روسيا تخوض ضد الغرب معركة الحضور في أفريقيا

حضور أمني وسياسي وعسكري يواجه إغراءات واشنطن لـ«القارة السمراء»

شعار شركة «غازبروم»
شعار شركة «غازبروم»
TT

روسيا تخوض ضد الغرب معركة الحضور في أفريقيا

شعار شركة «غازبروم»
شعار شركة «غازبروم»

القادة الأفارقة في «قمة سوتشي» مع الرئيس الروسي بوتين (الرئاسة الروسية)

مع استكمال تحضيرات القمة الروسية - الأفريقية الثانية، التي تنعقد في نهاية الشهر المقبل في عاصمة الشمال الروسي سان بطرسبرغ، يبرز أكثر حجم وطبيعة الرهان المتصاعد لدى روسيا والغرب في السباق المحموم بين الطرفين لكسب القارة السمراء وضمان توظيف العلاقات معها في المواجهة المتفاقمة حالياً. لقد عكست جولة الوزير سيرغي لافروف الأفريقية الأخيرة، مستوى تزايد أهمية المنطقة لطرفي الصراع الحالي، فهذه الجولة الرابعة للوزير في هذا العام في القارة. وهي جاءت في إطار خطوات نشطة لروسيا تقابل التحرك الغربي في أفريقيا، والضغوط السياسية المتواصلة من جانب واشنطن لحمل المنطقة على الانخراط في نظام العقوبات على موسكو، وكذلك لمواجهة تنشيط الدبلوماسية الأوكرانية الهادفة إلى ضمان حياد بلدان القارة أو جرّها إلى تبني مواقف واضحة ونهائية حيال مبادرات السلام المطروحة من جهات مختلفة. من المؤكد أن سياسات موسكو تجاه أفريقيا ليست محصورة بالصراع الحالي مع الغرب؛ إذ إنها اتخذت منحى تصاعدياً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، لكنها اكتسبت مع تفاقم هذا الصراع أبعاداً أكثر نشاطاً وحيوية، خصوصاً في إطار السعي إلى إظهار فشل سياسة الغرب في عزل روسيا. وهذا ما يعكسه واقع أنها ما زالت تحظى بحضور مهم لدى عدد واسع جداً من البلدان، ناهيك من أن الجزء الأعظم من البلدان الأفريقية لم ينخرط في العقوبات والقيود المفروضة على روسيا، بل بالعكس من ذلك، سعت بعض البلدان إلى توظيف المواجهة الروسية الغربية المتفاقمة لتحقيق فوائد لها كما حدث مع مالي وبوركينا فاسو وغيرهما.

تجديد العلاقات التقليدية

ارتبطت روسيا مع الدول الأفريقية بعلاقات صداقة تقليدية اجتازت أكثر من امتحان خلال الزمن، فقد لعبت موسكو في العهد السوفياتي دوراً مهماً في الإسهام بتحرير القارة الأفريقية عبر دعمها نضال شعوب أفريقيا ضد الاستعمار والهيمنة والتمييز العنصري.

وفيما بعد قدّمت دعماً للدول الأفريقية في الدفاع عن استقلالها وسيادتها وتكوين بنيانها، ووضع أسس الاقتصاد القومي، وتشكيل القوات المسلحة ذات القدرة القتالية. كذلك شيّد الخبراء السوفيات - وبعدهم الروس - منشآت مهمة للبنى التحتية، بما فيها السدود والمحطات الكهرومائية والطرق والمصانع، وتلقّى آلاف الأفارقة دراستهم وتدريبهم المهني والعسكري في المعاهد والجامعات والكليات الروسية.

ما يُذكر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان قد أعلن أمام أكثر من أربعين زعيماً أفريقياً من رؤساء الدول والحكومات، الذين لبّوا دعوته إلى المشاركة في القمة الروسية - الأفريقية الأولى، التي احتضنتها مدينة سوتشي الروسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أنه يعدّ تطوير وترسيخ علاقات المنفعة المتبادلة مع الدول الأفريقية ضمن أولويات السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية.

