتخابات 2024؟ وهل يفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين بمهاجمة مبنى الكابيتول «رمز الديمقراطية الأميركية»؟

قدم كثيرون منهم ردوداً مشوشة، أو غيّروا مواقفهم أو تهرّبوا من الإجابة عن الأسئلة المباشرة. فقد قال 3 مرشحين جمهوريين إنهم لا يعترفون بفوز بايدن بشكل شرعي في انتخابات 2020، مع أن معظم المرشحين يفعلون ذلك، حتى مع استمرار البعض في تقديم ادعاءات لا أساس لها حول مشاكل التصويت.

هذا ما كرّره، مثلاً، حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، صاحب المركز الثاني في استطلاعات التفضيل، الذي - ورغم تغيير لهجته في مواجهة ترمب، قائلاً إنه خسر «بالطبع» تلك الانتخابات - انتقد أيضاً «إدارة» الانتخابات، بقوله: «لم تجر بالطريقة التي أعتقد أننا نريدها». من جهة أخرى، التزم 9 فقط مسبقاً بقبول نتائج انتخابات 2024، وقال 6 مرشحين جمهوريين إنهم «سيفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين باقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021».

رسالة ترمب؟

هيئة التحرير في صحيفة «وول ستريت جورنال» - الداعمة لسياسات الحزب الجمهوري - كتبت في مقالة لها: «واضح أن ترمب يعتقد أن ترشيحه قد حسم. وإذا حكمنا من خلال استطلاعات الرأي الحالية، فإن لديه سبباً للاعتقاد بذلك. لكن ما الرسالة التي يرسلها حول الولاء الذي يعتقد أن ناخبي الحزب الجمهوري مدينون له به؟ هذا يعني أن الحزب القديم الكبير سيرشح، للمرة الثالثة، رجلاً اتهم رسمياً أربع مرات في 91 تهمة جناية».

وأضافت المقالة: «كثيراً ما يقول الناخبون الجمهوريون إنهم يحبون ترمب لأنه مقاتل. ولكن من أجل مَن يقاتل؟ أَمِن أجلهم أم من أجل نفسه؟ وإذا كان ناخبو الحزب الجمهوري يريدون تحدّي الديمقراطيين بسبب ملاحقاتهم القضائية «الحزبية»، فإنهم يفعلون بالضبط ما يريده الديمقراطيون ووسائل الإعلام!... (أي) ترشيح الرجل الذي أظهر خلال الانتخابات الوطنية الثلاثة الأخيرة أنه أعظم آلة جذب لناخبي الحزب الديمقراطي منذ الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت. وفي حين لا يزال هناك 5 أشهر قبل الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا والانتخابات التمهيدية في ولاية نيوهامبشاير، ربما كان افتراض ترمب خاطئاً».

تقدّم مريح... ولكن

حتى الآن، لا تزال استطلاعات الرأي الوطنية تمنح ترمب تقدّماً مريحاً على منافسيه. غير أن تحديد الترشيحات لا يأتي من تلك الاستطلاعات، بل من خلال المؤتمرات الحزبية والانتخابات التمهيدية في الولايات، حيث تمارس الولايات المبكرة التصويت بسبب قوانينها الخاصة، نفوذاً غير متناسب، وتأثيراً نفسياً ضاغطاً على باقي الولايات.

رغم هذا، يرى الاستراتيجي الجمهوري كارل روف، أن «غالبية الجمهوريين في الولايات المبكرة التصويت لا يؤيدون ترمب». ويشير إلى استطلاع أجري يوم 17 أغسطس (آب) في ولاية أيوا، أظهر أن ترمب هو الخيار الأول من بين 42 في المائة، من المشاركين في التجمع الحزبي للحزب الجمهوري في الولاية. وهو تقدم كبير، لكنه لا يزال أقل بنحو 14 نقطة عن مكانته الوطنية. وأظهر استطلاع آخر في المدة نفسها، أن ترمب حصل على تأييد 33 في المائة، بينما حصل على المستوى الوطني على 57 في المائة. وفي كلا الاستطلاعين لا يعتبر غالبية الجمهوريين في أيوا أن الرئيس السابق هو المفضل لديهم. أما في لاية نيو هامبشير، فحصل ترمب على نسبة 34 في المائة، أي أقل بنحو 22 نقطة من مكانته الوطنية، وأعلن 66 في المائة أنهم مترددون في اختياره. ومع أن معارضي الرئيس السابق ما زالوا ضعفاء يجب أن تثير الفجوة بين مكانته الوطنية وهذه الأرقام المبكرة قلق مديري حملته.

هنا يلفت روف إلى أنه «من المهم أيضاً ملاحظة عدد المستقلين والجمهوريين المنفتحين على فكرة أن ترمب ارتكب جرماً»؛ إذ أظهر استطلاع لوكالة «أسوشييتد برس/ نورك» في 16 أغسطس، أن 45 في المائة من المستقلين يرون أنه فعل شيئاً غير قانوني بالوثائق السرية، و41 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني في جورجيا فيما يتعلق بانتخابات 2020، و33 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني يتعلق بهجوم 6 يناير على الكابيتول.

