ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

تمسُّك مناصريه بتأييده رغم الاتهامات الجنائية قد يخدم منافسه الديمقراطي

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
TT

ترمب يحتفظ بقدرته على تبديد منافسيه... لكن خلافاته مع الجمهوريين تهدد بتقسيم الحزب

من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)
من مناظرة المرشحين الرئاسيين الثماني الجمهوريين، الأربعاء الماضي، في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن دونالد بغياب ترمب (رويترز)

يستبعد العديد من المحللين ومراقبي المناظرات الرئاسية ونتائجها، أن تؤدي المناظرة الأولى التي أجريت بين المتنافسين الجمهوريين، قبل أيام، إلى تغييرات درامية في حلبة السباق الرئاسي، سواءً لدى الجمهوريين أو عند الديمقراطيين. دونالد ترمب، الذي «قاطع» المناظرة، كان الحاضر الأبرز، رغم محاولات منافسيه الموازنة بين انتقادهم له، ومهاجمة بعضهم البعض، وانتقاد إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن. فالمناظرة بالنسبة لهم وفرت أكبر جمهور لمواكبة السباق حتى الآن، وعدت الفرصة الأولى، ليس فقط للتأثير على الناخبين، بل جعل السباق الرئاسي منافسة حقيقية.

يبدو أن رهان كثيرين على حدوث اختراق في جدار الدعم الذي يحظى به الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لدى قاعدة مناصريه الجمهوريين، قد فشل. وهذا، بينما يواصل ترمب الحفاظ على تقدمه بعيداً من منافسيه في استطلاعات التفضيل لدى الناخبين الجمهوريين، رغم تعرّضه لـ91 تهمة جنائية متنوعة.

هذا الواقع دفع نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب السابق، وأحد المرشحين الجمهوريين السابقين، إلى وصف هذه اللحظة قائلاً: «ترمب كان لا يزال قادراً على تبديد جهود منافسيه، حتى من دون أن يبذل جهداً كبيراً للتنفس».

آن كولتر

ترمب يجهض استفادة خصومه

وبالفعل، سرعان ما وضع ترمب بصمته على «اللحظة»، بعدما ظهر في مقابلة مسجلة على الإنترنت، مع المضيف السابق في محطة «فوكس نيوز» (راعية المناظرة الرئاسية نفسها) تاكر كارلسون، وقام «بتسليم نفسه» أمام الكاميرات لسلطات مدينة أتلانتا في ولاية جورجيا التي تتهمه بالتدخل في انتخابات الولاية، ما أدى عملياً إلى قطع الطريق على أي استفادة إعلامية محتملة لمنافسيه من المناظرة.

وفي حين يرى بعض المراقبين أن الاتهامات الجنائية التي تلاحق ترمب، وتبعاتها المتوقعة على السباق، تستحوذان على معظم النقاش الذي يبحث في الاختلافات القائمة بين المرشحين الجمهوريين، يرى آخرون أن القضايا الجوهرية التي تقسم الحزب الجمهوري، وتعكس الانزياح الحاصل في آيديولوجيته منذ أكثر من عقد، هي الغائب الأكبر عن تلك المناقشات.

غير أن التركيز على الاتهامات الجنائية، وسعي منافسي ترمب لبناء حيثية تقنع الناخبين الجمهوريين والأميركيين عموماً بضرورة البحث عن بديل له، لم ينجح في إخفاء انقسام الجمهوريين، الذين هدّد بعض مرشحيهم بخفة واضحة بالحرب الأهلية، بينما الخلاف يدور تقريباً على كل شيء.

هنا يقول العديد من الديمقراطيين، وكذلك بعض الاستراتيجيين الجمهوريين، من «حراس» القيم الجمهورية، إن الدافع وراء تحذيرات الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما للرئيس جو بايدن - في حال أصر على مواصلة ترشحه بسبب سنه - من «عناصر القوة السياسية» التي يتمتع بها ترمب، يعود إلى نجاح «الخطاب الشعبوي» لترمب في الصمود بوجه كل القضايا المرفوعة ضده. وهذا خطاب يتغذى من جمهور أميركي مأزوم، في مواجهة القضايا الجدية التي تواجه الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي على حدٍّ سواء.