وبدا لاحقاً أن هذا النهج تكرّس في «العقيدة الدبلوماسية» الروسية في نسختها المعدلة، كما أن الحضور الروسي في القارة غدا جزءاً من الاستراتيجيات التي وضعتها موسكو لتعزيز قدراتها على مواجهة الضغوط الغربي. وهذا برز في النسخة الجديدة من العقيدة البحرية التي نصّت على توجه موسكو لإنشاء قواعد عسكرية بحرية في مناطق مختلفة من العالم، بينها بطبيعة الحال القارة الأفريقية.

التحركات الأميركية

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي واجهت موسكو تحركات نشطة من جانب الولايات المتحدة للتأثير على معظم قرارات الدول الأفريقية تجاه إعادة تطبيع العلاقات مع روسيا والصين؛ ما جعل روابط أفريقيا بروسيا تظل هشة. ولا يخفى أن التحرك النشط الذي أطلقته موسكو تجاه «القارة السمراء» خلال السنوات العشر الأخيرة أثار قلقاً متزايداً لدى واشنطن وعواصم غربية عدة، على رأسها فرنسا التي اتهمت موسكو مباشرة بالعمل على تقويض النفوذ الفرنسي في القارة.

ودفع هذا الأمر واشنطن إلى إعادة صياغة شاملة لسياستها في أفريقيا جنوبي الصحراء، لمواجهة الوجود الروسي والوجود الصيني، وتطوير أساليب غير عسكرية ضد الإرهاب. وترافق ذلك مع إعلان الولايات المتحدة تعهداً بتخصيص 1.3 مليار دولار لكبح الجوع، ومبادرة بعثة المرونة في مجال الأغذية والزراعة التي تقودها فرنسا لتنشيط الزراعة الأفريقية.

خطوات تعزيز الحضور الروسي

على خط موازٍ للتمدّد الصيني في أفريقيا، نشطت روسيا في تعزيز وجودها في أفريقيا، مستفيدة من سلبيات السياسة الغربية في القارة، ومن تاريخها الاستعماري. وأيضاً استفادت من تنامي حالة «عدم القبول» الأفريقي بالخطاب والمواقف الغربية تجاه أفريقيا، فبنت خطاباً وسياسات تناصر أفريقيا في قضاياها السياسية والاقتصادية المختلفة من ناحية، ومن ناحية أخرى أكدت أهمية المحافظة على سيادة الدول الأفريقية، ورفض إخضاعها بأدوات السياسة أو الاقتصاد. وبدلاً من ذلك، النظر إلى أفريقيا بوصفها مسرحاً للشراكات التي تنعكس إيجاباً على تطلعات الدول والشعوب الأفريقية بما يسهم في تطورها وتقدمها، وتقديم قروض غير مشروطة بمواقف سياسية تتصل بأحوال الدول الداخلية وشؤونها، وقد مكّنها كل ذلك من تحقيق وجود فاعل.

وحقاً، عزّزت روسيا علاقاتها مع دول شمال أفريقيا، فطوّرت علاقات اقتصادية وعسكرية مع مصر، كما بدأت بتعاون مشترك معها في مجال الطاقة النووية. وفي ليبيا سعت إلى تأسيس حضور عسكري دائم، وطورت علاقاتها الاقتصادية مع تونس، وبشكل خاص في مجالات السياحة. والحال كذلك مع الجزائر التي غدت الشريك العسكري الأول أفريقيا، والثاني عالمياً لروسيا في مؤشر مشتريات السلاح والمعدات الحربية.

أما في شرق أفريقيا، فقد سعت روسيا لتطوير علاقات خاصة مع السودان، ونجحت في إبرام اتفاقية لتأسيس قاعدة عسكرية في بورتسودان على البحر الأحمر، كان يمكن لولا التغييرات التي حدثت في السودان والضغوط الأميركية القوية أن توفّر لها بموقعها الاستراتيجي إطلالة على البحر الأحمر، وإشرافاً مباشراً على حركة الملاحة البحرية والجوية، وعلى حركة التجارة العالمية، وخاصة النفط، وربما الغاز مستقبلاً. كذلك استعدت موسكو للاستفادة من فتح أفق جديد نحو الاستثمار في مجالات الطاقة والتعدين على الساحل السوداني.

