قراءة في أسباب انقلاب الرأي العام الأفريقي على فرنسا

رفضها الإقرار بالأخطاء وتبّنيها معاييرَ مزدوجة أساءا لصورتها

عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
TT

قراءة في أسباب انقلاب الرأي العام الأفريقي على فرنسا

عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)
عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية "برخان" ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (آ ب)

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الغابوني علي بونغو (ا ف ب)

أخذ الخطاب المُعادي لفرنسا في الرأي العام الأفريقي أبعاداً كبيرة لم يسبق أن وصل إليها من قبل. وبعدما كانت الانتقادات والاحتجاجات مُنحصرة في صفوف المثقفين والنُّخب، فإنها انتقلت، في الآونة الأخيرة، إلى الشارع، وقد تجلّت بصفة واضحة في خروج ملايين المتظاهرين عبر مدن أفريقيا الغربية، من داكار إلى باماكو، مروراً بواغادوغو ونيامي؛ للتنديد بالتدخل الفرنسي والمطالبة بوقفه نهائياً. وحمل المتظاهرون المحتجّون لافتات كُتب عليها عبارات مثل «يا فرنسا ارحلي!». لماذا وصلت العلاقات الفرنسية الأفريقية إلى هذه الوضعية المُتردية؟ كثيرون من الخبراء حاولوا البحث في العوامل التي أفضت إلى هذا الوضع الجديد، بينما يحاول الساسة، في حالة من الذهول، استيعاب هذه المعطيات من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

المعروف لكثيرين أن فرنسا أنشأت لنفسها إمبراطورية واسعة، بعد استعمارها أكثر من عشرين دولة في غرب أفريقيا ووسطها وشمالها على امتداد ثلاثة قرون. واتسم الاستعمار الفرنسي خصوصاً بأنه «ثقافي الهوية»، والقصد أنه تميَّز بمحاولة صبغ الهويات الخاصة بالشعوب الأفريقية بألوان المسيحية والفرنكوفونية، ناهيك عن ميله إلى القمع العنيف.

وواقعاً، كان الاستعمار الفرنسي في هذا الجزء من العالم شديد الوطأة ودمويَّ الممارسات، خلّف فصولاً سوداء في تجارة العبيد والمجازر البشرية والتعذيب ونهب الثروات. وبعد استقلال المستعمرات السابقة - ومعظمها استقلّ في عقد الستينات - طوّرت فرنسا ما يسمى سياسة «فرنس أفريك (أفريقيا الفرنسية)»؛ للمحافظة على نفوذها في هذه المنطقة من العالم، معتمدة فيها على تكثيف حضورها العسكري والاقتصادي، والتدخل في السياسات الداخلية، مع بسط نفوذها الثقافي عبر «المنظمة الدولية للناطقين بالفرنسية».

الوضع، كما يبدو، يتغير اليوم.

كثيرة من التقارير يتكلم عن تقلّص دائرة هذا النفوذ، بعد توجّه حكومات الدول الأفريقية إلى نسج شراكات اقتصادية وأمنية وثقافية جديدة مع قوى دولية طارئة على المشهد، كالصين وروسيا وتركيا. وفي تداخل على قناة «تي في5» الفرنسية، شرح عصمان نديامي، رئيس تحرير قسم أفريقيا، أن «القطيعة» مع الرأي العام في أفريقيا «بدأت بسبب طريقة تعامل فرنسا مع مستعمراتها السابقة التي تغلب عليها الرؤية الفوقية، والنزعة نحو التفوق العِرقي، إضافة إلى شعور الأفارقة بأن فرنسا لم تغادر أوطانهم بعد الاستقلال». وهنا يشرح: «إن السؤال الذي يعود دائماً في الدوائر الفرنسية هو هل سنخسر أفريقيا؟ وهذا يفترض أن فرنسا تمتلك أفريقيا... فبأي صفة يطرح الفرنسيون هذه الأسئلة؟ ثمة أزمة قراءة من طرف الفرنسيين، وهي الثغرة التي استغلّها الروس والأطراف الأخرى التي تتوجه، اليوم، إلى الشعوب الأفريقية بخطاب مختلف، وكأنها تقول لهم «نحن مختلفون عن المستعمر السابق، سنعاملكم بصفة مختلفة، سنكون شُركاء لكم، النّد بالنّد، وليس كمستعمرات سابقة».