خلافات «جمهورية»... على كل شيءالجمهوريون، راهناً، يختلفون فيما بينهم ومع الديمقراطيين، على قضايا عدة منها: الأمن على الحدود، والتضخم، و«تنظيف سياسات» واشنطن من الفساد، والحروب الثقافية، إلى الموقف من الصين، والحرب الأوكرانية. غير أن قضيتين تقسمان الجمهوريين أكثر من أي قضية أخرى هما: الإجهاض ودعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا.

كارل روف

حيال القضية الأولى، من نافلة القول إن الديمقراطيين عزّزوا انتصاراتهم الانتخابية منذ إلغاء المحكمة العليا هذا الحق، في حين يناضل الجمهوريون من أجل التوحّد حول موقف مركزي. أما بالنسبة لحرب أوكرانيا، فإنها كشفت عن صدع كبير بين «صقور» السياسة الخارجية والجناح «الانعزالي» المناهض للتدخل.

ومع أن غالبية المرشحين الجمهوريين، باستثناء فيفيك رامسوامي، الذي أعلن بشكل واضح رفضه لمواصلة دعم أوكرانيا - متناغماً مع موقف ترمب - وضبابية موقف حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، يتبنى ترمب في القضيتين موقفاً «مختلطاً» عده البعض سياسة مدروسة للنيل من صدقية «النظام السياسي الأميركي والقيَم الأميركية» التي كانت تعد فريدة من نوعها ونموذجاً يقتدى به.

واليوم مع سعي ترمب للعودة إلى البيت الأبيض، نراه يواصل الترويج لمزاعمه التي لم تثبتها المحاكم عن سرقة انتخابات 2020. ويدافع عن مرتكبي الهجوم العنيف الذين اقتحموا مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، واعداً بأنه سيعفو عنهم باستثناء اثنين قال إنهما «خرجا عن السيطرة». ثم إنه يرفض الالتزام بنتائج انتخابات 2024، كما فعل في عامي 2016 و2020، متهماً الديمقراطيين بفعل الشيء نفسه في مناسبات عدة!

في المقابل، تفاوتت مواقف منافسيه من هذه القضايا خلال المناظرة الأولى، مظهرة كيف يكافح الجمهوريون من أجل الإجابة بوضوح على «الافتراضات الأساسية للديمقراطية».

ورغم إشادة غالبية المرشحين المتناظرين بالدور الدستوري الذي أداه مايك بنس، نائب ترمب، في تثبيت انتخاب بايدن عام 2021، فإنهم أعلنوا باستثناء كريس كريستي وآزا هتشينسون، عن جاهزيتهم لتأييد ترمب إذا ما ظفر بترشيح الحزب، حتى ولو أدين بالجرائم المتّهم بها.

صحيفة «واشنطن بوست»، كانت وجهت، في تحقيق لها، 3 أسئلة لـ15 مرشحاً رئاسياً عمّا إذا كانوا يعترفون بفوز الرئيس جو بايدن بانتخابات 2020؟ وهل سيعترفون بفوز الناجح في انتخابات 2024؟ وهل يفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين بمهاجمة مبنى الكابيتول «رمز الديمقراطية الأميركية»؟

قدم كثيرون منهم ردوداً مشوشة، أو غيّروا مواقفهم أو تهرّبوا من الإجابة عن الأسئلة المباشرة. فقد قال 3 مرشحين جمهوريين إنهم لا يعترفون بفوز بايدن بشكل شرعي في انتخابات 2020، مع أن معظم المرشحين يفعلون ذلك، حتى مع استمرار البعض في تقديم ادعاءات لا أساس لها حول مشاكل التصويت.

هذا ما كرّره، مثلاً، حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، صاحب المركز الثاني في استطلاعات التفضيل، الذي - ورغم تغيير لهجته في مواجهة ترمب، قائلاً إنه خسر «بالطبع» تلك الانتخابات - انتقد أيضاً «إدارة» الانتخابات، بقوله: «لم تجر بالطريقة التي أعتقد أننا نريدها». من جهة أخرى، التزم 9 فقط مسبقاً بقبول نتائج انتخابات 2024، وقال 6 مرشحين جمهوريين إنهم «سيفكّرون في العفو عن الأشخاص المتهمين باقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021».

