زيارة مودي إلى باريس وما تعنيه للعلاقات الثنائية

في خضمّ الأزمات العالمية وتشابك المصالح والأولويات

 مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)
مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)
TT

زيارة مودي إلى باريس وما تعنيه للعلاقات الثنائية

 مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)
مودي "ضيف شرف" في احتفالات "اليوم الوطني الفرنسي" وتبدو معه نظيرته الفرنسية إليزابيث بورن. (آ ب)

زيارة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي الأخيرة لفرنسا، كانت السادسة منذ عام 2015، ثم إنه سبق أن استضافه الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه أربع مرات منذ وصوله إلى السلطة عام 2017. ولقد استغل الزعيمان مودي وماكرون، في الواقع، هذه المناسبة للاحتفال بـ«اليوبيل الفضي» للشراكة الاستراتيجية بين باريس ونيودلهي، فضلاً عن تحديد رؤية جريئة لربع القرن المقبل. كذلك سعى الجانبان إلى تعميق تعاونهما في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

الزعيم الهندي مع الرئيس ماكرون (أ.ب)

يجري كل هذا في خضم تطوير العلاقات بين أوروبا والهند على نطاق أوسع؛ إذ أصدرت الهند وفرنسا «خارطة طريق» بعنوان «أفق 2047» لتعزيز التعاون الثنائي على مدى السنوات الـ25 المقبلة، التي تُؤرخ 100 سنة من استقلال الهند، و50 سنة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ولقد عمل أربعة رؤساء فرنسيين وثلاثة رؤساء وزراء هنود، خلال السنوات الـ25 الماضية، على تطوير هذه العلاقة.

الاستقلال الاستراتيجي وتحويل المصالح

في الصورة الأوسع، ترتكز العلاقة الاستراتيجية بين فرنسا والهند على الاحترام المتبادل للاستقلالية الاستراتيجية لكلا الجانبين، وظلت باريس ثابتة على رفضها التعليق على الشؤون الداخلية للهند، أو خيارات نيودلهي في مجال السياسة الخارجية. وفي حين لعبت فرنسا دوراً قيادياً في رد الغرب على حرب روسيا في أوكرانيا، فإنها لم تنضم إلى الدول الغربية الأخرى في حثّ القيادة الهندية علناً على تغيير موقفها.

في الحقيقة، يشهد التاريخ على أن فرنسا حليف وثيق للهند، وبدأت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين مباشرة بعد التجارب النووية الهندية. ففي عام 1974، ثم عام 1998، لم تنضم فرنسا إلى الضغوط الغربية لمعاقبة الهند على تجاربها النووية، بل تدخلت بإمدادات اليورانيوم لتشغيل مفاعلات تارابور النووية الهندية بالطاقة، وامتنعت عن إدانة التجارب النووية الهندية. كذلك، انتهزت باريس الفرصة لتعزيز العلاقات الدفاعية والأمنية مع نيودلهي، في بادرة لها صداها لدى مؤسسة السياسة الخارجية الهندية حتى الآن. وبعد فترة وجيزة من منح مجموعة المورّدين النوويين (NSG) إعفاءً خاصاً بالهند في سبتمبر (أيلول) 2008 للمشاركة في التجارة النووية المدنية، كانت فرنسا أول دولة توقع اتفاقية نووية مدنية مع الهند لمشروع جايتابور للطاقة النووية.

وفي حين، كان مثيراً للاهتمام أن البرلمان الأوروبي تبنى - بينما كان مودي يزور فرنسا - قراراً ينتقد الحكومة الهندية بسبب العنف في ولاية مانيبور الهندية، ذات الغالبية المسيحية، والانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان وقضايا حرية الدين، لم تُناقش أي من هذه القضايا أو تُثار بين الزعيمين الفرنسي والهندي. كما لم تُشر الهند أيضاً إلى أعمال العنف في فرنسا بعد مقتل فتى مراهق من أبناء الجالية الجزائرية.

تطورات العقد الماضي

اكتسبت الشراكة الفرنسية - الهندية ثقلاً واضحاً خلال العقد الماضي، مع بدء التعاون الوثيق، ثم تعزيزه، في مجموعة واسعة من القضايا، تشمل مجالات حساسة وسيادية، مدعوماً بالتعاون التجاري الدفاعي المزدهر الذي جعل فرنسا ثاني أكبر مورِّد للأسلحة إلى الهند بعد روسيا. وعلّق الصحافي والبروفسور الهندي راجا موهان بأن «عند البلدين ما يمكن وصفه بالتطابق في سعيهما المشترك إلى الاستقلال الاستراتيجي وسط ديناميكيات القوة العالمية». وأردف شارحاً أن شعار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «متحالفون غير منحازين» يعكس إصرار وزير الخارجية الهندي الدكتور س. جايشانكار على أن الهند «مؤهلة لأن يكون لها موقفها الخاص». ويتجسّد هذا الموقف بصورة أفضل في مفهومٍ كانت العاصمتان تستخدمانه بانتظام، ألا وهو «الاستقلال الاستراتيجي»، الذي يُعرّفُ بأنه القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن الضغوط الخارجية، لا سيما من القوى العظمى، في مجالات السياسة الرئيسية.

