«إخوان» السودان قدحوا شرارة الحرب وواصلوا تزويدها بالوقود

مغالطات حول سؤال مَن أطلق الرصاصة الأولى بين الجيش وقوات «الدعم السريع»

أعمدة الدخان تتصاعد في الخرطوم بعد إحدى جولات القتال (رويترز)
أعمدة الدخان تتصاعد في الخرطوم بعد إحدى جولات القتال (رويترز)
TT

«إخوان» السودان قدحوا شرارة الحرب وواصلوا تزويدها بالوقود

أعمدة الدخان تتصاعد في الخرطوم بعد إحدى جولات القتال (رويترز)
أعمدة الدخان تتصاعد في الخرطوم بعد إحدى جولات القتال (رويترز)

يوم السبت 8 أبريل (نيسان) الماضي قبل أسبوع من اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، أفلحت القوى السياسية والوساطة الثلاثية «السعودية - الأميركية - الإماراتية» في جمع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي). وفي الاجتماع، جرى الاتفاق على تسوية وجود القوات الجوية المصرية في القاعدة الجوية بمطار مروي التي يزعم «الدعم السريع» أنها تهدده، كذلك اتُّفِق على عقد اجتماع «فني» في اليوم التالي (الأحد) لبحث الأزمة. ولكن، في الموعد حضر الجميع وغاب البرهان تحت ذريعة «المرض» ولم يرسل أياً من مساعديه، ما عدته أوساط «حميدتي» تنصّلاً مما سبق الاتفاق عليه، ومن ثم، وجه الأخير قواته بالتحرك إلى منطقة تقع بالقرب من القاعدة الجوية.

شكّك كثيرون في أسباب «غياب» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان عن اجتماع الأحد. البعض قال إنه تعرض لضغوط من قبل ضباط الجيش المحسوبين على الحركة الإسلامية (الاسم المحلي للإخوان المسلمين). وازدادت دائرة الشكوك اتساعاً إثر تلميحات مجموعة من قادة وإعلاميي الإسلاميين على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي؛ «فيسبوك» على وجه التحديد، بأن الحرب مقبلة وأن النصر فيها وشيك. وصار الوضع أكثر غموضاً لأن البرهان لم يعد لطاولة الحوار والتزم الصمت، ورفع حالة الاستعداد والتعبئة وسط القوات المسلحة (الجيش)، فظلت الأيدي على الزناد من قبل الطرفين.

ففي 11 أبريل (نيسان)، نشر الناشط عمّار السجاد على صفحته سؤالاً مفخخاً كأنه يجيب عن سؤال تحريضي، إذ قال: «الناس (المستبعدين) الحرب، انتو المدرعات دي جاية الخرطوم تزرع زهور؟»، وقبلها كان السجّاد قد وجّه نصيحة عدّها «غالية»، تقول: «أي أسرة تستطيع مغادرة الخرطوم لأطول فترة ممكنة، فلتفعل». وكان قبلها قد ذكر أنه «تلقى تنويراً بذلك»، لكنه تراجع عنه، وأضاف: «ما كنت أعلم بالغيب، عندما قامت الدنيا عليّ ولم تقعد».

وفي 13 أبريل، قبل اندلاع الحرب بيومين، كتب الصحافي «الإسلامي» طلال إسماعيل على صفحته في «فيسبوك»، قائلاً: «يؤتي الملك مَن يشاء وينزع الملك ممّن يشاء»، ودوّن تحتها «هاشتاغات»، تقول: «قوائم الاعتقال، حظر السفر، ساعة الصفر»، وذلك بعد أسبوع من تغريدته يوم 5 أبريل التي اكتفى فيها بـ«السودان، الانتشار، الانفتاح».

وفي تغريدة أخرى لإسماعيل كتب: «من القائد خرطوم، إلى كل الأفرع والوحدات»، وقبل اندلاع القتال بساعات كتب مرة أخرى: «إنشاء قوات خاصة جديدة من الجيش السوداني (للتدخل السريع)، رشيقة الحركة وذات نيران كثيفة، حيث تساءل عدد من المواطنين عن العربات في فيديوهات ظهرت ليلاً، تضم وحدات من مهامها حرب المدن، ومكافحة الإرهاب وعمليات ذات طبيعة خاصة».

