أفرقاء ليبيا لـ«تبريد الأزمة»... وباتيلي يفتش في أوراقه

عام آخر يوشك على الرحيل من دون انتخابات

عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
TT

أفرقاء ليبيا لـ«تبريد الأزمة»... وباتيلي يفتش في أوراقه

عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)
عبد الله باتيلي (الأمم المتحدة)

دخلت الأزمة الليبية إلى مساحة جديدة في العلاقة بين البعثة الأممية وبعض الأفرقاء السياسيين بالبلاد. ولم تخل هذه المساحة من استخدام «لغة خشنة» واتهامات متبادلة بـ«الفشل» في إيجاد حل لقضيتهم المستعصية، بينما تتهيأ العاصمة الفرنسية باريس لاحتضان اجتماع جديد للأفرقاء الليبيين. فمع قرب الدخول في الثلث الأخير من العام الحالي - الذي ضربت فيه البعثة موعداً لعقد الانتخابات العامة - بدت الأوضاع متجهة إلى مزيد من التعقيد والانتظار، لما قد يتوافق عليه «مجلس النواب» و«مجلس الدولة» من قوانين لازمة للاستحقاق، مع إصرارهما على «الاستئثار بالحل»، بعيداً عن «اشتراطات» البعثة، وفق رؤية متابعين.

السفير إبراهيم موسى قرادة كبير المستشارين سابقاً في الأمم المتحدة

مع الخضة الأمنية التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس، أخيراً، انتقلت التشنجات بين البعثة الأممية والقوى السياسية في ليبيا من الكواليس إلى العلن. وهذا عبّر عنه عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، في تصريحات صحافية عدة، قال فيها إن «(المبعوث الأممي عبد الله) باتيلي ليس حاكماً في بلادنا حتى يستطيع التغيير أو التعيين، ولا يحق له الحديث أو تشكيل لجنة توجيهية للحوار الليبي».

ولمزيد من التأكيد على حق مجلسه في إدارة الأزمة وإصدار القوانين المطلوبة للانتخابات، رأى صالح أن «المجتمع الدولي مقتنع بمسار (النواب) في المرحلة المقبلة، قبل أن يواصل انتقاده للبعثة، وما رآه «تدخلاً منها في الشؤون الداخلية لبلاده، وتجاوزها اختصاصاتها».

ومن جهة ثانية، يتخوف ساسة ليبيون التقتهم «الشرق الأوسط» مما وصفوه بمحاولات «تبريد الأزمة» و«إضاعة فرصة ثانية» لإجراء الانتخابات مع قرب انقضاء هذا العام. واتهم الساسة «القائمين على الأجسام السياسية بتثبيت الأوضاع لأهداف شخصية».

ووسط خلافات حول «حكومة جديدة»، مع تمسك مجلسي النواب و«الدولة» بضرورة تشكيل «حكومة جديدة» خلفاً لحكومتي «الوحدة» و«الاستقرار» وفقاً لـ«خارطة الطريق» التي أعلن عنها الأول، لاحت بوادر صدام مع البعثة التي سارعت بانتقاد الأمر؛ إذ ذكرت البعثة أنها «أخذت علماً بموافقة مجلس النواب على خارطة طريق، وإعلانه عن فتح باب الترشيحات لحكومة جديدة»، محذرة من أي مبادرات أحادية الجانب لمعالجة الانسداد السياسي في ليبيا.

ردود فعل غاضبة

موقف البعثة الأممية، الرافض لتشكيل حكومة جديدة، أثار ردود فعل غاضبة من المجلسين؛ إذ نفى المتحدث باسم «النواب» عبد الله بليحق ما ورد في بيان البعثة حول اعتماد مجلسه لـ«خارطة طريق» المسار التنفيذي، و«الادعاء بأنه فتح باب الترشح لرئاسة الحكومة الجديدة». وصعّد في مواجهة البعثة، فوصف كلامها بأنه تضمّن «معلومات غير صحيحة»، ولا سيما قولها إن ما أقدم عليه المجلس «إجراءات أحادية الجانب»؛ إذ قال: «هذا غير صحيح، ومن المفترض أن يكون دور البعثة داعماً لتحقيق التوافق بين الليبيين».

