عشائر البدو ودروز السويداء... «مظلوميات» التاريخ والجغرافيا

روايات متضاربة عن عمق الانقسام وقلق الهوية والاغتراب عن دمشق

سيدة درزية من الجولان المحتل تنظر عبر الحدود باتجاه سوريا (رويترز)
سيدة درزية من الجولان المحتل تنظر عبر الحدود باتجاه سوريا (رويترز)
TT

عشائر البدو ودروز السويداء... «مظلوميات» التاريخ والجغرافيا

سيدة درزية من الجولان المحتل تنظر عبر الحدود باتجاه سوريا (رويترز)
سيدة درزية من الجولان المحتل تنظر عبر الحدود باتجاه سوريا (رويترز)

تعيش محافظة السويداء، الواقعة في جنوب سوريا، على صفيح ساخن، بعد أحداث دامية شهدتها في الأيام الماضية واشتباكات بين مكوناتها المحلية والقوات الأمنية. وليست هذه الأحداث بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها المشهد السوري كله؛ إذ تُلقي بظلالها على مستقبل التعايش والسلم الأهلي في منطقة غنية بتنوعها الثقافي والاجتماعي والديني.

وبينما تحاول الدولة في دمشق بسط نفوذها على كامل الأراضي السورية، تتجدد مطالب المكونات المحلية بحقوقها و«خصوصيتها»، مما يخلق معادلة معقدة تهدد بزعزعة الاستقرار في محافظة ذات أهمية استراتيجية كبيرة.

وتتشابك في السويداء خيوط تاريخية قديمة من العلاقات المتوترة بين العشائر البدوية والمجتمع الدرزي، تُضاف إليها تحديات الحاضر المتمثلة في الوضع الاقتصادي المتدهور وغياب الخدمات الأساسية، وتصاعد نشاط المجموعات المسلّحة وسلطة حديثة الولادة في دمشق. هذه العوامل مجتمعة تجعل من السويداء بؤرة توتر سريعة الانفجار، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأطراف المعنية على إيجاد حلول مستدامة تضمن الأمن والاستقرار للجميع.

فالروايات متضاربة ومتشابكة، وكل طرف يقدم سرداً للأحداث يختلف جذرياً عن الآخر، ينطلق ليس فقط مما حدث قبل يومين وإنما مما اعتمل في النفوس من ترسبات الماضي ويعكس عمق الانقسام وغياب الثقة بين المكونات.

مقاتلون دروز يحتفلون بعد انسحاب الجيش السوري والقوات الأمنية من السويداء (أ.ف.ب)

مرجعيات وفصائل

تتوزع الزعامات في السويداء بين مرجعيات دينية وعائلات لكل منها وجهاء وقادة بثقل ميداني متفاوت، وتحالفات وخصومات سياسية متباينة. كما تنقسم الفصائل العسكرية الدرزية بين قوى توالي حكومة دمشق وأخرى تعارضها بوضوح.

ويعد «فصيل مضافة الكرامة»، بقيادة ليث البلعوس (وهو ابن وحيد البلعوس)، حليفاً لحكومة دمشق، إلى جانب سليمان عبد الباقي قائد فصيل «أحرار جبل العرب».

في المقابل، تقف فصائل معارضة أبرزها «المجلس العسكري في السويداء» و«لواء الجبل»، ويبلغ عدد عناصرها نحو 3000 مقاتل، في موقع متقارب من توجهات حكمت الهجري.

وبرز أخيراً تحالف جديد يضم «درع التوحيد» وفصائل أصغر مثل «قوات العليا»، و«شيخ الكرامة»، و«سرايا الجبل»، و«جيش الموحدين»، تحت اسم «قوى مكافحة الإرهاب» أو «حزب اللواء السوري»، وأعلن هذا التحالف قطيعة كاملة مع دمشق بعد خطاب الهجري الأخير، في 15 يوليو (تموز)، الذي رفض فيه البيان الحكومي بالتوصل إلى اتفاق مع وجهاء السويداء لوقف النار ودخول القوات الحكومية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك فصيل «حركة رجال الكرامة» بقيادة أبو حسن يحيى الحجار، وهو فصيل كبير نسبياً، وهو الآخر يعارض حكومة دمشق.