رسالة ترمب؟

هيئة التحرير في صحيفة «وول ستريت جورنال» - الداعمة لسياسات الحزب الجمهوري - كتبت في مقالة لها: «واضح أن ترمب يعتقد أن ترشيحه قد حسم. وإذا حكمنا من خلال استطلاعات الرأي الحالية، فإن لديه سبباً للاعتقاد بذلك. لكن ما الرسالة التي يرسلها حول الولاء الذي يعتقد أن ناخبي الحزب الجمهوري مدينون له به؟ هذا يعني أن الحزب القديم الكبير سيرشح، للمرة الثالثة، رجلاً اتهم رسمياً أربع مرات في 91 تهمة جناية».

وأضافت المقالة: «كثيراً ما يقول الناخبون الجمهوريون إنهم يحبون ترمب لأنه مقاتل. ولكن من أجل مَن يقاتل؟ أَمِن أجلهم أم من أجل نفسه؟ وإذا كان ناخبو الحزب الجمهوري يريدون تحدّي الديمقراطيين بسبب ملاحقاتهم القضائية «الحزبية»، فإنهم يفعلون بالضبط ما يريده الديمقراطيون ووسائل الإعلام!... (أي) ترشيح الرجل الذي أظهر خلال الانتخابات الوطنية الثلاثة الأخيرة أنه أعظم آلة جذب لناخبي الحزب الديمقراطي منذ الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت. وفي حين لا يزال هناك 5 أشهر قبل الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا والانتخابات التمهيدية في ولاية نيوهامبشاير، ربما كان افتراض ترمب خاطئاً».

تقدّم مريح... ولكن

حتى الآن، لا تزال استطلاعات الرأي الوطنية تمنح ترمب تقدّماً مريحاً على منافسيه. غير أن تحديد الترشيحات لا يأتي من تلك الاستطلاعات، بل من خلال المؤتمرات الحزبية والانتخابات التمهيدية في الولايات، حيث تمارس الولايات المبكرة التصويت بسبب قوانينها الخاصة، نفوذاً غير متناسب، وتأثيراً نفسياً ضاغطاً على باقي الولايات.

رغم هذا، يرى الاستراتيجي الجمهوري كارل روف، أن «غالبية الجمهوريين في الولايات المبكرة التصويت لا يؤيدون ترمب». ويشير إلى استطلاع أجري يوم 17 أغسطس (آب) في ولاية أيوا، أظهر أن ترمب هو الخيار الأول من بين 42 في المائة، من المشاركين في التجمع الحزبي للحزب الجمهوري في الولاية. وهو تقدم كبير، لكنه لا يزال أقل بنحو 14 نقطة عن مكانته الوطنية. وأظهر استطلاع آخر في المدة نفسها، أن ترمب حصل على تأييد 33 في المائة، بينما حصل على المستوى الوطني على 57 في المائة. وفي كلا الاستطلاعين لا يعتبر غالبية الجمهوريين في أيوا أن الرئيس السابق هو المفضل لديهم. أما في لاية نيو هامبشير، فحصل ترمب على نسبة 34 في المائة، أي أقل بنحو 22 نقطة من مكانته الوطنية، وأعلن 66 في المائة أنهم مترددون في اختياره. ومع أن معارضي الرئيس السابق ما زالوا ضعفاء يجب أن تثير الفجوة بين مكانته الوطنية وهذه الأرقام المبكرة قلق مديري حملته.

هنا يلفت روف إلى أنه «من المهم أيضاً ملاحظة عدد المستقلين والجمهوريين المنفتحين على فكرة أن ترمب ارتكب جرماً»؛ إذ أظهر استطلاع لوكالة «أسوشييتد برس/ نورك» في 16 أغسطس، أن 45 في المائة من المستقلين يرون أنه فعل شيئاً غير قانوني بالوثائق السرية، و41 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني في جورجيا فيما يتعلق بانتخابات 2020، و33 في المائة أنه فعل شيئاً غير قانوني يتعلق بهجوم 6 يناير على الكابيتول.

ولذا، يحذّر روف من أنه «حتى لو كان الناخبون مترددين حقاً، فمن غير المرجح أن تؤدي المحاكمات إلى تحسين رأيهم به. بل من المحتمل أن ينمو عدد المستقلين والجمهوريين المتشككين بينما يمضي ترمب أيامه في المحكمة بدلاً من الحملات الانتخابية، وهذا الأمر يجب أن يقلق أي جمهوري يريد فوز الحزب في انتخابات 2024».