غير أن المبعوث الأممي باتيلي يفسر رفضه تشكيل حكومة جديدة، بأنه «لا يمكن بناء ليبيا الجديدة إلا عن طريق عملية انتخابية يصار من خلالها إلى انتخاب أعضاء البرلمان ورئيس الدولة، وعند ذلك تُنتخَب حكومة جديدة ويحل الاستقرار في البلاد. وتابع باتيلي مصعّداً باتجاه المطالبين بتشكيل حكومة جديدة، في أثناء مشاركته في «ملتقى حكماء ونخب منطقة فزان»، فقال: «مَن يريد ترتيبات انتقالية وحكومات انتقالية أخرى يريد تقاسم الكعكة وسيذكر التاريخ ذلك».

في المقابل، رأى سياسي ليبي تحدث إلى «الشرق الأوسط» أن «عملية شد الحبل» بين مجلس النواب والبعثة الأممية «لن تثمر إلا مزيداً من إضاعة الوقت وإهدار الفرص» لإجراء الانتخابات التي ينتظرها الليبيون منذ الفشل في عقدها نهاية عام 2021.

وتخوف السياسي (الذي طلب إغفال اسمه) من أن يؤدي إبعاد البعثة الأممية عما يجري بمجلسي النواب و«الدولة» من مباحثات حول قوانين الانتخابات قد يؤدي إلى «تبريد الأزمة». وذكر أن «متصدري المشهد السياسي يعملون على تحقيق مصالح شخصية وجهوية، والسعي لإبقاء الوضع على ما هو عليه». وأيّد ما ذهب إليه باتيلي في انتقاده ما يجري، بأنه «لا يمكن إعادة بناء ليبيا بوجود ترتيبات وحكومات انتقالية لا نهاية لها»، متوقعاً ألا يُجرى الاستحقاق خلال العام الحالي، وسط تعثر المجلسين في إعداد قوانين الانتخابات.

ومع أن باتيلي كان قد قال: «لسنا هنا لمحاباة أي أحد، وعلى القادة الليبيين الذهاب مباشرة للانتخابات من أجل السلام والاستقرار»، يعتقد ساسة ليبيون عديدون أن المبعوث الأممي ما زال يحتفظ بأوراق كثيرة سيفتش فيها، ما يمكنه من اللعب بها، في ظل دعم دولي ملحوظ».

اللافت هنا أن صالح عندما استقبل باتيلي في مكتبه ببنغازي، عقب توتر العلاقة بينهما، لم يتغاض عما صدر من المبعوث، بل استغل الفرصة للتأكيد على «ضرورة تشكيل حكومة جديدة مهمتها الأساسية إجراء الانتخابات»، بالإضافة إلى الاعتراف بمخرجات اللجنة المشتركة لإعداد القوانين الانتخابية «6 - 6». ومضى صالح مناشداً باتيلي «استسقاء المعلومات الخاصة بمجلس النواب من مصادرها الرسمية».

حول التبريد السياسي

في هذه الأثناء، اعتبر السفير إبراهيم موسى قرادة، كبير المستشارين سابقاً في الأمم المتحدة، أن «عملية التبريد السياسي الحالية تعود لرغبة الأطراف المسيطرة على المشهد في تطويل أمد استفادتها ولمزيد من حصد المغانم». وتكلم قرادة لـ«الشرق الأوسط» عن احتمال تغيّر موقف اللاعبين الإقليميين والدوليين المؤثرين في الأزمة الليبية، وأرجع ذلك «إما لتغير أولوياتهم لما يحدث في دول السودان والنيجر ومالي، واستطالة الحرب الروسية الأوكرانية، وإما للإرهاق واستنزاف البلاد من جهات عدة». ولفت إلى أهمية «عدم إهمال دور الأطراف السياسية الليبية المقصاة من المشهد»، والتي قال إنها «تتحين الفرص أو تختلقها لإيقاف حالة (التبريد السياسي) هذه لإعادة نوع من التوازن بالتشارك والتقاسم السياسي والاقتصادي».

أجواء «الجمود السياسي» التي تعانيها ليبيا راهناً دفعت أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى القول في تقريره بشأن الوضع، إن «العملية السياسية بلغت مرحلة حرجة، وأصبح من المحتم على الأطراف كافة أن تُبرهن على التزامها المُعلن بإجراء الاستحقاق».

