
مع استكمال تحضيرات القمة الروسية - الأفريقية الثانية، التي تنعقد في نهاية الشهر المقبل في عاصمة الشمال الروسي سان بطرسبرغ، يبرز أكثر حجم وطبيعة الرهان المتصاعد لدى روسيا والغرب في السباق المحموم بين الطرفين لكسب القارة السمراء وضمان توظيف العلاقات معها في المواجهة المتفاقمة حالياً. لقد عكست جولة الوزير سيرغي لافروف الأفريقية الأخيرة، مستوى تزايد أهمية المنطقة لطرفي الصراع الحالي، فهذه الجولة الرابعة للوزير في هذا العام في القارة. وهي جاءت في إطار خطوات نشطة لروسيا تقابل التحرك الغربي في أفريقيا، والضغوط السياسية المتواصلة من جانب واشنطن لحمل المنطقة على الانخراط في نظام العقوبات على موسكو، وكذلك لمواجهة تنشيط الدبلوماسية الأوكرانية الهادفة إلى ضمان حياد بلدان القارة أو جرّها إلى تبني مواقف واضحة ونهائية حيال مبادرات السلام المطروحة من جهات مختلفة. من المؤكد أن سياسات موسكو تجاه أفريقيا ليست محصورة بالصراع الحالي مع الغرب؛ إذ إنها اتخذت منحى تصاعدياً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، لكنها اكتسبت مع تفاقم هذا الصراع أبعاداً أكثر نشاطاً وحيوية، خصوصاً في إطار السعي إلى إظهار فشل سياسة الغرب في عزل روسيا. وهذا ما يعكسه واقع أنها ما زالت تحظى بحضور مهم لدى عدد واسع جداً من البلدان، ناهيك من أن الجزء الأعظم من البلدان الأفريقية لم ينخرط في العقوبات والقيود المفروضة على روسيا، بل بالعكس من ذلك، سعت بعض البلدان إلى توظيف المواجهة الروسية الغربية المتفاقمة لتحقيق فوائد لها كما حدث مع مالي وبوركينا فاسو وغيرهما.
تجديد العلاقات التقليدية
ارتبطت روسيا مع الدول الأفريقية بعلاقات صداقة تقليدية اجتازت أكثر من امتحان خلال الزمن، فقد لعبت موسكو في العهد السوفياتي دوراً مهماً في الإسهام بتحرير القارة الأفريقية عبر دعمها نضال شعوب أفريقيا ضد الاستعمار والهيمنة والتمييز العنصري.
وفيما بعد قدّمت دعماً للدول الأفريقية في الدفاع عن استقلالها وسيادتها وتكوين بنيانها، ووضع أسس الاقتصاد القومي، وتشكيل القوات المسلحة ذات القدرة القتالية. كذلك شيّد الخبراء السوفيات - وبعدهم الروس - منشآت مهمة للبنى التحتية، بما فيها السدود والمحطات الكهرومائية والطرق والمصانع، وتلقّى آلاف الأفارقة دراستهم وتدريبهم المهني والعسكري في المعاهد والجامعات والكليات الروسية.
ما يُذكر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان قد أعلن أمام أكثر من أربعين زعيماً أفريقياً من رؤساء الدول والحكومات، الذين لبّوا دعوته إلى المشاركة في القمة الروسية - الأفريقية الأولى، التي احتضنتها مدينة سوتشي الروسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أنه يعدّ تطوير وترسيخ علاقات المنفعة المتبادلة مع الدول الأفريقية ضمن أولويات السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية.
وبدا لاحقاً أن هذا النهج تكرّس في «العقيدة الدبلوماسية» الروسية في نسختها المعدلة، كما أن الحضور الروسي في القارة غدا جزءاً من الاستراتيجيات التي وضعتها موسكو لتعزيز قدراتها على مواجهة الضغوط الغربي. وهذا برز في النسخة الجديدة من العقيدة البحرية التي نصّت على توجه موسكو لإنشاء قواعد عسكرية بحرية في مناطق مختلفة من العالم، بينها بطبيعة الحال القارة الأفريقية.
التحركات الأميركية
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي واجهت موسكو تحركات نشطة من جانب الولايات المتحدة للتأثير على معظم قرارات الدول الأفريقية تجاه إعادة تطبيع العلاقات مع روسيا والصين؛ ما جعل روابط أفريقيا بروسيا تظل هشة. ولا يخفى أن التحرك النشط الذي أطلقته موسكو تجاه «القارة السمراء» خلال السنوات العشر الأخيرة أثار قلقاً متزايداً لدى واشنطن وعواصم غربية عدة، على رأسها فرنسا التي اتهمت موسكو مباشرة بالعمل على تقويض النفوذ الفرنسي في القارة.
