أكثر من 800 يوم على الحرب... غيّرت شكل الحياة وأنماط الاستهلاك في روسيا

بدائل «صديقة» للمنتجات الغربية من السيارات إلى السينما

جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)
جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)
TT

أكثر من 800 يوم على الحرب... غيّرت شكل الحياة وأنماط الاستهلاك في روسيا

جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)
جنود ومدنيون يلتقطون صورة تذكارية في «يوم النصر» الذي يقام احتفالاً بالانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية في موسكو (رويترز)

لم يكن غالبية الروس غداة إعلان الرئيس فلاديمير بوتين انطلاق «العملية العسكرية الخاصة» في أوكرانيا، فجر 24 فبراير (شباط) 2022 يتوقعون أن يطول أمد المواجهة لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة.

دار الحديث عن عملية خاطفة وحاسمة، تعيد القيادة الأوكرانية «إلى رشدها» أو تقضي عليها عبر انهيار داخلي كبير، ينهي مظاهر العداء لروسيا في البلد الجار، ويضع الغرب أمام أمر واقع يدشن مرحلة جديدة في آليات التعامل مع المتطلبات الأمنية للكرملين.

لكن «العملية الخاصة» تحولت تدريجياً إلى أكبر مواجهة تخوضها روسيا منذ الحرب العالمية.

سيدة تحمل بعض مقتنياتها وتخرج من منزلها المدمر في قصف أوكراني على مبنى في منطقة بيلوغرود الروسية (رويترز)

وبعد مرور أكثر من 800 يوم على إطلاق الرصاصة الأولى لـ«تحرير دونباس» غدا تعبير «الحرب الشاملة» الأكثر تداولاً، على رغم أن القوانين تحرّم استخدامه، مع كل ما حمل ذلك من تداعيات على حياة الروس اليومية.

هنا، لا يقتصر الأمر على عسكرة الاقتصاد وتسخير مقدرات البلاد لخدمة الجبهة. فالتأثيرات المباشرة لا تقف عند تأقلم عشرات المدن والبلدات الحدودية مع واقع انطلاق صافرات الإنذار يومياً، وحياة الملاجئ خلال هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة، التي لم تسلم منها أحياناً، حتى مناطق العمق الروسي أو حتى مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي.

صحيح أن التدابير الواسعة المتخذة نجحت في تجاوز التداعيات الأسوأ لأكبر اختبار تمرّ به البلاد منذ عشرات السنين، لكن الاقتصاد بقي عملياً صامداً متماسكاً، والجبهة الداخلية صلبة للغاية.

أما ملامح الحياة اليومية للروس فقد تغيرت كثيراً.

من كان يتوقع قبل عامين ونيف، أن تهيمن الصين بهذه السرعة، على أكثر من 60 في المائة من سوق السيارات في البلاد؟ وأن تعود سيارة «لادا» التي تذكّر بالحقبة السوفياتية للتجول بكثافة في شوارع المدن الكبرى؟

من كان ينتظر أن تخلو رفوف المتاجر من أنواع الجبنة الفرنسية والمعكرونة الإيطالية والزيت الاسباني الفاخر؟

لا يقف الأمر عند السلع الاستهلاكية، ومنتجات الغذاء والدواء التي تبدلت ملامحها كثيراً، كما تبدل الكود الرقمي للبلدان المنتجة لها. فحتى صناعة السينما تغيرت. غابت هوليوود والإنتاج الغربي عموماً عن الصالات وحلّت ثقافة «البلدان الصديقة» مكانها، لتنافس بذلك الإنتاج المحلي الذي شهد بدوره طفرة غير مسبوقة، سيطر فيها المحتوى الموجه وثقافة الحرب على معايير الجودة والمنافسة.

