«القاعدة»... انكفاء «المشروع العالمي»

دعوات إلى حلّ التنظيم... فروعه «مشغولة بهمومها المحلية»... والقيادة تعاني من «عدم القدرة»

TT

«القاعدة»... انكفاء «المشروع العالمي»

سوريا كانت محور صراع بين «داعش» و«القاعدة» - والصورة لمقاتلي «داعش» بعد سيطرتهم على مدينة الرقة في 30 يونيو 2014 (رويترز)
سوريا كانت محور صراع بين «داعش» و«القاعدة» - والصورة لمقاتلي «داعش» بعد سيطرتهم على مدينة الرقة في 30 يونيو 2014 (رويترز)

مع اقتراب الذكرى الأولى لإعلان الولايات المتحدة قتلها زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري، بضربة جوية في العاصمة الأفغانية كابل في نهاية يوليو (تموز) 2022، يرصد هذا التقرير وضع التنظيم حالياً في ظل «عجز» واضح عن تكرار الهجمات الإرهابية الضخمة التي تمكن من شنها في أوج صعود نجمه، منذ النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي... وكذلك تراجع فروعه عن استراتيجيته السابقة أيام زعيمه السابق أسامة بن لادن حيث كانت الأولوية لاستهداف ما يوصف بـ «العدو البعيد». كما يرصد صدور دعوات من جماعات مرتبطة به إلى حل «القاعدة» بعدما تولى قيادة التنظيم «فعلياً» سيف العدل المفترض أنه يقيم في إيران.

جماعات مسلحة.. وأهداف محلية

شهدت السنوات التي تلت الألفية الجديدة تغيّراً جوهرياً في طريقة عمل الجماعات المتشددة في عدد من الدول العربية. ففي تسعينات القرن الماضي، كان هدف هذه الجماعات محلياً صرفاً: قلب الأنظمة الحاكمة بزعم أنها «مرتدة». مع حلول النصف الثاني من ذلك العقد كان واضحاً أنها فشلت في تحقيق مبتغاها. فقد هُزمت عسكرياً وتفككت خلاياها واعتُقل أو قُتل الكثير من قادتها الكبار. حصل هذا مع «الجماعة الإسلامية المسلحة» في الجزائر، ومع «الجماعة الإسلامية المقاتلة» في ليبيا، ومع «جماعة الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» في مصر.

ترافقت تلك الهزيمة مع دخول تنظيم «القاعدة» على الخط. فقد كان أسامة بن لادن، زعيم هذا التنظيم، قد حط رحاله في أفغانستان من جديد عام 1996، بعدما لم يعد موضع ترحيب في السودان. تكرر الأمر ذاته مع زعيم «جماعة الجهاد» المصرية، الدكتور أيمن الظواهري، الذي أُبعد أيضاً من السودان، فاستقر في أفغانستان بعدما فشل في الوصول إلى الشيشان، هدفه الأول. من مقره الجديد في أفغانستان، سعى بن لادن إلى إقناع الجماعات «المهزومة» بالانضمام إليه في «حرب عالمية» تستهدف الأميركيين، والغرب عموماً، وليس الأنظمة المحلية. عُرف ذلك التغيير باستراتيجية استهداف «العدو البعيد»... قبل «القريب».

انطلق «مشروع القاعدة العالمي» في فبراير (شباط) 1998 بتأسيس «الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين»، وضمّ، إضافةً إلى «القاعدة»، «جماعة الجهاد» المصرية، وجزءاً من «الجماعة الإسلامية» المصرية (جناح رفاعي طه)، وجماعات أخرى في جنوب شرقي آسيا. لم تمر سوى شهور، حتى باشر هذا التحالف ترجمة خطته لاستهداف الأميركيين، بدءاً بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في أغسطس (آب) 1998، قبل أن تكرّ المسبحة بتفجير المدمّرة «يو إس إس كول» أمام سواحل اليمن عام 2000، وصولاً إلى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن.

تفجير برجي مركز التجارة في نيويورك... أبرز عناوين «المشروع العالمي» لـ «القاعدة» (غيتي)

شكّل هذا الهجوم الأخير امتحاناً للجماعات المتشددة، بما فيها تلك التي تحفظت في البداية على مشروع «القاعدة» العالمي، لكنها وجدت نفسها الآن مضطرة للالتحاق به بعدما شملتها «الحرب الأميركية ضد الإرهاب»، بدءاً من نهاية عام 2001. وقد تمثّل ذلك في إعلان جماعات مختلفة ولاءها لـ«القاعدة» وتحوّلها إلى فروع للتنظيم حول العالم.

 

فروع «القاعدة»

كانت «الجماعة المسلحة» في الجزائر، بحلول ذلك التاريخ، قد تفككت بعدما هزمتها أجهزة الأمن و«نخرت عظامها» شبهةُ «اختراق» الاستخبارات لها، فقرر عدد من قادتها تأسيس جماعة جديدة باسم «الجماعة السلفية للدعوة والقتال». رفض هؤلاء السير في المصالحة مع الحكم الجزائري، بعكس ما فعل معارضون إسلاميون كثر في تلك الحقبة. وعندما جاءت هجمات 11 سبتمبر، كانت «الجماعة السلفية» تواجه ضغطاً أمنياً متصاعداً دفعها إلى نقل نشاطها، أكثر فأكثر، نحو بلدان الساحل الأفريقي. هناك استفادت هذه الجماعة من عدم قدرة الحكومات المحلية على السيطرة على أراضيها الصحراوية الشاسعة، فعززت وجودها بروابط قبلية وباستثمار كميات ضخمة من الأموال التي تم جنيها من الاتجار بالرهائن.

في ظل هذه الظروف، وجدت «الجماعة السلفية» نفسها تسير في ركاب «القاعدة»، فأعلنت ولاءها لزعيم هذا التنظيم وباتت فرعه المغاربي باسم «تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي» في يناير (كانون الثاني) 2007. وقد جاء ذلك بعد شهور من الاتصالات بين الجماعة الجزائرية وفرع «القاعدة» العراقي. وكما في حال «الجماعة» الجزائرية، لم يكن فرع «القاعدة» العراقي، في الواقع، جزءاً من تنظيم بن لادن قبل هجمات 11 سبتمبر. فمؤسسه، الأردني أبو مصعب الزرقاوي، كان يقود مجموعة مسلحة «مستقلة» في أفغانستان، بل إن هناك تقارير تؤكد رفضه عرضاً للانضمام إلى «القاعدة». فرّ الزرقاوي من أفغانستان عقب هجمات 11 سبتمبر والرد الأميركي عليها، وانتقل إلى العراق حيث عمل أولاً إلى جانب جماعة كردية تسمى «أنصار الإسلام»، قبل إعلانه، عام 2004، إنشاء فرع لـ«القاعدة» تحت مسمى «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين»، في العام التالي للغزو الأميركي الذي أطاح حكم الرئيس السابق صدام حسين.

