أفرقاء ليبيا لـ«تبريد الأزمة»... وباتيلي يفتش في أوراقه

عام آخر يوشك على الرحيل من دون انتخابات

عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
TT

أفرقاء ليبيا لـ«تبريد الأزمة»... وباتيلي يفتش في أوراقه

عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)

دخلت الأزمة الليبية إلى مساحة جديدة في العلاقة بين البعثة الأممية وبعض الأفرقاء السياسيين بالبلاد. ولم تخل هذه المساحة من استخدام «لغة خشنة» واتهامات متبادلة بـ«الفشل» في إيجاد حل لقضيتهم المستعصية، بينما تتهيأ العاصمة الفرنسية باريس لاحتضان اجتماع جديد للأفرقاء الليبيين. فمع قرب الدخول في الثلث الأخير من العام الحالي - الذي ضربت فيه البعثة موعداً لعقد الانتخابات العامة - بدت الأوضاع متجهة إلى مزيد من التعقيد والانتظار، لما قد يتوافق عليه «مجلس النواب» و«مجلس الدولة» من قوانين لازمة للاستحقاق، مع إصرارهما على «الاستئثار بالحل»، بعيداً عن «اشتراطات» البعثة، وفق رؤية متابعين.

السفير إبراهيم موسى قرادة كبير المستشارين سابقاً في الأمم المتحدة

مع الخضة الأمنية التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس، أخيراً، انتقلت التشنجات بين البعثة الأممية والقوى السياسية في ليبيا من الكواليس إلى العلن. وهذا عبّر عنه عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، في تصريحات صحافية عدة، قال فيها إن «(المبعوث الأممي عبد الله) باتيلي ليس حاكماً في بلادنا حتى يستطيع التغيير أو التعيين، ولا يحق له الحديث أو تشكيل لجنة توجيهية للحوار الليبي».

ولمزيد من التأكيد على حق مجلسه في إدارة الأزمة وإصدار القوانين المطلوبة للانتخابات، رأى صالح أن «المجتمع الدولي مقتنع بمسار (النواب) في المرحلة المقبلة، قبل أن يواصل انتقاده للبعثة، وما رآه «تدخلاً منها في الشؤون الداخلية لبلاده، وتجاوزها اختصاصاتها».

ومن جهة ثانية، يتخوف ساسة ليبيون التقتهم «الشرق الأوسط» مما وصفوه بمحاولات «تبريد الأزمة» و«إضاعة فرصة ثانية» لإجراء الانتخابات مع قرب انقضاء هذا العام. واتهم الساسة «القائمين على الأجسام السياسية بتثبيت الأوضاع لأهداف شخصية».

ووسط خلافات حول «حكومة جديدة»، مع تمسك مجلسي النواب و«الدولة» بضرورة تشكيل «حكومة جديدة» خلفاً لحكومتي «الوحدة» و«الاستقرار» وفقاً لـ«خارطة الطريق» التي أعلن عنها الأول، لاحت بوادر صدام مع البعثة التي سارعت بانتقاد الأمر؛ إذ ذكرت البعثة أنها «أخذت علماً بموافقة مجلس النواب على خارطة طريق، وإعلانه عن فتح باب الترشيحات لحكومة جديدة»، محذرة من أي مبادرات أحادية الجانب لمعالجة الانسداد السياسي في ليبيا.

ردود فعل غاضبة

موقف البعثة الأممية، الرافض لتشكيل حكومة جديدة، أثار ردود فعل غاضبة من المجلسين؛ إذ نفى المتحدث باسم «النواب» عبد الله بليحق ما ورد في بيان البعثة حول اعتماد مجلسه لـ«خارطة طريق» المسار التنفيذي، و«الادعاء بأنه فتح باب الترشح لرئاسة الحكومة الجديدة». وصعّد في مواجهة البعثة، فوصف كلامها بأنه تضمّن «معلومات غير صحيحة»، ولا سيما قولها إن ما أقدم عليه المجلس «إجراءات أحادية الجانب»؛ إذ قال: «هذا غير صحيح، ومن المفترض أن يكون دور البعثة داعماً لتحقيق التوافق بين الليبيين».

غير أن المبعوث الأممي باتيلي يفسر رفضه تشكيل حكومة جديدة، بأنه «لا يمكن بناء ليبيا الجديدة إلا عن طريق عملية انتخابية يصار من خلالها إلى انتخاب أعضاء البرلمان ورئيس الدولة، وعند ذلك تُنتخَب حكومة جديدة ويحل الاستقرار في البلاد. وتابع باتيلي مصعّداً باتجاه المطالبين بتشكيل حكومة جديدة، في أثناء مشاركته في «ملتقى حكماء ونخب منطقة فزان»، فقال: «مَن يريد ترتيبات انتقالية وحكومات انتقالية أخرى يريد تقاسم الكعكة وسيذكر التاريخ ذلك».