ودفع هذا الأمر واشنطن إلى إعادة صياغة شاملة لسياستها في أفريقيا جنوبي الصحراء، لمواجهة الوجود الروسي والوجود الصيني، وتطوير أساليب غير عسكرية ضد الإرهاب. وترافق ذلك مع إعلان الولايات المتحدة تعهداً بتخصيص 1.3 مليار دولار لكبح الجوع، ومبادرة بعثة المرونة في مجال الأغذية والزراعة التي تقودها فرنسا لتنشيط الزراعة الأفريقية.
خطوات تعزيز الحضور الروسي
على خط موازٍ للتمدّد الصيني في أفريقيا، نشطت روسيا في تعزيز وجودها في أفريقيا، مستفيدة من سلبيات السياسة الغربية في القارة، ومن تاريخها الاستعماري. وأيضاً استفادت من تنامي حالة «عدم القبول» الأفريقي بالخطاب والمواقف الغربية تجاه أفريقيا، فبنت خطاباً وسياسات تناصر أفريقيا في قضاياها السياسية والاقتصادية المختلفة من ناحية، ومن ناحية أخرى أكدت أهمية المحافظة على سيادة الدول الأفريقية، ورفض إخضاعها بأدوات السياسة أو الاقتصاد. وبدلاً من ذلك، النظر إلى أفريقيا بوصفها مسرحاً للشراكات التي تنعكس إيجاباً على تطلعات الدول والشعوب الأفريقية بما يسهم في تطورها وتقدمها، وتقديم قروض غير مشروطة بمواقف سياسية تتصل بأحوال الدول الداخلية وشؤونها، وقد مكّنها كل ذلك من تحقيق وجود فاعل.
وحقاً، عزّزت روسيا علاقاتها مع دول شمال أفريقيا، فطوّرت علاقات اقتصادية وعسكرية مع مصر، كما بدأت بتعاون مشترك معها في مجال الطاقة النووية. وفي ليبيا سعت إلى تأسيس حضور عسكري دائم، وطورت علاقاتها الاقتصادية مع تونس، وبشكل خاص في مجالات السياحة. والحال كذلك مع الجزائر التي غدت الشريك العسكري الأول أفريقيا، والثاني عالمياً لروسيا في مؤشر مشتريات السلاح والمعدات الحربية.
أما في شرق أفريقيا، فقد سعت روسيا لتطوير علاقات خاصة مع السودان، ونجحت في إبرام اتفاقية لتأسيس قاعدة عسكرية في بورتسودان على البحر الأحمر، كان يمكن لولا التغييرات التي حدثت في السودان والضغوط الأميركية القوية أن توفّر لها بموقعها الاستراتيجي إطلالة على البحر الأحمر، وإشرافاً مباشراً على حركة الملاحة البحرية والجوية، وعلى حركة التجارة العالمية، وخاصة النفط، وربما الغاز مستقبلاً. كذلك استعدت موسكو للاستفادة من فتح أفق جديد نحو الاستثمار في مجالات الطاقة والتعدين على الساحل السوداني.
وبما يخص إثيوبيا فقد عمّقت معها روسيا تعاونها الدفاعي. وفي يوليو (تموز) 2021 تمّ التوقيع على اتفاقيات للتعاون العسكري بين البلدين، مثلما وقّعا مذكرة تفاهم تضمن مساهمة روسيا في مجال الطاقة النووية، وقد وقّعت روسيا مذكرة مماثلة مع كلّ من كينيا وزامبيا.
دور «فاغنر»
وفي مناطق أخرى من القارة، عزّزت روسيا علاقاتها ووجودها في عدد من دول غرب أفريقيا، حيث أصبح لها حضور وتأثير ونفوذ في دولة أفريقيا الوسطى التي أمدتها بشحنات أسلحة متتالية. واعتمدت على شركة «فاغنر» لترجيح موازين القوى في الصراع الداخلي الذي تفاقم في عام 2017 بين المعارضة والسلطة. ولقد مكّنها حضورها شبه العسكري هناك، من لعب دور كبير في توحيد المعارضة في هذه الدولة، وتوفير التدريب لقواتها، كما مكّن «فاغنر» من الدخول في مجالات الاستثمار المختلفة، ولا سيّما في مجال الألماس واليورانيوم. وفعلاً، لروسيا الآن في هذا البلد نفوذ وتأثير سياسي يصعب تجاوزه.