والأمر نفسه ينطبق على جماعات كثيرة انخرطت في «مشروع القاعدة العالمي» عقب هجمات 11 سبتمبر، من الخليج إلى شرق أفريقيا، مروراً بسيناء المصرية. لكن لا بد من الإشارة، هنا، إلى أن إنشاء بعض الفروع الجديدة لـ«القاعدة» عكسَ خلافات تنظيمية حادة داخل الجماعات المنضمة. فـ«الجماعة السلفية» الجزائرية، مثلاً، لم تكن متفقة بشكل كامل على التحول إلى فرعٍ لتنظيم بن لادن، لكنّ المعارضين لذلك تم تهميشهم وإبعادهم عن مراكز القيادة. كما أن «الجماعة المقاتلة» الليبية لم تنضم بأكملها إلى «القاعدة» عام 2007، بل الذي انضم كان فقط فرعاً من فروعها يقوده «أبو الليث الليبي». فقد عارض الانضمام آنذاك قادة مسجونون في ليبيا كانوا يتفاوضون مع نظام العقيد معمر القذافي من أجل العفو عنهم لقاء التخلي عن العنف.

والمثالان الجزائري والليبي ينطبقان أيضاً على قادة جماعات مصرية كانت تخوض بدورها «مراجعات» في السجون من أجل التخلي عن العنف والمصالحة مع نظام الرئيس حسني مبارك، في حين كان قادة آخرون خارج مصر ينخرطون في مشروع «القاعدة» العالمي ويحتلون مناصب أساسية في تنظيم بن لادن.

«المشروع العالمي»

كان طبيعياً أن ينضم حلفاء «القاعدة» الجدد إلى مشروعها «العالمي». في البداية كانت الهجمات مرتبطة بقيادة «القاعدة» نفسها، كما حصل في بالي الإندونيسية عام 2002 والتي نفّذها أفراد من تنظيم «الجماعة الإسلامية» بقيادة «حنبلي»، العضو البارز في «القاعدة». وفي عام 2005، تعرضت لندن لأسوأ هجوم إرهابي شمل محطات قطارات وحافلة للنقل العام. كان معظم الانتحاريين في اعتداء لندن بريطانيين من أصول باكستانية، وبعضهم زار، قبل التفجيرات، مناطق الحدود الأفغانية – الباكستانية حيث تتمركز قيادة «القاعدة» التي تبنت هجوم لندن الدموي.

انضمت فروع «القاعدة» بدورها إلى هذا الجهد «العالمي»، إذ حاول الفرع اليمني (القاعدة في جزيرة العرب)، في عام 2009، إرسال انتحاري (عمر فاروق عبد المطلب) لتفجير طائرة ركاب أميركية، قبل أن يحاول التنظيم في العام التالي إرسال طرود متفجرة لتدمير طائرات عدة متجهة إلى الولايات المتحدة.

استمر هذا الاتجاه «العالمي» لدى تنظيم «القاعدة» وحلفائه حتى مرحلة ما يُعرف بـ«الربيع العربي» عام 2011، حيث غرقت دول عدة في ثورات واضطرابات داخلية، وهو أمر سارع هذا التنظيم إلى محاولة استغلاله مستفيداً من سقوط الأنظمة التي هزمت الجماعات المتشددة في التسعينات.

تفجيرات 7/7 2005 في لندن (غيتي)

لكن «القاعدة» واجهت في تلك الفترة مشكلتين أساسيتين.

الأولى، أن الأميركيين قتلوا زعيمها أسامة بن لادن بعد 10 سنوات من مطاردته إثر فراره من تورا بورا نهاية عام 2001. عثروا عليه مختبئاً في فيلا بمدينة أبوت آباد الباكستانية، وقتلوه ليلة 2 مايو (أيار) 2011. ورغم الإعلان السريع عن اختيار خليفة له هو الدكتور الظواهري، زعيم «الجهاد» المصرية سابقاً، فإن سلطة الأخير على التنظيم وفروعه لم تكن هي ذاتها كما كانت أيام بن لادن. وربما ما صعّب من مهمة الظواهري أكثر أنه ورث تنظيماً نجح الأميركيون، على مدى سنوات، في تفكيكه وضرب شبكاته وقتل معظم قادته الكبار المخضرمين الذين قضوا في الحملة على أفغانستان عام 2001، وفي الحملة اللاحقة على مخابئهم في منطقة الحدود الأفغانية – الباكستانية حيث لاحقتهم، بلا هوادة، غارات الطائرات الأميركية المسيّرة.

الثانية، «مشكلة داعش». هذا التنظيم الذي نشأ من رحم فرع «القاعدة في بلاد الرافدين» سرعان ما وجد نفسه في صدام مع الظواهري، خليفة بن لادن. كانت سوريا سبب الخلاف. فـ«الدولة الإسلامية في العراق» بقيادة أبو بكر البغدادي سعت إلى التوسع في سوريا مستغلةً تضعضع نظام الرئيس بشار الأسد على خلفية الثورة ضد نظامه. لكنّ البغدادي سرعان ما واجه تمرداً داخلياً. فالقيادي السوري الذي أرسله لقيادة التوسع في سوريا، أبو محمد الجولاني، استعان بالظواهري كي يستقل بجماعته (جبهة النصرة) عن سلطة زعيمه العراقي السابق، البغدادي. ولم يكن الأخير ليسمح بمثل هذا التمرد على سلطته، حتى ولو كان المتمردون يحظون بدعم قيادة «القاعدة». وهكذا اندلعت حرب ضروس بين الطرفين كادت تنتهي بنصر ساحق للبغدادي على الجولاني، لولا تدخل تحالف عالمي تقوده الولايات المتحدة أرغم «داعش» على الانحسار تدريجياً في العراق أولاً حيث خسر «عاصمته»، الموصل، ثم في سوريا حيث فقد عاصمته، الرقة، قبل أن ينتهي المطاف بمعركة الباغوز على ضفاف الفرات حيث قاتل «داعش» حتى الموت إلى أن تم القضاء عليه. البغدادي نفسه نجا، لكن الأميركيين نجحوا في العثور عليه مختبئاً في قرية صغيرة بمحافظة إدلب، في شمال غربي سوريا، حيث قُتل في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، بعد شهور فقط من معركة الباغوز.

زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي نافس «القاعدة» في أماكن انتشارها حول العالم... قتله الأميركيون في 27 أكتوبر 2019 في محافظة إدلب السورية (أ.ف.ب)

تراجع «الحرب العالمية»

في ظل هذا الوضع، كان لافتاً أن «الحرب العالمية» التي أطلقها تنظيم «القاعدة» ضد الغرب عموماً والأميركيين خصوصاً منذ التسعينات تراجعت إلى حد كبير، إنْ لم تختفِ كلياً. فالسنوات القليلة الماضية أظهرت عجز «القاعدة» عن تكرار الهجمات الكبرى التي تمكّنت سابقاً من شنها على غرار تفجير السفارتين في دار السلام ونيروبي وتفجير المدمرة «كول» وهجمات 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك، ثم تفجيرات بالي ومحطات قطارات الأنفاق بلندن... وكل هذه الهجمات «العالمية» كان لها علاقة، كما يُعتقد، بقيادة «القاعدة» نفسها.

