أفرقاء ليبيا لـ«تبريد الأزمة»... وباتيلي يفتش في أوراقه

عام آخر يوشك على الرحيل من دون انتخابات

عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
TT

أفرقاء ليبيا لـ«تبريد الأزمة»... وباتيلي يفتش في أوراقه

عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)

دخلت الأزمة الليبية إلى مساحة جديدة في العلاقة بين البعثة الأممية وبعض الأفرقاء السياسيين بالبلاد. ولم تخل هذه المساحة من استخدام «لغة خشنة» واتهامات متبادلة بـ«الفشل» في إيجاد حل لقضيتهم المستعصية، بينما تتهيأ العاصمة الفرنسية باريس لاحتضان اجتماع جديد للأفرقاء الليبيين. فمع قرب الدخول في الثلث الأخير من العام الحالي - الذي ضربت فيه البعثة موعداً لعقد الانتخابات العامة - بدت الأوضاع متجهة إلى مزيد من التعقيد والانتظار، لما قد يتوافق عليه «مجلس النواب» و«مجلس الدولة» من قوانين لازمة للاستحقاق، مع إصرارهما على «الاستئثار بالحل»، بعيداً عن «اشتراطات» البعثة، وفق رؤية متابعين.

السفير إبراهيم موسى قرادة كبير المستشارين سابقاً في الأمم المتحدة

مع الخضة الأمنية التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس، أخيراً، انتقلت التشنجات بين البعثة الأممية والقوى السياسية في ليبيا من الكواليس إلى العلن. وهذا عبّر عنه عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، في تصريحات صحافية عدة، قال فيها إن «(المبعوث الأممي عبد الله) باتيلي ليس حاكماً في بلادنا حتى يستطيع التغيير أو التعيين، ولا يحق له الحديث أو تشكيل لجنة توجيهية للحوار الليبي».

ولمزيد من التأكيد على حق مجلسه في إدارة الأزمة وإصدار القوانين المطلوبة للانتخابات، رأى صالح أن «المجتمع الدولي مقتنع بمسار (النواب) في المرحلة المقبلة، قبل أن يواصل انتقاده للبعثة، وما رآه «تدخلاً منها في الشؤون الداخلية لبلاده، وتجاوزها اختصاصاتها».

ومن جهة ثانية، يتخوف ساسة ليبيون التقتهم «الشرق الأوسط» مما وصفوه بمحاولات «تبريد الأزمة» و«إضاعة فرصة ثانية» لإجراء الانتخابات مع قرب انقضاء هذا العام. واتهم الساسة «القائمين على الأجسام السياسية بتثبيت الأوضاع لأهداف شخصية».

ووسط خلافات حول «حكومة جديدة»، مع تمسك مجلسي النواب و«الدولة» بضرورة تشكيل «حكومة جديدة» خلفاً لحكومتي «الوحدة» و«الاستقرار» وفقاً لـ«خارطة الطريق» التي أعلن عنها الأول، لاحت بوادر صدام مع البعثة التي سارعت بانتقاد الأمر؛ إذ ذكرت البعثة أنها «أخذت علماً بموافقة مجلس النواب على خارطة طريق، وإعلانه عن فتح باب الترشيحات لحكومة جديدة»، محذرة من أي مبادرات أحادية الجانب لمعالجة الانسداد السياسي في ليبيا.

ردود فعل غاضبة

موقف البعثة الأممية، الرافض لتشكيل حكومة جديدة، أثار ردود فعل غاضبة من المجلسين؛ إذ نفى المتحدث باسم «النواب» عبد الله بليحق ما ورد في بيان البعثة حول اعتماد مجلسه لـ«خارطة طريق» المسار التنفيذي، و«الادعاء بأنه فتح باب الترشح لرئاسة الحكومة الجديدة». وصعّد في مواجهة البعثة، فوصف كلامها بأنه تضمّن «معلومات غير صحيحة»، ولا سيما قولها إن ما أقدم عليه المجلس «إجراءات أحادية الجانب»؛ إذ قال: «هذا غير صحيح، ومن المفترض أن يكون دور البعثة داعماً لتحقيق التوافق بين الليبيين».