وفي دولة تشاد المجاورة لدولة أفريقيا الوسطى، بدأت روسيا مساعيها وجهودها الرامية إلى تعزيز دورها في هذه الدولة التي كانت شؤونها، كما مواردها، حقاً حصرياً وتاريخياً لفرنسا قبل أن تنافسها أميركا خلال العقدين الأخيرين. وجاء دخول روسيا إلى المسرح التشادي منافساً للنفوذ الفرنسي والنفوذ الأميركي في آن واحد.
وفي دولة مالي أسّست روسيا علاقات وثيقة خلال السنوات الأخيرة مع السلطات المالية، وعزّزت علاقات البلدين عبر توقيع اتفاقية تعاون في الدفاع عام 1994، وأعيدت مراجعتها عام 2019. وفي إطار تنفيذ هذه الاتفاقية، تولت روسيا تدريب ضباط الجيش المالي، وقدمت دعماً عسكرياً في إطار صفقة معدات عسكرية وقّعها الطرفان في ديسمبر (كانون الأول). وتحت تأثير العلاقة المتنامية مع موسكو تطوّر الموقف السياسي المالي من الوجود الغربي، وأقدمت السلطات المالية على طرد السفير الفرنسي، وحظرت تحليق الطائرات العسكرية الألمانية في أجوائها، ثم طردت القوات الدنماركية من أراضيها.
علاقات التعاون الاقتصادي
ولم تكتفِ روسيا في أفريقيا بعلاقات مع الدول التي سبق ذكرها، بل أسّست علاقات مع دول أخرى تقوم على التعاون الأمني والاقتصادي. واليوم تعمل شركاتها في أنغولا، بجنوب غربي القارة الأفريقية في استثمارات النفط والمعادن الثمينة، مثل الماس والذهب. وخلال عامي 2017 - 2018، وقَّعت روسيا اتفاقيات تعاون مع أكثر من تسع عشرة دولة أفريقية، منها على سبيل المثال لا الحصر: نيجيريا، وأنغولا، وغينيا الاستوائية وبوركينا فاسو، كما وقَّعت اتفاقات لاستخراج الغاز الصخري من موزمبيق. وبالتالي، استطاعت مدّ نفوذها بقوة في وسط القارة الأفريقية وغربيها، مثلما ضمنت لها موطئ قدم في شرقها وشمالها.

لقد تعددت وتنوّعت أشكال الحضور الروسي في أفريقيا، وعلى الرغم من هيمنة العنصر الأمني والعسكري عليها، فقد سعت موسكو إلى الاستفادة من الحضور الثقافي والاستثماري. وبالفعل، تزايد حضور شركات كبرى مثل غازبروم ولوك أويل وروستك وروس أتوم في القارة، وبالأخص، في مصر والجزائر وأوغندا ونيجيريا وأنغولا، كما افتتحت روسيا في العديد من الدول الأفريقية مراكز ثقافية تروّج لسياساتها.
وخلال عام 2018 وقّعت شركة «روس آتوم»، المسؤولة عن القطاع النووي، مذكرات واتفاقيات لتطوير الطاقة النووية مع 18 دولة أفريقية، من بينها مصر، وإثيوبيا، وكينيا، ونيجيريا، وزامبيا، وغانا ورواندا. وتعمل الشركة راهناً على بناء أربعة مفاعلات نووية في مصر.
وفي قطاع الزراعة، فإن العديد من الدول الأفريقية تعتمد بشكل كبير اليوم على واردات القمح والحبوب من روسيا، بيد أن تعطل الإمدادات جراء الحرب أدى إلى تفاقم خطر الجوع في القارة السمراء.
إلا أن العنصر الأبرز الذي طورته موسكو خلال السنوات الأخيرة تمثل في تقديم الخدمات الأمنية والعسكرية لبلدان القارة. وازدادت أهمية هذا العنصر بسبب الحرب في أوكرانيا، وبات يشكل أولوية في السياسات الخارجية لموسكو في الوقت الراهن.