وقبل هذه التلميحات الكاشفة، توعّدت قيادات إسلامية بارزة بالحرب حال مضيّ الجيش قدماً في توقيع «الاتفاق الإطاري» مع القوى المدنية. ونقل عن القيادي «الإسلامي» أنس عمر تهديده خلال إفطار رمضاني بأن يفشّلوا الاتفاق الإطاري «بأي ثمن». وتوعّد القوى المدنية بالهزيمة، في حين أعلن قائد «الدعم السريع» دعمه للاتفاق باعتباره ميثاقاً وعهداً. وفي المقابل، عد «الإسلاميون» الاتفاق بين الجيش و«الدعم السريع» وتوقيعه «نهاية» لطموحهم في العودة إلى الحكم مجدّداً، لذا استخدموا كل ما يملكون من قوة وأدوات تحريض ضده.

نص الاتفاق الإطاري

لقد نصّ الاتفاق الإطاري الموقع بين كل من الجيش و«الدعم السريع» منفردين والقوى المدنية من جهة أخرى، على تشكيل حكومة مدنية وخروج القوات العسكرية من السياسة، وإعادة إحياء لجان تفكيك نظام 30 يونيو (حزيران)، وفترة انتقالية طولها سنتين ونصف السنة تجرى بعدها انتخابات. وهو ما يعني نهاية أكيدة لأحلام «الإخوان» السودانيين حال الالتزام به، ولذا عملوا على إفشاله عبر تحريض الجيش و«الدعم السريع» على الدخول في «الحرب».

اليوم يدور جدل كبير حول مَن «أطلق الرصاصة الأولى»، إذ يزعم «الدعم السريع» أنه بوغت بالهجوم على قواته في معسكري «المدينة الرياضية» و«سوبا» جنوب الخرطوم. أما الجيش فيدّعي أن «الدعم السريع» هاجم قيادته العامة مستهدفاً القائد العام عبد الفتاح البرهان، وأيضاً أنه شن هجوماً متزامناً على مقر القيادة العامة والقصر الرئاسي ومبنى الإذاعة والتلفزيون والقاعدة العسكرية في منطقة مروي ومطار الخرطوم الدولي بجوار القيادة وغيرها.

إلا أن الشاهد «ي. ب»، وهو تاجر يعمل في السوق المركزية بالخرطوم بالقرب من المدينة الرياضية، قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه وصل إلى متجره راجلاً في السادسة من صبيحة 15 أبريل عبر شارع أفريقيا الذي يمر بالمدينة الرياضية؛ حيث قوات «الدعم السريع»، وهناك شاهد قوات من الجيش تغلق الطريق من تجاه الشرق، وبعد عدة ساعات سمع دوي الأسلحة المتعددة ومعركة بين الطرفين. هذا الكلام يسند رواية «الدعم السريع» التي تقول إنهم فوجئوا بهجوم الجيش على قواتهم، لكنهم استطاعوا إلحاق الهزيمة بالمهاجمين. وفي شريط «فيديو» لأسرى العملية اعترف أحدهم بأنهم استجلبوا من قبل الحركة الإسلامية من مناطق عديدة في السودان.

من جهة ثانية، على الرغم من حالة التأهب والتوتر بين الطرفين الممتدة منذ أشهر، وحشد كل طرف لقواته، فإن الجيش يزعم أنه بوغت بهجوم «الدعم السريع» على عدة مواقع تخصه بما فيها القيادة العامة، ويتهم «الدعم السريع» بمحاولة السعي لتسلم السلطة والانقلاب على القائد العام ومحاولة تصفيته. لكن «الدعم السريع» في نفيه يقول إنه «رد بسرعة على الاعتداء عليه». والمرجح، بحسب عدد من المحللين، أن الطرفين كانا متجهزين للقتال، لكنّ أياً منهما لم يحدد «ساعة الصفر».

«الإسلاميون» افتعلوا المعركة

في هذه الأثناء، يرى محللون أن قوى من خارج الجيش، يُرجَّح أنها من «الإسلاميين» افتعلوا المعركة مع «الدعم السريع» في المدينة الرياضية وأرض المعسكرات في سوبا، بهدف زجّ الجيش في المعركة. وما يؤكد أن الجيش لم يحدد «ساعة الصفر»، وأن كثيراً من قياداته فوجئوا بالقتال، هو تمكن «الدعم السريع» من أسر عدد كبير من كبار الضباط في منازلهم بحي المطار القريب من قيادة الجيش، بمن فيهم «المفتش العام للجيش» الفريق مبارك كمتور، وقائد معهد الاستخبارات العسكرية برتبة عميد، وآخرون من كبار الضباط برتبة عميد لواء لا يزالون أسرى عند «الدعم السريع».