متسوقون في سوبر ماركت في موسكو (الشرق الأوسط)

من الـ«سوبرماركت» إلى الصيدلية والشوكولاتة

قد تثير رفوف محال البقالة الفارغة الذعر في الدول الغربية. أما في روسيا، وعلى الرغم من رزم العقوبات غير المسبوقة، ليس هناك ما يشير إلى نقص الغذاء. جولة قصيرة على أي متجر في العاصمة موسكو، أو حتى في المناطق البعيدة عنها، والأقل حظاً لجهة القدرة الشرائية للمواطن، تدل مباشرة إلى أن التغييرات التي طرأت، لا تتعلق بنقص المنتجات المطروحة، بل بتبدل منشأها.

كانت مشكلة «الأمن الغذائي» قد طرحت بشكل مبكّر للغاية، منذ أن انهالت رزم العقوبات على روسيا بعد قرار ضم شبه جزيرة القرم في 2014. منذ ذلك الحين، كان الاعتماد على الواردات الغذائية في سلاسل البيع بالتجزئة والأسواق الروسية قد انخفض بشكل كبير. من الثلث تقريباً إلى نحو 10 في المائة فقط حالياً.

لذلك؛ كان هذا القطاع مهيئاً سلفاً لمواجهة تداعيات العقوبات الغربية والمشكلات اللوجيستية المتعلقة بطرق مرور البضائع.

وأظهر استبدال الواردات النتائج الأكثر إثارة للإعجاب في فئة المنتجات مثل اللحوم والدواجن: حيث انخفضت حصة الواردات وفقاً للجهات المختصة من 19.6 إلى 5.4 في المائة. وانخفضت حصة الزيوت الحيوانية والنباتية والسكر والحبوب المستوردة.

وفي ما يتعلق بالفواكه والخضراوات، فإن حصة الواردات تتقلب تبعاً للموسم، ولكن حتى هنا، فإن التقدم واضح. الأكثر صعوبة يكمن في تعويض منتجات من المستحيل استبدالها بمنتج وطني، مثل القهوة والشاي.

هذا لا يعني أن قطاع المواد الغذائية لا يعاني مشكلات جدية؛ إذ لا تزال صناعة الأغذية الروسية تعتمد على المواد الخام وقطع الغيار ومعدات الإنتاج المستوردة.

لم تفرغ رفوف المحال التجارية من المواد الغذائية لكن بلدان المنشأ تغيرت (الشرق الأوسط)

ويؤكد تجار التجزئة أن العمل مع الشركات المصنعة الروسية أكثر ربحية لهم من شراء البضائع المستوردة. وتعمل الشراكات مع الموردين المحليين على تقليل التكاليف: ليست هناك حاجة إلى إنفاق الأموال على الخدمات اللوجيستية أو القلق بشأن المخاطر العالية لانقطاع الإمدادات. لكن حجم حصة البضائع الروسية يبقى محصوراً بقدرة الشركات المصنعة على تذليل عقبات نقص المواد الخام وتحسين القدرة التنافسية.

وأشارت يوليا كرامايكوفا، رئيسة قسم التفاعل مع الهيئات الحكومية في سلسلة متاجر «ماغنيت»، إلى أن استراتيجية العمل مع الشركة المصنعة الروسية هي التي ساعدت على النجاة من الأزمة في العام الماضي. لكنها تقول إن مجرد وضع المنتج على الرف ليس كافياً. وتقول «نحن في حاجة إلى مساعدة المصنّعين الروس على التنافس بنجاح مع أولئك الذين يشغلون حالياً حصة كبيرة على الرف». للقيام بذلك؛ عليك أن تخبر المشتري لماذا يستحق هذا المنتج الشراء. إذا لم تقم بإجراء حملات تسويقية نشطة، فسيظل المنتج ببساطة على الرف ويتم شطبه في النهاية. مسألة الترويج والتسويق لها الأولوية».

محل بتسمية «ماغ» يعرض ألبسة من سلسلة «زارا» بعد إغلاق الأخير متاجره في روسيا إثر العقوبات الدولية (غيتي)

تكتسب هذه العبارة أهمية خاصة، خصوصاً على خلفية أن كثيرين من منتجي السلع الغربية المنشأ وجدوا آليات لتعويض خسائرهم بعد مغادرة أسواق روسيا. وتم ذلك عبر الاعتماد على «وسطاء» ساعدوا على الالتفاف على العقوبات المفروضة. هذا الأمر حظي بتشجيع واسع من جانب السلطات؛ لأنه يخفف من المشكلات الناشئة في القطاع.