وبما يخص إثيوبيا فقد عمّقت معها روسيا تعاونها الدفاعي. وفي يوليو (تموز) 2021 تمّ التوقيع على اتفاقيات للتعاون العسكري بين البلدين، مثلما وقّعا مذكرة تفاهم تضمن مساهمة روسيا في مجال الطاقة النووية، وقد وقّعت روسيا مذكرة مماثلة مع كلّ من كينيا وزامبيا.

دور «فاغنر»

وفي مناطق أخرى من القارة، عزّزت روسيا علاقاتها ووجودها في عدد من دول غرب أفريقيا، حيث أصبح لها حضور وتأثير ونفوذ في دولة أفريقيا الوسطى التي أمدتها بشحنات أسلحة متتالية. واعتمدت على شركة «فاغنر» لترجيح موازين القوى في الصراع الداخلي الذي تفاقم في عام 2017 بين المعارضة والسلطة. ولقد مكّنها حضورها شبه العسكري هناك، من لعب دور كبير في توحيد المعارضة في هذه الدولة، وتوفير التدريب لقواتها، كما مكّن «فاغنر» من الدخول في مجالات الاستثمار المختلفة، ولا سيّما في مجال الألماس واليورانيوم. وفعلاً، لروسيا الآن في هذا البلد نفوذ وتأثير سياسي يصعب تجاوزه.

وفي دولة تشاد المجاورة لدولة أفريقيا الوسطى، بدأت روسيا مساعيها وجهودها الرامية إلى تعزيز دورها في هذه الدولة التي كانت شؤونها، كما مواردها، حقاً حصرياً وتاريخياً لفرنسا قبل أن تنافسها أميركا خلال العقدين الأخيرين. وجاء دخول روسيا إلى المسرح التشادي منافساً للنفوذ الفرنسي والنفوذ الأميركي في آن واحد.

وفي دولة مالي أسّست روسيا علاقات وثيقة خلال السنوات الأخيرة مع السلطات المالية، وعزّزت علاقات البلدين عبر توقيع اتفاقية تعاون في الدفاع عام 1994، وأعيدت مراجعتها عام 2019. وفي إطار تنفيذ هذه الاتفاقية، تولت روسيا تدريب ضباط الجيش المالي، وقدمت دعماً عسكرياً في إطار صفقة معدات عسكرية وقّعها الطرفان في ديسمبر (كانون الأول). وتحت تأثير العلاقة المتنامية مع موسكو تطوّر الموقف السياسي المالي من الوجود الغربي، وأقدمت السلطات المالية على طرد السفير الفرنسي، وحظرت تحليق الطائرات العسكرية الألمانية في أجوائها، ثم طردت القوات الدنماركية من أراضيها.

علاقات التعاون الاقتصادي

ولم تكتفِ روسيا في أفريقيا بعلاقات مع الدول التي سبق ذكرها، بل أسّست علاقات مع دول أخرى تقوم على التعاون الأمني والاقتصادي. واليوم تعمل شركاتها في أنغولا، بجنوب غربي القارة الأفريقية في استثمارات النفط والمعادن الثمينة، مثل الماس والذهب. وخلال عامي 2017 - 2018، وقَّعت روسيا اتفاقيات تعاون مع أكثر من تسع عشرة دولة أفريقية، منها على سبيل المثال لا الحصر: نيجيريا، وأنغولا، وغينيا الاستوائية وبوركينا فاسو، كما وقَّعت اتفاقات لاستخراج الغاز الصخري من موزمبيق. وبالتالي، استطاعت مدّ نفوذها بقوة في وسط القارة الأفريقية وغربيها، مثلما ضمنت لها موطئ قدم في شرقها وشمالها.