تَكالة و«دوامة القوانين»

تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات حول مدى إجراء تعديل على القوانين التي أصدرتها لجنة «6 - 6»، لا سيما بعد انتخاب محمد تكالة رئيساً للمجلس الأعلى للدولة، ورحيل سلفه خالد المشري. كثيرون من أعضاء مجلس النواب، بينهم سالم القنيدي، رأوا أن «أي تعديل على القوانين الانتخابية التي أقرتها لجنة (6 - 6) يعني أن التعديل الدستوري الـ13 الذي سبق وأصدره مجلس النواب، أصبح باطلاً»، لكونه يشير إلى أن قرارات اللجنة «ملزمة ونهائية، والتعديل عليها يعني عدم الاعتراف والالتزام بشرعيته الدستورية».

وللعلم، منذ تسلم تكالة منصبه، وهو يشدد على التعاون مع الأطراف الليبية كافة لمواصلة المساعي للتجهيز للاستحقاق الانتخابي وتلبية طموح الشعب، لكن القوانين التي أصدرتها لجنة «6 - 6» تبقى محل الخلاف، بسبب مطالبة البعثة بوضع قوانين توافقية، ودعوة باتيلي لتكالة للعمل بروح من التوافق والتسوية من أجل الوصول إلى «اتفاق سياسي واسع».

ومع أن باتيلي لم يوضح المقصود بالاتفاق السياسي «الواسع»، هناك من يربط ذلك «بقلة رضاه» عن القوانين الانتخابية الصادرة عن اللجنة. بينما تعهد تكالة بالعمل على التعاطي مع الملاحظات الفنية المتعلقة بعمل اللجنة توصلاً إلى قوانين توافقية تؤدي إلى إجراء الانتخابات. وبالمناسبة يعد تكالة أحد أفراد التيار الرافض للتعديل الدستوري الـ(13) بالمجلس الأعلى. وتتمحور الملاحظات التي اعترض عليها مجلس النواب بشأن مخرجات اللجنة حول حتمية الجولة الثانية لانتخابات رئيس الدولة التي اعتبر صالح «لا مبرر لها، في حال تمكن أي مرشح من الحصول على نسبة (50 في المائة 1) من الجولة الأولى حتى لا يؤدي ذلك إلى انقسام البلاد».

اللافت أن جُل أعضاء المجلس الأعلى للدولة يتحدثون عن أن موعد وجدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلسهم لم يحدد بعد، كما أنه لا أحد يعرف الموقف من التعديل الـ(13) للإعلان الدستوري، الذي سبق وأصدره مجلس النواب، في ظل الانقسام حوله بين رافض ومؤيد.

وهنا، اعتبر إبراهيم قرادة أن وضع الانتخابات الليبية راهناً «أكثر تبريداً من أي ملف آخر، بل هي مجمّدة في (الفريزر)»، إلا «إذا دفع حدوث تسخين سياسي للتعجيل بهذا الخيار»، مستدركاً: «إجراؤها في ظل سيطرة طرفين متنازعين يجعلها فاشلة ومنتجة لأزمة ربما أطول وأعقد».

الدبيبة وطرابلس

ومع اتجاه «تبريد الأزمة» الذي يتحدث عنه السياسيون الليبيون هذه الأوقات، سعى عديد الأطراف السياسية لـ«إبقاء الوضع على ما هو عليه»، مشترطين «وجود قوانين انتخابية تحظى بالقبول لديهم»، ودون ذلك، فهم يرفضون إجراء الانتخابات.

وفي فعاليات عديدة، قال عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، إن «رؤية حكومته تجاه الانتخابات مبنية في تأسيسها على ضرورة قوانين عادلة وقابلة للتنفيذ». شدد على أن «القوانين القابلة للتنفيذ شرط أساسي لإنجاح العملية الانتخابية».

وللعلم، يؤكد الدبيبة في غالبية لقاءاته بالسفراء الأجانب لدى ليبيا، عزم حكومته على تنفيذ هذا الاستحقاق «وفق قوانين عادلة في أقرب الآجال»، ويشير إلى أن الليبيين «اختاروا طريق الاستقرار ولا سبيل أمامهم إلا الانتخابات؛ وأي سبيل آخر وهْم يتلاشى».