لذلك؛ عاد العديد من منتجات الاتحاد الأوروبي إلى رفوف المتاجر بعد أشهر من الغياب. وكما يوضح المستوردون أنفسهم، فقد استغرق الأمر بعض الوقت لإعادة بناء الخدمات اللوجيستية.

ولكن من الواضح أن تنوع الواردات الأوروبية الذي كان موجوداً قبل تبادل العقوبات لم يعد موجوداً. وسرعان ما تم استبدال المنتجات الأوروبية بمنتجات منافسة من الدول العربية والبرازيل والأرجنتين وتركيا والصين وبلدان آسيا الوسطى وخصوصاً كازاخستان.

المشهد العام المباشر، يتحدث عن نفسه. فإذا كانت في السابق مجموعة واسعة من زيوت الزيتون متاحة في سوق واحدة وجميعها تقريباً من اليونان وإيطاليا وإسبانيا، فقد أصبح هامش الاختيار الآن أضيق وأقل جودة.

والمعكرونة الإيطالية غدت باهظة الثمن بالمقارنة مع المنتجات المماثلة القادمة من السوق الروسية الداخلية أو من «البلدان الصديقة».

وتوجد منتجات من الخضراوات المعلبة الأوروبية على الرفوف، لكنها ليست كثيرة. على سبيل المثال، ارتفعت أسعار المعلبات الهنغارية أضعافاً عدة، وباتت البازلاء البولندية نادرة وغالية الثمن، وأنواع الأجبان الفرنسية التي كانت تملأ رفوف المتاجر الكبرى تقلصت كثيراً وتم استبدال الجزء الأعظم منها بمنتجات بيلاروسية وكازاخية، ومنتجات تحمل العلامات التجارية لبلدان بعيدة.

بطبيعة الحال، لا يوجد حالياً، شيء مستورد من أوكرانيا في المتاجر، غابت الشوكولاتة الفاخرة التي كانت تهدى في المناسبات، وهي بالمناسبة من إنتاج مصانع الرئيس السابق بيترو باروشينكو صاحب العلامة التجارية الشهيرة «روشن» والذي كان يلقب «ملك الشوكولاتة» وغدا العدو اللدود حالياً للكرملين. كما غاب معها كل أنواع المنتجات الأخرى التي حملت سابقاً العلامة التجارية للبلد الجار.

يكاد الأمر نفسه، ينسحب على سوق الأدوية، على رغم أن هذا القطاع ليس مشمولاً بشكل رسمي في لوائح العقوبات الغربية. لكن المنتجات الغربية باتت مفقودة في الصيدليات، بالدرجة الأولى بسبب الصعوبات اللوجيستية لنقلها.

اعتماد شبه كلي على الصناعات الدوائية والطبية المحلية الروسية (الشرق الأوسط)

لا ورق لإصدار فواتير

لا ترتبط مشكلة الإنتاج المحلي للأدوية فقط بفتح المنصات الضرورية والقيود المفروضة على القيمة المضافة التي تقلل الربحية، ولكن أيضاً باستيراد المكونات الأساسية وعناصر الصناعة الكيماوية.

وهناك مشكلة أخرى لم تكن لتخطر على بال، برزت مع الحرب والعقوبات الكبرى المفروضة على روسيا. مَن كان يتصور أن تفتقد المتاجر الكبرى والصيدليات للورق اللازم لإصدار فواتير البيع والشراء على سبيل المثال؟

يقول مستوردون إن الزيادة في تكلفة هذه المنتجات زادت بنسبة 3.6 ضِعف خلال العام الأول للحرب. وتستهلك الصيدليات في منطقة موسكو وحدها نحو 45 ألف لفة من الورق المخصص لإصدار الفواتير يومياً. ووفقاً للمدير العام للشركة الروسية المصنعة لورق الفواتير فيتالي سيناتوف، والمدير العام لسلسلة صيدليات «ريغلا» ألكسندر فيليبوف، فإن النقص الحاد في هذه المنتجات الحيوية لعمل المتاجر والصيدليات حدث على خلفية توقف إمدادات المواد الخام، وارتفاع أسعار الصرف، وتعطل سلاسل التوريد. وفي وقت سابق، أبلغ أحد أكبر منتجي الورق في روسيا، وهو مصنع «أرخانغيلسك» عن نقصٍ حاد في المواد الكيماوية المستوردة. وانعكس ذلك حتى على قدرة شرطة السير من إصدار مخالفات خطية لسائقي السيارات.