ويتابع موهان: «سواءً كان رفض معاقبة نيودلهي في أعقاب التجارب النووية عام 1998، أو منع الصين من إدراج مسألة كشمير على جدول أعمال مجلس الأمن الدولي بعدما غيّرت الهند الوضع الإقليمي الراهن في الإقليم في أغسطس (آب) 2019، أثبتت باريس أنها الحليف الأكثر قيمة وثباتاً للهند»، ويستطرد: «يفيد تحليل حديث أن مودي وماكرون، مثل أسلافهما، عزّزا صلات قوية مع القوى الكبرى من دون أن يصبحا معتمدين بشكل مفرط على أي منها، وبالتالي، فهما محافظان على مسافة من المنافسة بين مختلف الكتل على غرار الحرب الباردة». وبينما تشير التطورات إلى أن «الهند بزعامة مودي لا تزال تعارض رسمياً الانضمام إلى تحالف عسكري، فإن ماكرون ينتقد بانتظام حلف شمال الأطلسي (ناتو) بطريقة ديغولية للغاية».

النظام العالمي

من جهة أخرى، اعتبر خبراء هنود أن زيارة مودي لفرنسا مهمة من حيث تغيير النظام العالمي وكذلك العلاقات الثنائية بين البلدين؛ إذ اعتبر الدكتور شيتال شارما، عضو هيئة التدريس بمركز الدراسات الأوروبية بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي، أن الزيارة كانت حاسمة فيما يتعلق بثلاثة مجالات رئيسة، وأوضح: «لقد جاءت في وقتها، وهي مهمة في العديد من الجوانب، وعلينا أن نفهم أهميتها من زاوية ثلاثة مجالات بالذات هي: تغيير النظام العالمي، والعلاقات الثنائية بين الهند وفرنسا، والحرب الأوكرانية». ثم تابع أن انتقاد الهند في فرنسا أمر نادر الحدوث. وقبل أقل من سنة، انتقد الرئيس ماكرون الدول التي تقف على الحياد بشأن حرب أوكرانيا في خطابه في الأمم المتحدة، معتبراً «أن الذين يصمتون اليوم يخدمون، سواءً ضد إرادتهم أو سراً بتواطؤ معيّن، حالة إمبريالية جديدة».

وأضاف شارما: «لقد جاء ذكر مودي في خطاب ماكرون. ولكن لم يكن الهدف معاقبة الزعيم الهندي على حياد نيودلهي في حرب أوكرانيا، ولا زيادة وارداتها من النفط الروسي الرخيص في ظل سقف للأسعار فرضته العقوبات العالمية، بل بدلاً من ذلك، أشاد الزعيم الفرنسي بنظيره الهندي لإبلاغه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن «عصر اليوم ليس وقتاً للحرب» خلال «القمة» المنعقدة في أوزبكستان. ثم إن فرنسا أيضاً عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. وتأكيداً لتناغم القوى المتوسطة، يتوجب على نيودلهي الشروع في استكشاف إمكانيات الدعم الفرنسي الثابت للهند في مجلس الأمن الدولي.

ومن جهته، يقول البروفسور غولشان ساتشديفا، من مركز الدراسات الأوروبية بجامعة جواهر لال نهرو، معلقاً: «بعيداً عن عروض الصداقة الاحتفالية، تتشارك الهند وفرنسا في نظرة مماثلة إلى الشؤون الدولية... فالدولتان تفضلان نظاماً متعدد الأقطاب يمكِّنهما من لعب دور فعال في الساحة العالمية. والدولتان تتمتعان بهويات وطنية قوية، وتسعيان إلى الحصول على الاستقلال الاستراتيجي، وإعطاء الأولوية لحرية اتخاذ القرار في مجال السياسة الخارجية، والنظر إلى العالم من خلال عدسة من الاعتزاز العميق».

المواقف من أوكرانيا وروسيا والصين

في جانب موازٍ، في حين تحافظ فرنسا والهند على التزامهما بالتعددية القطبية، فإن حرب أوكرانيا تشكل تحدياً لبعض الضرورات غير المعلنة، لكنها تشكل ضرورة أساسية لشراكتهما الاستراتيجية.

إذ ما زالت الفوارق قائمة بين فرنسا والهند فيما يتصل بوجهات نظرهما حيال الحرب في أوكرانيا، وراهناً تحافظ نيودلهي على توازن دبلوماسي بين موسكو والدول الغربية، بعدما أحجمت عن إدانة التدخل العسكري لفلاديمير بوتين في أوكرانيا، فضلاً عن ذلك، برزت الهند باعتبارها مستورداً بارزاً للنفط الروسي بأسعار مخفّضة أثناء أضخم صراع أوروبي منذ الحرب العالمية الثانية. ولقد خضع حياد الهند لتدقيق متكرّر، مع امتناعها مراراً وتكراراً عن التصويت في الأمم المتحدة على إدانة العدوان الروسي في أوكرانيا.