شيوخ من الدروز متجمعون في قرية مجدل شمس بالجولان المحتل (أ.ف.ب)

تباين التكتل الديني

تتمركز المرجعيات الدينية التقليدية لدى الطائفة الدرزية في سوريا في بيوت آل الهجري، وآل الحناوي، وآل جربوع، وقد شكلت عبر عقود المرجع الأعلى في الشؤون الدينية والاجتماعية التي تنظم وتيرة الحياة بتفاصيلها، وحافظت على موقعها بصفتها مصدراً شرعياً معترفاً به داخل المجتمع المحلي وفي العلاقة مع العاصمة.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأ هذا التكتل الديني يشهد تبايناً في المواقف. ففي حين لم يكن للشيخ حكمت الهجري حضور قوي في السابق، فقد أصبح اليوم أحد أكثر الأصوات رفضاً لحكومة دمشق وسياساتها، ونسج علاقة متينة مع المرجع الديني الأعلى لدروز فلسطين وإسرائيل، موفق طريف، مما دفع البعض إلى عدّه رأس التيار المعارض داخل المرجعيات الدينية.

في المقابل، يفضل المرجع الروحي يوسف جربوع ذو الثقل الديني والمجتمعي، التفاهم مع حكومة دمشق، ويحرص على الحفاظ على قنوات التواصل معها وبسط الدولة سيطرتها على السويداء.

ويتخذ الموقف نفسه ليث البلعوس وابن القائد وحيد البلعوس، ويترأس مجوعة مقاتلة كانت معارضة بشده للنظام السوري السابق المتورط في اغتيال والده عام 2015، ولكنه الآن مقرب من حكومة الرئيس أحمد الشرع.

ونشأت هذه الحركة في سياق سياسي وعسكري معارض تاريخياً لدمشق، وتحالفت مع قوى محلية وخارجية مثل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، لكنها لا تُعد مرجعيات روحية، ولا تحظى بشرعية دينية داخل الطائفة، ويقتصر تأثيرها على الجانب الميداني.

ويعكس هذا المشهد انقساماً غير مسبوق داخل البنية الدينية التقليدية في السويداء، بين مرجعيات تحاول الحفاظ على العلاقة مع الدولة، وأخرى تنحاز تدريجياً لموقف شعبي رافض للسلطة، في وقت تبحث فيه قوى أخرى عن توازن بين الانتماء الوطني والخصوصية الدينية والسياسية للطائفة.

عشائر عربية من إدلب تحتشد تلبية للنفير العام الذي أُطلق لمساندة عشائر بدو السويداء (إ.ب.أ)

رواية العشائر البدوية

وسط هذه الحالة المركّبة، نشبت الأحداث الأخيرة وبدأت تأخذ أبعاداً إقليمية حتى بعد وقف تبادل إطلاق النار بين أبناء السويداء والقوات الحكومية التي انسحبت أخيراً من المنطقة، لتعود النيران وتستعر بين الدروز والعشائر البدوية التي تقدم نفسها مكوّناً يعاني من تهميش تاريخي ومستمر.

فحسب المحامي محمد أبو ثليث، وهو عضو «مجلس عشائر السويداء» وابن إحدى العشائر البدوية المتاخمة والمتخاصمة مع الدروز، فإن «البدو هم الضحايا الدائمون، يُحمّلون مسؤولية أحداث لم يفتعلوها، ويُعدّون الحلقة الأضعف» في صراع القوى بالمنطقة.

«المظلومية» في هذه الراوية موغلة في القدم. إذ تركز على أن الدروز، القادمين إلى الجبل قبل نحو قرنين من الزمن، سعوا إلى «خنق العشائر تدريجياً» وبسط سيطرتهم، مما أدى إلى «حرمان البدو من سبل العيش التي تعتمد أساساً على تربية المواشي، وهو ما دفع بنصف عشائر جبل العرب إلى الهجرة القسرية تباعاً نحو الأردن وريف دمشق ودرعا مقابل توسع نفوذ الدروز القادمين من لبنان وفلسطين».

وضرب أبو ثليث مثالاً برئيس مجلس النواب الأردني السابق، سعد هايل السرور، وهو سوري الجنسية حتى اليوم، ووالد هايل السرور الذي كان رئيس البرلمان السوري قبل الوحدة بين سوريا ومصر.

ويعتقد البدو أنهم هم «أبناء الأرض الأصليون»، وأن ما حدث هو استمرار لظلم تاريخي حرمهم من حقوق المواطنة، بما في ذلك الوظائف والتمثيل السياسي والخدمات في سياق الصراع على الهوية والجغرافيا.