لكن توقف الهجمات «العالمية» لم يشمل قيادة «القاعدة» فقط، بل شمل أيضاً فروعها المفترض أنها جزء من استراتيجية استهداف «العدو البعيد». والحقيقة أن توقف العمليات ترافق مع تصريحات صادرة عن فروع «القاعدة» نفسها تؤكد أن نشاطها «محلي» فقط وليس عالمياً، في نأيٍ لافت بالنفس عن «مشروع القاعدة العالمي».

وفي هذا الإطار، كان لافتاً أن الجولاني نفسه الذي كان يمثّل فرع «القاعدة» في سوريا لم يكتفِ بإعلان فك ارتباطه بالتنظيم، بل جَهَدَ لتأكيد أن تنظيمه -«هيئة تحرير الشام»، (جبهة النصرة سابقاً)- لا يستهدف الغرب بل ينشط فقط «ضد النظام» في سوريا. ويقول الجولاني في حوار شهير عام 2020 مع «مركز إدارة الأزمات» شارحاً انفصاله عن البغدادي (عام 2013): «لم يكن أمامنا أي خيارات جيدة. كان عليّ أن أتخذ قراراً سريعاً، ولذلك اجتمعت بحلقتي الداخلية وأخبرتهم بأني أفكر في مبايعة (القاعدة). لم ينصحوني بذلك –بل إن بعضهم وصفوا ذلك بأنها خطوة انتحارية– لكن لم يكن أي منهم قادراً على تقديم بديل. إلا أنني جعلت مبايعتي مشروطة بفكرة أننا لن نستخدم سوريا كنقطة انطلاق لشن عمليات خارجية. كما أننا لن نسمح لآخرين باستخدامها لمثل تلك الغاية. وأوضحت أننا سنركز حصرياً على صراعنا ضد النظام السوري وحلفائه في سوريا». ويبدو أن الجولاني قد التزم بذلك حتى الآن. فحتى جماعة «حراس الدين» التي باتت تمثل «القاعدة» في سوريا والتي تنشط في مناطق نفوذ «هيئة تحرير الشام»، لم يُسجّل أنها شنت هجمات ضد الغرب انطلاقاً من الأراضي السورية، من دون أن يعني ذلك أنها لم تحاول. وربما فشلها مرتبط بتمسك الجولاني بعدم السماح لها باستخدام أراضيه لشن هجمات خارجية، أو بسبب الضربات التي تشنها بين الوقت والآخر طائرات مسيّرة غربية ضد قادة التنظيم المشتبه بتورطهم في التخطيط لهجمات.

والأمر نفسه ينطبق، كما يبدو، على فرع «القاعدة» في شرق أفريقيا. فبعدما تحولت حركة «الشباب» إلى فرع لـ«القاعدة» حاولت أن تشارك في «الحرب العالمية» من خلال تفجير طائرة ركاب مدنية في الجو عام 2016 (وقتها قُتل الانتحاري فقط بعدما نجح قائد الطائرة في الهبوط بها بسلام رغم فجوة كبيرة أحدثها الانفجار في هيكلها). وقد شنت الحركة الصومالية هجمات عدة في دول الجوار، لكنها، كما يبدو، باتت منشغلة الآن بهمها «المحلي» في ظل حرب شديدة تشنها ضدها القوات الحكومية الصومالية، بمساندة أميركية مباشرة. ولم تعلن حركة «الشباب»، في الواقع، موقفاً واضحاً يتعلق بوقف انخراطها في «الحرب العالمية» ضد الغرب، لكنّ الواضح أن عملياتها باتت منذ فترة طويلة «محلية»، إذ تقتصر على الصومال ومحيطه.

أبو عبيدة العنابي مطلوب أميركياً... ينأى بنفسه عن الهجمات ضد الغرب (الشرق الأوسط)

في المقابل، كان فرع «القاعدة» في الصحراء الكبرى (دول الساحل الأفريقي) الأكثر وضوحاً في ما يخص الحرب «العالمية» ضد الغرب، إذ قال زعيم هذا التنظيم «أبو عبيدة يوسف العنابي»، لـ«فرنس 24»، عندما سُئل عن التهديدات الإرهابية على الأراضي الفرنسية، إن القيادات الغربية «تعرف وتعي» ما هي أهداف «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، موضحاً أن هذه الأهداف «تركز على القتال في أفريقيا ولم تجهز لأي عمليات في الغرب أو على الأراضي الفرنسية». ويؤكد كلام العنابي أن تنظيمه منشغل فقط، حالياً، بمعاركه «المحلية» ضد حكومات دول الساحل، وليس ضد الغرب، بالإضافة إلى انشغاله بحرب ضروس يخوضها ضد منافسه «داعش» الذي ينشط في مناطق انتشاره نفسها بمالي وبوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا. وإضافة إلى الانشغال بـ«العدو القريب جداً»، تنظيم «داعش»، يجد فرع «القاعدة» نفسه في حرب قاسية مع حكومات محلية باتت تحظى اليوم بدعم من جماعة «فاغنر» الروسية التي لا تجد رادعاً يمنعها عن ملاحقة المتشددين في أماكن اختبائهم حتى ولو أدى ذلك إلى مقتل مدنيين، وهو أمر كان الأميركيون والفرنسيون يترددون في القيام به سابقاً.

وربما يجب التوقف هنا عند وضع قيادة «القاعدة» نفسها التي وجدت نفسها في السنوات الأخيرة معزولة بشكل واضح عن خلاياها وفروعها بسبب ظروف اختباء الظواهري وعدم قدرته على التواصل مع مناصريه. وهو استعاض عن ذلك بأشرطة فيديو وتسجيلات صوتية كان يبثها بين الوقت والآخر ويحرّض فيها على مواصلة الحرب ضد الغرب، في إشارة إلى هجمات «الذئاب المنفردة». وقد شكّل الانسحاب الفوضوي المفاجئ للأميركيين من أفغانستان عام 2021، فرصة ذهبية لـ«القاعدة» لإعادة تنظيم صفوفها. ويبدو أن الظواهري نفسه شعر بنوع من الاطمئنان إلى هذا الوضع الجديد، فانتقل إلى كابل حيث عاش في حماية «شبكة حقاني» واسعة النفوذ داخل «طالبان». لكنّ الأميركيين تمكنوا من قتله بهجوم بطائرة مسيّرة في يوليو (تموز) 2022.