في المقابل، رأى سياسي ليبي تحدث إلى «الشرق الأوسط» أن «عملية شد الحبل» بين مجلس النواب والبعثة الأممية «لن تثمر إلا مزيداً من إضاعة الوقت وإهدار الفرص» لإجراء الانتخابات التي ينتظرها الليبيون منذ الفشل في عقدها نهاية عام 2021.

وتخوف السياسي (الذي طلب إغفال اسمه) من أن يؤدي إبعاد البعثة الأممية عما يجري بمجلسي النواب و«الدولة» من مباحثات حول قوانين الانتخابات قد يؤدي إلى «تبريد الأزمة». وذكر أن «متصدري المشهد السياسي يعملون على تحقيق مصالح شخصية وجهوية، والسعي لإبقاء الوضع على ما هو عليه». وأيّد ما ذهب إليه باتيلي في انتقاده ما يجري، بأنه «لا يمكن إعادة بناء ليبيا بوجود ترتيبات وحكومات انتقالية لا نهاية لها»، متوقعاً ألا يُجرى الاستحقاق خلال العام الحالي، وسط تعثر المجلسين في إعداد قوانين الانتخابات.

ومع أن باتيلي كان قد قال: «لسنا هنا لمحاباة أي أحد، وعلى القادة الليبيين الذهاب مباشرة للانتخابات من أجل السلام والاستقرار»، يعتقد ساسة ليبيون عديدون أن المبعوث الأممي ما زال يحتفظ بأوراق كثيرة سيفتش فيها، ما يمكنه من اللعب بها، في ظل دعم دولي ملحوظ».

اللافت هنا أن صالح عندما استقبل باتيلي في مكتبه ببنغازي، عقب توتر العلاقة بينهما، لم يتغاض عما صدر من المبعوث، بل استغل الفرصة للتأكيد على «ضرورة تشكيل حكومة جديدة مهمتها الأساسية إجراء الانتخابات»، بالإضافة إلى الاعتراف بمخرجات اللجنة المشتركة لإعداد القوانين الانتخابية «6 - 6». ومضى صالح مناشداً باتيلي «استسقاء المعلومات الخاصة بمجلس النواب من مصادرها الرسمية».

حول التبريد السياسي

في هذه الأثناء، اعتبر السفير إبراهيم موسى قرادة، كبير المستشارين سابقاً في الأمم المتحدة، أن «عملية التبريد السياسي الحالية تعود لرغبة الأطراف المسيطرة على المشهد في تطويل أمد استفادتها ولمزيد من حصد المغانم». وتكلم قرادة لـ«الشرق الأوسط» عن احتمال تغيّر موقف اللاعبين الإقليميين والدوليين المؤثرين في الأزمة الليبية، وأرجع ذلك «إما لتغير أولوياتهم لما يحدث في دول السودان والنيجر ومالي، واستطالة الحرب الروسية الأوكرانية، وإما للإرهاق واستنزاف البلاد من جهات عدة». ولفت إلى أهمية «عدم إهمال دور الأطراف السياسية الليبية المقصاة من المشهد»، والتي قال إنها «تتحين الفرص أو تختلقها لإيقاف حالة (التبريد السياسي) هذه لإعادة نوع من التوازن بالتشارك والتقاسم السياسي والاقتصادي».

أجواء «الجمود السياسي» التي تعانيها ليبيا راهناً دفعت أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى القول في تقريره بشأن الوضع، إن «العملية السياسية بلغت مرحلة حرجة، وأصبح من المحتم على الأطراف كافة أن تُبرهن على التزامها المُعلن بإجراء الاستحقاق».

تَكالة و«دوامة القوانين»

تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات حول مدى إجراء تعديل على القوانين التي أصدرتها لجنة «6 - 6»، لا سيما بعد انتخاب محمد تكالة رئيساً للمجلس الأعلى للدولة، ورحيل سلفه خالد المشري. كثيرون من أعضاء مجلس النواب، بينهم سالم القنيدي، رأوا أن «أي تعديل على القوانين الانتخابية التي أقرتها لجنة (6 - 6) يعني أن التعديل الدستوري الـ13 الذي سبق وأصدره مجلس النواب، أصبح باطلاً»، لكونه يشير إلى أن قرارات اللجنة «ملزمة ونهائية، والتعديل عليها يعني عدم الاعتراف والالتزام بشرعيته الدستورية».

وللعلم، منذ تسلم تكالة منصبه، وهو يشدد على التعاون مع الأطراف الليبية كافة لمواصلة المساعي للتجهيز للاستحقاق الانتخابي وتلبية طموح الشعب، لكن القوانين التي أصدرتها لجنة «6 - 6» تبقى محل الخلاف، بسبب مطالبة البعثة بوضع قوانين توافقية، ودعوة باتيلي لتكالة للعمل بروح من التوافق والتسوية من أجل الوصول إلى «اتفاق سياسي واسع».