عاملة توضب معاطف فرو معدة للتصدير إلى روسيا في محل للبيع بالجملة في ريتان الصينية (أ.ف.ب)

عودة «لادا» وسيارات «بلدان صديقة»

التحولات الكبرى في الحياة اليومية لملايين الروس، تظهر بوضوح عند أول جولة في شوارع العاصمة الروسية ومدن كثيرة أخرى. والروس الذين نافسوا في السابق أغلى مدن العالم في اقتناء السيارات الغربية الفاخرة، باتوا يواجهون صعوبات جدية في العثور على قطع غيار لسياراتهم، فضلاً عن غياب معظم ماركات السيارات الحديثة عن معارض البيع. طبعاً هنا أيضاً مثل كل القِطاعات الأخرى، وجد المستوردون طرقاً لإدخال بضائع عبر بلدان ثالثة. لكن المشكلة الكبرى في ارتفاع الاسعار وفقدان ميزات خدمات ما بعد البيع.

وهنا كان من الطبيعي أن تدخل الصين بقوة على الخط، لتعويض النقص الحاصل وإطلاق أوسع حملات لترويج بضاعتها، بالتزامن مع عودة ازدهار صناعة السيارات المحلية من طراز «لادا» التي نادراً ما كانت تتجول على الطرقات قبل سنوات قليلة إلا في الأرياف والمناطق البعيدة.

سيارات صينية ومن بلدان «صديقة» تجوب شوارع موسكو (الشرق الأوسط)

في مارس (آذار) الماضي وحده تم بيع 146.5 ألف سيارة جديدة في روسيا، وهذه النتيجة هي الأعلى شهرياً منذ مايو (أيار) 2021، عندما عادت مبيعات سيارات الركاب إلى مستويات ما قبل الأزمة.

تدل معطيات إلى أن الشركة الرائدة في السوق حالياً هي «لادا»، التي بلغت مبيعاتها في مارس 39.9 ألف وحدة (حصة 27.2 في المائة). بينما تجاوزت العلامتان التجاريتان الصينيتان «هافال» و«جيلي» نسبة 10 في المائة (16 ألفاً و15 ألف وحدة على التوالي). التالي في الترتيب هي «شيري»، و«تشانجان»، و«إكسيد»، و«أومودا»، ويغلق العشرة الأوائل بواسطة «ليكسيانج»، و«بلجي» و«جيتور». كلها ماركات تحمل أسماء يصعب نطقها أو معرفتها على كثير من الروس، وهي حلّت مكان الماركات التجارية الغربية الكبرى والمعروفة لديهم.

في مطلع أبريل (نيسان) أفاد تقرير بأن حصة مبيعات ماركات السيارات الصينية في روسيا في عام 2023 تجاوزت 50 في المائة. ووفقاً للمعطيات يتحول سكان المدن الكبرى بشكل متزايد إلى السيارات الكهربائية والهجينة الصينية. وتلك النسبة آخذة في التصاعد، وتقول بعض التقارير الروسية أن حصة الصين في سوق السيارات زادت فعلياً عن 60 في المائة خلال الربع الأول من العام، وفقا لأليكسي غريغورييف، رئيس شركة «روود».

وبحسب وكالة «أوتوستات» التحليلية، فقد عادت سوق السيارات إلى الانتعاش بعد تجاوز أزمة 2022. وفي عام 2023، تم بيع 1.06 مليون سيارة ركاب جديدة في روسيا، وهو ما يزيد بنسبة 69 في المائة على العام السابق. ومع ذلك، لا يزال الرقم متخلفاً عن حجم مبيعات 2021 البالغة 1.54 مليون سيارة جديدة. ووفقاً لغريغورييف، لا ينبغي للسوق أن تتوقع نتائج مذهلة في عام 2024.