ثم يضيف روف أن الرئيس السابق: «لا يستطيع تحمل خسارة أي ناخب من الحزب الجمهوري أو من المستقلين العام المقبل. وهو رغم حصوله عام 2020 على تأييد 94 في المائة من الجمهوريين و41 في المائة من المستقلين، فإنه تخلف في نهاية المطاف في التصويت الشعبي عن بايدن بفارق أكثر من 7 ملايين صوت. ويشير الاستطلاع نفسه إلى أنه قد يخسر أكثر من 6 في المائة من الجمهوريين في عام 2024، وسيكون أداؤه أسوأ بكثير مع المستقلين».

وينهي روف قائلاً: «إذا كان هو المرشح، ظل الجمهوريون والمستقلون مشتتين فإنه سيغرق، وكذلك الحزب الجمهوري، الذي لا يحتاج إلى أن يكون كذلك».

الجمهوريون على المحكمن ناحية أخرى، يرى استراتيجيون جمهوريون أن مواقف ترمب تضع مصير الحزب الجمهوري على المحك. فهو لا يقدم للحزب سوى خيار الانشقاق، في الوقت الذي لا يملك فيه إجابات سياسية وآيديولوجية عن القضايا الخلافية والإشكالية. ومع إحجام كبار المانحين الجمهوريين عن دعمه، يبدو أن الخلاف معه يتجاوز الموقف من الاتهامات الجنائية واحتمال إدانته.

ستيوارت ستيفنز، المستشار السياسي الجمهوري السابق، يقول: «بينما ينظر المانحون الجمهوريون إلى نموذج يحتذى للنجاح الجمهوري كحاكم ولاية كبيرة، كما حصل مع فوز الرئيسين السابقين رونالد ريغان وجورج بوش الابن والمرشح ميت رومني، الذين قدموا خطاباً سياسياً يعكس قيَم الولايات المتحدة ومصالحها في مواجهة منافسيها الأقوياء، لا يوجد في القائمة الراهنة مثل هؤلاء». ويضيف ستيفنز: «ترمب هو ما يريد الحزب الجمهوري أن يكون عليه. إنه مرشح التظلّم الأبيض في حزب، أكثر من 80 في المائة من أعضائه هم من البيض، واحتضن دور الضحية». ويستطرد: «كريس كريستي وآزا هتشينسون هما البديلان، لكن لا توجد سوق رابحة لرسالة مناهضة لترمب». بالمقابل، يصف ستيفنز المرشح رون ديسانتيس بأنه «رجل صغير غاضب لا يستطيع توضيح سبب رغبته في أن يصبح رئيساً... دخل في معركة مع شركة (السعادة) ديزني وخسر... وأنشأ قوة شرطة خاصة بتكلفة تزيد على مليون دولار لملاحقة تزوير الناخبين في ولايته، التي ادعى بالمناسبة أنها كانت انتخابات مثالية، ليسفر ذلك عن اعتقال 20 شخصاً، أدين منهم شخص واحد فقط».

أما الكاتبة الجمهورية اليمينية آن كولتر، فترى أن ترمب «بالكاد يستطيع التكلم باللغة الإنجليزية، والسبب الوحيد الذي أدى إلى صعوده في عام 2016 هو قضايا الهجرة والجدار، وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وحظر السفر (الذي فرض قيوداً على السفر من العديد من البلدان ذات الغالبية المسلمة). اليوم ديسانتيس هو الذي يرفع تلك القضايا هذه المرة، لكن دون الاهتمام التام بتنفيذ تلك الوعود».

وبالفعل، حاول ديسانتيس التركيز على هذه القضايا في المناظرة، يوم الأربعاء، لكنه بدا فاقداً للبوصلة، لا سيما بعدما صدمه إحجام منافسيه عن مهاجمته كما كان يتوقع، باعتبار أنه الأوفر حظاً بعد ترمب في تفضيلات الناخبين، فتراجعت أرقامه أكثر فأكثر بعد انتهاء المناظرة.