الانتقادات الأفريقية المالوفة أيضاً تشمل أيضاً «التعامل الأبوي»، وازدواجية المعايير التي تعتمدها فرنسا وتدخلاتها في السياسات الداخلية لدول المفروض أنها تتمتع بسيادة كاملة على أراضيها. وهذا ما أشار إليه فيليكس تشيسيديكي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير والكونغو البلجيكي سابقاً)، خلال اللقاء الذي جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الأخيرة، في الرابع من شهر مارس (آذار) 2023، حين توجه إليه أمام عدسات الكاميرات بالقول: «ما يجب أن يتغير في علاقتنا الثنائية هو نظرتكم إلى ما يحدث في أفريقيا... عندما يجري في عهد الرئيس (الفرنسي الأسبق جاك) شيراك الكشف عن استعمال أصوات أشخاص متوفِّين، في الانتخابات، فلا أحد يتكلم عن تجاوزات... بينما تنتقدون كل ما يحدث عندنا وتتابعونه عن كثب...».

الانقلابات العسكرية ودور باريس فيها

وليس سراً الإقرار بأن باريس كانت وراء كثير من الانقلابات العسكرية والاغتيالات والانتخابات التي كانت تُموّلها مباشرة أو عبر شركاتها التي توغلت في الأوساط السياسية لدعم النُّخب الحاكمة وضمان ولائها، دراسة أخيرة صادرة عن جامعة تكساس قيَّمت عدد هذه التدخلات بأكثر من عشرين بين 1961 و2018، لذا فإن لجوء فرنسا إلى إعطاء دروس في الديمقراطية أصبح يثير تقزز الشارع الأفريقي.

هذه «التناقضات» أشار إليها الباحث المختص في الشؤون الأفريقية أنطوان غلاسير، في كتابه «ماكرون الفخ الأفريقي»، حين شرح: «عندما تكون دولة كالغابون عضواً (غير دائم) في مجلس الأمن، فإن من مصلحة فرنسا الحصول على صوتها، والحرص على تجنب إغضابها. والشيء نفسه بالنسبة لتشاد، التي حصل فيها محمد إدريس ديبي على تأييد باريس وزيارة خاصة من ماكرون، رغم الانتقادات. وما لا يفهمه الأفريقيون هو أنْ تُوجه باريس بعد ذلك كله انتقادات لأنظمة الحكم العسكري في مالي والنيجر وبوركينا فاسو... فبأي صفة تقرّ ما هو شرعي وما هو غير شرعي؟!... كل هذه التناقضات أصبحت مرفوضة وجاءت كالقطرة التي أفاضت الكأس...».

الرئيس السنغالي السابق الراحل ليوبولد سنغور مع الرئيس الفرنسي التاريخي شارل ديغول (غيتي)

رفض الإقرار بالأخطاء

مؤرخون وناشطون كُثر حذّروا من تجاهل فرنسا طلبات مستعمراتها السابقة بإعادة فتح ملفات حقبة الاحتلال والاعتراف بأخطاء الماضي، ولا سيما أن هذا المطلب الثابت لقي صدًى عند الكثير من القوى الاستعمارية السابقة التي بذلت جهوداً لا يُستهان بها في هذا المجال.

بريطانيا مثلاً، اعترفت رسمياً بالجرائم التي اقترفتها في حق الجماعات التي شاركت في ثورة «الماو ماو» في كينيا، وقدّمت لها تعويضات مع طلب العفو. وإيطاليا هي الأخرى، بلسان رئيس حكومتها السابق سيلفيو برلوسكوني، طلبت من ليبيا العفو رسمياً في 2008. وكذلك فعلت بلجيكا، التي تقدمت باسم ملكها الملك فيليب، يوم 30 يونيو (حزيران) المنصرم، باعتذار رسمي إلى الكونغو، معبّرة عن «أسفها العميق عن البشاعات التي اقترفتها في حق شعب الكونغو، وأعلنت الحكومة البلجيكية تأسيس لجنة لـ(الحقيقة والتصالح)»، وكذلك فعلت هولندا «جارة بلجيكا» مع مستعمرتها السابقة الضخمة إندونيسيا.