لتوضيح وضع السوق حاليا يكفي القول إنه من الناحية الكمية، لن تحدث تغييرات كبرى على حجم المبيعات، كما يقول كونستانتين بولديريف، رئيس تطوير الأعمال في مؤسسة «أوتوتيكا» ولكن التغير الهيكلي يتعلق بالـ «مكون العمري».

لتوضيح هذه الفكرة يمكن القول إنه على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت السوق مليئة بالسيارات المنتجة قبل عام 2014، لكن في عام 2024، ستتجاوز كل هذه السيارات عتبة السنوات العشر؛ ما يعني أن شراءها بحالة مقبولة سيكون صعباً، بعبارة ملطفة.

إلى جانب التعافي التدريجي لحجم المبيعات في سوق السيارات، ينمو حجم الإقراض وفقاً لذلك. في نهاية عام 2023، ارتفع عدد قروض السيارات الصادرة بنسبة 67 في المائة مقارنة بعام 2022، ومن الناحية النقدية تضاعفت السوق تقريباً مرتين وفقاً لتقارير «أوتوستات».

وتهيمن منتجات المراكب الصينية بقوة بعدما أصبحت الخيار الوحيد المتاح عملياً في قطاع السيارات الأجنبية في السوق المحلية. من بين الشركات الروسية في الصناعة التي لديها إمكاناتها الإنتاجية والهندسية الخاصة، لم يتبق سوى «أوتوفاز» التي تنتج سيارات «لادا»، كما يقول سيرغي تسيليكوف، مدير وكالة «أوتوستات» .

وهو يقرّ بأنه «ليس هناك أي معنى للأمل في ظهور شركات روسية محلية يمكنها إنتاج سيارات جديدة، فإن الجزء الأكبر من صناعة السيارات المحلية، باستثناء منتجات (أوتوفاز) سوف يتكون من الإصدارات الروسية من السيارات الصينية بدرجات متفاوتة من التوطين».

ويؤكد الخبير أنه في الظروف الحالية لا ينبغي الاعتماد على عودة العلامات التجارية الأجنبية المألوفة بالشكل السابق.

لا يتعلق «التصيين» بالسيارات الشخصية فحسب، بل يتعلق أيضاً بقطاع الشركات. وبحسب فاديم موراتشين، مدير المكتب التمثيلي في سان بطرسبرغ لشركة «كاركيد» للتأجير، فإن حصة سيارات الركاب الصينية في محفظة المنظمة ارتفعت من 15 في المائة في 2022 إلى ما يقرب من 45 في المائة في نهاية عام 2023.

وهو يضيف: «المهم هو أن مشغلي سيارات الأجرة وتقاسم السيارات قد استبدلوا أسطول سياراتهم بالكامل تقريباً، والذي كان يتكون سابقاً من علامات تجارية أوروبية أو كورية، بسيارات من صناعة السيارات الصينية، وإذا حاولت الآن استدعاء سيارة أجرة أو ركوب سيارة «خدمة المشاركة، لن ترى أبداً سيارة أوروبية أو كورية».

أما بالنسبة للنماذج المطروحة، فإن العلامات التجارية الصينية العاملة رسمياً في عام 2023 عرضت على الروس ما يقرب من 100 طراز جديد. وفقاً لـ«أوتوستات» فقد «تضاعف عدد مراكز وكلاء العلامات التجارية الصينية ثلاث مرات في السنوات الأخيرة»، مع انطلاق «العملية الخاصة» كان هناك نحو 700 مركز، والآن يوجد أكثر من 2000 مركز. لا يوجد شركة تجارية واحدة في روسيا ليس لديها منتج صيني في محفظة معروضاتها.

إيران تدخل على الخط

لكن المثير حقاً، أنه مع انتشار السيارات الصينية وهيمنتها الكبرى، بدأت تظهر حالياً «سيارات صديقة» أخرى، خصوصاً من إيران.