غير أن سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في إطار دعم دولها للمسار الأممي، شددت على ضرورة معالجة جميع العناصر المتنازع عليها في الإطار الانتخابي لجعلها قابلة للتنفيذ. وذهبت السفارات الخمس إلى ضرورة مشاركة جميع الأطراف بشكل بنّاء مع باتيلي، من أجل تأمين البيئة السياسية والأمنية والقانونية اللازمة لتلبية هذا الطلب. ودعت إلى أهمية أن «ينصبّ تركيز قادة ليبيا على العمل للاستجابة لمطالب الليبيين المستمرة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن». ومن جهته، يؤيد المبعوث الخاص الأميركي، ريتشارد نورلاند، التوجه الأممي في ضرورة إجراء انتخابات ليبية، وإرجاء تشكيل حكومة موحدة إلى ما بعد الاستحقاق.

استقالة المرشح للرئاسة

وبخلاف ما ذهبت إليه لجنة «6 - 6» بشأن بقاء المرشح للرئاسة في منصبه لحين فوزه في الجولة الأولى من الاستحقاق، دعت كارولين هوراندل، السفيرة البريطانية لدى ليبيا، إلى ضرورة «تكافؤ الفرص» قبل الانتخابات في ليبيا، ورأت أنه من المناسب «تنحي المترشحين عن المناصب الحكومية». وأمام هذه الرؤى المختلفة حول ما يجب على المرشح للرئاسة فعله، يعوّل ليبيون على الاجتماع، الذي من المرجح أن تحتضنه العاصمة الفرنسية باريس قريباً بشأن الأزمة الليبية، بمشاركة المبعوث الأممي وممثلين لدول غربية عدة. ويتوقع سياسيون بأن هذا الاجتماع المرتقب سيمنح باتيلي «تأييداً دولياً أوسع لجهة تشكيل لجنة (رفيعة المستوى) للانتهاء من قوانين الانتخابات، وسيجنبه التفتيش في أوراقه».

هذا، وكان باتيلي تكلم في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي نهاية فبراير (شباط) الماضي، عن مبادرة تتمحور حول تشكيل لجنة رفيعة المستوى لإعداد الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، تجمع كل أصحاب المصلحة في ليبيا، وتشارك فيها المؤسسات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والأطراف الأمنية والنساء والشباب، بهدف تنظيم العملية الانتخابية قبل نهاية العام الحالي.

ولكن بعدما أوشك العام على الرحيل، بات من الصعب عقد هذا الاستحقاق، وفق الأطراف السياسية ذاتها. ومن الرياض إلى القاهرة، دائماً ما تُلقي الأزمة الليبية بظلالها على غالبية الفعاليات الدولية والإقليمية، فلا يخلو لقاء بين مسؤولين إلا وكانت القضية الليبية تتصدره غالباً. ومن بين القضايا التي تطرق إليها اجتماع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع نظيره المصري سامح شكري، بالقاهرة، تطورات الوضع في ليبيا.

أيضاً أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تشاوره مع شكري، في لقاء سابق حول الملف الليبي، ودعم المبعوث الأممي في التوسط بمسار إجراء انتخابات ناجحة.

وفي الإطار ذاته، بحث وزير الشؤون الخارجية التونسي، نبيل عمار، مع شكري، تطورات الملف الليبي لمناسبة زيارة العمل التي يؤديها إلى البلاد. وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن الوزير أحمد عطاف أجرى في واشنطن محادثات بشأن ليبيا على ضوء الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، لتهيئة الظروف والشروط الضرورية لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.