في المقابل، ماذا فعلت فرنسا للتصالح مع ماضيها الاستعماري؟ على هذا السؤال يجيب باسكال بلانشار، الباحث المختص في التاريخ الاستعماري: «لا شيء..! بل بدل ذلك صُودق، خلال فبراير (شباط) 2005، بإيعاز من اليمين، على قانون يقضي بأن تمتدح المُقرَّرات المدرسية الدور الإيجابي للاستعمار الفرنسي... الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في أوساط النخبة الأفريقية».

وتابع: «حين وصل ماكرون إلى السلطة، اعتقدنا أن الأمور ستتغير حين أعلن عن صفحة جديدة مع أفريقيا، إلا أنه بدلاً من اتخاذ قرارات فورية للتعبير عن وجود الإرادة السياسة لتصحيح الأخطاء، تخلّص من هذه الوعود بتمريرها للجان من المؤرخين، من أجل البحث في الجرائم التي اقتُرفت في الجزائر والكاميرون، والتي قد تأخذ سنين للوصول إلى نتيجة...».

ويضيف بلانشار: «في بلد يضم أكثر من 12 ألف متحف، لا يوجد واحد يهتم بالتاريخ الاستعماري!... كيف نتصالح مع ماضينا ونحن ما زلنا نصر على دفنه؟! لماذا نستغرب حين تنتفض أجيال الهجرة، ونحن الذين تركنا أولادهم يعيشون بالذاكرة الجريحة نفسها التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم؟ إننا لن نتخلص من هذا العبء إلا إذا واجهنا الأمور وقررنا تصفية هذا الإرث الثقيل...».

رموز الحقبة الاستعمارية

الماضي يعيش أيضاً في الفضاء العام الذي يبقى مطبوعاً برموز الحقبة الاستعمارية، إذ إن كثيراً من المدارس والشوارع والتماثيل والنُّصب لا يزال إلى يومنا هذا يحمل أسماء شخصيات ذات ماضٍ استعماري معروف.

وحقاً، رصد ناشطون في جمعية «أنكراج لإعادة اعتبار الثقافات والذاكرات» أكثر من 300 شارع في العاصمة الفرنسية، وثلث الفضاء العام في مدينة مرسيليا، ارتبطت بتمجيد شخصيات ثبتت مسؤوليتها في جرائم حرب أو تجارة الرقيق. وكان رئيس الجمعية باتريك زيلبرشتاين قد شرح أخيراً، لموقع إخباريّ، العراقيل التي يواجهها الناشطون لتغيير الأوضاع، قائلاً: «كثيراً ما يُقال لنا إن الاستعمار، وحتى العبودية، قد شكّلا تاريخ فرنسا، ومن ثم لا يمكن محوهما من الذاكرة الجماعية. لكن ما نطلبه ليس محو أي شيء، بل التوقف عن تمجيد هذا الماضي عبر إعطائه مكاناً في الفضاء العام...».

شباب القارة يواجهون المستعمر القديم

من حيث معدل أعمار السكان، فإن أفريقيا هي القارة الأكثر فتوة في العالم بأكثر من 400 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة، وأكثر من 60 في المائة منهم دون الرابعة والعشرين.

هذه الشبيبة التي تصبو إلى حياة أفضل يئست من وعود الأنظمة الفاسدة ونهْب الغرب خيراتها، وأصبحت واعية بأن الأمور يجب أن تتغير. وهنا يتكلم الباحث السنغالي حميدو، في كتابه «أفريقيا الآتية»، عن رغبة هذه الشبيبة في استرداد كرامة الأفريقي التي أساء إليها المستعمر السابق، في مناسبات كثيرة، كـ«خطاب داكار» في 2007، حين أعلن الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي «أن الرجل الأفريقي لم يدخل التاريخ... وأن العصر الذهبي الذي تتأسف عليه أفريقيا لن يعود؛ لأنه ببساطة لم يوجد...»، أو كما تشير إليه الإعلامية شارلوت لالان، في مقال بصحيفة «ليكسبرس»، قائلة: «في الطوابير الطويلة أملاً في الحصول على تأشيرة دراسة لا تُمنَح إلا نادراً أو في رفع الرسوم الدراسية، وكأن الفرنكوفونية تقتصر على قول باريس تحدثوا بالفرنسية ولكن ابقوا في منازلكم، وهو شيء غير منطقي».