دخان يتصاعد في كابل عقب ضربة أميركية في 31 يوليو (تموز) 2022... الأميركيون قالوا إنهم قتلوا أيمن الظواهري (أ.ف.ب)

ورغم مرور شهور على مقتل الظواهري، لم يعلن تنظيم «القاعدة» بعد اختيار خليفة له. وقد يكون ذلك مرتبطاً بـ«طالبان»، لأن الإقرار بمقتله في كابل سيُحرج الحركة الأفغانية التي نفت وجوده فيها. وقد يكون التأخر في إعلان خليفة للظواهري مرتبطاً أيضاً بأن الشخص الأكثر ترجيحاً للحلول محله والذي يوصف بأنه بات «الأمير الفعلي» الجديد، سيف العدل، يقيم في إيران، ما يمكن أن يحرج التنظيم أمام أفراده والمدافعين عنه. وكانت هذه القضية، كما هو معروف، أحد أسباب دعوة وجّهها الرجل الثاني في تنظيم الجولاني في سوريا، أبو ماريا القحطاني، لفروع «القاعدة» لإعلان حل نفسها كفروع للتنظيم، مؤيداً فكرة حل التنظيم كلياً بما أن زعيمه الجديد، سيف العدل، يعيش في حماية أجهزة الأمن الإيرانية.

ولا يبدو أن الغرب، في الواقع، بعيد كلياً عن ظروف وضع «القاعدة» حالياً، بدليل أن «الهم الإرهابي» الذي كان طاغياً على مدى سنوات أفسح المجال أمام أولويات أخرى، على غرار «التحدي الصيني» والغزو الروسي لأوكرانيا. وقد ظهر هذا التغيير في السياسة الغربية بشكل واضح من خلال إنشاء وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) مركزاً مكرساً للصين، على غرار المركز الذي أنشأته الوكالة في التسعينات للتركيز على «خطر القاعدة»، وهو ما تمثل آنذاك في تكثيف حملات تجنيد العملاء في المجتمعات الإسلامية وتعلم اللغة العربية. كما كان الأمر ذاته واضحاً من الاستراتيجية الجديدة التي أعلنتها المملكة المتحدة أخيراً والتي تؤكد أن الأولوية باتت للصين، ما يتطلب تركيز الاهتمام على تجنيد خبراء بهذا البلد وتعلم لغة الماندرين... وبذلك يبدو واضحاً أن أجهزة الأمن الغربية طوت مرحلة التسعينات عندما كانت أولويتها تعليم عملائها العربية ومحاولة اختراق «القاعدة».

ماذا يعني ذلك، ولماذا؟

يطرح توقف «القاعدة» وفروعها عن الانخراط في الحرب ضد «العدو البعيد» وحصر نشاطها بالشأن المحلي (العدو القريب)، تساؤلاً حول مغزى هذا التراجع الواضح عن استراتيجية بن لادن القديمة.

يشرح عضو سابق في «القاعدة» انشقّ عن التنظيم بسبب تطرفه في سفك الدم وساعد أجهزة أمنية في تفكيك خلاياه، أن هناك سببين «للعودة إلى قتال العدو القريب وليس البعيد». يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «السبب الأول هو عدم القدرة. مشكلة تنظيم «القاعدة» أنه فقد القدرة على التواصل مع خلاياه وتهريب أفراد لتكوين خلايا وتجنيد أفراد في البلاد البعيدة، مثل أميركا وكندا وأستراليا وأوروبا وغيرها، كما أنه فقد القدرة على تمويل هذه الجهات. عنده فقط قدرة على إلهام الذئاب المنفردة. ولكن لم يعد يستطيع إدارة عمليات من الخارج في الداخل الأوروبي أو الأميركي أو الأسترالي. حتى إن التنظيم فشل أحياناً في العمل داخل دول عربية. إذن، السبب الأول الذي يحكم الانتقال من قتال العدو البعيد إلى العدو القريب هو عدم القدرة: القدرة المالية، القدرة التنظيمية، القدرة الاختراقية، القدرة الاستخباراتية... كلها باتت شبه منتفية الآن».

ويضيف: «السبب الثاني هو أن معظم فروع تنظيم القاعدة أصبحت الآن تهتم بقضاياها الداخلية. فحركة (الشباب) في الصومال مهتمة بالصومال والجاليات الصومالية في كينيا وأوغندا وإثيوبيا. (تنظيم القاعدة في اليمن) عنده مشكلات لا يمكن تخيلها وبالكاد يستطيع تنظيم العمل في الداخل اليمني. بات همّه الآن النجاة. (تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان) يركز عمله على إعادة التدريب وفتح المعسكرات وبدء التجنيد لعمليات مستقبلية قد تحصل في دول عربية. (تنظيم حراس الدين في سوريا) مهتم فقط بسوريا ولم يستطع تحقيق أي اختراق حتى في الداخل التركي، ناهيك بالداخل الأوروبي والأميركي».

إذا كان هذا التحليل صحيحاً فإنه يُذكّر بما حصل مع «جماعة الجهاد» المصرية في نهاية التسعينات. فرغم أن هذا التنظيم ظل يرفض الانضمام إلى وقف النار الذي أعلنته «الجماعة الإسلامية» خلال مفاوضاتها في السجون مع الحكومة المصرية، فإنه ظل يروّج لمسألة أنه يلتزم عدم شن عمليات في الداخل المصري. لم يُعرف سوى في وقت لاحق سبب ذلك... إذ تبيّن أن «جماعة الجهاد» أوقفت عملياتها داخل مصر نتيجة «عدم القدرة» فقط. فالأجهزة الأمنية فككت خلاياها كلها.

ويبدو اليوم أن «عدم القدرة» هو نفس السبب الذي دفع «القاعدة» وفروعها إلى التوقف عن شن هجمات ضد «العدو البعيد»، ربما باستثناء هجمات «الذئاب المنفردة». المشكلة ستكون بالطبع عندما ينتفي سبب «عدم القدرة». حتى ذلك الوقت، يبدو أن أولوية الغرب ستبقى... الصين وروسيا.


مقالات ذات صلة

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

أفريقيا جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش» والتنظيم يهدد أكبر مشروع استثماري للغاز في أفريقيا بـ20 مليار دولار.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كورمين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

عمليات الخطف تحاصر مؤسسات التعليم في شمال نيجيريا

عمليات الخطف تحاصر مؤسسات التعليم في شمال نيجيريا والرئيس تينوبو يطرح فكرة شرطة «لا مركزية»… والمعارضة تتهمه بالفشل والضعف.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا صورة لهياكل مدمرة نتيجة غارات أميركية على مسلحين لم يُكشف عن هويتهم مرتبطين بتنظيم «داعش» في 27 ديسمبر 2025 بنيجيريا (أ.ف.ب)

أميركا ونيجيريا توجّهان «ضربة قاصمة» لـ«داعش»

أعلنت أبوجا وواشنطن، أمس، توجيهَ «ضربة قاصمة» لتنظيم «داعش» بعد مقتل قيادي بارز خلال عملية مشتركة بنيجيريا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي آسيمي غويتا (وسط) خلال حضوره الخميس جنازة وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا (رويترز)

«القاعدة» يعلن مقتل وإصابة 5 جنود روس في مالي

«القاعدة» يعلن مقتل وإصابة 5 جنود روس في مالي... والجيش يستهدف كيدال و«أوكار القاعدة» ويعلن مقتل 25 إرهابياً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

تدمير «قاعدة إرهابية» قرب العاصمة المالية باماكو

تدمير «قاعدة إرهابية» قرب العاصمة المالية باماكو، والجيش المالي يلاحق الجماعات المسلحة.