ويرى المحامي محمد أبو ثليث، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر يجب أن يُعالج من جذوره الحقيقية، مشيراً إلى أن البدو يُحَمّلون المسؤولية «لأن الطرف الآخر لا يجرؤ على مواجهة الفاعلين الحقيقيين».

ويطالب ممثل العشائر بأن تقوم عشائر الجبل، أو ما يُعرف بـ«أهل الجبل»، ببسط سيطرتها ورفع الظلم الواقع على أبناء العشائر، مشيراً إلى أن هذه الشريحة عانت من «ظلمَين متداخلَين»، على حد وصفه، «ظلم نظام البعث والأسد، وظلم الجيران. فنحن لم نحصل على حقوق المواطنة، لا في الوظائف، ولا في التمثيل السياسي، ولا حتى في الخدمات الأساسية التي هي حق لكل إنسان».

ويختتم أبو ثليث بالقول إن «البدو لا يريدون المواجهة، ولا يملكون القدرة عليها. كل ما يتمنونه هو أن يعيشوا بسلام مع جيرانهم، لأنه لا أحد يستطيع إلغاء الآخر. ومنذ سقوط النظام البائد، تمنى أبناء العشائر أن تتدخل الدولة لضمان الحماية، وتأمين أبسط الحقوق لافتاً إلى أولوية أن يوجه النقاش حول مستقبل (جبل العرب) وحل المشكلة من جذورها».

رجل دين من دروز فلسطين يقف عند السياج الفاصل بين سوريا وإسرائيل (د.ب.أ)

هوية قلقة على الدوام

يقول أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة باريس، المتحدر من السويداء، خلدون النبواني، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن الطائفة الدرزية، مثل أي أقلية، تعيش شعوراً دائماً بالخطر والتهديد، مما يدفعها إلى التكتل حول هويتها الخاصة والتمركز حولها دفاعاً عن الذات.

ويشير النبواني إلى أن هذا التمركز لا يقتصر على المستوى الرمزي أو الثقافي، بل يمتد إلى التمركز الديموغرافي، موضحاً أن العلويين يتمركزون في جبال الساحل، والدروز في جبل العرب، مما يعكس الميل الجماعي لدى هذه الأقليات إلى التكتل في مناطق محددة تعزّز تماسكها الاجتماعي وترسّخ الهوية الخائفة والقلقة باستمرار.

ويقول النبواني: «نشأة الطائفة الدرزية نفسها كانت حركة تمرد سياسي وثقافي على الإسلام السني التقليدي، ولذلك نشأ معها شعور دائم بالحاجة إلى الاحتماء والتكاتف الداخلي، والتعاضد الاجتماعي، وهو ما نراه حتى اليوم في مؤسسة الزواج، حيث يندر التزاوج خارج الطائفة».

وكما في أصغر نواة مجتمعية مثل الأسرة، ينسحب هذا الموقف على الإدارة العامة والتمثيل السياسي، حيث سجلت حالات رفض لتعيين محافظين أو قادة من خارجهم، منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى آخر محافظ عينته حكومة أحمد الشرع، وأثار رفضه واستقالته ثم عودته، لغطاً كبيراً.

ففي عهد أديب الشيشكلي (1951 – 1954)، تدهورت العلاقة بشكل حاد مع دمشق؛ إذ اتهم الشيشكلي الدروز بالتآمر، وقصف «جبل العرب» بالمدفعية عام 1954، متسبباً بقتل وتهجير وعداوات طويلة الأمد بين أبناء السويداء والحكم المركزي. ومع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، اتبعت الدولة سياسة «الاحتواء الناعم» تجاه الدروز، عبر تعيين شخصيات رمزية من أبناء الطائفة في بعض المناصب، مع الإبقاء على رقابة أمنية صارمة على السويداء.

لافتةٌ رفعها الدروز السوريون في 25 فبراير: «السويداء لن تكون خنجركم المسموم في ظهر سوريا» رداً على التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)

رفض الدويلة والانفصال

رغم هذا الانكفاء النسبي، فإن «الدروز يدركون أنهم لا يستطيعون العيش في عزلة تامة عن محيطهم»، كما يوضح النبواني؛ بل إن علاقتهم بالمحيط شرط من شروط بقائهم، مشيراً إلى مفارقة تاريخية لافتة: «حين منح الاحتلال الفرنسي الدروز دويلة في السويداء، تم رفضها والتمرد عليها بشكل واضح، بل إن سلطان باشا الأطرش رفض الدخول في أي مفاوضات تتعلق بكيان درزي منفصل، وقاد الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، مؤكداً أن السويداء جزء مؤسس في الدولة السورية».