ولذا، يحذّر روف من أنه «حتى لو كان الناخبون مترددين حقاً، فمن غير المرجح أن تؤدي المحاكمات إلى تحسين رأيهم به. بل من المحتمل أن ينمو عدد المستقلين والجمهوريين المتشككين بينما يمضي ترمب أيامه في المحكمة بدلاً من الحملات الانتخابية، وهذا الأمر يجب أن يقلق أي جمهوري يريد فوز الحزب في انتخابات 2024».

ثم يضيف روف أن الرئيس السابق: «لا يستطيع تحمل خسارة أي ناخب من الحزب الجمهوري أو من المستقلين العام المقبل. وهو رغم حصوله عام 2020 على تأييد 94 في المائة من الجمهوريين و41 في المائة من المستقلين، فإنه تخلف في نهاية المطاف في التصويت الشعبي عن بايدن بفارق أكثر من 7 ملايين صوت. ويشير الاستطلاع نفسه إلى أنه قد يخسر أكثر من 6 في المائة من الجمهوريين في عام 2024، وسيكون أداؤه أسوأ بكثير مع المستقلين».

وينهي روف قائلاً: «إذا كان هو المرشح، ظل الجمهوريون والمستقلون مشتتين فإنه سيغرق، وكذلك الحزب الجمهوري، الذي لا يحتاج إلى أن يكون كذلك».

الجمهوريون على المحكمن ناحية أخرى، يرى استراتيجيون جمهوريون أن مواقف ترمب تضع مصير الحزب الجمهوري على المحك. فهو لا يقدم للحزب سوى خيار الانشقاق، في الوقت الذي لا يملك فيه إجابات سياسية وآيديولوجية عن القضايا الخلافية والإشكالية. ومع إحجام كبار المانحين الجمهوريين عن دعمه، يبدو أن الخلاف معه يتجاوز الموقف من الاتهامات الجنائية واحتمال إدانته.

ستيوارت ستيفنز، المستشار السياسي الجمهوري السابق، يقول: «بينما ينظر المانحون الجمهوريون إلى نموذج يحتذى للنجاح الجمهوري كحاكم ولاية كبيرة، كما حصل مع فوز الرئيسين السابقين رونالد ريغان وجورج بوش الابن والمرشح ميت رومني، الذين قدموا خطاباً سياسياً يعكس قيَم الولايات المتحدة ومصالحها في مواجهة منافسيها الأقوياء، لا يوجد في القائمة الراهنة مثل هؤلاء». ويضيف ستيفنز: «ترمب هو ما يريد الحزب الجمهوري أن يكون عليه. إنه مرشح التظلّم الأبيض في حزب، أكثر من 80 في المائة من أعضائه هم من البيض، واحتضن دور الضحية». ويستطرد: «كريس كريستي وآزا هتشينسون هما البديلان، لكن لا توجد سوق رابحة لرسالة مناهضة لترمب». بالمقابل، يصف ستيفنز المرشح رون ديسانتيس بأنه «رجل صغير غاضب لا يستطيع توضيح سبب رغبته في أن يصبح رئيساً... دخل في معركة مع شركة (السعادة) ديزني وخسر... وأنشأ قوة شرطة خاصة بتكلفة تزيد على مليون دولار لملاحقة تزوير الناخبين في ولايته، التي ادعى بالمناسبة أنها كانت انتخابات مثالية، ليسفر ذلك عن اعتقال 20 شخصاً، أدين منهم شخص واحد فقط».

أما الكاتبة الجمهورية اليمينية آن كولتر، فترى أن ترمب «بالكاد يستطيع التكلم باللغة الإنجليزية، والسبب الوحيد الذي أدى إلى صعوده في عام 2016 هو قضايا الهجرة والجدار، وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وحظر السفر (الذي فرض قيوداً على السفر من العديد من البلدان ذات الغالبية المسلمة). اليوم ديسانتيس هو الذي يرفع تلك القضايا هذه المرة، لكن دون الاهتمام التام بتنفيذ تلك الوعود».

وبالفعل، حاول ديسانتيس التركيز على هذه القضايا في المناظرة، يوم الأربعاء، لكنه بدا فاقداً للبوصلة، لا سيما بعدما صدمه إحجام منافسيه عن مهاجمته كما كان يتوقع، باعتبار أنه الأوفر حظاً بعد ترمب في تفضيلات الناخبين، فتراجعت أرقامه أكثر فأكثر بعد انتهاء المناظرة.