غير أن المبعوث الأممي باتيلي يفسر رفضه تشكيل حكومة جديدة، بأنه «لا يمكن بناء ليبيا الجديدة إلا عن طريق عملية انتخابية يصار من خلالها إلى انتخاب أعضاء البرلمان ورئيس الدولة، وعند ذلك تُنتخَب حكومة جديدة ويحل الاستقرار في البلاد. وتابع باتيلي مصعّداً باتجاه المطالبين بتشكيل حكومة جديدة، في أثناء مشاركته في «ملتقى حكماء ونخب منطقة فزان»، فقال: «مَن يريد ترتيبات انتقالية وحكومات انتقالية أخرى يريد تقاسم الكعكة وسيذكر التاريخ ذلك».

في المقابل، رأى سياسي ليبي تحدث إلى «الشرق الأوسط» أن «عملية شد الحبل» بين مجلس النواب والبعثة الأممية «لن تثمر إلا مزيداً من إضاعة الوقت وإهدار الفرص» لإجراء الانتخابات التي ينتظرها الليبيون منذ الفشل في عقدها نهاية عام 2021.

وتخوف السياسي (الذي طلب إغفال اسمه) من أن يؤدي إبعاد البعثة الأممية عما يجري بمجلسي النواب و«الدولة» من مباحثات حول قوانين الانتخابات قد يؤدي إلى «تبريد الأزمة». وذكر أن «متصدري المشهد السياسي يعملون على تحقيق مصالح شخصية وجهوية، والسعي لإبقاء الوضع على ما هو عليه». وأيّد ما ذهب إليه باتيلي في انتقاده ما يجري، بأنه «لا يمكن إعادة بناء ليبيا بوجود ترتيبات وحكومات انتقالية لا نهاية لها»، متوقعاً ألا يُجرى الاستحقاق خلال العام الحالي، وسط تعثر المجلسين في إعداد قوانين الانتخابات.

ومع أن باتيلي كان قد قال: «لسنا هنا لمحاباة أي أحد، وعلى القادة الليبيين الذهاب مباشرة للانتخابات من أجل السلام والاستقرار»، يعتقد ساسة ليبيون عديدون أن المبعوث الأممي ما زال يحتفظ بأوراق كثيرة سيفتش فيها، ما يمكنه من اللعب بها، في ظل دعم دولي ملحوظ».

اللافت هنا أن صالح عندما استقبل باتيلي في مكتبه ببنغازي، عقب توتر العلاقة بينهما، لم يتغاض عما صدر من المبعوث، بل استغل الفرصة للتأكيد على «ضرورة تشكيل حكومة جديدة مهمتها الأساسية إجراء الانتخابات»، بالإضافة إلى الاعتراف بمخرجات اللجنة المشتركة لإعداد القوانين الانتخابية «6 - 6». ومضى صالح مناشداً باتيلي «استسقاء المعلومات الخاصة بمجلس النواب من مصادرها الرسمية».

حول التبريد السياسي

في هذه الأثناء، اعتبر السفير إبراهيم موسى قرادة، كبير المستشارين سابقاً في الأمم المتحدة، أن «عملية التبريد السياسي الحالية تعود لرغبة الأطراف المسيطرة على المشهد في تطويل أمد استفادتها ولمزيد من حصد المغانم». وتكلم قرادة لـ«الشرق الأوسط» عن احتمال تغيّر موقف اللاعبين الإقليميين والدوليين المؤثرين في الأزمة الليبية، وأرجع ذلك «إما لتغير أولوياتهم لما يحدث في دول السودان والنيجر ومالي، واستطالة الحرب الروسية الأوكرانية، وإما للإرهاق واستنزاف البلاد من جهات عدة». ولفت إلى أهمية «عدم إهمال دور الأطراف السياسية الليبية المقصاة من المشهد»، والتي قال إنها «تتحين الفرص أو تختلقها لإيقاف حالة (التبريد السياسي) هذه لإعادة نوع من التوازن بالتشارك والتقاسم السياسي والاقتصادي».

أجواء «الجمود السياسي» التي تعانيها ليبيا راهناً دفعت أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى القول في تقريره بشأن الوضع، إن «العملية السياسية بلغت مرحلة حرجة، وأصبح من المحتم على الأطراف كافة أن تُبرهن على التزامها المُعلن بإجراء الاستحقاق».