الشيخ محمد (نواكشوط)

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.


حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.


تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
TT

تركيا تواجه «العنف المجتمعي» بعد صدمة هجمات المدارس

أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)
أحد آباء ضحايا هجوم مدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش جنوب تركيا يبكي على نعشه خلال تشييع جنازات الضحايا (رويترز)

عاش المجتمع التركي تجربة قاسية وهو يشهد هجومين بالأسلحة على مدرستين في يومين متتاليين أحدثا صدمة هائلة ربما فاق تأثيرها بعض الكوارث الطبيعية كالزلازل؛ لغرابتهما، وهو ما لم يعرفه الأتراك من قبل إلا في أفلام هوليوود.

تعد حوادث إطلاق النار في المدارس التي تعد جرحاً غائراً في العالم، وبخاصة في أميركا، التي باتت فيها هذه الحوادث أمراً مألوفاً، من قبيل الغرائب المفزعة في تركيا التي لم تشهد مثل هذه الحوادث على مدى تاريخها.

اهتزت تركيا بهجومين متتاليين وقع أولهما في 14 أبريل (نيسان)، حيث دخل طالب سابق في مدرسة «أحمد كويونجو» الثانوية الفنية في منطقة «سيفريك» في ولاية شانلي أورفا (جنوب شرقي تركيا)، المدرسة بمسدس وأطلق النار عشوائياً، مما تسبب في إصابة 16 طالباً، قبل أن ينتحر.

الهجوم الثاني، الذي وقع في 15 أبريل الماضي، كان الأكثر غرابة وإيلاماً لأنه حصد أرواحاً بريئة من المعلمين والتلاميذ في مدرسة إعدادية، كما أن منفذه لم يتجاوز الـ14 من عمره، لكنه تأثر بما شاهد عبر منصات التواصل الاجتماعي من حوادث مشابهة في أميركا.

الحادثة، التي نفذها «عيسى أراس مرسينلي» الطالب في الصف الثامن بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش، مستخدماً 5 أسلحة تعود إلى والده مفتش الشرطة، وأفرغ خلالها 7 مخازن ذخيرة في صفين دراسيين، خلَّفت 9 قتلى من زملائه، تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً، ومعلمة رياضيات تبلغ من العمر 55 عاماً، حاولت حماية مجموعة من تلاميذها بجسدها، فاخترقه الرصاص.

تفاصيل صادمة

خلَّف الحادثة حزناً عميقاً وغضباً عارماً في الشارع تم التعبير عنه عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام، كما أثارت خوفاً لدى المعلمين على حياتهم وهم يمارسون عملهم، وسط انتقادات حادة من المواطنين وأحزاب المعارضة لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، لغياب التدابير الأمنية في المدارس، ومطالبات بإقالة وزير التعليم، يوسف تكين.

مسعفون ينقلون جثامين القتلى في حادثة إطلاق النار بمدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش (إعلام تركي)

منفِّذ الهجوم «عيسى أراس مرسينلي»، شارك على حسابه في «واتساب»، صورة للأميركي إليوت رودجر، الذي نفَّذ هجوماً في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام 2014، وكان يبلغ من العمر 22 عاماً، فقتل 6 أشخاص، قبل أن يُنهي حياته، ونشر قبيل هجومه مقطعاً مصوراً قال فيه إن ما سيقدم عليه هو بمنزلة «عقاب» للنساء اللواتي رفضنه.

وكتب مرسينلي اسمه على «واتساب» قبل الحادثة: «عيسى أراس مرسينلي قاتل المدرسة»، لكنه لم ينتحر كما فعل الأميركي رودجر ربما لأنه كان ينوي مواصلة إطلاق النار قبل أن يتصدى له والد تلميذين في المدرسة يعمل طاهياً وتصادف وجوده في منزله مقابل المدرسة عند وقوع إطلاق النار، فهرع لإنقاذ نجليه، وفي الطريق أمسك بالمهاجم واشتبك معه وأصابه بسكين في ساقه اليمني من الخلف ليلقى حتفه بسبب النزيف، كما بيَّن الطب الشرعي.

مفتش الشرطة، والد مرسينلي، اعتُقل في يوم الحادثة وأدلى باعترافات صادمة، أكد فيها أن ابنه كان يعاني مشكلات نفسية، وأنه رفض مؤخراً زيارة الطبيب النفسي، وأنه لاحظ قبل شهر من ارتكابه جريمته اهتمامه المتزايد بالأسلحة، ومن أجل تحويل انتباهه عنها قام بتدريبه على إطلاق النار على أهداف ثابتة قبل وقوع الهجوم بيومين فقط. لكن الأب لم يكن يتصور أن لدى ابنه القدرة على استخدام السلاح بهذا الشكل، الذي نفّذ به جريمته.

وقال الأب إن ابنه كان «منشغلاً باستمرار بأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، وكان يلعب ألعاباً تفاعلية، وكان يرفض أن يُري أحداً أي شيء، وكان يتحدث الإنجليزية، وإنه هو نفسه لم يكن يفهم ما يُقال لعدم معرفته بالإنجليزية، ولهذا السبب لم تتمكن الأسرة من رصد أي سلوك معادٍ لديه».

عائلات طلاب مدرسة «آيسر تشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش جنوب تركيا عقب تعرضها لهجوم مسلح على يد أحد الطلاب (رويترز)

وأعلنت ولاية كهرمان ماراش، وقف ضابط شرطة عن العمل، كان مسؤولاً عن ميدان الرماية، حيث درَّب فيه والد منفذ هجوم المدرسة ابنه على إطلاق النار، بعد انتشار مقاطع فيديو له وهو يطلق النار ويصوّب على أهداف بمساعدة والده.

وأكدت التحقيقات أن الحادثتين فرديتين ومنفصلتين، وأنه لا يوجد أي رابط بين منفذيهما.

غضب واسع وانتقادات

وقررت وزارة التعليم إغلاق مدرسة «آيسر تشاليك» حتى نهاية العام الدراسي الحالي، وتوزيع طلابها على مدارس أخرى قريبة بناءً على طلب أولياء الأمور بسبب الحالة النفسية لأطفالهم، على أن يُتخّذ القرار النهائي بشأنها لاحقاً.