ظهرت سيارات من طراز «إيران خودرو تارا» في وكالات البيع الروسية، وأبرزها شبكة «رولف» الواسعة الانتشار.

في الأسبوع الماضي، أعلنت إدارة «رولف» عن بدء مبيعات سيارات «تارا» التي تعد حالياً الأرخص سعراً في سوق السيارات في روسيا، بعد «لادا غرانتا» التي يتم إنتاجها بمواصفات «شعبية للغاية». يبلغ سعر «تارا» 1.529 مليون روبل (16 ألف دولار). للمقارنة، فإن سيارة «بايك يو فايف بلوس» الصينية التي يتم تجميعها في مصنع «أفتو تور» في كالينينغراد، تقدر قيمتها بـ1.7 مليون روبل.

يقول أوليغ موسيف، رئيس منصة «أوتوماركت» إن السيارات القادمة من إيران ستكون مطلوبة على أي حال.

ووفقاً له، فإنه «في روسيا، هناك حاجة إلى ناقلات بسيطة يقلّ سعرها عن مليونين، وهناك طلب عليها، ولكن النجاح سيعتمد على تنظيم الخدمة، والوفاء بالتزامات الضمان وتوريد قطع الغيار. وهذا هو بالضبط ما فشلت الشركات التي حاولت نقل السيارات من إيران في السنوات السابقة في مواجهته.

ويعتمد نجاح السيارات القادمة من إيران، من بين أمور أخرى، على تكلفة سيارة «لادا فيستا» الحديثة التي لم يتم الإعلان عنها بعد. كونها قد تكون منافساً جيداً وفقاً للخبراء، رغم أنها لا تمتلك مواصفات فنية تناهز السيارة الإيرانية؛ كونها ما زالت تعتمد على علبة السرعة العادية ولم تضف ميزة ناقل أوتوماتيكي للحركة إلى منتجاتها.

محل لبيع تذكارات سياحية تحتفي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وشعارات سوفياتية في موسكو (غيتي)

سينما «قومية» تتحدى هوليوود

لم تنعكس التغييرات التي طرأت على حياة الروس خلال عامين ونيف، في المتاجر وطرُز السيارات التي تتجول في الطرق فحسب. ومع اتخاذ المواجهة الكبرى التي تخوضها روسيا أبعاداً ثقافية وحياتية في شتى المجالات، برز عنصر مواجهة الدعاية الغربية بكل أشكالها بقوة. والمجال الفني – الثقافي لا يشكل استثناءً في هذا السياق. بل غدا جزءاً أساسياً من الثقافة الجديدة لروسيا المعاصرة. كان من الطبيعي أن تغيب منتجات هوليوود عن الشاشات الروسية. وشركات الإنتاج العالمية الكبرى وخصوصاً الغربية منها غادرت السوق الروسية مثلما غادرتها القطاعات الغربية الأخرى.

صبّ هذا التوجه في صالح «الدعاية الوطنية» الموجهة التي تعمل على هدم تأثيرات الثقافة الغربية على المجتمع الروسي.

صالات السينما تعرض أفلاماً روسية وصينية عوضاً عن الأفلام الغربية وسينما هوليوود (الشرق الأوسط)

لم تكد تمر أسابيع بعد اندلاع الحرب، حتى بدأت تظهر تأثيرات التحولات الكبرى في هذا المجال. غابت الأفلام السينمائية الغربية عن أفيشات دور العرض في روسيا، كما غابت حتى عن المنصات الرقمية. يكفي كمثال أن شبكة «إيفي تي في» الأوسع انتشاراً وتأثيراً في روسيا لم تعد تعرض على مشتركيها أي إنتاج سينمائي غربي حديث، ومن بين مئات الأفلام المعروضة على منصتها لا يتجاوز عدد الأفلام الغربية في أبريل أكثر من أربعة أو خمسة أفلام، تميزت بأن منتجيها واصلوا العمل مع الروس.

