آدم موصيري رئيس «إنستغرام» ومطلق «ثريدز»... سلاح «ميتا» القوي في مواجهة «تويتر»

هاجر والده اليهودي من مصر إلى الولايات المتحدة بعد ثورة 1952

آدم موصيري رئيس «إنستغرام» ومطلق «ثريدز»... سلاح «ميتا» القوي في مواجهة «تويتر»
TT

آدم موصيري رئيس «إنستغرام» ومطلق «ثريدز»... سلاح «ميتا» القوي في مواجهة «تويتر»

آدم موصيري رئيس «إنستغرام» ومطلق «ثريدز»... سلاح «ميتا» القوي في مواجهة «تويتر»

قد يكون اسم آدم موصيري، رئيس تطبيق «إنستغرام» منذ 2018، معروفاً لدى مستخدمي التطبيق، البالغ عددهم أكثر من ملياري مستخدم، خصوصاً أن لديه أكثر من مليوني متابع على التطبيق نفسه. بيد أنه مع تعيينه الآن قائداً فعلياً للتطبيق الجديد «ثريدز»، الذي صعقت انطلاقته الصاروخية، تطبيق «تويتر»، تهافتت وسائل الإعلام، وكذلك الرأي العام، على محاولة التعرّف أكثر على شخصية هذا الرجل. بعض التحليلات أشارت إلى أن موصيري، قد يلعب دوراً حاسماً في تحويل منصة «ثريدز»، إلى منافس «قاتل» لتطبيق «تويتر»، وطموحات مالكه المثير للجدل، إيلون ماسك، خصوصاً أن بصمات موصيري السابقة على منتجات شركة «ميتا»، التي كانت تُدعى «فيسبوك» سابقاً، حاسمة في إظهار النجاحات التي حققها عملاق وسائل التواصل الاجتماعي، منذ نحو أكثر من عقد. ثم، على الرغم من أن مارك زوكربيرغ، هو الوجه الأبرز لشركة «ميتا»، فإن تطبيق «ثريدز» الذي يشبه «تويتر» ويقوم على خلفية تطبيق «إنستغرام»، أصبح التطبيق الأسرع نمواً في تاريخ الشركة، وهو يقع ضمن اختصاص رجل مختلف. فمَن هو آدم موصيري، البالغ 40 سنة؟ وكيف حقق هذا الصعود في مسيرته المهنية؟



وُلد آدم موصيري يوم 23 يناير (كانون الثاني) 1983، في ضاحية تشاباكوا بشمال مدينة نيويورك من عائلة يهودية. وهو الأخ الأكبر للملحن الموسيقي والممثل، إميل موصيري، الذي اعتنق مع شقيقه المسيحية، وهما يحتفلان بأعيادها أيضاً، بحسب عديد من المراجع والمقالات الصحفية الأميركية.

التحق آدم بمدرسة غالاتين للدراسات الفردية، بجامعة نيويورك لدراسة تصميم الإعلام والمعلومات، وتخرج بدرجة البكالوريوس في تصميم المعلومات في عام 2005. وفي عام 2003، أثناء دراسته في جامعة نيويورك، أسس موصيري شركة استشارات التصميم الخاصة به المسماة «بلانك موصيري»، التي ركزت على تصميم الغرافيك والتفاعل والمعارض. وكانت لشركته مكاتب في نيويورك وسان فرنسيسكو.

وفي عام 2007، انضم موصيري إلى شركة «نوك بوكس» بوصفه أول مصمم للشركة. ثم في عام 2008، انضم إلى «فيسبوك»، بوصفه مصمم منتج. وفي عام 2009، أصبح مديراً لتصميم المنتجات، وعام 2012 أصبح مدير التصميم لتطبيقات الأجهزة المحمولة الخاصة بالشركة. وبين عام 2012 و2016، أشرف على قسم موجز الأخبار على «فيسبوك»، ومن 2016 إلى منتصف 2018، شغل منصب نائب رئيس منتجات الشركة.

تقدر ثروة موصيري الشخصية اليوم بفضل وظائفه وأنشطته المتعددة، بأكثر من 120 مليون دولار أميركي، إذ كان راتبه الشخصي عن كل منصب، يتخطى 120 ألف دولار شهرياً. وإبان فترة عمله في «فيسبوك»، أشرف أيضاً على «فيسبوك هوم»، لكنها كانت محاولة فاشلة لإحضار الشركة شاشة رئيسية متنقلة إلى أجهزة «آندرويد».