عنصران أمنيان جنوب العاصمة طرابلس (إ.ب.أ)

ألاعيب السياسة أم رصاص الميليشيات... مَن يعطّل انتخابات ليبيا؟

> تعيش العاصمة الليبية طرابلس منذ سنوات في أجواء متوترة بسبب الاشتباكات المتكررة بين الميليشيات المسلحة المختلفة، ما يُعيد طرح السؤال مجدداً - بعد أكثر من 12 سنة على رحيل الرئيس الليبي معمر القذافي: مَن المتسبب في تعطيل إجراء انتخابات في ليبيا: التشكيلات المسلحة وسلاحها المنفلت، أم ألاعيب الساسة وتحكماتهم وأجنداتهم الخاصة؟

حيال هذه الأوضاع، ينقسم الليبيون بين من يتهم ساسة البلاد بأنهم هم من يعيقون العملية السياسية، وأن المقاربات الأمنية لا تكفي لإنقاذ البلاد، وبين من يرى أن الميليشيات المسلحة التي لا تتردد في استدعاء السلاح وإراقة الدماء، هي المتسببة في تعطيل قطار الانتخابات، ولذا تتجدد المطالبات بضرورة تفكيكها وسحب سلاحها. الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، سبق ودعا لضرورة التسريع بدمج المسلحين في الأجهزة العسكرية والأمنية، وسط تساؤلات عن أسباب عدم الاستجابة لمبادرة أممية سابقة بهذه الشأن. وطالب الحداد، بـ«الاهتمام بشباب المقاتلين، وتعويضهم عمّا تعرضوا له خلال السنوات الماضية»، ورأى أن «هؤلاء يحتاجون لمشاريع وطنية ناجحة تحتويهم بعد تعليمهم وتطويرهم، بعد تخليهم عن السلاح».

وحذر الحداد - وهو من المطالبين مبكراً بعملية دمج المسلحين – قائلاً: «إن لم نسارع إلى ذلك، فسنقع في خلل كبير»، ورأى أن هذه التشكيلات التي كانت موازية للجيش والداخلية «تحتاج إلى دعم وتعليم».

من جانب آخر، أمام ما شهدته طرابلس، الأسبوع الماضي، من «حرب شوارع» بين فصيلين مسلحين أوقعت 55 قتيلاً وأكثر من مائة جريح، استغل جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، هذه الأحداث ليؤكد أنها «تمثل تذكيراً حياً بهشاشة الوضع الأمني في ليبيا، والحاجة الملحة لإجراء انتخابات من أجل إيجاد حل سياسي مستدام وشامل».

وتتبنى الأمم المتحدة عبر بعثتها للدعم في ليبيا، المطالب بضرورة تفكيك الميليشيات المسلحة بالبلاد، ودمجها في المؤسسات الأمنية والمدنية. وتنشط هذه الدعوات في الأوساط السياسية والاجتماعية كلما وقع اشتباك مسلح في العاصمة طرابلس، لكن سرعان ما تخفت حدتها.

مصدر أمني بشرق ليبيا عزا عدم تفعيل خطة دمج المسلحين في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية إلى أسباب عدة، من بينها «تعذر توحيد المؤسسة العسكرية في البلاد، والانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن عملية الدمج هذه تحتاج إلى «فك الارتباط بين المسلحين في أنحاء البلاد من جهة والزعامات السياسية النافذة في ليبيا من جهة أخرى، وهذا لا يتأتى إلا عن إجراء انتخابات تسفر عن وجود رئيس موحد». وهذا الأمر الذي ينظر إليه على أن الساسة في عموم ليبيا هم من «أفسدوا هذه التشكيلات، ومكنوا لها بالمال، فكان لزاماً أن يتعثر المساران السياسي والعسكري»، وفق محللين.

تتمحور الأزمة راهناً حول شكل القوانين التي ينتظرها المجتمع السياسي لبدء تحريك عجلة الانتخابات


مقالات ذات صلة

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

شمال افريقيا لقاء الرئيس التركي مع الدبيبة في تركيا السبت (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يدفع بحراك دبلوماسي ليبي عبر لقاء مع إردوغان ولافروف

توزعت لقاءات الدبيبة على أطراف رئيسية فاعلة في الأزمة الليبية، أبرزها روسيا وتركيا، بما يعكس محاولة ليبية لإعادة التوازن في العلاقات الخارجية.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير الماضي (البعثة الأممية)

ماذا تحمل إحاطة تيتيه من مقاربات أمام مجلس الأمن لحلحلة الأزمة الليبية؟

تتجه الأنظار لإحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي في 22 أبريل (نيسان) الجاري، وسط ترقب سياسي لما يمكن أن تحمله من مقاربات جديدة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.