ومع أن باتيلي لم يوضح المقصود بالاتفاق السياسي «الواسع»، هناك من يربط ذلك «بقلة رضاه» عن القوانين الانتخابية الصادرة عن اللجنة. بينما تعهد تكالة بالعمل على التعاطي مع الملاحظات الفنية المتعلقة بعمل اللجنة توصلاً إلى قوانين توافقية تؤدي إلى إجراء الانتخابات. وبالمناسبة يعد تكالة أحد أفراد التيار الرافض للتعديل الدستوري الـ(13) بالمجلس الأعلى. وتتمحور الملاحظات التي اعترض عليها مجلس النواب بشأن مخرجات اللجنة حول حتمية الجولة الثانية لانتخابات رئيس الدولة التي اعتبر صالح «لا مبرر لها، في حال تمكن أي مرشح من الحصول على نسبة (50 في المائة 1) من الجولة الأولى حتى لا يؤدي ذلك إلى انقسام البلاد».

اللافت أن جُل أعضاء المجلس الأعلى للدولة يتحدثون عن أن موعد وجدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلسهم لم يحدد بعد، كما أنه لا أحد يعرف الموقف من التعديل الـ(13) للإعلان الدستوري، الذي سبق وأصدره مجلس النواب، في ظل الانقسام حوله بين رافض ومؤيد.

وهنا، اعتبر إبراهيم قرادة أن وضع الانتخابات الليبية راهناً «أكثر تبريداً من أي ملف آخر، بل هي مجمّدة في (الفريزر)»، إلا «إذا دفع حدوث تسخين سياسي للتعجيل بهذا الخيار»، مستدركاً: «إجراؤها في ظل سيطرة طرفين متنازعين يجعلها فاشلة ومنتجة لأزمة ربما أطول وأعقد».

الدبيبة وطرابلس

ومع اتجاه «تبريد الأزمة» الذي يتحدث عنه السياسيون الليبيون هذه الأوقات، سعى عديد الأطراف السياسية لـ«إبقاء الوضع على ما هو عليه»، مشترطين «وجود قوانين انتخابية تحظى بالقبول لديهم»، ودون ذلك، فهم يرفضون إجراء الانتخابات.

وفي فعاليات عديدة، قال عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إن «رؤية حكومته تجاه الانتخابات مبنية في تأسيسها على ضرورة قوانين عادلة وقابلة للتنفيذ». شدد على أن «القوانين القابلة للتنفيذ شرط أساسي لإنجاح العملية الانتخابية».

وللعلم، يؤكد الدبيبة في غالبية لقاءاته بالسفراء الأجانب لدى ليبيا، عزم حكومته على تنفيذ هذا الاستحقاق «وفق قوانين عادلة في أقرب الآجال»، ويشير إلى أن الليبيين «اختاروا طريق الاستقرار ولا سبيل أمامهم إلا الانتخابات؛ وأي سبيل آخر وهْم يتلاشى».

غير أن سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في إطار دعم دولها للمسار الأممي، شددت على ضرورة معالجة جميع العناصر المتنازع عليها في الإطار الانتخابي لجعلها قابلة للتنفيذ. وذهبت السفارات الخمس إلى ضرورة مشاركة جميع الأطراف بشكل بنّاء مع باتيلي، من أجل تأمين البيئة السياسية والأمنية والقانونية اللازمة لتلبية هذا الطلب. ودعت إلى أهمية أن «ينصبّ تركيز قادة ليبيا على العمل للاستجابة لمطالب الليبيين المستمرة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن». ومن جهته، يؤيد المبعوث الخاص الأميركي، ريتشارد نورلاند، التوجه الأممي في ضرورة إجراء انتخابات ليبية، وإرجاء تشكيل حكومة موحدة إلى ما بعد الاستحقاق.

استقالة المرشح للرئاسة

وبخلاف ما ذهبت إليه لجنة «6 - 6» بشأن بقاء المرشح للرئاسة في منصبه لحين فوزه في الجولة الأولى من الاستحقاق، دعت كارولين هوراندل، السفيرة البريطانية لدى ليبيا، إلى ضرورة «تكافؤ الفرص» قبل الانتخابات في ليبيا، ورأت أنه من المناسب «تنحي المترشحين عن المناصب الحكومية». وأمام هذه الرؤى المختلفة حول ما يجب على المرشح للرئاسة فعله، يعوّل ليبيون على الاجتماع، الذي من المرجح أن تحتضنه العاصمة الفرنسية باريس قريباً بشأن الأزمة الليبية، بمشاركة المبعوث الأممي وممثلين لدول غربية عدة. ويتوقع سياسيون بأن هذا الاجتماع المرتقب سيمنح باتيلي «تأييداً دولياً أوسع لجهة تشكيل لجنة (رفيعة المستوى) للانتهاء من قوانين الانتخابات، وسيجنبه التفتيش في أوراقه».