شعار شركة «غازبروم»

لقد تعددت وتنوّعت أشكال الحضور الروسي في أفريقيا، وعلى الرغم من هيمنة العنصر الأمني والعسكري عليها، فقد سعت موسكو إلى الاستفادة من الحضور الثقافي والاستثماري. وبالفعل، تزايد حضور شركات كبرى مثل غازبروم ولوك أويل وروستك وروس أتوم في القارة، وبالأخص، في مصر والجزائر وأوغندا ونيجيريا وأنغولا، كما افتتحت روسيا في العديد من الدول الأفريقية مراكز ثقافية تروّج لسياساتها.

وخلال عام 2018 وقّعت شركة «روس آتوم»، المسؤولة عن القطاع النووي، مذكرات واتفاقيات لتطوير الطاقة النووية مع 18 دولة أفريقية، من بينها مصر، وإثيوبيا، وكينيا، ونيجيريا، وزامبيا، وغانا ورواندا. وتعمل الشركة راهناً على بناء أربعة مفاعلات نووية في مصر.

وفي قطاع الزراعة، فإن العديد من الدول الأفريقية تعتمد بشكل كبير اليوم على واردات القمح والحبوب من روسيا، بيد أن تعطل الإمدادات جراء الحرب أدى إلى تفاقم خطر الجوع في القارة السمراء.

إلا أن العنصر الأبرز الذي طورته موسكو خلال السنوات الأخيرة تمثل في تقديم الخدمات الأمنية والعسكرية لبلدان القارة. وازدادت أهمية هذا العنصر بسبب الحرب في أوكرانيا، وبات يشكل أولوية في السياسات الخارجية لموسكو في الوقت الراهن.

«قمة سوتشي» (2019) توّجت هذه الجهود حين توافق القادة الروس والأفارقة على أهداف التعاون بين دولهم، واعتمدوا أهدافاً لزيادة تطوير التعاون الروسي - الأفريقي على الصعد كافة، السياسية، والأمنية، والاقتصادية، وعلى صُعد العلوم والتكنولوجيا، والثقافة. كذلك اعتمدوا إطاراً جديداً للحوار، تحدّد عبره عقد قمة بين الجانبين كل ثلاث سنوات، وعقد مشاورات سياسية سنوية بين وزراء الخارجية الروس والأفارقة، وفعلاً شهدت هذه القمة توقيع عدد من الاتفاقيات والمذكرات والعقود، بلغت أكثر من 50 وثيقة.

أكبر مورّد سلاح إلى أفريقيا

حسب تقرير وضعته مؤسسة «راند» في نهاية العام الماضي (وهي منظمة بحثية مستقلة وغير ربحية تأسست في الولايات المتحدة عام 1948)، فإن ما يقرب من نصف واردات أفريقيا من المعدات العسكرية (49 في المائة) يأتي من روسيا. وتشمل هذه الكميات الأسلحة الكبيرة (دبابات القتال والسفن الحربية والطائرات المقاتلة والمروحيات القتالية)، والأسلحة الصغيرة (المسدسات والبنادق الهجومية مثل بندقية كلاشينكوف الجديدة).

وأوضح التقرير، الذي رصد مبيعات الأسلحة الصينية والروسية إلى أفريقيا، ونُشر في ديسمبر الماضي، أن قائمة أكبر مشتري الأسلحة من روسيا في أفريقيا، تندرج فيها: الجزائر، وأنغولا، وبوركينا فاسو، وبوتسوانا، ومصر، وإثيوبيا، وغانا، وليبيا، والمغرب، وموزمبيق، وناميبيا، ورواندا، والسودان، وجنوب أفريقيا، وأوغندا وزيمبابوي.

وكان معلوماً أن صادرات الأسلحة العسكرية والمتعاقدين العسكريين والأمنيين الخاصين، خصوصاً من شركة «فاغنر» الروسية، تعدّ أدوات مهمة لإبراز نفوذ روسيا في أفريقيا.

وبصفة عامة، يمكن القول إن القارة الأفريقية باتت تشغل مكانة مهمة بين مستوردي السلاح الروسي، ومثلت الصادرات العسكرية الروسية لأفريقيا 18 في المائة من إجمالي صادرات روسيا من الأسلحة في السنوات الأخيرة.