أما الفرنكوفوني ستيفن سميث، الكاتب وأستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة ديوك الأميركية، فكتب، في مقال بصحيفة «لوفيغارو» بعنوان «فرنسا أفريقيا لماذا كل هذا الحقد؟»: «نقمة الأفارقة على فرنسا تظهر في أشياء بسيطة... عندما يشجع السنغاليون كل الفِرق الرياضية التي تلعب ضد الفريق الفرنسي، فإنك تلمس هذا الشعور المناهض لفرنسا... وحين تتحدث إليهم يجيبونك بأن فرنسا لا تفكر إلا في مصالحها... ولا تتردد في إمداد أوكرانيا بجميع أنواع العون، بينما ترفض مساعدة أفريقيا التي كافح أبناؤها إلى جانب الجيوش الفرنسية لتحريرها...».

مِثل هذا الخطاب المُعادي لفرنسا بدأ يظهر كثيراً في وسائل التواصل الاجتماعي مع بعض المؤثرين الذين يتمتعون بنفوذ كبير في أوساط الشباب الأفريقي، أهمُّهم الناشطة السويسرية الكاميرونية نتالي يامب، والفرنسي البنيني كيمي سيبا، اللذان حظيا باهتمام كبير خلال القمة الروسية الأفريقية الأخيرة.

نتالي يامب، التي يلقبها الإعلام الفرنسي بـ«صوت بوتين في أفريقيا»، ممنوعة من دخول الأراضي الفرنسية بسبب خطابها المبنيّ على «الحقد العميق تجاه فرنسا»، كما يقول بيان وزارة الداخلية، وهي تدعو في تداخلاتها إلى إنهاء سياسة «فرنس أفريك» التي تعتبرها وراء تخلف أفريقيا، وتدعو إلى تكثيف التعاون مع روسيا التي تتمتع بتقليد قديم في مناصرة الدول الضعيفة دون ماض استعماري كفرنسا، كما تقول. أما الناشط كيمي سيبا، وهو كاتب وإعلامي حاضر بقوة على منصة «تويتر» فهو يتبنى قناعات «بان أفريكانية» تدعو إلى قطع كل صلّة بالمستعمر القديم، وإنهاء الوجود العسكري، والعودة إلى الأصول الأفريقية في كل مظاهر الثقافة في الأكل واللباس والفنون.

فرنسا: الانتكاسة

يشرح الباحث في الشؤون الأفريقية أنطوان غلاسير، في كتابه «متكبر... كفرنسي في أفريقيا» قائلاً: «كل الأنظار كانت متجهة نحو أوروبا وآسيا، ولا أحد لاحظ أن أفريقيا دخلت عصر العولمة... ففي الوقت الذي كانت فرنسا نائمة، دخلت الصين بقوة حتى أصبحت، اليوم، أول شريك اقتصادي لأفريقيا، وأول مُورِّد للبضائع في حوالي 30 دولة، إضافة إلى كل المنافسين الجدد الذين ظهروا على الساحة، طمعاً في حصّة من الكعكة...». الباحث ستيفن سميث، أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة ديوك يشير إلى أن التوقيت مهم، فما يحدث لفرنسا من متاعب في أفريقيا، كما يقول، يوافق الانتكاسة التي تشهدها في عدة ميادين، بدءاً بالاقتصاد الذي يعرف ركوداً شديداً، إلى الحضور العسكري الذي تَقلّص بصورة ملحوظة من 10000 جندي إلى 3000 اليوم، إلى الاحتجاجات الواسعة التي ميّزت ولاية الرئيس ماكرون، وصعود اليمين المتطرف وخطابه المُعادي للأجانب، ولا سيما الأفارقة، كل هذا أسهم بصورة واضحة في الإساءة لصورة فرنسا في الرأي العام الأفريقي.