وللعلم، فور اشتعال القتال، أعلن حزب المؤتمر الوطني، ومرجعيته الفكرية «الحركة الإسلامية»، تأييدهما للجيش والوقوف معه لهزيمة «الدعم السريع»، واستخدما أسلوباً معروفاً عنهما كانا قد استخدماه طوال فترة حكم «إسلاميي» المؤتمر الوطني لتقسيم المواطنين إلى قسمين: «خونة وعملاء» و«وطنيين». والمعنى أن كل من لا يؤيد الجيش هو من مجموعة العملاء والخونة والداعمين لـ«الدعم السريع»، وأيضاً يرون أن كل من يطالب بوقف الحرب داعم للميليشيا. وهذا أيضاً أسلوب دعائي ظل يستخدمه حكم «المؤتمر الوطني» طوال حروبه في السودان بتقسيم المجتمع إلى فسطاطين. ومثلما عدّوا، عندما كانوا يقاتلون في جنوب السودان، تلك الحرب ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان «جهاداً»، كفّروا بموجبه كل من يرفض تلك الحرب، فإنهم يعتبرون الحرب الحالية «معركة كرامة»... ومن ثم، فكل من يطالب بإيقافها عميل وخائن لوطنه و«بلا كرامة».

ذريعة ضرب «الفلول»

في المقابل، فإن دعاية «الدعم السريع» الحربية ركّزت على أن هذه الحرب دائرة بينه وبين الإسلاميين، الذين أطلق عليهم صفة «الفلول». واتهم هؤلاء بأنهم «يسيطرون على قيادة الجيش»، وهو يعمل على تطهير الجيش منهم. ويضيف أن معركته «ليست مع الجيش، بل مع القيادة الفاسدة والمنفذة لأهداف الكيزان». وفي سبيل ذلك توعّد الإسلاميين، وأوقف بعض قادتهم، وعلى رأسهم والي ولاية شرق دارفور السابق أنس عمر، والحاج آدم رئيس حزب المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم، والقيادي السابق في الحزب الحاكم، ومحمد علي الجزولي القيادي الإسلامي المتطرف المقرب من «داعش».

وفي تصريحات له أثناء «أسره»، ظهر أنس عمر مرتدياً الزي العسكري - وهو برتبة لواء أمن معاش - قدم خلالها اعترافات بدور حزبه وتخطيطه للحرب. ومما قاله: «تم التخطيط لتغيير حكومة (الدكتور عبد الله) حمدوك من وقت مبكر، عبر مظاهرات ومسيرات ومواكب. وكنا مسؤولين عن التعبئة. وكان التنسيق مع قيادة الجيش البرهان والكباشي والعطا وميرغني إدريس، وهم الذين حددوا ساعة الصفر، وتولينا قضية التعبئة. بلغت التعبئة ذروتها في رمضان... وقرر المؤتمر الوطني رفض الاتفاق الإطاري وإسقاطه، وتعبئة الجماهير باستثارتها ضد الحكومة القائمة».

إلا أن حزب المؤتمر الوطني اعتبر تصريحات القيادي أنس عمر عديمة القيمة، لأنها أخذت منه عن طريق الإكراه. وجاء في بيان للحزب بتاريخ 21 مايو (أيار) الماضي، أن الرجل أرغم تحت التعذيب للاعتراف بعلاقته بالتخطيط مع القوات المسلحة لإسقاط الحكومة، وأضاف: «هذه مزاعم وتلفيق لا يفوت على فطنة السودانيين»، واصفاً ظهوره بجريمة اختطاف مدنيين.

أما الجزولي فقد ذكر في تصريحات - وهو تحت الأسر أيضاً: «كنت منتمياً لـ(داعش) وأبو بكر البغدادي وحتى الآن. نحن منذ يوم توقيع الاتفاق الإطاري، قرّرنا حملة قوية لإسقاطه، وكنا نتواصل مع المؤسسة العسكرية والفريق البرهان عبر اللواء حسن بلة، لإسقاط الاتفاق الإطاري». كذلك، نقل عنه قوله إن الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي «نوّرهم» بأن الانفجار قد يقع يوم السبت، وتابع: «بالفعل في يوم السبت ناس من الجيش ومعهم كتائب الإسلاميين هاجمت المدينة، يقودها أنس عمر، ويخطط للشغل أسامة عبد الله وعلي كرتي، وانطلقت الطلقة الأولى بالاعتداء على قوات الدعم السريع ومن قبل كتائب الإسلاميين».

غير أن المحلل السياسي أبو ذر علي الأمين قلّل من دور الحركة الإسلامية في الأحداث وفي إشعال الحرب، ووصفه بأنه «مضخم». وقال إن حزبها، أي المؤتمر الوطني، بعد الثورة لم يكد يكون موجوداً، بيد أنه حمّل ما أطلق عليها «مجموعة العمل الخاص» المسؤولية، وأنها قبلت العمل تحت إمرة العسكريين وفضّلتهم على التنظيم، ما يعني أن العسكريين هم من يقودون الإسلاميين وليس العكس.