ويخلص النبواني إلى أن التاريخ السياسي للطائفة يُظهر رفضاً ثابتاً لفكرة الانفصال، لأسباب متعددة، من بينها استحالة قيام كيان مستقل، ولكن أيضاً بسبب تعاليم دينية تقوم على عدم مواجهة السلطة. ويشرح: «حين ثار سلطان باشا الأطرش على الفرنسيين، عارضه شيوخ الدين؛ لأن فرنسا كانت تعدّ سلطة قائمة، وتم عدّ ما قام به تمرداً، بل إن بعض رجال الدين سعوا إلى إبعاده عن الطائفة».

ويتابع: «هذه التقاليد الدينية تكرّس مبدأ الاحتماء بالسلطة وليس الاصطدام بها، مما يجعل من الدروز جماعة تميل إلى التكيف مع الدولة أكثر من رغبتها في مواجهتها أو الانفصال عنها».

ويرى النبواني أن هذه العلاقة المعقدة بين الالتفاف على الهوية والخوف من العزلة تخلق مفارقة جوهرية في البنية النفسية والسياسية للطائفة، ما يجعل الدروز ممسكين بهويتهم الخاصة من خلال حاجتهم الدائمة إلى الآخر، «فلا هم قادرون على الاستمرار من دون هذا المحيط، ولا يمكن لهم الذوبان الكامل فيه».

عناصر أمن سورية تقف في ساحة رئيسية بالسويداء وبدا تمثال سلطان باشا الأطرش مدمراً (رويترز)

الرواية الحكومية

بالعودة إلى الأحداث الأخيرة، تركز الرواية الحكومية على مفهوم سيادة الدولة وحقها في امتلاك السلاح وواجبها في فرض الأمن والنظام، وتصور الأحداث على أنها مواجهة مع عناصر مسلحة «لجأت إلى الثأر» وتهدد الاستقرار. ويُعدّ تدخل الدولة استجابة حتمية للفوضى وتهديد الأمن، مع تأكيد «تقديم التضحيات في سبيل استعادة كامل السيادة». هذا المنظور يرى في أي مقاومة لسلطة الدولة تحدياً يجب التعامل معه بطريقة أمنية، بغض النظر عن دوافعه السياسية أو الاجتماعية الكامنة.

ويقول خالد عبد الكريم، وهو مسؤول في جهاز الأمن الداخلي، إن تدخل الدولة في السويداء وريفها كان ضرورياً «لفض الاشتباكات وحماية المدنيين» من «جماعات خارجة عن القانون» تهدد حياة الناس وسيادة الدولة، لكنها تعرضت لكمائن من جماعات مسلحة تنشط في أطراف بعض البلدات، مما دفعها إلى التعامل العسكري المباشر.

ويضيف عبد الكريم، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لقد قدمنا عدداً كبيراً من الشهداء في صفوف الجيش والأمن الداخلي، وأسر بعض عناصرنا ومُثِّل بجثثهم»، مؤكداً أن القوات الأمنية عملت على حماية المدنيين وممتلكاتهم «من جميع الأطراف، بما فيها بعض المجموعات البدوية التي لجأت إلى الثأر».

فهد أبو حيدر من سكان جرمانا يتحدث إلى موفق أبو شاش رجل دين درزي عقب اشتباكات دامية في جرمانا سوريا 5 مايو 2025 (رويترز)

استهداف يولّد استهدافاً

في المقابل، يقدم بعض أبناء السويداء من أمثال منذر محيي الدين، أحد منظمي «اعتصامات ساحة الكرامة» خلال حكم النظام السوري السابق، رواية ثالثة تتقاطع في بعض جوانبها مع روايتي عشائر البدو والحكومة.

فقد شدد محيي الدين، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن الشرارة انطلقت بـ«هجوم منظم» من قِبل مجموعات بدوية مسلّحة استهدفت عدداً من بلدات المحافظة. ورأى محيي الدين أن ما يحدث ليس مجرد اضطراب أمني ظرفي، بل هجوم من هذه المجموعات التي اعتادت قطع الطرق والتضييق على المدنيين الدروز. وأكّد محيي الدين أن هذه المجموعات «دخلت منذ يومين برفقة عناصر أمن وتوغلوا في الأحياء بحجة فرض الأمن، لكن فعلياً حدثت عمليات نهب وسرقة وقتل».