ترمب ... يواصل حملته

قصور عند الجمهوريين في فهم السياسة الخارجية

> في حين كشفت مناظرة المرشحين الرئاسيين الجمهوريين عن انقسامهم في كيفية قراءة وفهم دور الولايات المتحدة وموقعها في السياسات الخارجية، تساءل البعض عن هذا التخبط، وعمّا إذا كان مناسباً في المواجهة التي تخوضها مع منافسيها الأقوياء. وفي هذا السياق ساقوا أمثلة محاولات المنافسين الكبار فرض تغييرات في توازن القوى مع الولايات المتحدة ولو بالقوة، كما فعلت به روسيا من خلال غزوها لأوكرانيا، وتهديدات الصين ضد تايوان.

ويرى هؤلاء أن الرد على هذه التحديات لا يكون عبر التراجع عن التحالفات وممارسة سياسة الانعزال، كما روّج لذلك على الأقل المرشح فيفيك رامسوامي خلال المناظرة، «لحماية أمن الحدود التي يجتاحها المهاجرون».

هنا يقول جون ألترمان، نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إنّ «التحالفات والشراكات وتعزيز مركزيتها في سياساتنا، كما يفعل الرئيس بايدن، وهو محق في ذلك، يمكن أن يعزز إيمان البلدان الأخرى بتوجّهات الولايات المتحدة».

ويشدّد ألترمان على أنّ «التحدّي يكمن في أنّ جميع شركائنا يتذكّرون الإدارة السابقة، وينظرون إلى أرقام الاستطلاعات، ولا ثقة لديهم إطلاقاً حيال ما سيكون الوضع عليه في الولايات المتحدة في غضون سنتين أو 5 سنوات أو 10 سنوات». غنيٌّ عن التذكير أن الرئيس السابق دونالد ترمب كان قد شكك دائماً في أهمية التحالفات، مشدداً على أن دولاً مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، لا تدفع ما يكفي مقابل وجود القوات الأميركية على أراضيها. كذلك سخر بشكل متكرّر من التزامات حلف شمال الأطلسي (ناتو) المرتبطة بالدفاع المتبادل بين الحلفاء.

وفيما بات من الشائع الاستماع إلى آراء بعض الجمهوريين الذين يفضلون هزيمة بلادهم أمام روسيا، في موقف سريالي شعبوي غير مسبوق، قال كل من نيكي هايلي وكريس كريستي ومرشحين آخرين خلال المناظرة الجمهورية، إن التصريحات التي أشادت بـ«عبقرية» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واعتبار البعض غزوه لأوكرانيا، قضية إقليمية، أدت إلى تراجع الدعم للمساعدات العسكرية لكييف، وأظهرت في الوقت نفسه، قلة تقدير هؤلاء الجمهوريين وفهمهم للسياسات الاستراتيجية للولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

تحليل إخباري زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)

وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان يبحثون جهود استئناف مفاوضات حرب إيران

نفى نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده تحديد موعد لعقد جولة جديدة للمفاوضات مع أميركا، مؤكداً أن بلاده لا تسعى لوقف مؤقت لإطلاق النار بل لإنهاء الحرب.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ المدرّبة كلارا إليوت تعطي تعليماتها (أ.ف.ب)

أميركيون يساريو الميول يُقبلون على شراء الأسلحة في عهد ترمب

يصوّر أنصار حق حمل السلاح، الذين يميلون عموماً إلى اليمين، القضية على أنها مسألة حرية شخصية، إذ يكفل الدستور الأميركي حق حمل السلاح.

«الشرق الأوسط» (ريتشموند )
الولايات المتحدة​ وجبة متواضعة تم تصويرها على متن يو إس إس طرابلس (صحيفة «يو إس إيه توداي»)

صور «وجبات هزيلة» لبحارة أميركيين تثير جدلاً… و«البحرية» ترد

نفت البحرية الأميركية تقريراً يفيد بنقص الغذاء على متن سفن حربية متواجدة في الشرق الأوسط، وأن البحارة يتناولون «طعاماً رديئاً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهر حركةَ السفن في مضيق هرمز يوم 17 أبريل من الفضاء (رويترز)

إيران تعلن فتح «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وواشنطن ترحّب

أعلن كلٌ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الجمعة، أنَّ مضيق هرمز قد صار مفتوحاً بشكل كامل أمام السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.