وبعد الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، أخذ موصيري على عاتقه أن يصبح الناطق الرسمي لشركة «فيسبوك» عن «الأخبار المزيفة». ثم في مايو (أيار) 2018، عُيّن نائباً لرئيس تطبيق «إنستغرام»، ليتولى في 1 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، منصب الرئيس المباشر للتطبيق، بعد استقالة مؤسسَي تطبيق مشاركة الصور، كيفن سيستروم ومايك كريغر، خلال سبتمبر (أيلول) 2018. وللعلم، يختلف لقب موصيري بوصفه رئيساً لـ«إنستغرام»، عن لقب الرئيس التنفيذي، إذ يحتفظ مارك زوكربيرغ، باللقب على كل منتجات شركة «ميتا».

الشبكة الاجتماعية

في أولى مشاركاته على «ثريدز» قال آدم موصيري: «ها نحن ذا»، ما يوحي بثقته في نجاح التطبيق. وحقاً، في غضون 5 أيام فقط، حصد «ثريدز» أكثر من 100 مليون مستخدم، ما أدى إلى إخراج معظم منافسيه المباشرين مثل «بلوسكاي» و«ماستودون» من السباق.

بالنسبة لموصيري - الذي يعمل مع زوكربيرغ منذ 2008 - فإن الانطلاقة السريعة للتطبيق، تمثل «أكثر أسبوع جنوني في العمل منذ سنوات عديدة»، بحسب ما نشره على التطبيق، في الأيام الأولى لانطلاقته. ومع أن «فيسبوك»، لا يزال يحتفظ برؤية زوكربيرغ الأصلية للشبكة الاجتماعية، فإنه كان قبل انضمام موصيري إلى الشركة، مجرد مكان لمشاركة الصور ونشر تحديثات باهتة، وكتابة رسائل أعياد الميلاد والتعازي... على صفحات الأصدقاء. ولكن في السنوات التي تلت ذلك، تحوّل موقع «فيسبوك» من مكان للحصول على التحديثات من الأصدقاء والأقارب، إلى مكان يمكنك فيه قراءة المقالات الإخبارية والتقارير المصورة، ويصار إلى ربطك بالحجج السياسية مع أشخاص لم تكن تعرفهم حتى.

وحقاً، كان لموصيري دور محوري في مثل هذه التغييرات، بعدما تولى منصب مدير تصميم المنتجات في عام 2009. ولاحقاً، مع تحول الهواتف إلى «ذكية»، منذ نجاح ستيف جوبز بإطلاق هاتف «آيفون»، تسلم موصيري إدارة التطبيقات على «فيسبوك». وبينما كان التطبيق يدور على إغراء المشتركين بتمضية أكبر قدر ممكن من الوقت على المنصة، ومتابعة تفاعلاتهم للحصول على عائدات الإعلانات، أشرف موصيري على موجز الأخبار المحوري على «فيسبوك»، بين عامي 2012 و2016، وهي الفترة التي شهدت تركيزاً متزايداً على جذب انتباه المستخدمين إلى السياسة والأخبار.

معالجة الأخبار المزيفة

ثم في السنوات التي تلت ذلك، اعترف مارك زوكربيرغ، بأنه كان يجب أن يأخذ المخاوف بشأن انتشار الأخبار المزيفة على المنصة بجدية أكبر قبل الانتخابات الأميركية 2016. وإثر صدور نتائجها وفوز دونالد ترمب، بالسباق الرئاسي متغلباً على هيلاري كلينتون، كان موصيري هو مَن كتب مدونة للشركة تتناول «الخداع والأخبار الكاذبة» على «فيسبوك». بل، لقد اعترف بأنه «عانى من الأرق» بسبب الدور الذي ربما لعبه موقع «فيسبوك» في انتشار العنف في ميانمار، إثر تقرير للأمم المتحدة يزعم أن المنصة، غذت الكراهية لمسلمي الروهينغا في تلك البلاد. وأيضاً، اعترف في عام 2018، عندما أصبح نائب رئيس المنتجات في الشركة، بأن «ربط العالم لن يكون دائماً أمراً جيداً». ويرى بعض المحللين، أنه ربما يكون هذا هو سبب رفض موصيري فكرة أن الأخبار والسياسة، يجب أن تكونا هما محور تركيز الموضوعات.

عام 2018، وبعد 6 سنوات على شراء زوكربيرغ تطبيق «إنستغرام» مقابل مليار دولار، واستقالة مؤسسيه السابقين، عيّن آدم موصيري، رئيساً له، وهو الآن لديه أكثر من ملياري مستخدم. غير أن فترة عمله لم تكن خالية من الجدل. إذ كان على «إنستغرام» أن يدافع بانتظام عن موقفه من الاعتدال، ومن نشر المواد التي يمكن أن تكون لديها تأثيرات مميتة، لا سيما العام الماضي، بعدما كشفت التحقيقات أن المراهقة البريطانية مولي راسل - التي شاهدت محتوى مؤذياً على المنصة - انتحرت لاحقاً بسببه.