ووفق ما قاله محيي الدين فان أبناء السويداء يشعرون بأنهم تعرّضوا لهجوم بطريقة «الفزعة البدوية»، ويقول: «طالبنا مراراً بحماية المدنيين لكن لم يستجب لنا أحد. إنه استهداف واضح للسويداء وأهلها»؛ مما قطع آخر أواصر الثقة. وحذّر محيي الدين، في ختام حديثه، من أن حالة الاحتقان هذه قد تؤدي إلى «عمليات مقابلة من أبناء السويداء رداً على ما فعلته المجموعات البدوية ومن يدعمها، وهي عمليات لن تتوقف مستقبلاً، بل قد نشهد اقتتالاً طائفياً طويلاً ما دامت المعالجة الوحيدة لهذه الأحداث أمنية فقط».

لقاء بين شيخ درزي من الجولان المحتل وآخر من سوريا الجمعة (أ.ف.ب)

لكن موقف الحكومة بقي «حذراً جداً»، وحاولت قدر المستطاع «ألا تُستدرج بوصفها طرفاً في الصراع» كما يقول لـ«الشرق الأوسط» الباحث وائل علوان، موضحاً أن المشكلات بين أبناء السويداء ومحيطهم المكون من العشائر البدوية تاريخية، وقام النظام السابق بالاستثمار فيها لإضعاف المجتمع في الجنوب السوري. وعدّ علوان أن «الصراع ليس مفتعلاً وعناصره موجودة لكن هناك من قام بتأجيجه». ولفت علوان إلى تقاطع مصالح أطراف خارجية، مثل إيران وروسيا وإسرائيل، مع أطراف داخلية مثل «قسد» أو مجموعات مرتبطة بحكمت الهجري أو فلول النظام السابق تستفيد كلها بحسبه، من أي فوضى تواجه الحكومة السورية.

ويصف علوان المجموعات المسلحة في السويداء بأنها «ميليشيات ما دون الدولة، وهي من عاق فرض الحكومة سيطرتها واستهدفتها واستدرجتها»، وبالنتيجة سيترتب على الحكومة فرض سيادتها على جنوب البلاد لتفادي أي سيناريوهات مستقبلية.

وبينما تدخل السويداء في موجة عنف جديدة، ضحيتها هذه المرة عشائر البدو الذين دخلوا مرحلة تهجير جماعي، تقف البلاد كلها عند مفترق طرق حاسم. فالتوترات المتصاعدة تهدد بزعزعة الاستقرار وتعميق الانقسامات المجتمعية التي تفاقمت طوال عقود بين المكونات الاجتماعية والدينية وأفضل ما يعكسها هذه الروايات المتضاربة للأحداث الأخيرة.

لذلك؛ فإن التحدي الأكبر الآن على حكومة دمشق هو استعادة الثقة مع «جبل العرب» بكل مكوناته وتجاوز الحلول الأمنية والبحث عن حلول سياسية واجتماعية تعالج جذور الأزمة، مثل توزيع عادل للثروة والسلطة، وضمان تمثيل جميع المكونات، وإصلاح الخدمات الأساسية، وإيجاد صيغة للتعايش مقبولة بما يضمن سيادة القانون ووحدة النسيج الاجتماعي تُبعد البلاد عن الصراعات الداخلية وتقطع الطريق على التدخلات الإقليمية والدولية.


مقالات ذات صلة

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

المشرق العربي الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

الشرع يستقبل وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع ، الأربعاء، في قصر الشعب بدمشق، وفداً فلسطينياً برئاسة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

من المتوقع أن يعلن مكتب الرئاسة أسماء ثلث مقاعد المجلس بعد المصادقة على نتائج انتخابات الحسكة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اللقاء في أبوظبي (وام)

محمد بن زايد والشرع يبحثان تعزيز العلاقات والتطورات الإقليمية

بحث الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، مع الرئيس السوري أحمد الشرع، سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون المشترك.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
المشرق العربي وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان (السفارة السورية في برلين)

عام على تأسيس منصة «بداية جديدة في سوريا»... وزيرة التنمية الألمانية تدعو إلى حماية التنوع

أسهمت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية هند قبوات التي كانت حاضرة في لاحتفال بمرور عام على تأسيس «منصة بداية جديدة في سوريا» ببرلين.

راغدة بهنام (براين)

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.