هكذا رسمت فرنسا حدود مستعمراتها في أفريقيا

الزعيم الغيني الاستقلالي أحمد سيكوتوري مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري ديسكار ديستان (غيتي)

*أدى «مؤتمر برلين» عام 1885 إلى ترسيم الحدود الاستعمارية للقوى الكبرى، حيث لجأت كل منها إلى إنشاء منطقة نفوذ؛ لتأكيد هيمنتها السياسية والاقتصادية. بالنسبة لفرنسا، جرى تقسيم مستعمراتها إلى كتلتين: كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية، وكتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية.

كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية

كتلة أفريقيا الغربية الفرنسية (1895 - 1958)، ضمت ثماني مستعمرات هي: موريتانيا والسنغال ومالي (عُرفت أيضاً بالسودان الفرنسي سابقاً) وغينيا وكوت ديفوار (ومعناها بالعربية: ساحل العاج) والنيجر وأعالي الفولتا العليا (حالياً بوركينا فاسو)، وداهومي (حالياً بنين). وتبلغ مساحة هذه الكتلة 4.689.000 كيلومتر مربع، أي نحو سبعة أضعاف مساحة فرنسا. أما عاصمتها فكانت سانت لويس (السنغال) حتى عام 1902، ثم صارت داكار (عاصمة السنغال الحالية). قبل أن يسيطر الأوروبيون على هذه الأراضي ويطلقوا عليها اسم أفريقيا الغربية الفرنسية، كان شعب المنطقة مُقسّماً إلى شعوب ومجموعات قبلية ولغوية عدة. وبعض هذه المجموعات كان تجمعات لعائلات عاشت في مساحات صغيرة دون سلطة مركزية. ولاحقاً شكلت بعض الجماعات دولاً أكثر تطوراً ولها حكومات مركزية وتضم عدداً كبيراً من السكان.

أيضاً، يشار إلى أنه قامت عدة إمبراطوريات كبيرة على حدود الصحارى، بلغت إمبراطورية غانا أوج قوتها خلال القرن الـ11 الميلادي، ووصلت إمبراطورية مالي إلى قمة عظمتها في القرن الـ14، وازدهرت إمبراطورية الصنغاي في أوائل القرن الـ16.

منحت فرنسا حقوق المواطنة للأفارقة، إلا أنها لم تمنحهم كلهم حق التصويت. وفي عام 1947م، بدأت فرنسا برنامج تنمية اقتصادية للاتحاد، ثم في عام 1956م أعطت جميع الأفارقة في الاتحاد حق التصويت. وحينما أقرت دستوراً جديداً عام 1958م، صوّتت غينيا الفرنسية لصالح ترك «الاتحاد الفرنسي» لتغدو دولة مستقلة، في حين صوّتت المناطق السبع الأخرى لصالح بقائها في «الاتحاد الفرنسي»، في إطار الجماعة الفرنسية الجديدة. ولكن، في نهاية عام 1958م، صوّتت هذه المناطق لتصبح جمهوريات ذاتية الحكم، قبل أن تحقق استقلالها التام تباعاً.

كتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية

أما كتلة أفريقيا الاستوائية الفرنسية (1910 - 1960)، فكانت اتحاداً من أربع مناطق في أفريقيا الوسطى، يمتد من مصب نهر الكونغو جنوباً إلى شمال شرقي الصحراء الكبرى شمالاً. ضمت هذه الكتلة ما أصبح، اليوم، خمس دول هي: الكونغو (الكونغو-برازافيل)، وتشاد، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والغابون، وفيما بعد الكاميرون (المستعمرة الألمانية السابقة التي تقاسمتها فرنسا وبريطانيا لاحقاً)، وهي تمتد على مساحة 2.509.994 كيلومتر، وكانت عاصمة هذه الكتلة مدينة برازافيل الكونغولية.

في المنطقة الشاسعة التي تشمل الكتلتين الغربية والاستوائية تعيش شعوب وقبائل عدة من أعراق متعددة وتتكلم لغات مختلفة. ومن أكبر شعوب دول هاتين الكتلتين: الفولاني (الفولا/ البول/ الفولفولدي) – الذين ينتشرون من السنغال غرباً إلى الكاميرون شرقاً – والهاوسا والكانوري والإيغبو (الإيبو)، والولوف والسيرير والصنغاي والماندينكا (المالينكي)، والصنغاي (منهم الجيرما/ الزبرما) والمانينكا والسونينكي والسينوفو والموسي والمندي والأكان.