تظاهر آلاف المعلمين بإسطنبول مطالبين بوقف العنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي يوسف تكين (حساب اتحاد نقابات المعلمين في «إكس»)

وأثار الهجومان المتتاليان غضباً واسعاً في أوساط المعلمين، وخرج الآلاف منهم في احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد بدعم من نقابات العاملين بالتعليم واتحاد النقابات، وتجمع نحو 4 آلاف معلم في ميدان «تان دوغان» في العاصمة أنقرة في اليوم التالي لهجوم مدرسة كهرمان ماراش، محاولين السير إلى مبنى وزارة التعليم لكن الشرطة قامت بتطويق التجمع ومنعت المسيرة.

ودعا اتحاد نقابات العاملين بالتعليم إلى إضراب لمدّة يومين في عموم تركيا، وسط مطالب بوقف العنف في المدارس والشوارع، وإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

ضعف الأمان التعليمي

كشفت الهجمات المسلّحة على المدرستين عن جوانب الضعف الأمني ​​في المؤسسات التعليمية، وأعادت إلى الأذهان مطالبة المعارضة، خلال اجتماع لجنة التخطيط والميزانية بالبرلمان في سبتمبر (أيلول) 2025، بزيادة ميزانية وزارة التعليم البالغة 1.9 تريليون ليرة تركية، بمقدار 225 مليار ليرة إضافية لتلبية احتياجات المدارس من عمال النظافة والأمن والصحة العامة.

ورفض نواب حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وحليفه حزب «الحركة القومية»، ما قالوا إنها مزاعم نقص الأمن في المدارس، قائلين إنه «مشهد من تركيا القديمة، وإنه تم تخصيص حراس أمن لـ132 مدرسة عالية الخطورة»، ورفضوا اقتراح المعارضة.

ولفت نائب رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، سعاد أوزتشاغداش، إلى أن هجومَي مدرستَي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، جاءا بعد سلسلة حوادث عنف واعتداءات مسلحة فردية في المدارس، لافتاً إلى 16 حادثة على الأقل منذ بداية العام الحالي.

ورأى نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، مراد أمير، أن الفقر والبطالة والمشكلات الأسرية والنفسية والعنف، وتراجع جودة التعليم، وعجز الحكومة عن أداء دورها على النحو الأمثل، كلها عوامل تُؤجّج العنف في المدارس.

في المقابل، تعهَّد الرئيس رجب طيب إردوغان بعدم ترك الحادثتين تمرّان من دون عقاب المقصرين أياً كانت مواقعهم، قائلاً إن «من واجبنا الأخلاقي والضميري ألا يُستغلّ هجوم كهذا الذي أشعل نار الغضب في قلوب أمتنا بأسرها، في جدل سياسي أو لتحقيق مكاسب إعلامية».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل (حساب الحزب في «إكس»)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، إنه «في المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، بات من الواضح أن العنف في المدارس لم يعد يُفسّر بحوادث معزولة، يجب أن يكون أمن المدارس من أهم أولويات تركيا الآن».

تحركات عاجلة

وأثارت الحادثتان عديداً من التساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء ارتكاب مثل هذه الجرائم، ودور المدارس والعائلات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والدراما فيها، إضافةً إلى مسألة حمل السلاح المرخص وفوضى الأسلحة غير المرخصة.

وتحركت تركيا على الفور باتجاه تشديد العقوبات على الأطفال مرتكبي الجرائم وعائلاتهم، وسن قانون خاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وفرض قيود على البرامج التلفزيونية التي تتضمن محتوى يُحرّض أو يشجّع على العنف.

وزير العدل التركي أكين غورليك (من حسابه في «إكس»)

وقال وزير العدل، أكين غورليك، إنه بعد هجومين شانلي أورفا وكهرمان ماراش، سنتخذ إجراءات لتشديد العقوبات على الأطفال الذين ينجرّون إلى الجريمة، وسنُسنّ قانوناً خاصاً بوسائل التواصل الاجتماعي، وسنتناول البرامج والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي والبرامج التلفزيونية التي تشجع على هذا السلوك.

وأضاف غورليك أنهم بدأوا العمل على وضع لائحة قانونية لا تشمل فقط مرتكب الجريمة، بل أيضاً البيئة التي رعته وأهملت مسؤولياتها الرقابية، و«إذا لزم الأمر، سنُحمّل الأسر أيضاً مسؤولية إهمالها واجباتها الرقابية والمسؤولية تجاه بعض الجرائم التي يرتكبها الأطفال، لا سيما جرائم العنف والقتل».

كان توقيف والدة منفّذ هجوم مدرسة كهرمان ماراش بتهمة الإهمال والتقصير في القيام بما يلزم تجاه تلقي نجلها العلاج النفسي اللازم واستكماله، أولى الخطوات في هذا الصدد.

نشرت السلطات التركية عناصر من الشرطة لتأمين المدارس عقب هجومي شانلي أورفا وكهرمان ماراش (رويترز)

وفرضت وزارة التعليم التركية عقب الهجومين إجراءات أمنية جديدة عبر نموذج أمني تشارك فيه وزارة الداخلية من خلال نشر عناصر من الشرطة في محيط المدارس في جميع أنحاء البلاد وتعميم البوابات الإلكترونية، وتطبيق إلزامية الحضور إلى المدرسة بالزي المدرسي فقط، وعدم السماح بدخول مبنى المدرسة لأي شخص غير المعلمين والطلاب والموظفين خلال ساعات الدوام.

وحسب النموذج الجديد، سيتمكن أولياء الأمور من دخول المدرسة فقط عبر نظام المواعيد، مع إبراز الهوية، وسيسمح لهم بتسليم أغراض الطلاب إلى نقطة الأمن بدلاً من إدخالها إلى الصفوف، كما سيتسلمون أبناءهم بعد انتهاء اليوم الدراسي من منطقة انتظار مخصصة، مع عدم السماح لهم بالبقاء فيها بعد الاستلام، مع تشديد عمليات التفتيش على الطلاب عند الدخول إلى المدرسة في بداية اليوم الدراسي، وفرض عقوبات تأديبية فورية على المخالفين، والتواصل مع أولياء الأمور عبر الرسائل الفورية في حال تأخر الطالب عن دخول المدرسة أو خروجه مبكراً.

كما يتضمن النظام الجديد آليات للإبلاغ عن حوادث التنمر في المدارس عبر خط ساخن، وتفعيل استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة والرصد.

قيود على «التواصل الاجتماعي»

باتت وسائل التواصل الاجتماعي هدفاً لمزيد من القيود، ونفَّذت السلطات حملة اتخذت فيها إجراءات قانونية ضد 130 صاحب حساب على منصات التواصل الاجتماعي، ممن نشروا منشورات تتعلق بالهجومين، وتم توقيف 411 شخصاً، وحظر الوصول إلى 1104 حسابات، وتم تحديد الحسابات التي أثارت قلقاً عاماً باستهدافها المدارس والتهديد بشن هجمات؛ وفي هذا السياق، تم احتجاز 67 مستخدماً استهدفوا 54 مدرسة.