وأردف الأمين، الذي كان قد انشق عن الإسلاميين منذ وقت باكر: «هؤلاء لا يتحركون إلا بإيعاز وأوامر من العسكر... والحركة الإسلامية منذ فقدت السلطة والشارع لم يعد لها تأثير يذكر. أما مَن يخوض الحرب فهو (التنظيم الخاص)، لكنه يقودها دون مبادرة أو تخطيط، مجرد اتباع مطلق لأوامر وطلبات الجيش». وأشار إلى أن ما سماه «الجزء الأخطر» هو المتمثل في انشقاقات العمل الخاص بين جناحي رئيس جهاز الأمن السابق صلاح قوش، ومدير مكتب البشير السابق طه عثمان الموالي لـ«حميدتي»، وأثرها على الأوضاع الآن.

لا سلام ولا جدّية

يبقى القول إنه على الرغم من أن قطاعات واسعة من الشعب السوداني ترفض الحرب، وأيضاً على الرغم من الضغوط الدولية والوساطة السعودية - الأميركية التي توصلت مع الطرفين إلى إعلان أكثر من وقف لإطلاق النار أو «هدنة»، فإن الطرفين لم يلتزما بها بشكل قاطع. إذ استمر القتال، ووفقاً لتقارير أممية أدى استمرار هذه الحرب حتى اللحظة إلى تشريد نحو 2.5 مليون وتحويلهم إلى نازحين داخل البلاد ولاجئين في دول الجوار.

كذلك، اضطرت الوساطة لتعليق التفاوض بين الطرفين ووصفتهما بـ«غير الجادين» في وقف الحرب. وبالتالي، لا يعرف أحد إلى متى تستمر الحرب أو متى تنتهي، فقد اشتعلت نيرانها ولم تبقَ في الخرطوم والمناطق الأخرى التي امتدت لها فقط، بل أصبحت تهدد بالتحول لحرب أهلية.

البرهان (إ.ب.أ)

حميدتي (أ.ب)

خلاصة قراءتين متناقضتين لما حدث ويحدث

> يقول المحلل السياسي الجميل الفاضل، إن هناك أكثر من مؤشر على أن «حرب الخرطوم» الدائرة منذ ما يقارب 3 أشهر، ما هي في الحقيقة سوى «المعركة الأخيرة لاستعادة سلطة التنظيم الإخواني، الذي تضعضع نوعاً ما بعد عزل (الفريق عمر) البشير بقرار من اللجنة للتنظيم، وذلك في محاولة ماكرة للانحناء أمام عاصفة الثورة الشعبية العارمة التي اجتاحت البلاد، ريثما يلتقط التنظيم المخاتل أنفاسه توطئة لاستعادة عرشه المفقود».

ويرى الفاضل الإيقاع المتسارع للعملية السياسية سبباً أساسياً للدخول في الحرب، «لقد كان من المفترض أن تتوّج في أبريل (نيسان) بتكوين هياكل حكم تدير فترة انتقالية جديدة، وأجبر التنظيم الإخواني على ركوب الصعب، وزجّ البلاد في أتون الحرب، لقطع الطريق أمام استعادة الحكم المدني الديمقراطي».

وحسب الفاضل، بدأ الإخوان التعبئة والتهيئة للحرب من خلال إفطارات جماعية رمضانية اتخذت طابع «الحملة المنظمة»، وتابع: «بعد تكشّف اعترافات متداولة للأسرى، فإن كتائب جهادية تضم عناصر التنظيم هي من أطلقت الرصاصة الأولى على مقر قوات الدعم السريع في المدينة الرياضية بالخرطوم، وعلى مقر إقامة البرهان في بيت الضيافة، وتم القضاء فيه على العشرات من حراسه الشخصيين، والذين يمت بعضهم له بصلة القربى».

ويُعد رأي الفاضل مناوئاً لما تروّج له الحركة الإسلامية من أن حرّاس البرهان قتلوا بواسطة «الدعم السريع». إذ يقول إنها «عملية مزدوجة» نفذها الإسلاميون، وأشعلوا بها فتيل الحرب، ووضعوا قائد الجيش فيما يشبه الإقامة الجبرية. ويضيف: «أبرز الإسلاميين مواقف متصلبة لخدمة أجندة الحرب والتنظيم... بات في حكم المؤكد مشاركة عناصر من كتيبة البراء بن مالك الجهادية - كتيبة مقاتلة تتبع لتنظيم الإخوان - في العمليات العسكرية، من خلال نعي أمير الجماعة علي كرتي لبعض قتلى الإخوان وقادتهم».