التحدي الاقتصادي... فرص وصعوبات

لقد أظهرت روسيا أنها «صديق» و«شريك استراتيجي» مع دول أفريقيا، وأن علاقات الجانبين ذات منفعة متبادلة وليست نابعة من إرث. ثم إن روسيا تدعم مقترح منح مقعد دائم لدول أفريقيا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ما يمنحها نفوذاً أكبر في المنظمة الأممية.

ولكن، مقابل الزخم القوي للتحركات الروسية في القارة الأفريقية، والقائم بالدرجة الأولى على دعم تطلعات القارة للتخلص من الإرث الاستعماري - ودعم الأنظمة الحاكمة فيها أو قوى المعارضة إذا لزم الأمر عسكرياً وأمنياً -، تواجه موسكو تحديات مهمة، بينها قدرتها على ضخ استثمارات مالية كبرى في القارة، وتنفيذ تعهداتها بتطوير قطاعات عدة.

إن مستقبل موسكو وحضورها الصاعد في أفريقيا يبقيان رهن تعميق شراكتها الاقتصادية، بما فيها مجال الطاقة وإمدادات الحبوب والدواء ومجالات الرقمنة والتكنولوجيا وتنفيذ المشاريع التنموية والثقافية، وهذه قطاعات تواجه موسكو نفسها مشكلات جدية فيها بسبب الحصار الغربي.

حالياً تدرك موسكو جيداً في الملف الاقتصادي، أنها تواجه وضعاً صعباً. ولكن مقابل الضغوط الأميركية والإغراءات التي تقدمها واشنطن لحمل بلدان القارة على تغيير سياساتها تجاه موسكو، سعت روسيا إلى تقديم حوافز قوية. ولذا؛ يبرز بين المواضيع الواعدة للتعاون مع بلدان القارة: الفضاء السلمي، والتكنولوجيا المتقدمة، و«المدن الذكية»، والطاقة النووية. وتنطلق موسكو من أن أفريقيا مستعدة للتعاون، مع أن السؤال يظل في كيفية إنشاء سلسلة إمداد وخدمات مالية للمشاريع المشتركة في مواجهة العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا.

العنصر الثاني المهم الذي تعوّل عليه موسكو هو ضمان استقرار الإمدادات الغذائية، خصوصاً، مع الحاجة المتزايدة لبلدان القارة إلى إمدادات الحبوب والأسمدة. ولهذا؛ يبدو أن الرهان الروسي سيبقى لبعض الوقت موجهاً نحو تعزيز الحضور العسكري والأمني، والسعي إلى تحريض بعض المجموعات والبلدان الأفريقية على تعزيز مسار التخلص من النفوذ الغربي، وإنهاء أو تقليص الحضور العسكري المباشر لبعض البلدان.

تحدّيات في العلاقات الروسية - الأفريقية

مظاهرة مناوئة لفرنسا في مالي يرفع فيها المتظاهرون العلم الروسي (إيبا - إيفي)

* تشكل قمة «بريكس» التي تنعقد في جنوب أفريقيا في أغسطس (آب) المقبل امتحاناً صعباً للعلاقات الروسية - الأفريقية ولجمهورية جنوب أفريقيا نفسها. فهذا البلد العضو في محكمة الجنايات الدولية يواجه معضلة الالتزام بقراراتها، وهو يستعد لاستقبال الرئيس فلاديمير بوتين.

ولقد دارت تكهنات كثيرة حول احتمال إجراء تعديل دستوري يتيح لجنوب أفريقيا تجاهل الامتثال للمحكمة التي أدرجت بوتين على لائحة الملاحقين بقضايا جرائم حرب. غير أن هذا الخيار يبدو مستبعداً بسبب الضغوط الغربية المتصاعدة، ومواقف المعارضة الداخلية التي زادت المطالبات باعتقال بوتين لدى وصوله.