هذا، وكان باتيلي تكلم في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي نهاية فبراير (شباط) الماضي، عن مبادرة تتمحور حول تشكيل لجنة رفيعة المستوى لإعداد الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، تجمع كل أصحاب المصلحة في ليبيا، وتشارك فيها المؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأطراف الأمنية والنساء والشباب، بهدف تنظيم العملية الانتخابية قبل نهاية العام الحالي.

ولكن بعدما أوشك العام على الرحيل، بات من الصعب عقد هذا الاستحقاق، وفق الأطراف السياسية ذاتها. ومن الرياض إلى القاهرة، دائماً ما تُلقي الأزمة الليبية بظلالها على غالبية الفعاليات الدولية والإقليمية، فلا يخلو لقاء بين مسؤولين إلا وكانت القضية الليبية تتصدره غالباً. ومن بين القضايا التي تطرق إليها اجتماع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره المصري سامح شكري، بالقاهرة، تطورات الوضع في ليبيا.

أيضاً أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تشاوره مع شكري، في لقاء سابق حول الملف الليبي، ودعم المبعوث الأممي في التوسط بمسار إجراء انتخابات ناجحة.

وفي الإطار ذاته، بحث وزير الشؤون الخارجية التونسي، نبيل عمار، مع شكري، تطورات الملف الليبي لمناسبة زيارة العمل التي يؤديها إلى البلاد. وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن الوزير أحمد عطاف أجرى في واشنطن محادثات بشأن ليبيا على ضوء الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، لتهيئة الظروف والشروط الضرورية لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.

عنصران أمنيان جنوب العاصمة طرابلس (إ.ب.أ)

ألاعيب السياسة أم رصاص الميليشيات... مَن يعطّل انتخابات ليبيا؟

> تعيش العاصمة الليبية طرابلس منذ سنوات في أجواء متوترة بسبب الاشتباكات المتكررة بين الميليشيات المسلحة المختلفة، ما يُعيد طرح السؤال مجدداً - بعد أكثر من 12 سنة على رحيل الرئيس الليبي معمر القذافي: مَن المتسبب في تعطيل إجراء انتخابات في ليبيا: التشكيلات المسلحة وسلاحها المنفلت، أم ألاعيب الساسة وتحكماتهم وأجنداتهم الخاصة؟

حيال هذه الأوضاع، ينقسم الليبيون بين من يتهم ساسة البلاد بأنهم هم من يعيقون العملية السياسية، وأن المقاربات الأمنية لا تكفي لإنقاذ البلاد، وبين من يرى أن الميليشيات المسلحة التي لا تتردد في استدعاء السلاح وإراقة الدماء، هي المتسببة في تعطيل قطار الانتخابات، ولذا تتجدد المطالبات بضرورة تفكيكها وسحب سلاحها. الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، سبق ودعا لضرورة التسريع بدمج المسلحين في الأجهزة العسكرية والأمنية، وسط تساؤلات عن أسباب عدم الاستجابة لمبادرة أممية سابقة بهذه الشأن. وطالب الحداد، بـ«الاهتمام بشباب المقاتلين، وتعويضهم عمّا تعرضوا له خلال السنوات الماضية»، ورأى أن «هؤلاء يحتاجون لمشاريع وطنية ناجحة تحتويهم بعد تعليمهم وتطويرهم، بعد تخليهم عن السلاح».

وحذر الحداد - وهو من المطالبين مبكراً بعملية دمج المسلحين – قائلاً: «إن لم نسارع إلى ذلك، فسنقع في خلل كبير»، ورأى أن هذه التشكيلات التي كانت موازية للجيش والداخلية «تحتاج إلى دعم وتعليم».

من جانب آخر، أمام ما شهدته طرابلس، الأسبوع الماضي، من «حرب شوارع» بين فصيلين مسلحين أوقعت 55 قتيلاً وأكثر من مائة جريح، استغل جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، هذه الأحداث ليؤكد أنها «تمثل تذكيراً حياً بهشاشة الوضع الأمني في ليبيا، والحاجة الملحة لإجراء انتخابات من أجل إيجاد حل سياسي مستدام وشامل».

وتتبنى الأمم المتحدة عبر بعثتها للدعم في ليبيا، المطالب بضرورة تفكيك الميليشيات المسلحة بالبلاد، ودمجها في المؤسسات الأمنية والمدنية. وتنشط هذه الدعوات في الأوساط السياسية والاجتماعية كلما وقع اشتباك مسلح في العاصمة طرابلس، لكن سرعان ما تخفت حدتها.

مصدر أمني بشرق ليبيا عزا عدم تفعيل خطة دمج المسلحين في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية إلى أسباب عدة، من بينها «تعذر توحيد المؤسسة العسكرية في البلاد، والانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن عملية الدمج هذه تحتاج إلى «فك الارتباط بين المسلحين في أنحاء البلاد من جهة والزعامات السياسية النافذة في ليبيا من جهة أخرى، وهذا لا يتأتى إلا عن إجراء انتخابات تسفر عن وجود رئيس موحد». وهذا الأمر الذي ينظر إليه على أن الساسة في عموم ليبيا هم من «أفسدوا هذه التشكيلات، ومكنوا لها بالمال، فكان لزاماً أن يتعثر المساران السياسي والعسكري»، وفق محللين.

تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات


مقالات ذات صلة

الحدود الجنوبية الليبية... ساحة خلفية لـ«متمردين» من دول أفريقية

شمال افريقيا دوريات تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي بمناطق جنوبية (رئاسة أركان القوات الجوية)

الحدود الجنوبية الليبية... ساحة خلفية لـ«متمردين» من دول أفريقية

على الرغم من الجهود التي يقول «الجيش الوطني» الليبي إنه يبذلها لمنع الخروقات يرى متابعون أن الحدود الجنوبية المتاخمة لدول أفريقية «تُعَد ساحة خلفية للمتمردين»

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا ليبيون يؤدون صلاة عيد الأضحى في طرابلس بحضور المنفي (المجلس الرئاسي)

خوري تحضّ قادة ليبيا على التضحية لـ«إنهاء معاناة الشعب»

«لقد عانى الشعب الليبي بما فيه الكفاية، وحان الوقت لأن يكون إنهاء هذه المعاناة أولوية قصوى للسلطات الليبية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اصطفاف الليبيين أمام أحد المصارف في طرابلس (متداولة على حسابات ليبية موثوقة)

نقص السيولة بالمصارف يعكر فرحة الليبيين بعيد الأضحى

يستقبل الليبيون عيد الأضحى بالاصطفاف في طوابير طويلة أمام البنوك للحصول على سيولة نقدية، في أجواء يرجعها البعض للانقسام السياسي الذي تعانيه البلاد.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا صورة أرشيفية نشرها مليقطة للقائه الدبيبة

الدبيبة: ليبيا معرَّضة للتقسيم وتواجه خطراً عظيماً

حذَّر عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة من أن ليبيا اليوم «معرضة للتقسيم» وتواجه ما وصفه بـ«خطر عظيم»

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الكبير يتوسط المبعوث الأميركي إلى ليبيا ريتشارد نورلاند «يسار» والقائم بالأعمال جيريمي برنت (مصرف ليبيا المركزي)

واشنطن تُعيد الجدل في ليبيا بالحديث عن «الأموال المزيفة»

أعاد حديث واشنطن حول «الأموال المزيفة» في ليبيا، الجدل بين مؤيد ومعارض، وذلك على خلفية أزمة بوجود «50 ديناراً»، قال المصرف المركزي إنه «مزورة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تحدّيات جدّية لاستمرار «المشروع الأوروبي» بعد انتخابات 2024

مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)
مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)
TT

تحدّيات جدّية لاستمرار «المشروع الأوروبي» بعد انتخابات 2024

مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)
مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)

لأول مرة منذ تأسيس المشروع الأوروبي أواخر خمسينات القرن الماضي يرى الناظر إلى الساحة الأوروبية أن كل شيء قد تبدّل، أو هو على أعتاب تغيير عميق. لم يحصل أبداً أن مرّ هذا المشروع، الذي نهض في أوروبا من رماد الحروب، ومن أجل تجنب تكرار تجربتها المريرة، بمثل هذه المرحلة التي تبدو فيها كل الإنجازات التي تراكمت على مدى سبعة عقود في مهبّ رياح العاصفة اليمينية المتطرفة والشعبوية. وهذه العاصفة تهدد اليوم حقاً بزعزعة أعمدة الهيكل الذي صمد حتى الآن بفضل توازنات صنعتها الأحزاب التقليدية المتراجعة شعبيتها باطراد منذ سنوات.

عند انتصاف الليلة الأخيرة من الأسبوع الماضي كان الأوروبيون قد ذهبوا إلى نومهم بعدما ظهرت النتائج الأولية للانتخابات الأوروبية مؤكدة توقعات صعود اليمين المتطرف في معظم أرجاء الاتحاد. ومع بزوغ فجر الاثنين كان حزب مارين لوبان، «التجمع الوطني»، يتصدّر المشهد السياسي الفرنسي بنسبة تزيد على ضعف ما حصل عليه «التجمّع» الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سارع إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة نهاية هذا الشهر. وفي ألمانيا كان «النازيون الجدد» يصعدون إلى المرتبة الثانية أمام الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي يقود الائتلاف الحاكم.

وفي موازاة كل هذا كانت أطراف الأخطبوط اليميني المتطرف تمتد وتترسّخ في النمسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا بعدما كانت قد ضربت جذورها في عمق المشهد الإيطالي، وبدأ الأوروبيون يشعرون بأنهم جالسون على فوّهة بركان يراقبون كيف أصبحت الدول الثلاث الكبرى في الاتحاد - أو كادت - تحت رحمة اليمين المتطرف.