تَكالة و«دوامة القوانين»

تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات حول مدى إجراء تعديل على القوانين التي أصدرتها لجنة «6 - 6»، لا سيما بعد انتخاب محمد تكالة رئيساً للمجلس الأعلى للدولة، ورحيل سلفه خالد المشري. كثيرون من أعضاء مجلس النواب، بينهم سالم القنيدي، رأوا أن «أي تعديل على القوانين الانتخابية التي أقرتها لجنة (6 - 6) يعني أن التعديل الدستوري الـ13 الذي سبق وأصدره مجلس النواب، أصبح باطلاً»، لكونه يشير إلى أن قرارات اللجنة «ملزمة ونهائية، والتعديل عليها يعني عدم الاعتراف والالتزام بشرعيته الدستورية».

وللعلم، منذ تسلم تكالة منصبه، وهو يشدد على التعاون مع الأطراف الليبية كافة لمواصلة المساعي للتجهيز للاستحقاق الانتخابي وتلبية طموح الشعب، لكن القوانين التي أصدرتها لجنة «6 - 6» تبقى محل الخلاف، بسبب مطالبة البعثة بوضع قوانين توافقية، ودعوة باتيلي لتكالة للعمل بروح من التوافق والتسوية من أجل الوصول إلى «اتفاق سياسي واسع».

ومع أن باتيلي لم يوضح المقصود بالاتفاق السياسي «الواسع»، هناك من يربط ذلك «بقلة رضاه» عن القوانين الانتخابية الصادرة عن اللجنة. بينما تعهد تكالة بالعمل على التعاطي مع الملاحظات الفنية المتعلقة بعمل اللجنة توصلاً إلى قوانين توافقية تؤدي إلى إجراء الانتخابات. وبالمناسبة يعد تكالة أحد أفراد التيار الرافض للتعديل الدستوري الـ(13) بالمجلس الأعلى. وتتمحور الملاحظات التي اعترض عليها مجلس النواب بشأن مخرجات اللجنة حول حتمية الجولة الثانية لانتخابات رئيس الدولة التي اعتبر صالح «لا مبرر لها، في حال تمكن أي مرشح من الحصول على نسبة (50 في المائة 1) من الجولة الأولى حتى لا يؤدي ذلك إلى انقسام البلاد».

اللافت أن جُل أعضاء المجلس الأعلى للدولة يتحدثون عن أن موعد وجدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلسهم لم يحدد بعد، كما أنه لا أحد يعرف الموقف من التعديل الـ(13) للإعلان الدستوري، الذي سبق وأصدره مجلس النواب، في ظل الانقسام حوله بين رافض ومؤيد.

وهنا، اعتبر إبراهيم قرادة أن وضع الانتخابات الليبية راهناً «أكثر تبريداً من أي ملف آخر، بل هي مجمّدة في (الفريزر)»، إلا «إذا دفع حدوث تسخين سياسي للتعجيل بهذا الخيار»، مستدركاً: «إجراؤها في ظل سيطرة طرفين متنازعين يجعلها فاشلة ومنتجة لأزمة ربما أطول وأعقد».

الدبيبة وطرابلس

ومع اتجاه «تبريد الأزمة» الذي يتحدث عنه السياسيون الليبيون هذه الأوقات، سعى عديد الأطراف السياسية لـ«إبقاء الوضع على ما هو عليه»، مشترطين «وجود قوانين انتخابية تحظى بالقبول لديهم»، ودون ذلك، فهم يرفضون إجراء الانتخابات.

وفي فعاليات عديدة، قال عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إن «رؤية حكومته تجاه الانتخابات مبنية في تأسيسها على ضرورة قوانين عادلة وقابلة للتنفيذ». شدد على أن «القوانين القابلة للتنفيذ شرط أساسي لإنجاح العملية الانتخابية».

وللعلم، يؤكد الدبيبة في غالبية لقاءاته بالسفراء الأجانب لدى ليبيا، عزم حكومته على تنفيذ هذا الاستحقاق «وفق قوانين عادلة في أقرب الآجال»، ويشير إلى أن الليبيين «اختاروا طريق الاستقرار ولا سبيل أمامهم إلا الانتخابات؛ وأي سبيل آخر وهْم يتلاشى».

غير أن سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في إطار دعم دولها للمسار الأممي، شددت على ضرورة معالجة جميع العناصر المتنازع عليها في الإطار الانتخابي لجعلها قابلة للتنفيذ. وذهبت السفارات الخمس إلى ضرورة مشاركة جميع الأطراف بشكل بنّاء مع باتيلي، من أجل تأمين البيئة السياسية والأمنية والقانونية اللازمة لتلبية هذا الطلب. ودعت إلى أهمية أن «ينصبّ تركيز قادة ليبيا على العمل للاستجابة لمطالب الليبيين المستمرة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن». ومن جهته، يؤيد المبعوث الخاص الأميركي، ريتشارد نورلاند، التوجه الأممي في ضرورة إجراء انتخابات ليبية، وإرجاء تشكيل حكومة موحدة إلى ما بعد الاستحقاق.