وتم تقديم طلبات لإزالة المحتوى وحظر الوصول إلى 66 رابطاً على تطبيق «تلغرام»، تبين أنها نشرت منشورات استفزازية، وتم إغلاق مجموعة على التطبيق ذاته تضم نحو 100 ألف عضو، حيث تم تبادل صور متعلقة بالهجمات.

البرلمان التركي أقر قانوناً فرض قيوداً على استخدام الأطفال قبل سن 15 عاماً منصات التواصل الاجتماعي (حساب البرلمان في «إكس»)

وأقر البرلمان التركي قانوناً يحظر ​استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ‌لمن هم دون سن 15 عاماً، ويفرض قواعد ​جديدة على المنصات الرقمية، ​بما في ذلك شركات ⁠برمجيات الألعاب، مع تعديل ​تشريعات قائمة مثل قانون ​الخدمات الاجتماعية وقوانين أخرى.

ويلزم القانون المنصات التي تضم أعداداً ​كبيرة من المستخدمين ​بتعيين ⁠ممثل لها في تركيا، و​تصنيف الألعاب وفق الفئات العمرية للمستخدمين.

وقالت وزيرة الأسرة، ماهينور غوكطاش، إنه يجري العمل على تطبيق نظام للتحقق من العمر لدخول منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن الحكومة لا تهدف إلى حظر هذه المنصات وإنما الرقابة على محتوياتها.

ودعت غوكطاش المنصات وشركات تطوير الألعاب إلى التعاون لإنتاج محتوى نظيف وحماية الأطفال من التنمر ومن المواد التي تحض على العنف.

وللحد من احتمالات وصول الأسلحة إلى المدارس واستخدامها في ارتكاب جرائم مماثلة، قال غورليك إن وزارة العدل تدرس إدخال تعديلات على قانون المسؤولية الجنائية لحاملي رخص حيازة الأسلحة النارية في الحالات التي تُرتكب فيها جرائم نتيجة سوء تخزينها في المنزل وتركها في متناول الأطفال (كما حدث في جريمة مدرسة كهرمان ماراش)، وتصنيف جرائم القتل التي تُرتكب في المدارس والأماكن المشابهة على أنها جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد.

وأضاف أنه فيما يتعلق بالبرامج التلفزيونية التي تروّج للعنف وتشجع على استخدام الأسلحة، فإننا نتخذ الخطوات اللازمة ونخطط لإصدار لوائح تنظم المسؤولية الجنائية بشكل خاص.

وتفاعلاً مع الخطوة، قامت شركات الانتاج بمراجعة مشاهد العنف واستخدام السلاح في عدد من المسلسلات التلفزيونية، في مقدمتها «أشرف رؤيا» و«تحت الأرض»، وقامت بعض الشركات المعلنة بسحب دعمها للمسلسلات التي تُظهر المافيا ويُحتمل أن تحرض على العنف.

رئيس حزب «الجيد» القومي مساوات درويش أوغلو (من حساب الحزب في «إكس»)

وانتقد رئيس حزب «الجيد» القومي المعارض الحكومة، قائلاً: «أتمنى ألا يرسل أي أب أو أم طفلهما إلى المدرسة خائفاً، وألا تُذكر أي مدينة مرة أخرى بالمآسي التي عانى منها أطفالها».

وأضاف أن الإجراءات الأمنية المتخَذة في المدارس، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، وتركيب البوابات عند مداخل المدارس، غير فعّالة في منع مثل هذه الحوادث، لافتاً إلى أن «الأطفال لا يذهبون إلى المدارس وهم خائفون وقلقون فقط من هذه الهجمات، بل إنهم عالقون في دوامة من عدم اليقين، ومحاطون بالغموض، ويُنتقص من قيمتهم أمام أعيننا».

جرائم الأطفال وفوضى السلاح

سلَّط الهجومان الداميان في مدرستي شانلي أوفا وكهرمان ماراش الضوء على العنف بين الأطفال والقصَّر وانتشار السلاح المرخَّص وغير المرخَّص على نطاق واسع، يصل إلى حد الفوضى.

وتشير تقارير وإحصاءات رسمية إلى زيادة مقلقة في جرائم القتل والإصابة بين القصَّر في تركيا، حيث ارتفعت قضايا القتل التي تورَّط فيها أطفال بنسبة 131 في المائة بين عامي 2015 و2024.

كانت جريمة اغتيال الصحافي التركي من أصل أرميني، هرانت دينك، في وضح النهار عام 2007 أمام مقر صحيفة «آغوس»، التي تصدر بالتركية والأرمينية، في وسط إسطنبول، والتي كان يرأس تحريرها، واحدة من الحوادث التي دقت، بشدة، ناقوس الخطر، حول جرائم الأطفال والقصَّر.

الجريمة نفَّذها صبي يُدعى «أوجون ساماست» (17 عاماً)، تم تدريبه على السلاح في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا، وإرساله من قبل مجموعة من القوميين المتشددين لقتل دينك، بسبب موقفه في الدفاع عن الأقلية الأرمنية، ومحاولة تحقيق مصالحة بين الدولة التركية والأرمن الذين يشعرون بالمرارة بسبب ما يزعمون أنها «إبادة جماعية» بحق الأرمن ارتكبها الأتراك في عهد الدولة العثمانية عام 1915 إبان الحرب العالمية الأولى، وراح ضحيتها نحو 1.5 مليون أرميني، فيما تؤكد تركيا أن الحوادث التي وقعت في شرق الأناضول في ذلك الوقت أوقعت ضحايا من الجانبين.

اغتيال الصحافي التركي - الأرميني 2007 في إسطنبول على يد صبي قاصر دق ناقوس الخطر حول جرائم الأطفال وفوضى السلاح في تركيا (أرشيفية - صحيفة «آغوس»)

وأثار اغتيال دينك ردود فعل غاضبة واسعة النطاق داخل تركيا، وسرعان ما تحولت القضية إلى فضيحة بعد ما تبين أن سلطات الأمن التركية كانت على علم بوجود تخطيط لاغتياله لكنها لم تتحرك لمنعه، أو اتخاذ إجراءات لحمايته.

وتشير تقارير وإحصاءات حديثة إلى حالة قلق وطني متزايد في تركيا بشأن ظاهرة «التسلح الفردي»، وإلى وجود نحو 40 مليون قطعة سلاح في البلاد، الغالبية العظمى منها (نحو 90 في المائة) غير مرخصة.

ووفقاً لتقرير أصدره «وقف أوموت» للدراسات الاجتماعية، يوجد نحو 2.5 إلى 4 ملايين سلاح مرخص فقط، مقابل عشرات الملايين من الأسلحة غير القانونية، وأن هناك تقريباً 9 أسلحة غير مرخصة مقابل كل سلاح مرخص واحد.

