هل بات لاجئو سوريا ونازحوها ممرّاً للرئاسة اللبنانية؟

وسط المطالبات والتجاذبات السياسية

لاجئون سوريون في لبنان (أ.ب)
لاجئون سوريون في لبنان (أ.ب)
TT

هل بات لاجئو سوريا ونازحوها ممرّاً للرئاسة اللبنانية؟

لاجئون سوريون في لبنان (أ.ب)
لاجئون سوريون في لبنان (أ.ب)

ينفي رسميون لبنانيون أن قراراً جديداً «غير معلن» بالتحرك للضغط باتجاه إعادة اللاجئين والنازحين السوريين إلى بلادهم، والتضييق عليهم لتفضيل العودة على البقاء، كان السبب الرئيس وراء استنفار الأجهزة الأمنية والبلديات لملاحقة المخالفين الذين لا يحملون أوراقاً رسمية تخوّلهم البقاء في لبنان.

في الواقع، الحملة الأمنية الكبيرة التي استهدفت المخالفين ترافقت مع حملة أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام تدفع باتجاه إعادتهم «بأي طريقة». الأمر الذي أدى إلى تلقف الحكومة الكرة لتنظيم الوضع وتصويبه.

وهكذا كان، إذ كلف رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي كلاً من المدير العام للأمن العام بالإنابة العميد إلياس البيسري ووزيري العمل والشؤون الاجتماعية متابعة موضوع إعادة النازحين السوريين، والتأكيد على التدابير والإجراءات المتخذة من قبل الجيش والأجهزة الأمنية كافة بحق المخالفين، خاصةً لجهة الداخلين بصورة غير شرعية وغير الحائزين على الوثائق الرسمية والقانونية. وأيضاً الطلب من المفوضية العليا لشؤون النازحين تزويد وزارة الداخلية والبلديات بالمعطيات (البيانات) الخاصة بالنازحين السوريين على أنواعها، على أن تسقط صفة النازح عن كل شخص يغادر الأراضي اللبنانية.

مراقبة العمالة

من الإجراءات الحكومية اللبنانية الجديدة، الطلب من وزارة العمل التشدد في مراقبة العمالة ضمن القطاعات المسموح بها، والطلب من وزير العدل البحث في إمكانية تسليم الموقوفين والمحكومين للدولة السورية بشكل فوري مع مراعاة القوانين والاتفاقيات ذات الصلة.

ولقد ألقت الحكومة ووزارة الداخلية بالحمل الأكبر في موضوع التشدد في التعامل مع النازحين السوريين المخالفين على عاتق البلديات - التي تئن أصلاً من تراجع إيراداتها وعجزها عن دفع رواتب موظفيها - كي يقوموا بالمهام المطلوبة منهم لجهة إحصاء النازحين والتأكد من حيازتهم الأوراق الرسمية التي تتيح لهم البقاء في لبنان والعمل في بعض القطاعات. وهذا ما دفع عدداً كبيراً من رؤساء البلديات لرفع الصوت، ما يهدد بسقوط الإجراءات الحكومية عند مفترق التطبيق والخطوات العملية.

خلفيات «رئاسية»

سياسياً، لطالما كان التيار الوطني الحر (التيار العوني) «رأس حربة» في المطالبة بإعادة النازحين. ونتيجة خطابه المتشدد في هذا المجال طوال السنوات الماضية وُجهت إليه اتهامات حادة بـ«العنصرية». ولكن كان لافتاً كيف لاقى «التيار» في الأيام الماضية بحذر الحملة الأخيرة ضد النزوح السوري. وهو ما عبّر عنه رئيسه النائب جبران باسيل الذي تحدث عن «خشية من التحريض المذهبي والعنصري والفئوي الحاصل والمبرمج حالياً بلبنان ضد النازحين». وحثّ على «الاستفادة من الحوار والتفاهم السوري – السعودي - الإيراني، لتأمين عودة لائقة آمنة وكريمة للنازح السوري من خلال إعادة إعمار سوريا ولبنان؛ وليس من خلال خلق فتنة جديدة بين اللبنانيين والسوريين، نتيجتها خدمة المشروع التقسيمي».