المشهد الإسباني

في إسبانيا، بعدما تأكيد النتائج النهائية حلّ الحزب الشعبي اليميني في المرتبة الأولى حاصداً 186 مقعداً، أي بزيادة عشرة مقاعد عن الولاية السابقة. وفي المرتبة الثانية حلّت كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين التي حصلت على 135 مقعداً بعد خسارتها أربعة مقاعد، في حين أصيب تحالف الليبراليين بهزيمة قاسية بعدما خسر 23 مقعداً ليغدو رصيده 79 مقعداً. وفي المقابل، حصلت كتلة المحافظين و«الإصلاحيين» المناهضة للمشروع الأوروبي على 73 مقعداً وحصل «تكتل الهوية والديمقراطية» اليميني المتطرف على 58 مقعدا. أما التكتل الذي يقوده حزب «الخضر» فقد خسر 13 مقعداً ليصبح رصيده 53 مقعداً، في حين نال التكتل اليساري الذي يضمّ الأحزاب الشيوعية 36 مقعداً محتفظاً برصيده السابق. وأما بقية الأصوات فتوزّعت على الأحزاب التي لا تنتمي بعد إلى تشكيلة العائلات السياسية داخل البرلمان الأوروبي، ومعظمها من الأحزاب الشعبوية والقومية اليمينية مثل حزب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي حصل على عشرة مقاعد.

هذا الصعود الذي حققته الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي في حال تضافرها يمكن أن تشكّل الكتلة الثانية في البرلمان الأوروبي، يجعل من هذه الانتخابات «زلزالاً» يتجاوز بكثير الاستفتاء الفرنسي الذي وأد عام 2005 مشروع «الدستور الأوروبي» الذي كانت الأحزاب التقليدية تعقد آمالاً كبيرة عليه لترسيخ مشروع الاندماج الأوروبي تحسبّاً لصعود القوى المناهضة الذي كانت بدأت تظهر أولى تباشيره.

أثبتت صناديق الاقتراع أن المشروع الأوروبي في خطر (آ ب)

التقليديون مطمئنون

ولكن على الرغم من وضوح التصدّع الذي أحدثه صعود اليمين المتطرف في المشهد السياسي الأوروبي، تبدو الأحزاب التقليدية مطمئنة لقدرتها على رصّ صفوفها لمواجهة هذا المد الواسع، متجاهلة مخاطر احتمالات وقوع فرنسا وألمانيا في قبضة أحزاب اليمين المتطرف المصمّم على وقف محركات مشروع الاندماج الأوروبي في احرج مراحله، لا سيما بعد النصر المدوّي الذي أحرزه حزبا «التجمع الوطني» في فرنسا، وصعود «البديل من اجل ألمانيا» إلى المرتبة الثانية اكبر دول الاتحاد.

الواقع أنه بعد «الطلاق» الذي فصل بريطانيا عن شركائها الأوروبيين منذ نيّف وأربع سنوات، أظهر الاتحاد الأوروبي أنه قادر تماماً على الاستمرار من دون الدولة التي كان الجنرال شارل ديغول يسمّيها في مجالسه الخاصة «حاملة الطائرات الأميركية قبالة الساحل الفرنسي». بيد أنه ليس من المؤكد أن المشروع الأوروبي سيظل قابلاً للبقاء من دون «المحور» الألماني - الفرنسي الذي لطالما شكّل القاطرة الاقتصادية والسياسية للاتحاد، أو حتى في حال تعرّض هذا المحور للعطب كما حصل يوم الأحد الفائت بعد الهزيمة التي مني بها كل من الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس أمام اليمين المتطرف.

المحور الألماني الفرنسي

على الرغم من الاهتزازات التي يعاني منها محور برلين - باريس منذ سنوات، فإنه بقي قادراً على دفع الاتحاد الأوروبي قُدماً في اللحظات المفصلية وساعة اتخاذ القرارات المصيرية. ولكن بعد ترسيخ قوى التطرف جذورها في عمق المشهد الإيطالي، وصعود يمين اليمين الذي يحمل رؤية مختلفة للمشروع الأوروبي، والغموض الذي يلف اليوم مستقبل ماكرون والائتلاف الألماني الحاكم بقيادة شولتس، يبدو «قلب الاتحاد» معرّضاً للشلل أو للانفجار. وكل هذا يحصل بينما يحتاج المشروع الأوروبي إلى تغييرات جذرية كي لا يتخلّف في السباق العالمي المحتدم على أكثر من صعيد بين المحاور الكبرى.