* الطاهر ساتي، الصحافي الموالي للجيش، يرى أن الحرب لم تبدأ يوم 15 أبريل كما يظن البعض، بل يوم 13 أو يوم 12 عندما أرسل زعيم الميليشيا - أي قوات «الدعم السريع» - قواته من دون علم الجيش. وأردف: «هذه هي بداية التمرّد. تحريك قوات من دون علم الجيش تمرّد وفقاً لقانون الجيش... من هنا بدأ التمرد، ومن هنا اشتعلت الحرب».

وأوضح ساتي أن «الدعم السريع» في 15 أبريل حرّك قواته في الخرطوم بالتزامن مع قوات في مروي، نحو بيت الضيافة ومعهد الاستخبارات العسكرية والمطار والقيادة العامة. وأضاف: «أول ضحايا هذه الحرب، أفراد الحرس الجمهوري، ما يقارب 35 من أفراده استشهدوا في بيت الضيافة ببيت البرهان، كي لا تعتقل الميليشيا القائد العام للقوات المسلحة».

واتهم ساتي قوات «الدعم السريع» بأنها هي التي «أشعلت الحرب لتنفيذ انقلابها الدموي... ولكن قدّر الله أن يسيطر الجيش على الانقلاب بعد 12 ساعة من اقتحام الميليشيا لكل المؤسسات العسكرية والمواقع الاستراتيجية»، وتابع ساتي: «الجيش لم يكن مستعداً، إذ كان هو الذي بدأ الهجوم لو كان مستعداً، وكان بقوته العادية وفي حالة استعداد عادية. في الوقت ذاته كانت حالة الاستعداد عند الميليشيا مائة بالمائة، كما كانت في وضع الهجوم، ما جعل الجيش في وضع الدفاع نحو أسبوع».

ووفق ساتي، فإن الجيش «استعاد زمام المبادأة بعد قليل وسيطر به على الأوضاع وصد الهجوم»، وأفشل مخطط اعتقال قيادات الجيش أو اغتيالهم وهم الفريق أول البرهان والفريق شمس الدين كباشي والفريق ياسر العطا والفريق إبراهيم جابر «الذين كانوا جميعهم مستهدفين بالاغتيال أو الاعتقال».

وقطع ساتي بأن لا مصلحة للقوات المسلحة في استمرار التمرد، وأن هدفها المعلن هو إنهاء التمرد والانقلاب. «فقد أنهت الانقلاب بتدمير قوات الدعم السريع وإجبار قيادتها على الاختباء وتدمير المعسكرات وشل حركتها، مع تحولها من ميليشيا ذات أهداف سلطوية وأجندة سياسية، إلى عصابات ولصوص سيارات، ومغتصبين لحرائر السودان». واستطرد: «الجيش لا يقاتل حركة ذات أهداف سياسية. بل صاحب المصلحة في استمرار الحرب الذين ينهبون السيارات والبنوك والمتاجر، ويغتصبون النساء، هؤلاء هم من لهم مصلحة في استمرار الحرب... أما القوات المسلحة فهي حريصة على فرض السلام والأمن وهيبة الدولة، وستفرضها عاجلاً أو آجلاً بالحرب أو بالسلم بالقضاء على هذا التمرد وهذه العصابات».


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

مع دخول الحرب بالسودان عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 صحافي ومؤسسة إعلامية لانتهاكات، بحسب نقابة الصحافيين السودانيين.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

«مؤتمر برلين»... تعهدات بمساعدات للسودان وآمال في دعم جهود السلام

تزامناً مع دخول حرب السودان عامها الرابع استضافت العاصمة الألمانية برلين الأربعاء مؤتمراً يهدف لدعم جهود السلام وحشد تعهدات بتقديم مساعدات للشعب السوداني

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا 
لاجئون سودانيون في منطقة أدري الحدودية بين تشاد والسودان يوم 9 أبريل 2026 (اليونيسيف)

سكان الخرطوم يحلمون بـ«انتهاء المعاناة»

لم تكن حرب السودان، التي اندلعت بين عشية وضحاها بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، مجرد رصاص طائش أو قصف عشوائي، بل كانت زلزالاً هزّ.

شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في برلين يوم الثلاثاء (تحالف صمود)

حمدوك يناقش مع مبعوث الأمم المتحدة جهود وقف الحرب في السودان

ناقش رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، الثلاثاء، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو، جهود إنهاء الحرب في السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.