استقالة المرشح للرئاسة

وبخلاف ما ذهبت إليه لجنة «6 - 6» بشأن بقاء المرشح للرئاسة في منصبه لحين فوزه في الجولة الأولى من الاستحقاق، دعت كارولين هوراندل، السفيرة البريطانية لدى ليبيا، إلى ضرورة «تكافؤ الفرص» قبل الانتخابات في ليبيا، ورأت أنه من المناسب «تنحي المترشحين عن المناصب الحكومية». وأمام هذه الرؤى المختلفة حول ما يجب على المرشح للرئاسة فعله، يعوّل ليبيون على الاجتماع، الذي من المرجح أن تحتضنه العاصمة الفرنسية باريس قريباً بشأن الأزمة الليبية، بمشاركة المبعوث الأممي وممثلين لدول غربية عدة. ويتوقع سياسيون بأن هذا الاجتماع المرتقب سيمنح باتيلي «تأييداً دولياً أوسع لجهة تشكيل لجنة (رفيعة المستوى) للانتهاء من قوانين الانتخابات، وسيجنبه التفتيش في أوراقه».

هذا، وكان باتيلي تكلم في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي نهاية فبراير (شباط) الماضي، عن مبادرة تتمحور حول تشكيل لجنة رفيعة المستوى لإعداد الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، تجمع كل أصحاب المصلحة في ليبيا، وتشارك فيها المؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأطراف الأمنية والنساء والشباب، بهدف تنظيم العملية الانتخابية قبل نهاية العام الحالي.

ولكن بعدما أوشك العام على الرحيل، بات من الصعب عقد هذا الاستحقاق، وفق الأطراف السياسية ذاتها. ومن الرياض إلى القاهرة، دائماً ما تُلقي الأزمة الليبية بظلالها على غالبية الفعاليات الدولية والإقليمية، فلا يخلو لقاء بين مسؤولين إلا وكانت القضية الليبية تتصدره غالباً. ومن بين القضايا التي تطرق إليها اجتماع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره المصري سامح شكري، بالقاهرة، تطورات الوضع في ليبيا.

أيضاً أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تشاوره مع شكري، في لقاء سابق حول الملف الليبي، ودعم المبعوث الأممي في التوسط بمسار إجراء انتخابات ناجحة.

وفي الإطار ذاته، بحث وزير الشؤون الخارجية التونسي، نبيل عمار، مع شكري، تطورات الملف الليبي لمناسبة زيارة العمل التي يؤديها إلى البلاد. وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن الوزير أحمد عطاف أجرى في واشنطن محادثات بشأن ليبيا على ضوء الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، لتهيئة الظروف والشروط الضرورية لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.

عنصران أمنيان جنوب العاصمة طرابلس (إ.ب.أ)

ألاعيب السياسة أم رصاص الميليشيات... مَن يعطّل انتخابات ليبيا؟

> تعيش العاصمة الليبية طرابلس منذ سنوات في أجواء متوترة بسبب الاشتباكات المتكررة بين الميليشيات المسلحة المختلفة، ما يُعيد طرح السؤال مجدداً - بعد أكثر من 12 سنة على رحيل الرئيس الليبي معمر القذافي: مَن المتسبب في تعطيل إجراء انتخابات في ليبيا: التشكيلات المسلحة وسلاحها المنفلت، أم ألاعيب الساسة وتحكماتهم وأجنداتهم الخاصة؟

حيال هذه الأوضاع، ينقسم الليبيون بين من يتهم ساسة البلاد بأنهم هم من يعيقون العملية السياسية، وأن المقاربات الأمنية لا تكفي لإنقاذ البلاد، وبين من يرى أن الميليشيات المسلحة التي لا تتردد في استدعاء السلاح وإراقة الدماء، هي المتسببة في تعطيل قطار الانتخابات، ولذا تتجدد المطالبات بضرورة تفكيكها وسحب سلاحها. الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، سبق ودعا لضرورة التسريع بدمج المسلحين في الأجهزة العسكرية والأمنية، وسط تساؤلات عن أسباب عدم الاستجابة لمبادرة أممية سابقة بهذه الشأن. وطالب الحداد، بـ«الاهتمام بشباب المقاتلين، وتعويضهم عمّا تعرضوا له خلال السنوات الماضية»، ورأى أن «هؤلاء يحتاجون لمشاريع وطنية ناجحة تحتويهم بعد تعليمهم وتطويرهم، بعد تخليهم عن السلاح».