ويذكر أن هذه هي التهمة نفسها التي وُجّهت إلى تطبيق «تيك توك» الصيني، الذي دفع موصيري «إنستغرام» للتشبه به، بعدما التقى عدداً من كبار المؤثرين والنجوم على التطبيق، أمثال كيم كارداشيان وكايلي جينر، للترويج للمنصة عبر نشر ما يسمى «ريلز» - أو بَكَرات الصور - على «إنستغرام». ولقد سعى هؤلاء إلى «مطالبة المشتركين بالكف عن أن يكونوا من جماعة «تيك توك»، والاكتفاء فقط بالصور الجميلة واللطيفة للأصدقاء»! وعلى الرغم من دفاعه عن تلك التغييرات، فإن موصيري اعترف لاحقاً بأن المنصة «ركزت بشكل زائد» على الفيديو في عام 2022.

«ثريدز» تطبيقه الشخصي

إلا أن إطلاق تطبيق «ثريدز»، يعد - بلا شك - أكبر وأهم لحظة في فترة تولي موصيري رئاسة «إنستغرام». مع الإشارة إلى أن هذا الأخير، بخلاف كل منتجات شركة «ميتا» التي حاولت تقليد تطبيقات سابقة - مثل قصص «سناب شات» و«ريلز» من «تيك توك» - كان التطبيق الخاص بموصيري شخصياً.

ومع بناء موصيري على خلفية «إنستغرام»، ضَمن ترحيل حسابات المشتركين، ما يساعده بسرعة على تجميع قاعدة مستخدمين ضخمة، تضم ممثلين ورياضيين ومشاهير وعلامات تجارية وملصقات عادية. ولقد علّق موصيري، الذي يعيش الآن في العاصمة البريطانية (لندن) مع زوجته مونيكا وأطفاله الثلاثة، عن شعبية «ثريدز» خلال الأسبوع الأول من إطلاقه بالقول: «إنه جنون، لا أستطيع أن أفهمه».

ومع ذلك، بدا أنه على أتم الاستعداد لتلبية طلبات تحديث التطبيق، وانفتاحه على الأمكنة التي يحتاج فيها إلى التحسينات في أيامه الأولى، بدءاً من الافتقار إلى القدرة على البحث عن موضوعات ومصطلحات محددة، إلى غياب خيار لتخصيص جدول المشتركين الزمني للأشخاص الذين تُجرى متابعتهم فقط. ولمّح موصيري إلى الإضافات المستقبلية ذات الأولوية الأقل، مثل علامات التصنيف، والموضوعات الشائعة، وعرض المنشورات المفضلة، وتحسين تطبيق سطح المكتب. ووفق الخبراء فإن رؤيته، تبدو منبثقة من تجربته في العمل على صفحة «فيسبوك». ذلك أنه كتب على «ثريدز» ما يلي: «لن نحبط أو نخفّض من شأن الأخبار أو السياسة»... «لن نحاكمهم كما فعلنا في الماضي».

وهنا يقول البعض، إن موصيري الذي ربما تطارده الخلافات التي دارت في السنوات الماضية، حول «أنه لا توجد أخبار أفضل من الأخبار السيئة»، قد يكون مضطراً للقبول بها، خصوصاً إذا استمر نمو «ثريدز» بهذا الشكل.

والده هاجر من مصر

عاش آدم موصيري الذي يحمل الجنسيتين الأميركية والإسرائيلية، طفولته بين إسرائيل وأميركا، وذلك بعدما هاجر والداه من مصر عام 1957، إثر «ثورة الضباط الأحرار» يوم 23 يوليو (تموز) 1952. والطريف أن آدم يرفض الكشف عن اسم والديه، ويتبع نهجاً محافظاً جداً في الكشف عن حياته الشخصية. إلا أنه قال لصحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية، إنه يحب أكلة «الملوخية» على الطريقة المصرية القديمة.