المراقبون في المؤسسات الأوروبية يجمعون على أن صعود القوى اليمينية المتطرفة والشعبوية هو دائماً مبعث قلق من حيث تداعياته السلبية على صعيد ترسيخ المشروع الأوروبي ومواصلة اندماجه، ويرون أن هذا القلق يتحوّل خطراً مباشراً يهدد ديمومة الاتحاد عندما يتركّز هذا الصعود في فرنسا وألمانيا اللتين تشكلان قوة الدفع التقليدية للمشروع الأوروبي. إذ إن الجنوح الأوروبي الواضح نحو اليمين، مشفوعاً بترهّل القوى الأوروبية في برلين وباريس، يجعل من الصعب جداً أن يبلغ الاتحاد أهدافه الرئيسية في المرحلة المقبلة، مثل زيادة الإنفاق في مجال البحوث والتنمية لمواكبة الصين والولايات المتحدة، أو مواصلة برنامج التوسعة نحو الشرق والقوقاز، أو الاستثمار في مشاريع الدفاع المشتركة والميثاق الأخضر. ولا شك، في أن هذا الجنوح ينذر بالمزيد من التحصينات «الانعزالية» داخل القلعة الأوروبية في وجه المهاجرين وطالبي اللجوء، بجانب تراجع الدعم لأوكرانيا... خاصة لمرحلة الإعمار.

أهمية المحور الألماني - الفرنسي ظهرت بشكل خاص إبان جائحة «كوفيد - 19» وما عقبها من توافق حول خطة النهوض، ثم تعرّض للاهتزاز مع الاجتياح الروسي لأوكرانيا بسبب التباين في مواقف الشريكين حول الدعم العسكري والطاقة، لكنه ظل فاعلاً على الرغم من افتقار العلاقة الثنائية بين ماكرون وشولتس إلى الانسجام والحميمية اللذين ميّزا العلاقات بين القيادتين الفرنسية والألمانية لعقود. مع هذا، ثمة قاسم مشترك يجمع الزعيمين هو الرؤية نفسها للمشروع الأوروبي التي تختلف كلياً عن تلك التي يحملها غريماهما المحليان اليمينيان مارين لوبان وحزب «البديل من أجل ألمانيا».

في حسابات المقاعد

صحيح أن حسابات المقاعد في البرلمان الأوروبي الجديد تضمن حصول الأحزاب المعتدلة على الغالبية الكافية التي تسمح بالتصدي للجحافل الشعبوية والمتطرفة التي ما زالت دون انصهارها في كتلة واحدة متراصة عقبات كبيرة جداً. إلا أن انتخابات الأحد الماضي أسقطت الكثير من المحرّمات حول اليمين المتطرف. وأيضاً ترددات «الزلزال» الذي هزّ المحور الألماني - الفرنسي صارت مسموعة في جميع أرجاء الاتحاد، خاصةً، بعد سقوط الكثير من الحواجز التي كانت تحول تواصل اليمين المعتدل مع القوى المتطرفة على يمينه.

كذلك، لئن كان البرلمان الأوروبي قد اكتسب صلاحيات واسعة خلال السنوات الأخيرة، فان «غرفة العمليات» الأساسية في الاتحاد ما زالت تستند إلى المفوضية والمجلس، أي إلى حكومات الدول الأعضاء مجتمعة. وعندما تكون هاتان المؤسستان على الموجة ذاتها، تكون الرياح مواتية لإبحار سفينة الاتحاد من غير أن تتعرّض لمخاطر الجنوح، لكن عندما يختلّ الانسجام بين البلدان الأعضاء تصبح بوصلة المشروع الأوروبي حائرة في تحديد الوجهة الصحيحة.

ومن ثم، لا شك في أن القرار المفاجئ الذي أقدم عليه الرئيس الفرنسي ماكرون بدعوته إلى إجراء انتخابات مُسبقة نهاية هذا الشهر قبل انطلاق الألعاب الأولمبية الصيفية في بلاده، ينطوي على مجازفة كبيرة قد تضعفه وتضيّق هامش تحركاته في حال جدّد حزب مارين لوبان فوزه في الانتخابات الأوروبية، ويفتح الباب أمام دخول وزراء من هذا الحزب إلى مجلس الاتحاد الأوروبي الذي يتمتع بصلاحيات اشتراعية واسعة، يدعمهم وزراء من اليمين الإيطالي المتطرف. ويتوقع مسؤولون في الدوائر الأوروبية أن يؤدي انتصار لوبان و«تجمعها الوطني» في الانتخابات الفرنسية إلى عرقلة سياسة الهجرة الأوروبية التي وصلت إلى خواتيمها بعد مخاض عسير وطويل، وربما إلى تغييرها نظراً للتحوّل الذي طرأ أخيراً على مواقف العديد من الأحزاب الأوروبية المحافظة.

الوضع الألماني ... أقل حرجاً

الوضع في ألمانيا، وعلى الرغم من خطورته نظراً لموقعها ودورها الاستراتيجي داخل الاتحاد، يبقى مرحلياً في الظرف الراهن وقابلاً للتجاوز بسهولة في ظل وجود بديل أوروبي معتدل يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. أي بعكس الوضع في فرنسا الذي ينذر بأزمة سياسية عميقة توشك أن تهمّش الأحزاب السياسية التي لعبت دوراً تاريخياً في بناء الصرح المؤسسي للاتحاد الأوروبي، ويرجّح كثيرون أن تكون رصاصة الرحمة التي تقضي على محور برلين - باريس.