وحذر الحداد - وهو من المطالبين مبكراً بعملية دمج المسلحين – قائلاً: «إن لم نسارع إلى ذلك، فسنقع في خلل كبير»، ورأى أن هذه التشكيلات التي كانت موازية للجيش والداخلية «تحتاج إلى دعم وتعليم».

من جانب آخر، أمام ما شهدته طرابلس، الأسبوع الماضي، من «حرب شوارع» بين فصيلين مسلحين أوقعت 55 قتيلاً وأكثر من مائة جريح، استغل جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، هذه الأحداث ليؤكد أنها «تمثل تذكيراً حياً بهشاشة الوضع الأمني في ليبيا، والحاجة الملحة لإجراء انتخابات من أجل إيجاد حل سياسي مستدام وشامل».

وتتبنى الأمم المتحدة عبر بعثتها للدعم في ليبيا، المطالب بضرورة تفكيك الميليشيات المسلحة بالبلاد، ودمجها في المؤسسات الأمنية والمدنية. وتنشط هذه الدعوات في الأوساط السياسية والاجتماعية كلما وقع اشتباك مسلح في العاصمة طرابلس، لكن سرعان ما تخفت حدتها.

مصدر أمني بشرق ليبيا عزا عدم تفعيل خطة دمج المسلحين في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية إلى أسباب عدة، من بينها «تعذر توحيد المؤسسة العسكرية في البلاد، والانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن عملية الدمج هذه تحتاج إلى «فك الارتباط بين المسلحين في أنحاء البلاد من جهة والزعامات السياسية النافذة في ليبيا من جهة أخرى، وهذا لا يتأتى إلا عن إجراء انتخابات تسفر عن وجود رئيس موحد». وهذا الأمر الذي ينظر إليه على أن الساسة في عموم ليبيا هم من «أفسدوا هذه التشكيلات، ومكنوا لها بالمال، فكان لزاماً أن يتعثر المساران السياسي والعسكري»، وفق محللين.

تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات


مقالات ذات صلة

«الدولة» الليبي يستكمل تعيينات مفوضية الانتخابات رغم الرفض الأممي

شمال افريقيا رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مستقبلاً محمد الشهوبي وزير المواصلات والمستشار المالي لرئيس حكومة «الوحدة» (المجلس الأعلى)

«الدولة» الليبي يستكمل تعيينات مفوضية الانتخابات رغم الرفض الأممي

على الرغم من التحذيرات الأممية لمجلس الدولة الليبي من اتخاذ أي «خطوات أحادية» بشأن مفوضية الانتخابات، أعلن عن اختياره 3 أعضاء جدد لمجلس المفوضية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

دفعت الانتهاكات المتعددة والأوضاع الإنسانية المتردية في مراكز أمنية رسمية وغير رسمية بليبيا، الأمم المتحدة إلى الدعوة «لتحقيق فوري وشفاف ومحاسبة مرتكبيها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في طرابلس مع أعضاء اللجنة العسكرية عن غرب ليبيا الاثنين (المجلس الرئاسي الليبي)

ليبيا: البعثة الأممية تحضّ «النواب» و«الدولة» على «التوافق» سياسياً

شددت نائبة رئيسة البعثة الأممية في ليبيا للشؤون السياسية ستيفاني خوري على أهمية الحفاظ على وحدة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام نجل الرئيس الراحل معمر القذافي (أ.ف.ب)

انقسام في الزنتان بعد مطالب بتسليم سيف الإسلام القذافي للعدالة

ظل سيف الإسلام القذافي مقيماً في الزنتان تحت حراسة مشددة، ولم يظهر للعيان طوال عشرة أعوام إلى حين تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات التي كانت مقررة عام 2021.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

تباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام حفتر إلى القاهرة بأجواء لم تخلُ من الانقسام لكنّ محللين يرون أنها تركزت على مناقشات تتعلق بتأزم الأوضاع الإقليمية

جمال جوهر (القاهرة)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.