يذكر أن عائلة موصيري معروفة بين أبرز عائلات يهود مصر. وهي عائلة يهودية سفارادية (أي إسبانية الجذور) عاشت في إيطاليا. ثم استقرت في مصر خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وبحسب المؤرخ والباحث اللبناني المولد شاهين مكاريوس (1853 – 1910م)، فقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية، وحقَّق يوسف نسيم موصيري، الجد الأكبر للعائلة، ثروته من التجارة. وكان للعائلة، عديد من النجاحات في مصر، بعد انتقال نسيم موصيري، إليها عام 1750؛ وعلى سبيل المثال، أسست عائلة موصيري شركة فنادق مصر الكبرى، وبنت فنادق مصرية شهيرة، مثل: «مينا هاوس» و«سان ستيفانو» و«سافوي وكونتيننتال». وأيضاً أسس أبناء نسيم بك موصيري (إيلي، ويوسف، وجاك، وموريس) «بنك موصيري» في مصر، وكان نسيم بك يشغل موقعاً مميزاً ضمن الطائفة اليهودية في مصر. وفي عام 1915، أسس جوزيف موصيري شركة رائدة في صناعة السينما هي شركة «جوزي فيلم»، التي أسست وأدارت دور السينما واستوديو للإنتاج السينمائي، وكانت واحدة من أكبر الشركات الرائدة في صناعة السينما المصرية. وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة «مؤسسة يوسف نسيم موصيري وأولاده». وتزوج الابن الأكبر نسيم بك موصيري (1848 - 1897) من ابنة يعقوب قطاوي، الذي تولى رئاسة الطائفة اليهودية في القاهرة، وكانت تسمى «الطائفة الإسرائيلية» حينذاك. وأصبح نسيم موصيري، نائب رئيس الطائفة، وهو منصب توارثته العائلة من بعده.

ولكن لم تحقِّق عائلة موصيري انطلاقتها الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين (1904) عندما أسَّس إيلي موصيري (1879 - 1940)، ابن نسيم (بك)، بالتعاون مع إخوته الثلاثة يوسف (1869 - 1934)، وجاك (1884 - 1934) وموريس، «بنك موصيري». وحقَّق إيلي مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر، وكان قد درس الاقتصاد في بريطانيا وتزوج من ابنة فيليكس سوارس، أحد كبار الأغنياء المصريين اليهود. وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل باشا صدقي، رئيس الوزراء المصري الأسبق، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوروبية اليهودية مثل «روتشيلد» و«لازار» و«سليغمان»، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر.

أميركي ــ إسرائيلي يعيش في بريطانيا مع زوجته وأطفاله الثلاثة... ويحب «الملوخية» المصرية


مقالات ذات صلة

بعد دخول الحظر حيز التنفيذ… أستراليا تطالب المنصات بكشف حسابات ما دون 16 عاماً

يوميات الشرق  فتى يبلغ من العمر 13 عاماً داخل منزله وهو يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على هاتفه المحمول في سيدني بأستراليا (أ.ف.ب)

بعد دخول الحظر حيز التنفيذ… أستراليا تطالب المنصات بكشف حسابات ما دون 16 عاماً

طالبت السلطات الأسترالية، اليوم (الخميس)، بعضاً من أكبر منصات التواصل الاجتماعي في العالم بالكشف عن عدد الحسابات التي قامت بتعطيلها.

«الشرق الأوسط» (ملبورن)
تكنولوجيا شعار شركة «ميتا» الأميركية (رويترز)

تقرير: «ميتا» تسمح بعرض إعلانات على منصاتها تجمع أموالاً للجيش الإسرائيلي

أظهر تقرير جديد أن شركة «ميتا» تسمح بعرض إعلانات على منصاتها ممولة من جهات مؤيدة لإسرائيل، تجمع أموالاً لشراء معدات عسكرية لدعم الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شركة «ميتا» تربط «ثريدز» بتطبيق «إنستغرام» وتفرض تأكيد دخول المستخدم من خلال الاسم نفسه وكلمة المرور

كيف تحذف حسابات «فيسبوك» و«إنستغرام» و«ثريدز»؟

هل أغلق حساباتي أم أتركها؟ هذا ما يتساءل عنه بعض مستخدمي «فيسبوك» و«إنستغرام» و«ثريدز» بعد إعلان مارك زوكربيرغ عن تخفيف القواعد المتعلقة بالمحتوى الضار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا على الرغم من أنها لم تتفوق على «X» فإن «ثريدز» نجحت في بناء أساس متين ومجتمع إيجابي (شاترستوك)

عام على إطلاق «ثريدز»... هل تمكّن من منافسة «إكس»؟

يحتفل «ثريدز» بالذكرى السنوية لإطلاقه مع أكثر من 175 مليون مستخدم نشط شهرياً، فيما تبقى منافسته لـ«X» مثار جدل.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شعار تطبيق «ثريدز» (رويترز)

منافس «إكس»... «ثريدز» يمتلك 130 مليون مستخدم شهرياً

تمتلك خدمة «ثريدز» للرسائل القصيرة المملوكة لشركة «ميتا» البديلة لتطبيق «إكس» («تويتر» سابقاً) الآن 130 مليون مستخدم نشط شهرياً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.