وهنا يقول ساتشديفا: «يكمن الاختبار الحقيقي للتماسك الاستراتيجي بين فرنسا والهند في تقييم كل منهما لكيفية إشراك قوى كبرى أخرى مثيرة للمشاكل، مثل الصين وروسيا، فلطالما تطلعت نيودلهي تاريخياً إلى موسكو لاحتواء النزعة التوسعية لبكين في فنائها الخلفي الآسيوي. لكن أزمة أوكرانيا تسببت في إطلاق شرارة تحولات جيوسياسية هائلة، وهذا يشمل تغيراً في ميزان القوى بين موسكو وبكين، ما يجعل روسيا التي تُفرض عليها عقوبات وتُهمش بشكل متزايد تعتمد على الصين الناشئة... الأمر الذي يضرّ بالهند».

ثم يضيف: «لدى فرنسا تقدير أفضل من البلدان الأوروبية الأخرى لموقف نيودلهي من تلك الحرب». وأيضاً، كانت باريس من المؤيدين الدائمين للحصول على مقعد دائم للهند في مجلس الأمن، ولقد دعمت بقوة مواقف الهند بشأن كشمير والإرهاب في الأمم المتحدة، وكذا لدى هيئات مثل فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية».

ماكرون والصين

وهنا تجدر الإشارة، إلى أن الهند، التي دخلت في مواجهات عسكرية مع بكين في جبال الهيمالايا منذ أبريل (نيسان) 2020، تقرّ بأن علاقاتها مع الصين «غير طبيعية». وفي أبريل أثار الرئيس ماكرون جدلاً كبيراً في العواصم الغربية، لكنه حاز على الثناء من بكين عندما أعاد طرح فكرة الاستقلال الاستراتيجي بعد زيارة الدولة الرسمية لبكين.

كذلك أظهر ماكرون انفتاحاً على توسيع العلاقات التجارية مع الصين، وسعى إلى دور الصين بوصفها وسيطاً في الصراع الأوكراني. وصُورت هذه الزيارة على أنها شكل من أشكال التساهل الفرنسي تجاه بكين. ولكن بخلاف الولايات المتحدة، فإن فرنسا لا تستهدف الصين في علاقاتها بالهند، ولا تعلّق على التوترات الحدودية علناً.

ثم إن نيودلهي أحجمت عن انتقاد ماكرون لزيارته بكين هذا العام. وبدلاً من ذلك، كانت ردود الفعل الهندية معتدلة، عبر عمل نيودلهي وباريس معاً بشكل وثيق في الممارسة العملية على تحقيق التوازن بين منافستهم المشتركة، الصين، في المنطقة. ويشير تحليل نشرته شبكة «فرانس 24» الإخبارية، بقلم ليلى جانكتو، إلى أنه «نظراً لوجود العديد من المصالح المشتركة على المحك، يستطيع مودي الاعتماد على صديقه ماكرون لتفهم موقف نيودلهي من أوكرانيا... وسيطلب مودي من باريس تجنب ضغط على الهند للانضمام إلى الكتلة الغربية، وأن تكون بدلاً من ذلك أكثر حضوراً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ في مجموعة «كواد» (التجمع الذي يضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة). ويمضي التحليل: «إن موقف الهند التقليدي هو أن الولايات المتحدة ليست شريكاً موثوقاً به، وتتيح مساحة كبيرة لصديقٍ (أي فرنسا) تحتاج إليه. وتدرك الهند أنه إذا كان ثمة تقارب بين أوروبا وروسيا، فإن فرنسا هي التي ستقوده».

التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والفضاء

من جانب آخر، لئن كان العامل الصيني سبباً رئيساً لتوثيق العلاقات بين الهند والدول الغربية ومغازلتها للهند، فقد جاءت الحرب الأوكرانية بمثابة جرس إنذار للدول الأوروبية لجهة اعتمادها الاقتصادي الشديد على الصين. وفي المقابل، برزت الهند بوصفها سوقاً حاسمة لتجارة الأسلحة بالنسبة لفرنسا أيضاً. وفي هذه الشراكة المتعددة الأوجه، يمتد التعاون عبر مجموعة واسعة من القطاعات، بما فيها الدفاع، والمناخ، وانتقال الطاقة، والتعاون في مجال الفضاء، والاقتصاد الأزرق، والتعددية، بل حتى مكافحة الإرهاب. وعليه ليس من المستغرب أن تحتل صفقات الدفاع مركز الصدارة؛ نظراً لأن الدفاع كان تقليدياً، والركيزة الأقوى للشراكة بين الهند وفرنسا، وأن فرنسا - كما سبق - هي ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى الهند بعد روسيا بنصيب كبير يبلغ 30 في المائة.

مع هذا، فإن الخطط التوسعية للتعاون الدفاعي التي أعلنها مودي وماكرون، تؤكد بُعداً جديداً مهماً لعلاقتهما الثنائية. وهو أن فرنسا تحل محل روسيا باعتبارها ركيزة «الاستقلال الاستراتيجي» للهند. وخلال زيارة مودي الأخيرة، توصل الطرفان بنجاح إلى اتفاقات تتعلق بشراء الهند 26 طائرة مقاتلة من طراز «رافال - مارين» لقواتها البحرية، فضلاً عن البناء المحلي لثلاث غواصات إضافية من طراز «سكوربين» تبلغ قيمتها نحو 10 مليارات دولار. بيد أنه من المهم ملاحظة أن هذه الشراكات لا تنطوي على إدماج القوات أو وضع خطط حربية مشتركة. كذلك يشهد التعاون في مجال انتقال الطاقة تقدماً كاملاً؛ إذ أطلق البلدان عام 2015 التحالف الدولي للطاقة الشمسية الذي تطور ليشمل 100 دولة مختلفة.

العلاقة مع واشنطن

في الوقت نفسه، تربط كل من باريس ونيودلهي علاقات معقدة كثيراً ما يُساء فهمها مع الولايات المتحدة. فالعاصمتان تطمحان إلى درجة من الاستقلال عن سياسات واشنطن، مع إدراكهما أهمية اعتمادهما على القوة الأميركية في دفاعهما وأمنهما. ووفقاً للرئيس الفرنسي، على أوروبا ألا تتورّط في مواجهة أميركا مع الصين بل تحافظ على «استقلالها الاستراتيجي»، بينما هو يحذّر من أن اعتماد أوروبا الأمني على الولايات المتحدة قد يحوّل الدول الأوروبية إلى «تابعين» لواشنطن إذا ما تصاعدت المواجهة بين أميركا والصين. ولذا عمل ويعمل على دفع فكرة أن تكون أوروبا «قوة عظمى ثالثة» مع فرنسا في الصدارة.

الحسابات المشتركة في حوضي المحيطين الهندي والهادئ

> تملك كل من الهند وفرنسا مصالح استراتيجية كبيرة في المحيط الهندي، وتتشاركان المخاوف المتعلقة بتزايد عدوانية الصين في المنطقة. ولقد تفاقم التنافس بين الصين والهند نتيجة للنزاعات الدائرة على طول الحدود في جبال الهيمالايا، الأمر الذي يدفع نيودلهي إلى تحديث قواتها المسلحة بسرعة.

من منظور جغرافي استراتيجي، أثبت مفهوم منطقة المحيطين الهندي والهادئ أنه إطار قيّم للعلاقات المزدهرة بين فرنسا والهند. وتضم هذه المنطقة أيضا 1.5 مليون مواطن فرنسي، إضافة إلى 8000 جندي متمركزين في المنطقة، بحسب وزارة الخارجية الفرنسية.

وحسب الكاتبة الصحافية أيشواريا سانجوكتا روي بروما: «تعد فرنسا، باعتبارها الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لديها أراض في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، شريكاً مثالياً لتعزيز الوعي بالمجال البحري الهندي في المنطقة. وإلى جانب تعزيز مشاركة الهند في «كواد»، من شأن الشراكة الهندية الفرنسية المساعدة على مراقبة الأنشطة الصينية في المنطقة عن كثب. ومع أن فرنسا قد لا تتمكن من إزالة المخاطر أو الانفصال عن الصين بسبب المصالح التجارية، فإنها ساعدت الهند في تعزيز دفاعها البحري على أساس المعاملات. تماماً كما حدث عام 2021، حين تحوّل الخلاف بين فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا حول الغواصات إلى أزمة دبلوماسية شاملة، ويومها اتصل الرئيس إيمانويل ماكرون برئيس الوزراء ناريندرا مودي هاتفياً.

قوات هندية تشارك في العرض العسكري بجادة الشانزيليزيه (آ ف.ب)

إقرار فرنسي بالمصالح الاقتصادية والجيو ــ ستراتيجية

عدَّ كيه. سي. سينغ، السكرتير السابق في الخارجية الهندية، الاستقبال الفائق لرئيس الوزراء الهندي خلال احتفالات اليوم الوطني الفرنسي، أخيراً، إقراراً بالمصالح الاقتصادية والجيو-ستراتيجية العميقة التي تربط باريس ونيودلهي.

سينغ ذكر أن العلاقة تعود إلى ستينات القرن الماضي، عندما تدخلت فرنسا لمساعدة الهند في مجال الفضاء، وعرضت اليورانيوم المخصّب على مفاعل نووي، ولم يسبق لها أن أملت نصائحها بشأن البرنامج النووي الهندي على عكس الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.

كانت باريس ونيودلهي على مسار تعاوني هادئ لسنوات، استناداً إلى حس تجاري سليم وتقدير لرفض الآخرين اللعب بسياسات المعسكر. ولذا، على غرار زيارة مودي إلى الولايات المتحدة، كانت رحلته إلى فرنسا أيضاً بشأن توسيع طموح للتعاون الاستراتيجي، والبعث بإشارات مهمة في أوقات دولية عصيبة.


مقالات ذات صلة

تحدّيات جدّية لاستمرار «المشروع الأوروبي» بعد انتخابات 2024

حصاد الأسبوع مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)

تحدّيات جدّية لاستمرار «المشروع الأوروبي» بعد انتخابات 2024

لأول مرة منذ تأسيس المشروع الأوروبي أواخر خمسينات القرن الماضي يرى الناظر إلى الساحة الأوروبية أن كل شيء قد تبدّل، أو هو على أعتاب تغيير عميق. لم يحصل أبداً أن

شوقي الريّس (بروكسل)
حصاد الأسبوع جوردان بارديلا.... الورقة الرابحة لليمين الفرنسي المتطرّف

جوردان بارديلا.... الورقة الرابحة لليمين الفرنسي المتطرّف

فوز حزب «التجمع الوطني» الفرنسي في الانتخابات الأوروبية، التي أجريت أخيراً، باللائحة التي قادها رئيسه جوردان بارديلا لم يكن يحمل أي مفاجأة. والسبب هو أنه منذ

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع مارين لوبان (رويترز)

كيف يقرأ الإعلام الفرنسي شخصية بارديلا؟

الصحافي بيار ستيفان فور كشف في كتابه «البديل الكبير... أو الوجه الخفي لبارديلا»، بعد بحث استغرق سنة كاملة وخصّص لتأليف هذه السيرة الشخصية لجوردان بارديلا،

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع آثار الدمار في الفاشر (آ ف ب)

السودان: معركة «كسر عظم» في الفاشر

الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور بأقصى غرب السودان، هي المدينة الوحيدة في الإقليم الكبير، الذي تضاهي مساحته مساحة فرنسا، التي لا تزال في يد الجيش والميليشيات

أحمد يونس (أديس أبابا)
حصاد الأسبوع السيناتور توم كوتون

هل يصبح السيناتور توم كوتون وريث «الترمبية» في الحزب الجمهوري؟

مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأميركية التي ستجري بعد نحو 5 أشهر، لا يزال اسم نائب الرئيس الذي سيُدرج على بطاقة الانتخاب مع الرئيس السابق دونالد ترمب،

إيلي يوسف (واشنطن)

تحدّيات جدّية لاستمرار «المشروع الأوروبي» بعد انتخابات 2024

مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)
مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)
TT

تحدّيات جدّية لاستمرار «المشروع الأوروبي» بعد انتخابات 2024

مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)
مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)

لأول مرة منذ تأسيس المشروع الأوروبي أواخر خمسينات القرن الماضي يرى الناظر إلى الساحة الأوروبية أن كل شيء قد تبدّل، أو هو على أعتاب تغيير عميق. لم يحصل أبداً أن مرّ هذا المشروع، الذي نهض في أوروبا من رماد الحروب، ومن أجل تجنب تكرار تجربتها المريرة، بمثل هذه المرحلة التي تبدو فيها كل الإنجازات التي تراكمت على مدى سبعة عقود في مهبّ رياح العاصفة اليمينية المتطرفة والشعبوية. وهذه العاصفة تهدد اليوم حقاً بزعزعة أعمدة الهيكل الذي صمد حتى الآن بفضل توازنات صنعتها الأحزاب التقليدية المتراجعة شعبيتها باطراد منذ سنوات.

عند انتصاف الليلة الأخيرة من الأسبوع الماضي كان الأوروبيون قد ذهبوا إلى نومهم بعدما ظهرت النتائج الأولية للانتخابات الأوروبية مؤكدة توقعات صعود اليمين المتطرف في معظم أرجاء الاتحاد. ومع بزوغ فجر الاثنين كان حزب مارين لوبان، «التجمع الوطني»، يتصدّر المشهد السياسي الفرنسي بنسبة تزيد على ضعف ما حصل عليه «التجمّع» الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون الذي سارع إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة نهاية هذا الشهر. وفي ألمانيا كان «النازيون الجدد» يصعدون إلى المرتبة الثانية أمام الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي يقود الائتلاف الحاكم.

وفي موازاة كل هذا كانت أطراف الأخطبوط اليميني المتطرف تمتد وتترسّخ في النمسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا بعدما كانت قد ضربت جذورها في عمق المشهد الإيطالي، وبدأ الأوروبيون يشعرون بأنهم جالسون على فوّهة بركان يراقبون كيف أصبحت الدول الثلاث الكبرى في الاتحاد - أو كادت - تحت رحمة اليمين المتطرف.

المشهد الإسباني

في إسبانيا، بعدما تأكيد النتائج النهائية حلّ الحزب الشعبي اليميني في المرتبة الأولى حاصداً 186 مقعداً، أي بزيادة عشرة مقاعد عن الولاية السابقة. وفي المرتبة الثانية حلّت كتلة الاشتراكيين والديمقراطيين التي حصلت على 135 مقعداً بعد خسارتها أربعة مقاعد، في حين أصيب تحالف الليبراليين بهزيمة قاسية بعدما خسر 23 مقعداً ليغدو رصيده 79 مقعداً. وفي المقابل، حصلت كتلة المحافظين و«الإصلاحيين» المناهضة للمشروع الأوروبي على 73 مقعداً وحصل «تكتل الهوية والديمقراطية» اليميني المتطرف على 58 مقعدا. أما التكتل الذي يقوده حزب «الخضر» فقد خسر 13 مقعداً ليصبح رصيده 53 مقعداً، في حين نال التكتل اليساري الذي يضمّ الأحزاب الشيوعية 36 مقعداً محتفظاً برصيده السابق. وأما بقية الأصوات فتوزّعت على الأحزاب التي لا تنتمي بعد إلى تشكيلة العائلات السياسية داخل البرلمان الأوروبي، ومعظمها من الأحزاب الشعبوية والقومية اليمينية مثل حزب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي حصل على عشرة مقاعد.

هذا الصعود الذي حققته الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي في حال تضافرها يمكن أن تشكّل الكتلة الثانية في البرلمان الأوروبي، يجعل من هذه الانتخابات «زلزالاً» يتجاوز بكثير الاستفتاء الفرنسي الذي وأد عام 2005 مشروع «الدستور الأوروبي» الذي كانت الأحزاب التقليدية تعقد آمالاً كبيرة عليه لترسيخ مشروع الاندماج الأوروبي تحسبّاً لصعود القوى المناهضة الذي كانت بدأت تظهر أولى تباشيره.

أثبتت صناديق الاقتراع أن المشروع الأوروبي في خطر (آ ب)

التقليديون مطمئنون

ولكن على الرغم من وضوح التصدّع الذي أحدثه صعود اليمين المتطرف في المشهد السياسي الأوروبي، تبدو الأحزاب التقليدية مطمئنة لقدرتها على رصّ صفوفها لمواجهة هذا المد الواسع، متجاهلة مخاطر احتمالات وقوع فرنسا وألمانيا في قبضة أحزاب اليمين المتطرف المصمّم على وقف محركات مشروع الاندماج الأوروبي في احرج مراحله، لا سيما بعد النصر المدوّي الذي أحرزه حزبا «التجمع الوطني» في فرنسا، وصعود «البديل من اجل ألمانيا» إلى المرتبة الثانية اكبر دول الاتحاد.

الواقع أنه بعد «الطلاق» الذي فصل بريطانيا عن شركائها الأوروبيين منذ نيّف وأربع سنوات، أظهر الاتحاد الأوروبي أنه قادر تماماً على الاستمرار من دون الدولة التي كان الجنرال شارل ديغول يسمّيها في مجالسه الخاصة «حاملة الطائرات الأميركية قبالة الساحل الفرنسي». بيد أنه ليس من المؤكد أن المشروع الأوروبي سيظل قابلاً للبقاء من دون «المحور» الألماني - الفرنسي الذي لطالما شكّل القاطرة الاقتصادية والسياسية للاتحاد، أو حتى في حال تعرّض هذا المحور للعطب كما حصل يوم الأحد الفائت بعد الهزيمة التي مني بها كل من الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس أمام اليمين المتطرف.

المحور الألماني الفرنسي

على الرغم من الاهتزازات التي يعاني منها محور برلين - باريس منذ سنوات، فإنه بقي قادراً على دفع الاتحاد الأوروبي قُدماً في اللحظات المفصلية وساعة اتخاذ القرارات المصيرية. ولكن بعد ترسيخ قوى التطرف جذورها في عمق المشهد الإيطالي، وصعود يمين اليمين الذي يحمل رؤية مختلفة للمشروع الأوروبي، والغموض الذي يلف اليوم مستقبل ماكرون والائتلاف الألماني الحاكم بقيادة شولتس، يبدو «قلب الاتحاد» معرّضاً للشلل أو للانفجار. وكل هذا يحصل بينما يحتاج المشروع الأوروبي إلى تغييرات جذرية كي لا يتخلّف في السباق العالمي المحتدم على أكثر من صعيد بين المحاور الكبرى.

المراقبون في المؤسسات الأوروبية يجمعون على أن صعود القوى اليمينية المتطرفة والشعبوية هو دائماً مبعث قلق من حيث تداعياته السلبية على صعيد ترسيخ المشروع الأوروبي ومواصلة اندماجه، ويرون أن هذا القلق يتحوّل خطراً مباشراً يهدد ديمومة الاتحاد عندما يتركّز هذا الصعود في فرنسا وألمانيا اللتين تشكلان قوة الدفع التقليدية للمشروع الأوروبي. إذ إن الجنوح الأوروبي الواضح نحو اليمين، مشفوعاً بترهّل القوى الأوروبية في برلين وباريس، يجعل من الصعب جداً أن يبلغ الاتحاد أهدافه الرئيسية في المرحلة المقبلة، مثل زيادة الإنفاق في مجال البحوث والتنمية لمواكبة الصين والولايات المتحدة، أو مواصلة برنامج التوسعة نحو الشرق والقوقاز، أو الاستثمار في مشاريع الدفاع المشتركة والميثاق الأخضر. ولا شك، في أن هذا الجنوح ينذر بالمزيد من التحصينات «الانعزالية» داخل القلعة الأوروبية في وجه المهاجرين وطالبي اللجوء، بجانب تراجع الدعم لأوكرانيا... خاصة لمرحلة الإعمار.

أهمية المحور الألماني - الفرنسي ظهرت بشكل خاص إبان جائحة «كوفيد - 19» وما عقبها من توافق حول خطة النهوض، ثم تعرّض للاهتزاز مع الاجتياح الروسي لأوكرانيا بسبب التباين في مواقف الشريكين حول الدعم العسكري والطاقة، لكنه ظل فاعلاً على الرغم من افتقار العلاقة الثنائية بين ماكرون وشولتس إلى الانسجام والحميمية اللذين ميّزا العلاقات بين القيادتين الفرنسية والألمانية لعقود. مع هذا، ثمة قاسم مشترك يجمع الزعيمين هو الرؤية نفسها للمشروع الأوروبي التي تختلف كلياً عن تلك التي يحملها غريماهما المحليان اليمينيان مارين لوبان وحزب «البديل من أجل ألمانيا».

في حسابات المقاعد

صحيح أن حسابات المقاعد في البرلمان الأوروبي الجديد تضمن حصول الأحزاب المعتدلة على الغالبية الكافية التي تسمح بالتصدي للجحافل الشعبوية والمتطرفة التي ما زالت دون انصهارها في كتلة واحدة متراصة عقبات كبيرة جداً. إلا أن انتخابات الأحد الماضي أسقطت الكثير من المحرّمات حول اليمين المتطرف. وأيضاً ترددات «الزلزال» الذي هزّ المحور الألماني - الفرنسي صارت مسموعة في جميع أرجاء الاتحاد، خاصةً، بعد سقوط الكثير من الحواجز التي كانت تحول تواصل اليمين المعتدل مع القوى المتطرفة على يمينه.

كذلك، لئن كان البرلمان الأوروبي قد اكتسب صلاحيات واسعة خلال السنوات الأخيرة، فان «غرفة العمليات» الأساسية في الاتحاد ما زالت تستند إلى المفوضية والمجلس، أي إلى حكومات الدول الأعضاء مجتمعة. وعندما تكون هاتان المؤسستان على الموجة ذاتها، تكون الرياح مواتية لإبحار سفينة الاتحاد من غير أن تتعرّض لمخاطر الجنوح، لكن عندما يختلّ الانسجام بين البلدان الأعضاء تصبح بوصلة المشروع الأوروبي حائرة في تحديد الوجهة الصحيحة.

ومن ثم، لا شك في أن القرار المفاجئ الذي أقدم عليه الرئيس الفرنسي ماكرون بدعوته إلى إجراء انتخابات مُسبقة نهاية هذا الشهر قبل انطلاق الألعاب الأولمبية الصيفية في بلاده، ينطوي على مجازفة كبيرة قد تضعفه وتضيّق هامش تحركاته في حال جدّد حزب مارين لوبان فوزه في الانتخابات الأوروبية، ويفتح الباب أمام دخول وزراء من هذا الحزب إلى مجلس الاتحاد الأوروبي الذي يتمتع بصلاحيات اشتراعية واسعة، يدعمهم وزراء من اليمين الإيطالي المتطرف. ويتوقع مسؤولون في الدوائر الأوروبية أن يؤدي انتصار لوبان و«تجمعها الوطني» في الانتخابات الفرنسية إلى عرقلة سياسة الهجرة الأوروبية التي وصلت إلى خواتيمها بعد مخاض عسير وطويل، وربما إلى تغييرها نظراً للتحوّل الذي طرأ أخيراً على مواقف العديد من الأحزاب الأوروبية المحافظة.

الوضع الألماني ... أقل حرجاً

الوضع في ألمانيا، وعلى الرغم من خطورته نظراً لموقعها ودورها الاستراتيجي داخل الاتحاد، يبقى مرحلياً في الظرف الراهن وقابلاً للتجاوز بسهولة في ظل وجود بديل أوروبي معتدل يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. أي بعكس الوضع في فرنسا الذي ينذر بأزمة سياسية عميقة توشك أن تهمّش الأحزاب السياسية التي لعبت دوراً تاريخياً في بناء الصرح المؤسسي للاتحاد الأوروبي، ويرجّح كثيرون أن تكون رصاصة الرحمة التي تقضي على محور برلين - باريس.

وحقاُ، كان أوّل الغيث المؤشر إلى تداعيات «زلزال» الانتخابات الأوروبية في فرنسا وألمانيا حالة أسواق المال منذ بداية هذا الأسبوع، لا سيما، بعدما أصبح ماكرون محشوراً في زاوية ضيّقة ومحاصراً من كل الجهات، وبعدما تقدّم «البديل من أجل ألمانيا» على الأحزاب الثلاثة التي تشكّل الائتلاف الحاكم بقيادة شولتس.

الضباب الكثيف الذي أسدله مستقبل ماكرون الغامض وهشاشة وضع المستشار الألماني، حتماً يقلّصان الطموحات الأوروبية في هذه الولاية التشريعية التي من المفترض أن تعيش مرحلة التحولات الكبرى الممهدة لتوسعة جديدة في عضوية الاتحاد. وللعلم، التقرير المنتظر الذي اعدّه رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي حول مستقبل النادي الأوروبي، والذي سيقدّمه بعد أيام أمام البرلمان الجديد، يؤكد على حاجة الاتحاد الملحة إلى تغيير جذري من أجل صون نموذجيه الاقتصادي والاجتماعي على الساحة الدولية الراهنة. بيد أن النتائج التي أسفرت عنها هذه الانتخابات الأوروبية تنذر باستحالة حدوث هذا التغيير، لا، بل إن بعض الحكومات قد تدفع باتجاه تقليص المساعي الاندماجية.

تحت وطأة الهزيمة ...الرئيس الفرنسي ماكرون دعا إلى انتخابات مبكرة في فرنسا (رويترز)

علامات استفهام حول المواقف المستقبلية لقوى اليمين المحافظ التقليدي

مع تزايد الترقب بانتظار الولاية التشريعية الجديدة في البرلمان الأوروبي منتصف الشهر المقبل، عندما تكون قد ارتسمت الملامح النهائية للمأساة الفرنسية - من غير استبعاد مفاجآت أخرى -، تتجه الأنظار نحو «ضفة» القوى المحافظة واليمينية التقليدية.هذه القوى لم تحسم بعد بصورة نهائية مفاضلتها بين الحفاظ على التحالف التقليدي مع الاشتراكيين والتقدميين والليبراليين الذي أمّن التوازن والتناوب السلس في مؤسسات الاتحاد طيلة عقود، أو مواصلة الجنوح نحو الأحزاب اليمينية المتطرفة التي يبدو أنها نجحت في تمويه جذورها مثل «إخوان إيطاليا» الذي تقوده رئيسة وزرائها جيورجيا ميلوني.البوادر المبكرة التي ظهرت حتى الآن توحي بأن كتلة «الحزب الشعبي الأوروبي» (منبر القوى المحافظة واليمينية التقليدية) تتجه إلى تجديد التفاهم التقليدي والانفتاح على «الخضر» الذين أعربوا عن استعدادهم للانضمام إلى جبهة عريضة في وجه المدّ المتطرف شريطة استعادة «الميثاق الأخضر» إلى أولويات الاتحاد.ويستدلّ من التصريحات الأولى التي أدلت بها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين - الطامحة إلى تجديد ولايتها على رأس المفوضية - بأنها قد أوقفت اندفاعتها نحو التحالف مع ميلوني؛ إذ قالت: «الوسط صامد، وسنرفع حصناً منيعاً ضد التطرفين اليميني واليساري». ولم يتأخر مواطنها مانفريد فيبر، رئيس الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، في دعوة الأحزاب المعتدلة إلى رصّ الصفوف في «تحالف ديمقراطي أوروبي» يقطع الطريق على التطرف ويجهض المناورات الهادفة إلى تدمير الاتحاد.غير أن هذه التصريحات، ما زالت في مرحلة جسّ النبض في انتظار وضوح التحالفات التي ستستقر عليها مواقف الأحزاب اليمينية المتطرفة الكبرى، مثل «التجمع الوطني» الفرنسي و«إخوان إيطاليا» و«البديل من أجل ألمانيا». وبالتالي، لا يستبعد المراقبون ظهور مفاجآت في الأيام المقبلة، خاصة عندما تدخل المفاوضات حول توزيع المناصب القيادية في مؤسسات الاتحاد مرحلة الحسم تمهيداً للجلسة الأولى للبرلمان الأوروبي الجديد منتصف الشهر المقبل.وهنا، تشير آخر الدلائل إلى أن الأيام المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت. وضمن هذا الإطار كانت الخطوة التي أقدمت عليها ميلوني عشيّة «قمة الدول الصناعية السبع» التي ترأسها إيطاليا راهناً، بتعديل مشروع البيان النهائي حول بنود الهجرة والإجهاض، بالتنسيق والتناغم التام مع مارين لوبان، وليس مع الرئيس الفرنسي والشركاء الأوروبيين. ولقد استدعى هذا الأمر ردّاً قاسياً من باريس وبرلين اللتين حذّرتا من «أيام عاصفة» على المسرح الأوروبي.