ورصد التقرير ارتفاع معدلات العنف، ووقوع 3 آلاف و422 حادثة عنف مسلح في عام 2025، استُخدمت الأسلحة النارية، بما فيها بنادق الكلاشينكوف والبنادق الآلية، في 85 في المائة من هذه الحوادث، واستُخدمت جميع أنواع الأدوات الحادة، من السكاكين إلى الفؤوس، في 15 في المائة منها.

وتوزعت الهجمات المسلحة على مناطق مختلفة من تركيا، وسُجّل أعلى تركيز للحوادث في منطقة مرمرة، بنسبة 29.23 في المائة، تلتها منطقة البحر الأسود بنسبة 14.71 في المائة، ثم منطقة جنوب شرقي الأناضول (التي شهدت حادثتي المدرستين) بنسبة 14.44 في المائة.

وبلغت النسبة في منطقة بحر إيجة 12.54 في المائة، ووسط الأناضول 12.30 في المائة، ومنطقة البحر المتوسط 11 في المائة، وشرق الأناضول بنسبة 5.78 في المائة.

كما أظهرت تقارير أخرى أن 15 شخصاً على الأقل يُقتلون يومياً في تركيا بحوادث إطلاق نار. وتحذر جهات حقوقية من سهولة الحصول على الأسلحة عبر الإنترنت بأسعار زهيدة، مما جعلها في متناول الأطفال والقصَّر أحياناً.

وأسفرت عمليات نفَّذتها السلطات الأمنية التركية خلال عام 2025 عن ضبط أكثر من 110 آلاف سلاح غير مرخص، واتخاذ إجراءات قانونية ضد نحو 119 ألف شخص، وتم تعديل القوانين لرفع عقوبة حيازة سلاح غير مرخص لتصبح الحبس من سنتين إلى 4 سنوات، بدلاً من سنة إلى 3 سنوات، سابقاً، لتعزيز الردع.

دوافع وحلول

وصف خبراء أتراك مختصون في علم النفس والاجتماع، استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم حادثتي مدرستي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، بـ«الحريق الاجتماعي» الذي تجاوز مجرد الحوادث المعزولة، وذهبوا إلى تحديد عدد من الدوافع والأسباب التي تقف وراء مثل هذه الحوادث، مؤكدين أن هذه الهجمات لا تنجم عن عامل واحد، بل عن مزيج من الأزمات المتراكمة على مدى سنوات، والاستياء، وضياع الانتماء، والإذلال، والميول الانتحارية، والأوهام العنيفة، وتقليد الجناة السابقين، وسهولة الوصول إلى الأسلحة، وهو ما يتطابق أيضاً مع دراسات عميقة أُجريت في هذا الصدد.

معلمة بمدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش التي شهدت هجوماً خلّف قتلى وجرحي تدعو وهي تبكي أمام المدرسة بينما نثر المعلمون وأولياء الأمور زهور القرنفل الأحمر على الدرج (أ.ف.ب)

واتفق الخبراء والأكاديميون على أن العنف المدرسي لا يمكن منعه إلا من خلال نهج متعدد الجوانب لا يقوم على التدابير الأمنية فحسب، وأن الوعي المبكر، والتواصل الأسري الفعال، والبيئة المدرسية الشاملة، والخطاب الإعلامي الواعي، وتوفير نظام للفهم والدعم العاطفي للأطفال من أهم ركائز هذا الأمر.

وعدَّت رئيسة الجمعية التركية لطب نفس الأطفال والمراهقين، الدكتورة نسليهان إينال، حادثتي المدرستين بمنزلة جرس إنذار على انهيار متزامن لنظام تعليمي، وبنية أسرية، وسياسات اجتماعية تركز حصراً على «الالتحاق بالجامعة»، متجاهلةً مواهب الأطفال واحتياجاتهم النفسية.

ورأت أنه لا يمكن تفسير انخراط الأطفال في الجريمة بنوبة جنون عابرة أو بالعوامل الوراثية فقط، وأن أهمَّ عاملٍ كامنٍ وراء الميل إلى الجريمة هو العوامل البيئية والإهمال، لافتةً إلى دور العامل الاقتصادي، وارتفاع معدلات الاكتئاب والميل إلى العنف والجريمة لدى الأطفال والمراهقين مع ازدياد الفقر.

ولفتت إلى ظاهرة التنمر، التي بلغت في تركيا 40 في المائة، متجاوزةً المعدل العالمي، محذرةً من أن تستر كثير من المدارس عليها يهيئ بيئة خصبة لردود فعل انتقامية عنيفة.

وأيَّدت الأكاديمية المتخصصة في علم نفس الأطفال والمراهقين، إليف كارا أوغلو، ما ذهبت إليه إينال بشأن الفقر بوصفه عاملاً في زيادة العنف، لافتةً إلى أن الهجومين وقعا في بيئة فقيرة في ولايتي شانلي أورفا وكهرمان ماراش، وأن ما حدث لم يكن مفاجئاً لها لأنه يعد تطوراً لحوادث العنف التي بدأت على نطاق فردي، حتى ولو لم يُستخدم فيها السلاح.

والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

وأشار الدكتور عاكف تاشدمير إلى أن العامل الحاسم في تحول الغضب إلى جريمة هو سهولة وصول المراهقين إلى الأسلحة، وبخاصة أسلحة الآباء، منبهاً إلى تأثير العنف الأسري والبيئة، وأن العائلات الاستبدادية بشكل كبير، أو غير المبالية تماماً تسهم في نشأة سلوكيات عدوانية لدى الأطفال.

وذهب إلى أن زيادة الاستقطاب الاجتماعي ولغة الغضب في المجتمع تؤثر بشكل مباشر على المراهقين والشباب، وتجعلهم أكثر عرضة لتبني سلوكيات عنيفة.

وأكدت الأكاديمية نورسال إنجي أن التعرض المستمر لمحتوى عنيف، سواء في الدراما أو الألعاب، يؤدي إلى فقد الحساسية الاجتماعية، وتعزيز رؤية الجاني بطلاً أو وسيلة لتحقيق الشهرة لدى المراهقين بدلاً من كونه مجرماً، محذرةً من أن العزلة في غرف مغلقة مع ألعاب تنافسية عنيفة يُضعف قدرة المراهق على إدارة مشاعره وقدرته على اتخاذ قرارات سليمة في الواقع.

وأوضحت أنه يمكن التعرف مبكراً على الميل إلى العنف لدى الأطفال والمراهقين، حيث تعد بعض التغيرات السلوكية مثل نوبات الغضب المفاجئة، وتحدي القواعد والسلوك التهديدي، والانسحاب من المحيط الاجتماعي، مؤشرات على هذا الميل.

ونصحت بأن يتم اعتماد، بدلاً من العقاب، العمل على تحويل أخطاء المراهقين إلى فرص تعليمية وتدريبهم على مهارات السيطرة على الغضب والتعاطف قبل وصولهم إلى مرحلة الانفجار.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended