ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

تمسُّك مناصريه بتأييده رغم الاتهامات الجنائية قد يخدم منافسه الديمقراطي

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
TT

ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)

يستبعد العديد من المحللين ومراقبي المناظرات الرئاسية ونتائجها، أن تؤدي المناظرة الأولى التي أجريت بين المتنافسين الجمهوريين، قبل أيام، إلى تغييرات درامية في حلبة السباق الرئاسي، سواءً لدى الجمهوريين أو عند الديمقراطيين. دونالد ترمب، الذي «قاطع» المناظرة، كان الحاضر الأبرز، رغم محاولات منافسيه الموازنة بين انتقادهم له، ومهاجمة بعضهم البعض، وانتقاد إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن. فالمناظرة بالنسبة لهم وفرت أكبر جمهور لمواكبة السباق حتى الآن، وعدت الفرصة الأولى، ليس فقط للتأثير على الناخبين، بل جعل السباق الرئاسي منافسة حقيقية.

يبدو أن رهان كثيرين على حدوث اختراق في جدار الدعم الذي يحظى به الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لدى قاعدة مناصريه الجمهوريين، قد فشل. وهذا، بينما يواصل ترمب الحفاظ على تقدمه بعيداً من منافسيه في استطلاعات التفضيل لدى الناخبين الجمهوريين، رغم تعرّضه لـ91 تهمة جنائية متنوعة.

هذا الواقع دفع نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب السابق، وأحد المرشحين الجمهوريين السابقين، إلى وصف هذه اللحظة قائلاً: «ترمب كان لا يزال قادراً على تبديد جهود منافسيه، حتى من دون أن يبذل جهداً كبيراً للتنفس».

آن كولتر

ترمب يجهض استفادة خصومه

وبالفعل، سرعان ما وضع ترمب بصمته على «اللحظة»، بعدما ظهر في مقابلة مسجلة على الإنترنت، مع المضيف السابق في محطة «فوكس نيوز» (راعية المناظرة الرئاسية نفسها) تاكر كارلسون، وقام «بتسليم نفسه» أمام الكاميرات لسلطات مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا التي تتهمه بالتدخل في انتخابات الولاية، ما أدى عملياً إلى قطع الطريق على أي استفادة إعلامية محتملة لمنافسيه من المناظرة.

وفي حين يرى بعض المراقبين أن الاتهامات الجنائية التي تلاحق ترمب، وتبعاتها المتوقعة على السباق، تستحوذان على معظم النقاش الذي يبحث في الاختلافات القائمة بين المرشحين الجمهوريين، يرى آخرون أن القضايا الجوهرية التي تقسم الحزب الجمهوري، وتعكس الانزياح الحاصل في آيديولوجيته منذ أكثر من عقد، هي الغائب الأكبر عن تلك المناقشات.

غير أن التركيز على الاتهامات الجنائية، وسعي منافسي ترمب لبناء حيثية تقنع الناخبين الجمهوريين والأميركيين عموماً بضرورة البحث عن بديل له، لم ينجح في إخفاء انقسام الجمهوريين، الذين هدّد بعض مرشحيهم بخفة واضحة بالحرب الأهلية، بينما الخلاف يدور تقريباً على كل شيء.

هنا يقول العديد من الديمقراطيين، وكذلك بعض الاستراتيجيين الجمهوريين، من «حراس» القيم الجمهورية، إن الدافع وراء تحذيرات الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما للرئيس جو بايدن - في حال أصر على مواصلة ترشحه بسبب سنه - من «عناصر القوة السياسية» التي يتمتع بها ترمب، يعود إلى نجاح «الخطاب الشعبوي» لترمب في الصمود بوجه كل القضايا المرفوعة ضده. وهذا خطاب يتغذى من جمهور أميركي مأزوم، في مواجهة القضايا الجدية التي تواجه الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي على حدٍّ سواء.

خلافات «جمهورية»... على كل شيءالجمهوريون، راهناً، يختلفون فيما بينهم ومع الديمقراطيين، على قضايا عدة منها: الأمن على الحدود، والتضخم، و«تنظيف سياسات» واشنطن من الفساد، والحروب الثقافية، إلى الموقف من الصين، والحرب الأوكرانية. غير أن قضيتين تقسمان الجمهوريين أكثر من أي قضية أخرى هما: الإجهاض ودعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا.

كارل روف

حيال القضية الأولى، من نافلة القول إن الديمقراطيين عزّزوا انتصاراتهم الانتخابية منذ إلغاء المحكمة العليا هذا الحق، في حين يناضل الجمهوريون من أجل التوحّد حول موقف مركزي. أما بالنسبة لحرب أوكرانيا، فإنها كشفت عن صدع كبير بين «صقور» السياسة الخارجية والجناح «الانعزالي» المناهض للتدخل.

ومع أن غالبية المرشحين الجمهوريين، باستثناء فيفيك رامسوامي، الذي أعلن بشكل واضح رفضه لمواصلة دعم أوكرانيا - متناغماً مع موقف ترمب - وضبابية موقف حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، يتبنى ترمب في القضيتين موقفاً «مختلطاً» عده البعض سياسة مدروسة للنيل من صدقية «النظام السياسي الأميركي والقيَم الأميركية» التي كانت تعد فريدة من نوعها ونموذجاً يقتدى به.

واليوم مع سعي ترمب للعودة إلى البيت الأبيض، نراه يواصل الترويج لمزاعمه التي لم تثبتها المحاكم عن سرقة انتخابات 2020. ويدافع عن مرتكبي الهجوم العنيف الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، واعداً بأنه سيعفو عنهم باستثناء اثنين قال إنهما «خرجا عن السيطرة». ثم إنه يرفض الالتزام بنتائج انتخابات 2024، كما فعل في عامي 2016 و2020، متهماً الديمقراطيين بفعل الشيء نفسه في مناسبات عدة!

في المقابل، تفاوتت مواقف منافسيه من هذه القضايا خلال المناظرة الأولى، مظهرة كيف يكافح الجمهوريون من أجل الإجابة بوضوح على «الافتراضات الأساسية للديمقراطية».

ورغم إشادة غالبية المرشحين المتناظرين بالدور الدستوري الذي أداه مايك بنس، نائب ترمب، في تثبيت انتخاب بايدن عام 2021، فإنهم أعلنوا باستثناء كريس كريستي وآزا هتشينسون، عن جاهزيتهم لتأييد ترمب إذا ما ظفر بترشيح الحزب، حتى ولو أدين بالجرائم المتّهم بها.

صحيفة «واشنطن بوست»، كانت وجهت، في تحقيق لها، 3 أسئلة لـ15 مرشحاً رئاسياً عمّا إذا كانوا يعترفون بفوز الرئيس جو بايدن بانتخابات 2020؟ وهل سيعترفون بفوز الناجح في انتخابات 2024؟ وهل يفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين بمهاجمة مبنى الكابيتول «رمز الديمقراطية الأميركية»؟

قدم كثيرون منهم ردوداً مشوشة، أو غيّروا مواقفهم أو تهرّبوا من الإجابة عن الأسئلة المباشرة. فقد قال 3 مرشحين جمهوريين إنهم لا يعترفون بفوز بايدن بشكل شرعي في انتخابات 2020، مع أن معظم المرشحين يفعلون ذلك، حتى مع استمرار البعض في تقديم ادعاءات لا أساس لها حول مشاكل التصويت.

هذا ما كرّره، مثلاً، حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، صاحب المركز الثاني في استطلاعات التفضيل، الذي - ورغم تغيير لهجته في مواجهة ترمب، قائلاً إنه خسر «بالطبع» تلك الانتخابات - انتقد أيضاً «إدارة» الانتخابات، بقوله: «لم تجر بالطريقة التي أعتقد أننا نريدها». من جهة أخرى، التزم 9 فقط مسبقاً بقبول نتائج انتخابات 2024، وقال 6 مرشحين جمهوريين إنهم «سيفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين باقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021».

رسالة ترمب؟

هيئة التحرير في صحيفة «وول ستريت جورنال» - الداعمة لسياسات الحزب الجمهوري - كتبت في مقالة لها: «واضح أن ترمب يعتقد أن ترشيحه قد حسم. وإذا حكمنا من خلال استطلاعات الرأي الحالية، فإن لديه سبباً للاعتقاد بذلك. لكن ما الرسالة التي يرسلها حول الولاء الذي يعتقد أن ناخبي الحزب الجمهوري مدينون له به؟ هذا يعني أن الحزب القديم الكبير سيرشح، للمرة الثالثة، رجلاً اتهم رسمياً أربع مرات في 91 تهمة جناية».

وأضافت المقالة: «كثيراً ما يقول الناخبون الجمهوريون إنهم يحبون ترمب لأنه مقاتل. ولكن من أجل مَن يقاتل؟ أَمِن أجلهم أم من أجل نفسه؟ وإذا كان ناخبو الحزب الجمهوري يريدون تحدّي الديمقراطيين بسبب ملاحقاتهم القضائية «الحزبية»، فإنهم يفعلون بالضبط ما يريده الديمقراطيون ووسائل الإعلام!... (أي) ترشيح الرجل الذي أظهر خلال الانتخابات الوطنية الثلاثة الأخيرة أنه أعظم آلة جذب لناخبي الحزب الديمقراطي منذ الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت. وفي حين لا يزال هناك 5 أشهر قبل الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا والانتخابات التمهيدية في ولاية نيوهامبشاير، ربما كان افتراض ترمب خاطئاً».

تقدّم مريح... ولكن

حتى الآن، لا تزال استطلاعات الرأي الوطنية تمنح ترمب تقدّماً مريحاً على منافسيه. غير أن تحديد الترشيحات لا يأتي من تلك الاستطلاعات، بل من خلال المؤتمرات الحزبية والانتخابات التمهيدية في الولايات، حيث تمارس الولايات المبكرة التصويت بسبب قوانينها الخاصة، نفوذاً غير متناسب، وتأثيراً نفسياً ضاغطاً على باقي الولايات.

رغم هذا، يرى الاستراتيجي الجمهوري كارل روف، أن «غالبية الجمهوريين في الولايات المبكرة التصويت لا يؤيدون ترمب». ويشير إلى استطلاع أجري يوم 17 أغسطس (آب) في ولاية أيوا، أظهر أن ترمب هو الخيار الأول من بين 42 في المائة، من المشاركين في التجمع الحزبي للحزب الجمهوري في الولاية. وهو تقدم كبير، لكنه لا يزال أقل بنحو 14 نقطة عن مكانته الوطنية. وأظهر استطلاع آخر في المدة نفسها، أن ترمب حصل على تأييد 33 في المائة، بينما حصل على المستوى الوطني على 57 في المائة. وفي كلا الاستطلاعين لا يعتبر غالبية الجمهوريين في أيوا أن الرئيس السابق هو المفضل لديهم. أما في لاية نيو هامبشير، فحصل ترمب على نسبة 34 في المائة، أي أقل بنحو 22 نقطة من مكانته الوطنية، وأعلن 66 في المائة أنهم مترددون في اختياره. ومع أن معارضي الرئيس السابق ما زالوا ضعفاء يجب أن تثير الفجوة بين مكانته الوطنية وهذه الأرقام المبكرة قلق مديري حملته.

هنا يلفت روف إلى أنه «من المهم أيضاً ملاحظة عدد المستقلين والجمهوريين المنفتحين على فكرة أن ترمب ارتكب جرماً»؛ إذ أظهر استطلاع لوكالة «أسوشييتد برس/ نورك» في 16 أغسطس، أن 45 في المائة من المستقلين يرون أنه فعل شيئاً غير قانوني بالوثائق السرية، و41 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني في جورجيا فيما يتعلق بانتخابات 2020، و33 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني يتعلق بهجوم 6 يناير على الكابيتول.

ولذا، يحذّر روف من أنه «حتى لو كان الناخبون مترددين حقاً، فمن غير المرجح أن تؤدي المحاكمات إلى تحسين رأيهم به. بل من المحتمل أن ينمو عدد المستقلين والجمهوريين المتشككين بينما يمضي ترمب أيامه في المحكمة بدلاً من الحملات الانتخابية، وهذا الأمر يجب أن يقلق أي جمهوري يريد فوز الحزب في انتخابات 2024».

ثم يضيف روف أن الرئيس السابق: «لا يستطيع تحمل خسارة أي ناخب من الحزب الجمهوري أو من المستقلين العام المقبل. وهو رغم حصوله عام 2020 على تأييد 94 في المائة من الجمهوريين و41 في المائة من المستقلين، فإنه تخلف في نهاية المطاف في التصويت الشعبي عن بايدن بفارق أكثر من 7 ملايين صوت. ويشير الاستطلاع نفسه إلى أنه قد يخسر أكثر من 6 في المائة من الجمهوريين في عام 2024، وسيكون أداؤه أسوأ بكثير مع المستقلين».

وينهي روف قائلاً: «إذا كان هو المرشح، ظل الجمهوريون والمستقلون مشتتين فإنه سيغرق، وكذلك الحزب الجمهوري، الذي لا يحتاج إلى أن يكون كذلك».

الجمهوريون على المحكمن ناحية أخرى، يرى استراتيجيون جمهوريون أن مواقف ترمب تضع مصير الحزب الجمهوري على المحك. فهو لا يقدم للحزب سوى خيار الانشقاق، في الوقت الذي لا يملك فيه إجابات سياسية وآيديولوجية عن القضايا الخلافية والإشكالية. ومع إحجام كبار المانحين الجمهوريين عن دعمه، يبدو أن الخلاف معه يتجاوز الموقف من الاتهامات الجنائية واحتمال إدانته.

ستيوارت ستيفنز، المستشار السياسي الجمهوري السابق، يقول: «بينما ينظر المانحون الجمهوريون إلى نموذج يحتذى للنجاح الجمهوري كحاكم ولاية كبيرة، كما حصل مع فوز الرئيسين السابقين رونالد ريغان وجورج بوش الابن والمرشح ميت رومني، الذين قدموا خطاباً سياسياً يعكس قيَم الولايات المتحدة ومصالحها في مواجهة منافسيها الأقوياء، لا يوجد في القائمة الراهنة مثل هؤلاء». ويضيف ستيفنز: «ترمب هو ما يريد الحزب الجمهوري أن يكون عليه. إنه مرشح التظلّم الأبيض في حزب، أكثر من 80 في المائة من أعضائه هم من البيض، واحتضن دور الضحية». ويستطرد: «كريس كريستي وآزا هتشينسون هما البديلان، لكن لا توجد سوق رابحة لرسالة مناهضة لترمب». بالمقابل، يصف ستيفنز المرشح رون ديسانتيس بأنه «رجل صغير غاضب لا يستطيع توضيح سبب رغبته في أن يصبح رئيساً... دخل في معركة مع شركة (السعادة) ديزني وخسر... وأنشأ قوة شرطة خاصة بتكلفة تزيد على مليون دولار لملاحقة تزوير الناخبين في ولايته، التي ادعى بالمناسبة أنها كانت انتخابات مثالية، ليسفر ذلك عن اعتقال 20 شخصاً، أدين منهم شخص واحد فقط».

أما الكاتبة الجمهورية اليمينية آن كولتر، فترى أن ترمب «بالكاد يستطيع التكلم باللغة الإنجليزية، والسبب الوحيد الذي أدى إلى صعوده في عام 2016 هو قضايا الهجرة والجدار، وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وحظر السفر (الذي فرض قيوداً على السفر من العديد من البلدان ذات الغالبية المسلمة). اليوم ديسانتيس هو الذي يرفع تلك القضايا هذه المرة، لكن دون الاهتمام التام بتنفيذ تلك الوعود».

وبالفعل، حاول ديسانتيس التركيز على هذه القضايا في المناظرة، يوم الأربعاء، لكنه بدا فاقداً للبوصلة، لا سيما بعدما صدمه إحجام منافسيه عن مهاجمته كما كان يتوقع، باعتبار أنه الأوفر حظاً بعد ترمب في تفضيلات الناخبين، فتراجعت أرقامه أكثر فأكثر بعد انتهاء المناظرة.

ترمب ... يواصل حملته

قصور عند الجمهوريين في فهم السياسة الخارجية

> في حين كشفت مناظرة المرشحين الرئاسيين الجمهوريين عن انقسامهم في كيفية قراءة وفهم دور الولايات المتحدة وموقعها في السياسات الخارجية، تساءل البعض عن هذا التخبط، وعمّا إذا كان مناسباً في المواجهة التي تخوضها مع منافسيها الأقوياء. وفي هذا السياق ساقوا أمثلة محاولات المنافسين الكبار فرض تغييرات في توازن القوى مع الولايات المتحدة ولو بالقوة، كما فعلت به روسيا من خلال غزوها لأوكرانيا، وتهديدات الصين ضد تايوان.

ويرى هؤلاء أن الرد على هذه التحديات لا يكون عبر التراجع عن التحالفات وممارسة سياسة الانعزال، كما روّج لذلك على الأقل المرشح فيفيك رامسوامي خلال المناظرة، «لحماية أمن الحدود التي يجتاحها المهاجرون».

هنا يقول جون ألترمان، نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إنّ «التحالفات والشراكات وتعزيز مركزيتها في سياساتنا، كما يفعل الرئيس بايدن، وهو محق في ذلك، يمكن أن يعزز إيمان البلدان الأخرى بتوجّهات الولايات المتحدة».

ويشدّد ألترمان على أنّ «التحدّي يكمن في أنّ جميع شركائنا يتذكّرون الإدارة السابقة، وينظرون إلى أرقام الاستطلاعات، ولا ثقة لديهم إطلاقاً حيال ما سيكون الوضع عليه في الولايات المتحدة في غضون سنتين أو 5 سنوات أو 10 سنوات». غنيٌّ عن التذكير أن الرئيس السابق دونالد ترمب كان قد شكك دائماً في أهمية التحالفات، مشدداً على أن دولاً مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، لا تدفع ما يكفي مقابل وجود القوات الأميركية على أراضيها. كذلك سخر بشكل متكرّر من التزامات حلف شمال الأطلسي (ناتو) المرتبطة بالدفاع المتبادل بين الحلفاء.

وفيما بات من الشائع الاستماع إلى آراء بعض الجمهوريين الذين يفضلون هزيمة بلادهم أمام روسيا، في موقف سريالي شعبوي غير مسبوق، قال كل من نيكي هايلي وكريس كريستي ومرشحين آخرين خلال المناظرة الجمهورية، إن التصريحات التي أشادت بـ«عبقرية» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واعتبار البعض غزوه لأوكرانيا، قضية إقليمية، أدت إلى تراجع الدعم للمساعدات العسكرية لكييف، وأظهرت في الوقت نفسه، قلة تقدير هؤلاء الجمهوريين وفهمهم للسياسات الاستراتيجية للولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

تقرير: واشنطن قد تسحب الجنسية من مئات الأميركيين المولودين في الخارج

الولايات المتحدة​ شعار وزارة ​العدل الأميركية (أ.ب)

تقرير: واشنطن قد تسحب الجنسية من مئات الأميركيين المولودين في الخارج

ذكرت شبكة «‌إن بي سي نيوز»، ‌اليوم ​الجمعة، ‌أن وزارة ​العدل الأميركية تستهدف ما لا ‌يقل ‌عن 300 ​أميركي ‌مولودين في ‌الخارج، ‌وقد تسحب منهم الجنسية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)

المتحدثة باسم البيت الأبيض تعلن بدء إجازة أمومة

أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أنها ستبدأ إجازة أمومة استعداداً لولادة طفلها الثاني، لكنها لم تُعلن عن الشخص الذي سيحل مكانها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج أمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس الأميركي دونالد ترمب (قنا)

تميم بن حمد وترمب يناقشان تداعيات أوضاع المنطقة

استعرض الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، آخر تطورات الأوضاع الإقليمية، وتداعياتها على أمن الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الولايات المتحدة​  الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)

ترمب: إيران ستقدم عرضا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية

قال الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب، ‌لوكالة «رويترز»، اليوم ​الجمعة، إن إيران تعتزم تقديم عرض ‌يهدف ‌إلى ​تلبية ‌المطالب ‌الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تعلن فرض عقوبات على محافظ عملات مشفرة مرتبطة بإيران

قال وزير الخزانة الأميركي ‌سكوت بيسنت إن الوزارة ستفرض ‌عقوبات ‌على ​عدد ‌من المحافظ المرتبطة ‌بإيران؛ ما ‌سيؤدي إلى تجميد عملات مشفرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.