«قمة سوتشي» (2019) توّجت هذه الجهود حين توافق القادة الروس والأفارقة على أهداف التعاون بين دولهم، واعتمدوا أهدافاً لزيادة تطوير التعاون الروسي - الأفريقي على الصعد كافة، السياسية، والأمنية، والاقتصادية، وعلى صُعد العلوم والتكنولوجيا، والثقافة. كذلك اعتمدوا إطاراً جديداً للحوار، تحدّد عبره عقد قمة بين الجانبين كل ثلاث سنوات، وعقد مشاورات سياسية سنوية بين وزراء الخارجية الروس والأفارقة، وفعلاً شهدت هذه القمة توقيع عدد من الاتفاقيات والمذكرات والعقود، بلغت أكثر من 50 وثيقة.
أكبر مورّد سلاح إلى أفريقيا
حسب تقرير وضعته مؤسسة «راند» في نهاية العام الماضي (وهي منظمة بحثية مستقلة وغير ربحية تأسست في الولايات المتحدة عام 1948)، فإن ما يقرب من نصف واردات أفريقيا من المعدات العسكرية (49 في المائة) يأتي من روسيا. وتشمل هذه الكميات الأسلحة الكبيرة (دبابات القتال والسفن الحربية والطائرات المقاتلة والمروحيات القتالية)، والأسلحة الصغيرة (المسدسات والبنادق الهجومية مثل بندقية كلاشينكوف الجديدة).
وأوضح التقرير، الذي رصد مبيعات الأسلحة الصينية والروسية إلى أفريقيا، ونُشر في ديسمبر الماضي، أن قائمة أكبر مشتري الأسلحة من روسيا في أفريقيا، تندرج فيها: الجزائر، وأنغولا، وبوركينا فاسو، وبوتسوانا، ومصر، وإثيوبيا، وغانا، وليبيا، والمغرب، وموزمبيق، وناميبيا، ورواندا، والسودان، وجنوب أفريقيا، وأوغندا وزيمبابوي.
وكان معلوماً أن صادرات الأسلحة العسكرية والمتعاقدين العسكريين والأمنيين الخاصين، خصوصاً من شركة «فاغنر» الروسية، تعدّ أدوات مهمة لإبراز نفوذ روسيا في أفريقيا.
وبصفة عامة، يمكن القول إن القارة الأفريقية باتت تشغل مكانة مهمة بين مستوردي السلاح الروسي، ومثلت الصادرات العسكرية الروسية لأفريقيا 18 في المائة من إجمالي صادرات روسيا من الأسلحة في السنوات الأخيرة.
التحدي الاقتصادي... فرص وصعوبات
لقد أظهرت روسيا أنها «صديق» و«شريك استراتيجي» مع دول أفريقيا، وأن علاقات الجانبين ذات منفعة متبادلة وليست نابعة من إرث. ثم إن روسيا تدعم مقترح منح مقعد دائم لدول أفريقيا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ما يمنحها نفوذاً أكبر في المنظمة الأممية.
ولكن، مقابل الزخم القوي للتحركات الروسية في القارة الأفريقية، والقائم بالدرجة الأولى على دعم تطلعات القارة للتخلص من الإرث الاستعماري - ودعم الأنظمة الحاكمة فيها أو قوى المعارضة إذا لزم الأمر عسكرياً وأمنياً -، تواجه موسكو تحديات مهمة، بينها قدرتها على ضخ استثمارات مالية كبرى في القارة، وتنفيذ تعهداتها بتطوير قطاعات عدة.
إن مستقبل موسكو وحضورها الصاعد في أفريقيا يبقيان رهن تعميق شراكتها الاقتصادية، بما فيها مجال الطاقة وإمدادات الحبوب والدواء ومجالات الرقمنة والتكنولوجيا وتنفيذ المشاريع التنموية والثقافية، وهذه قطاعات تواجه موسكو نفسها مشكلات جدية فيها بسبب الحصار الغربي.
حالياً تدرك موسكو جيداً في الملف الاقتصادي، أنها تواجه وضعاً صعباً. ولكن مقابل الضغوط الأميركية والإغراءات التي تقدمها واشنطن لحمل بلدان القارة على تغيير سياساتها تجاه موسكو، سعت روسيا إلى تقديم حوافز قوية. ولذا؛ يبرز بين المواضيع الواعدة للتعاون مع بلدان القارة: الفضاء السلمي، والتكنولوجيا المتقدمة، و«المدن الذكية»، والطاقة النووية. وتنطلق موسكو من أن أفريقيا مستعدة للتعاون، مع أن السؤال يظل في كيفية إنشاء سلسلة إمداد وخدمات مالية للمشاريع المشتركة في مواجهة العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا.