وحقاُ، كان أوّل الغيث المؤشر إلى تداعيات «زلزال» الانتخابات الأوروبية في فرنسا وألمانيا حالة أسواق المال منذ بداية هذا الأسبوع، لا سيما، بعدما أصبح ماكرون محشوراً في زاوية ضيّقة ومحاصراً من كل الجهات، وبعدما تقدّم «البديل من أجل ألمانيا» على الأحزاب الثلاثة التي تشكّل الائتلاف الحاكم بقيادة شولتس.

الضباب الكثيف الذي أسدله مستقبل ماكرون الغامض وهشاشة وضع المستشار الألماني، حتماً يقلّصان الطموحات الأوروبية في هذه الولاية التشريعية التي من المفترض أن تعيش مرحلة التحولات الكبرى الممهدة لتوسعة جديدة في عضوية الاتحاد. وللعلم، التقرير المنتظر الذي اعدّه رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي حول مستقبل النادي الأوروبي، والذي سيقدّمه بعد أيام أمام البرلمان الجديد، يؤكد على حاجة الاتحاد الملحة إلى تغيير جذري من أجل صون نموذجيه الاقتصادي والاجتماعي على الساحة الدولية الراهنة. بيد أن النتائج التي أسفرت عنها هذه الانتخابات الأوروبية تنذر باستحالة حدوث هذا التغيير، لا، بل إن بعض الحكومات قد تدفع باتجاه تقليص المساعي الاندماجية.

تحت وطأة الهزيمة ...الرئيس الفرنسي ماكرون دعا إلى انتخابات مبكرة في فرنسا (رويترز)

علامات استفهام حول المواقف المستقبلية لقوى اليمين المحافظ التقليدي

مع تزايد الترقب بانتظار الولاية التشريعية الجديدة في البرلمان الأوروبي منتصف الشهر المقبل، عندما تكون قد ارتسمت الملامح النهائية للمأساة الفرنسية - من غير استبعاد مفاجآت أخرى -، تتجه الأنظار نحو «ضفة» القوى المحافظة واليمينية التقليدية.هذه القوى لم تحسم بعد بصورة نهائية مفاضلتها بين الحفاظ على التحالف التقليدي مع الاشتراكيين والتقدميين والليبراليين الذي أمّن التوازن والتناوب السلس في مؤسسات الاتحاد طيلة عقود، أو مواصلة الجنوح نحو الأحزاب اليمينية المتطرفة التي يبدو أنها نجحت في تمويه جذورها مثل «إخوان إيطاليا» الذي تقوده رئيسة وزرائها جيورجيا ميلوني.البوادر المبكرة التي ظهرت حتى الآن توحي بأن كتلة «الحزب الشعبي الأوروبي» (منبر القوى المحافظة واليمينية التقليدية) تتجه إلى تجديد التفاهم التقليدي والانفتاح على «الخضر» الذين أعربوا عن استعدادهم للانضمام إلى جبهة عريضة في وجه المدّ المتطرف شريطة استعادة «الميثاق الأخضر» إلى أولويات الاتحاد.ويستدلّ من التصريحات الأولى التي أدلت بها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين - الطامحة إلى تجديد ولايتها على رأس المفوضية - بأنها قد أوقفت اندفاعتها نحو التحالف مع ميلوني؛ إذ قالت: «الوسط صامد، وسنرفع حصناً منيعاً ضد التطرفين اليميني واليساري». ولم يتأخر مواطنها مانفريد فيبر، رئيس الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، في دعوة الأحزاب المعتدلة إلى رصّ الصفوف في «تحالف ديمقراطي أوروبي» يقطع الطريق على التطرف ويجهض المناورات الهادفة إلى تدمير الاتحاد.غير أن هذه التصريحات، ما زالت في مرحلة جسّ النبض في انتظار وضوح التحالفات التي ستستقر عليها مواقف الأحزاب اليمينية المتطرفة الكبرى، مثل «التجمع الوطني» الفرنسي و«إخوان إيطاليا» و«البديل من أجل ألمانيا». وبالتالي، لا يستبعد المراقبون ظهور مفاجآت في الأيام المقبلة، خاصة عندما تدخل المفاوضات حول توزيع المناصب القيادية في مؤسسات الاتحاد مرحلة الحسم تمهيداً للجلسة الأولى للبرلمان الأوروبي الجديد منتصف الشهر المقبل.وهنا، تشير آخر الدلائل إلى أن الأيام المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت. وضمن هذا الإطار كانت الخطوة التي أقدمت عليها ميلوني عشيّة «قمة الدول الصناعية السبع» التي ترأسها إيطاليا راهناً، بتعديل مشروع البيان النهائي حول بنود الهجرة والإجهاض، بالتنسيق والتناغم التام مع مارين لوبان، وليس مع الرئيس الفرنسي والشركاء الأوروبيين. ولقد استدعى هذا الأمر ردّاً قاسياً من باريس وبرلين اللتين حذّرتا من «أيام عاصفة» على المسرح الأوروبي.