أمام هذا الواقع تبدو الخيارات محدودة بين سحب الدعوة الموجهة لبوتين لحضور القمة؛ ما يعني أنه سيكون على الرئيس الروسي أن يشارك افتراضياً عبر تقنية «الفيديو كونفرس»، أو أن يوفد مبعوثاً يمثله. ورغم ذلك أعلنت سلطات بريتوريا أنها تحترم حصانة كل ضيوف القمة، تاركة الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات.

وبرز تحدٍ آخر متعلق بقمة «بريكس» عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبته في حضور هذه القمة. وهو أمر ردت عليه موسكو بعنف واضح، عندما قال نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف: إن ماكرون ليس مرحباً به في «بريكس». استدرك أن «الدولة المضيفة لها الحق في توجيه دعوات، لكن موسكو أبلغت جنوب أفريقيا بلغة واضحة عدم ترحيبها بحضور (أعداء روسيا)». تخشى موسكو بالفعل وضعاً غير مريح في حال غاب بوتين عن القمة بسبب ملاحقات الجنائية الدولية وحضر ماكرون محاولاً حشد حلفاء موسكو ضد سياساتها.

عنصر ثانٍ مهم في التحديات الجديدة للعلاقة، برز من خلال الجهد الأفريقي الموجّه للوساطة بين روسيا وأوكرانيا، ومحاولة لعب دور لإطلاق حوار؛ إذ اضطرت موسكو إلى إعلان موقف متحفظ على الملامح العامة للمبادرة التي جرى طرحها خلال لقاءات لقادة أفريقيين مع الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي أخيراً.

وعدّ الكرملين أن فرص تنفيذ المبادرة صعبة للغاية؛ ذلك أنها - كما المبادرة الصينية من قبل - نصت في أحد بنودها على «ضرورة احترام سيادة الدول». وهذا الأمر تخشى موسكو تفسيراته المتعلقة بسيطرتها على مناطق في جنوب وشرق أوكرانيا وضمها رسمياً إلى روسيا الاتحادية.

عموماً، تدرك موسكو جيداً أن فرص المبادرة الأفريقية، وإن كانت ليست قوية بما يكفي، فإنها تشجع بلدان القارة على المضي قدماً بمهمة الوساطة، في مسعى لتعميق الهوة الحاصلة حالياً مع الغرب الذي سارع إلى إبداء تحفظات على أي أفكار لا تضع أساساً لها من الورقة الأوكرانية.

وهنا يقول خبراء روس إن مهمة الوساطة التي تقودها جنوب أفريقيا مهمة للغاية بالنسبة للأفارقة أنفسهم «كون هذه هي أول مبادرة موحدة منذ عقود من قِبل مجموعة كاملة من الدول الأفريقية في أزمة خارج المنطقة».


مقالات ذات صلة

إثيوبيا تبرم صفقات استثمارية بقيمة 13 مليار دولار في مؤتمر استثماري

الاقتصاد شركة طاقة صينية تعتزم استثمار نحو 10 مليارات دولار في إثيوبيا (رويترز)

إثيوبيا تبرم صفقات استثمارية بقيمة 13 مليار دولار في مؤتمر استثماري

أعلنت هيئة الاستثمار الحكومية في إثيوبيا، عن إبرام صفقات استثمارية بقيمة 13 مليار دولار، وذلك عقب مؤتمر استثماري استهدف جذب رؤوس الأموال إلى قطاعات اقتصادية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

«اتفاقات هشة» وعنف متصاعد... أزمات تلاحق شرق الكونغو

يتواصل مسار العنف منذ بداية عام 2026 في شرق الكونغو الديمقراطية، رغم محاولات وسطاء لإحياء اتفاقات وقف إطلاق النار بين الحكومة ومتمردين

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس الصومالي خلال مشاركته السابقة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

تصدعات تضرب «حزب الرئيس الصومالي» إثر استقالة قيادات بارزة

تلقى حزب «العدالة والتضامن» الذي أسسه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ضربة جديدة، بعد استقالات بارزة بالحزب إثر انتقادات بشأن «عدم الالتزام بالمسار القانوني».

محمد محمود (القاهرة )

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».