ومن الناحية الاقتصادية، تزخر هذه المنطقة الشاسعة بثروات طبيعية مهمة، ذلك أن فيها موارد كثيرة من الغابات والمعادن، وكذلك النفط في الغابون. وأما عن المنتجات الزراعية الأهم فبينها القطن والأرز واللحوم والفول السوداني والكاكاو والبن والخشب والزيوت على أنواعها.

تاريخياً، وصل المستعمرون الفرنسيون الأوائل إلى أفريقيا في عام 1911، وتنازلت فرنسا عن أجزاء من أراضيها لمستعمرة الكاميرون الألمانية نتيجة أزمة أغادير، قبل أن تعاد إليها بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. ولكن، إبان «الحرب الباردة» برزت قيادات أفريقية نشطة سياسياً خاضت معركة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، كان من أبرزهم الزعيم الغيني أحمد سيكوتوري، والزعيم المالي موديبو كيتا، والزعيم السنغالي ليوبولد سنغور، بجانب الزعيم الإيفواري فيليكس هوفويت بوانيي.

الزعيم المالي الاستقلالي موديبو كيتا (غيتي)

- عسكريون فرنسيون مشاركون في عملية «برخان» ينهون خدمة بضعة أشهر ويغادرون قاعدتهم في مدينة غاو بمالي (أ.ب)

- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الغابوني علي بونغو (أ.ف.ب)

- الزعيم الغيني الاستقلالي أحمد سيكوتوري مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري ديسكار ديستان (غيتي)

- الزعيم المالي الاستقلالي موديبو كيتا (غيتي)

- الرئيس السنغالي السابق الراحل ليوبولد سنغور مع الرئيس الفرنسي التاريخي شارل ديغول (غيتي)


مقالات ذات صلة

شركة النفط النيجيرية تُصدر أول شحنة من خام «كاوثورن» الجديد

الاقتصاد شركة النفط الوطنية النيجيرية (NNPC) وهي شركة حكومية (رويترز)

شركة النفط النيجيرية تُصدر أول شحنة من خام «كاوثورن» الجديد

أعلنت شركة النفط الوطنية النيجيرية (NNPC)، وهي شركة نفط حكومية، الأربعاء، أنها صدّرت أول شحنة من خام «كاوثورن» الخفيف الجديد إلى هولندا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عامل يزود سيارة بالوقود في محطة بنزين في روزبانك بجوهانسبرغ (أ.ف.ب)

البنك الأفريقي للتصدير يطلق خطة بـ10 مليارات دولار لمواجهة تحديات الأزمة الحالية

وافق البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد على برنامج بقيمة 10 مليارات دولار لمساعدة الاقتصادات والشركات في أفريقيا لمواجهة تداعيات الأزمة الحالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أفريقيا عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عقد الجانبان الكونغولي والأميركي محادثات من شأنها محاولة إحياء مسار السلام المتعثر في شرق جمهورية الكونغو منذ بداية العام الحالي مع تصاعد أعمال العنف.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد شاحنة محمّلة بأكياس سكر بجانب سفينة شحن في ميناء داكار بالسنغال (رويترز)

السنغال تحظر سفر مسؤولي الحكومة بسبب ارتفاع أسعار النفط

أوقفت الحكومة السنغالية جميع الرحلات الخارجية غير الضرورية للوزراء، وكبار المسؤولين، محذرة من أوقات «صعبة للغاية» مستقبلاً، في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية.

«الشرق الأوسط» (داكار)
أفريقيا جانب من المشاركين في «منتدى التشاور» بأديس أبابا بين إقليم تيغراي والحكومة الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

حوار حكومة إثيوبيا وتيغراي... خطوة للمصالحة لا تخلو من عقبات

مناقشات لم تخل من اختلافات شهدتها الجولة الأولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا، بحضور معنيين من إقليم تيغراي.

محمد محمود (القاهرة)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.