ترمب ... يواصل حملته

قصور عند الجمهوريين في فهم السياسة الخارجية

> في حين كشفت مناظرة المرشحين الرئاسيين الجمهوريين عن انقسامهم في كيفية قراءة وفهم دور الولايات المتحدة وموقعها في السياسات الخارجية، تساءل البعض عن هذا التخبط، وعمّا إذا كان مناسباً في المواجهة التي تخوضها مع منافسيها الأقوياء. وفي هذا السياق ساقوا أمثلة محاولات المنافسين الكبار فرض تغييرات في توازن القوى مع الولايات المتحدة ولو بالقوة، كما فعلت به روسيا من خلال غزوها لأوكرانيا، وتهديدات الصين ضد تايوان.

ويرى هؤلاء أن الرد على هذه التحديات لا يكون عبر التراجع عن التحالفات وممارسة سياسة الانعزال، كما روّج لذلك على الأقل المرشح فيفيك رامسوامي خلال المناظرة، «لحماية أمن الحدود التي يجتاحها المهاجرون».

هنا يقول جون ألترمان، نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إنّ «التحالفات والشراكات وتعزيز مركزيتها في سياساتنا، كما يفعل الرئيس بايدن، وهو محق في ذلك، يمكن أن يعزز إيمان البلدان الأخرى بتوجّهات الولايات المتحدة».

ويشدّد ألترمان على أنّ «التحدّي يكمن في أنّ جميع شركائنا يتذكّرون الإدارة السابقة، وينظرون إلى أرقام الاستطلاعات، ولا ثقة لديهم إطلاقاً حيال ما سيكون الوضع عليه في الولايات المتحدة في غضون سنتين أو 5 سنوات أو 10 سنوات». غنيٌّ عن التذكير أن الرئيس السابق دونالد ترمب كان قد شكك دائماً في أهمية التحالفات، مشدداً على أن دولاً مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، لا تدفع ما يكفي مقابل وجود القوات الأميركية على أراضيها. كذلك سخر بشكل متكرّر من التزامات حلف شمال الأطلسي (ناتو) المرتبطة بالدفاع المتبادل بين الحلفاء.

وفيما بات من الشائع الاستماع إلى آراء بعض الجمهوريين الذين يفضلون هزيمة بلادهم أمام روسيا، في موقف سريالي شعبوي غير مسبوق، قال كل من نيكي هايلي وكريس كريستي ومرشحين آخرين خلال المناظرة الجمهورية، إن التصريحات التي أشادت بـ«عبقرية» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واعتبار البعض غزوه لأوكرانيا، قضية إقليمية، أدت إلى تراجع الدعم للمساعدات العسكرية لكييف، وأظهرت في الوقت نفسه، قلة تقدير هؤلاء الجمهوريين وفهمهم للسياسات الاستراتيجية للولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

«إهانة لنا»… بعض عملاء «إدارة الهجرة» ينتقدون حادثة إطلاق النار في مينيسوتا

الولايات المتحدة​ عناصر من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية «ICE» وضباط اتحاديون يعتقلون شخصاً خلال احتجاجات في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب) play-circle

«إهانة لنا»… بعض عملاء «إدارة الهجرة» ينتقدون حادثة إطلاق النار في مينيسوتا

أعرب بعض عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) عن شعورهم بالخجل إزاء حادثة إطلاق النار المميتة التي أودت بحياة رينيه نيكول غود في ولاية مينيسوتا.*/

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والكولومبي غوستافو بيترو (أ.ف.ب)

رئيس كولومبيا سيلتقي ترمب في الولايات المتحدة في الثالث من فبراير

أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، أنه سيلتقي نظيره الأميركي دونالد ترمب، في الثالث من فبراير في الولايات المتحدة، مؤكداً بذلك تحسن العلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون وزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون  في جنازة الرئيس السابق جيمي كارتر (ا.ب)

هيلاري كلينتون ترفض المثول أمام لجنة تحقيق برلمانية في «قضية إبستين»

تحدّت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، أمر استدعاء في إطار تحقيق برلماني على صلة بقضية الراحل جيفري إبستين المتّهم بالإتجار الجنسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رضا بهلوي خلال مقابلة صحافية في يناير 2018 (رويترز) play-circle

ترمب يشكك في قدرة رضا بهلوي على حشد الدعم في إيران

قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، إن زعيم المعارضة الإيرانية رضا بهلوي «يبدو لطيفاً للغاية»، لكنه عبر عن شكوكه بشأن قدرة ‌بهلوي على حشد ‌الدعم داخل ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تنص التعليمات الجديدة على رفض منح التأشيرات للمتقدمين الذين يُرجّح أن يعتمدوا على المساعدات الحكومية (رويترز)

أميركا تُعلّق تأشيرات الهجرة لـ75 دولة منها 13 عربية

أعلنت الولايات المتحدة، أمس، أنها ستعلّق إجراءات تأشيرات الهجرة المقدّمة من مواطني 75 دولة، بينها 13 دولة عربية، في أحدث خطوة يتخذها الرئيس الأميركي دونالد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.