رمى هذا التطور بثقل واسع على دور العرض الروسية التي أغلقت نصفها تقريباً أبوابها في السنة الأولى للحرب بسبب غياب عروض الأفلام الحديثة؛ ما أدى إلى نقص الإيرادات بشكل حاد.

لكن هذه واحدة فقط من المشكلات التي واجهت هذا القطاع. ومع الطفرة الكبرى في الإنتاج الروسي لتعويض النقص في الأسواق، فقد برزت مشكلتان كبيرتان للغاية.

أولهما أن مضمون الإنتاج السينمائي الروسي الحديث ركز على الحرب ومجرياتها، بشكل تحريضي مباشر، ما أفقده كثيراً من ميزاته الفنية وجودته، وحمله أعباء الانخراط في «الحرب الشاملة».

والمشكلة الثانية برزت مع اتضاح مستوى النقص في الكوادر الفنية بسبب هجرة الكثير من المحترفين، وزيادة معدلات التشغيل على من بقي منهم بشكل كبير.

ورأى المخرج المسرحي ديمتري سكوتنيكوف أنه «لا يوجد عدد كافٍ من المخرجين والمصورين، والمتخصصين الفنيين ذوي الخبرة». وأضاف: «قبل عامين، كان المرجع الرئيسي لدور السينما، كقاعدة عامة، يتألف من منتجات هوليوود، والتي، بدورها، أثرت إيجاباً على تطوير السينما المحلية (...) الآن تغير كل شيء كثيراً. اختفت الأفلام الغربية عملياً، وتحاول السينما الروسية استبدال كل هذا بطريقة أو بأخرى في كل مكان وفي وقت واحد. بطبيعة الحال، هذا أمر صعب؛ لأن الحجم والتركيز تغيرا بشكل حاد للغاية».

هنا، ومثل كل القطاعات الأخرى تقريباً، برز البديل الجاهز للهيمنة على السوق عبر الحليف الأقرب والصديق اللدود (الصين).

وفقاً للقائمة بأعمال مدير شركة «روس كينو» العملاقة إيكاترينا نوموفا، فإن السينما الصينية ستكون قادرة على سد العجز الذي نشأ في سوق السينما الروسية بعد رحيل شركات السينما الغربية. علاوة على ذلك، قالت إن «المشاهدين الروس لديهم موقف إيجابي تجاه المشاريع الصينية».

دافعت نوموفا عن هذا التوجه عبر تأكيد أن «جودة السينما الصينية نمت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة وأصبحت أكثر جاذبية».

ووفقاً لها، بدأت العديد من البلدان على رأسها الصين وبلدان أفريقية ومن مناطق أخرى في عرض محتواها على منصات الإنترنت ودور السينما الروسية. وأشارت نوموفا إلى أن «المشاهد يقبل بسرور على هذه المنتجات».


مقالات ذات صلة

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني يؤكد الاستعداد للرد بالمثل إذا توقفت روسيا عن مهاجمة نظام الطاقة لبلاده (رويترز)

كييف تدعو موسكو لوقف استهداف البنى التحتية للطاقة

عمقت التطورات المحيطة بحرب إيران التشابك مع الصراع المتواصل منذ أربع سنوات حول أوكرانيا خصوصاً في ملف التهديدات المحيطة بأمن الطاقة.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا تتحدث إلى الصحافيين عقب لقائها رئيس الوزراء البريطاني في لندن 3 أغسطس 2021 (رويترز)

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى عدم تخفيف العقوبات على بلادها

قالت زعيمة المعارضة البيلاروسية في المنفى سفيتلانا تسيخانوسكايا، إن تخفيف عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد بلادها يمثّل نهجاً خاطئاً.

«الشرق الأوسط» (ريغا)
أوروبا العلم البريطاني يرفرف فوق سفارتها في موسكو بروسيا 13 سبتمبر 2024 (رويترز)

روسيا تطرد دبلوماسياً بريطانياً لـ«محاولته الحصول على معلومات حساسة»

أعلنت روسيا أنه جرى سحب اعتماد أحد الدبلوماسيين البريطانيين؛ وذلك لمحاولته الحصول على معلومات حساسة.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».