العنصر الثاني المهم الذي تعوّل عليه موسكو هو ضمان استقرار الإمدادات الغذائية، خصوصاً، مع الحاجة المتزايدة لبلدان القارة إلى إمدادات الحبوب والأسمدة. ولهذا؛ يبدو أن الرهان الروسي سيبقى لبعض الوقت موجهاً نحو تعزيز الحضور العسكري والأمني، والسعي إلى تحريض بعض المجموعات والبلدان الأفريقية على تعزيز مسار التخلص من النفوذ الغربي، وإنهاء أو تقليص الحضور العسكري المباشر لبعض البلدان.
تحدّيات في العلاقات الروسية - الأفريقية

* تشكل قمة «بريكس» التي تنعقد في جنوب أفريقيا في أغسطس (آب) المقبل امتحاناً صعباً للعلاقات الروسية - الأفريقية ولجمهورية جنوب أفريقيا نفسها. فهذا البلد العضو في محكمة الجنايات الدولية يواجه معضلة الالتزام بقراراتها، وهو يستعد لاستقبال الرئيس فلاديمير بوتين.
ولقد دارت تكهنات كثيرة حول احتمال إجراء تعديل دستوري يتيح لجنوب أفريقيا تجاهل الامتثال للمحكمة التي أدرجت بوتين على لائحة الملاحقين بقضايا جرائم حرب. غير أن هذا الخيار يبدو مستبعداً بسبب الضغوط الغربية المتصاعدة، ومواقف المعارضة الداخلية التي زادت المطالبات باعتقال بوتين لدى وصوله.
أمام هذا الواقع تبدو الخيارات محدودة بين سحب الدعوة الموجهة لبوتين لحضور القمة؛ ما يعني أنه سيكون على الرئيس الروسي أن يشارك افتراضياً عبر تقنية «الفيديو كونفرس»، أو أن يوفد مبعوثاً يمثله. ورغم ذلك أعلنت سلطات بريتوريا أنها تحترم حصانة كل ضيوف القمة، تاركة الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات.
وبرز تحدٍ آخر متعلق بقمة «بريكس» عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبته في حضور هذه القمة. وهو أمر ردت عليه موسكو بعنف واضح، عندما قال نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف: إن ماكرون ليس مرحباً به في «بريكس». استدرك أن «الدولة المضيفة لها الحق في توجيه دعوات، لكن موسكو أبلغت جنوب أفريقيا بلغة واضحة عدم ترحيبها بحضور (أعداء روسيا)». تخشى موسكو بالفعل وضعاً غير مريح في حال غاب بوتين عن القمة بسبب ملاحقات الجنائية الدولية وحضر ماكرون محاولاً حشد حلفاء موسكو ضد سياساتها.
عنصر ثانٍ مهم في التحديات الجديدة للعلاقة، برز من خلال الجهد الأفريقي الموجّه للوساطة بين روسيا وأوكرانيا، ومحاولة لعب دور لإطلاق حوار؛ إذ اضطرت موسكو إلى إعلان موقف متحفظ على الملامح العامة للمبادرة التي جرى طرحها خلال لقاءات لقادة أفريقيين مع الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي أخيراً.
وعدّ الكرملين أن فرص تنفيذ المبادرة صعبة للغاية؛ ذلك أنها - كما المبادرة الصينية من قبل - نصت في أحد بنودها على «ضرورة احترام سيادة الدول». وهذا الأمر تخشى موسكو تفسيراته المتعلقة بسيطرتها على مناطق في جنوب وشرق أوكرانيا وضمها رسمياً إلى روسيا الاتحادية.
عموماً، تدرك موسكو جيداً أن فرص المبادرة الأفريقية، وإن كانت ليست قوية بما يكفي، فإنها تشجع بلدان القارة على المضي قدماً بمهمة الوساطة، في مسعى لتعميق الهوة الحاصلة حالياً مع الغرب الذي سارع إلى إبداء تحفظات على أي أفكار لا تضع أساساً لها من الورقة الأوكرانية.
وهنا يقول خبراء روس إن مهمة الوساطة التي تقودها جنوب أفريقيا مهمة للغاية بالنسبة للأفارقة أنفسهم «كون هذه هي أول مبادرة موحدة منذ عقود من قِبل مجموعة كاملة من الدول الأفريقية في أزمة خارج المنطقة».