من جهة ثانية، شنّ العونيون أخيراً حملة مكثفة للتذكير بأنهم كانوا «أول وأبرز من طالب بإعادة النازحين»، واتهموا القوى التي تدفع اليوم بهذا الاتجاه «بتنفيذ أجندات داخلية وخارجية معينة». وعدّ ناشطون في «التيار» أن «حزب الله» وحلفاءه حرّكوا هذا الملف بهدف تعزيز حظوظ رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية الرئاسية، وبخاصة أنه فرنجية كان قد قال في غير إطلالة إنه «قادر على أن يحقق إنجازات في هذا الملف أكثر من أي رئيس آخر لعلاقته الوطيدة بالرئيس السوري بشار الأسد». وذهب بعضهم باتجاه إقحام قائد الجيش العماد جوزيف عون بالملف، معتبرين أن من مصلحته تحريكه أمنياً للقول إنه إذا انتُخب رئيساً سيكون قادراً على ضبط الوضع وإعادة النازحين إلى بلادهم.

تسجيل نقاط... واستهلاك سياسي

في هذا السياق، قال الدكتور سامي نادر، مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية في بيروت، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، معلّقاً: «مما لا شك فيه أن توقيت فتح ملف العودة اليوم مرتبط بالسباق الرئاسي اللبناني... وهو يشكل مادة لتسجيل النقاط وللاستهلاك السياسي. هذا ما يحصل، ليس في لبنان فقط، بل في تركيا وأوروبا وأميركا أيضاً، حيث الكل يلعب ورقة المهاجرين عشية الاستحقاقات الرئاسية أو النيابية».

العميد المتقاعد خليل الحلو، وافق نادر رأيه، ويؤكد أن «جماعة الممانعة هي التي حركت ملف العودة في الفترة الخيرة لاعتبارات مرتبطة بالملف الرئاسي، خاصةً مع خروج سليمان فرنجية ليعدنا بحلول سحرية لحل أزمة النزوح». وبالفعل، كان لافتاً خروج الحزب السوري القومي الاجتماعي للدفع باتجاه العودة لأول مرة منذ 12 سنة، وهو ما وضعه كثيرون في خانة دعم حظوظ فرنجية الرئاسية. إذ ذكر الحزب في بيان: «بعد أكثر من 6 سنوات على وقف إطلاق النار في المدن والبلدات السورية، بات من الضروري عودة كل النازحين في لبنان إلى مدنهم وبلداتهم، انطلاقاً من حاجة تلك المناطق إلى أبنائها اجتماعياً وتنموياً، وكي يرفعوا عن بلادهم عبء استخدام ملف النزوح كورقة سياسية للضغط على الحكومتين في دمشق وبيروت، ولا سيّما أنهم يُستخدمون كورقة ضغط محلياً ودولياً».

أما «حزب الله» فواكب هذه الحملة وأبلغ مسؤول ملف النازحين في الحزب النائب السابق نوار الساحلي، المدير العام للأمن العام بالإنابة العميد إلياس البيسري «استعداد (حزب الله) دائماً لإبداء أي مساعدة في تسريع هذا الملف»، واضعاً «إمكانية الحزب الكاملة في سبيل تحقيق الأهداف التي تساهم في تحسين الأوضاع في لبنان».

«التقدمي الاشتراكي» يتمايز

وفي حين تجاوزت كل القوى السياسية خلافاتها وصراعاتها لتتكاتف في هذا الملف لاعتبارها أنه بات «يهدد وجودياً لبنان واللبنانيين»، تمايز الحزب التقدمي الاشتراكي في موقفه، ولم يبدُ رئيسه أو مسؤولوه متحمسين لإعادة النازحين. وقالت مصادر الحزب إنه «لا أحد يريد إبقاء النازحين السوريين في لبنان إلى الأبد، إنما المطلوب البحث في الآليات المثلى التي تضمن سلامتهم. وهي لا تبدو متوافرة عند النظام السوري، الذي راوغ في هذه المسألة منذ سنوات وأعاد كل الوفود اللبنانية الرسمية وغير الرسمية التي زارت دمشق خالية الوفاض».

وعدّ مصدر «تقدمي اشتراكي» في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «ما لم تتوافر ضمانات معينة تتيح عودة آمنة ولائقة وكريمة لهم، سنبقى على تحفظنا، فلبنان لا يستطيع أن يتنكّر لدوره التاريخي في أن يكون ملجأ للمضطهدين. كما أن التعويم السياسي الذي يعيشه في هذه الحقبة النظام السوري يضاعف من مخاوف دفع النازحين إلى قدَر مجهول ما لم تترافق خطوات (التطبيع) السياسي مع خطوات ملموسة ومواقف حاسمة تحمي النازحين».

ورأى المصدر أن «توقيت فتح هذا الملف مشبوه، والمقاربات العنصرية التي نسمعها من هنا وهناك من شأنها أن تؤجج التوتر، وتدفع الأمور إلى ما لا يحمد عقباه في مختلف المناطق التي تشهد اختلاطاً ملحوظاً». وشدد على أن «المطلوب اليوم تهدئة النفوس مجدداً واعتماد العقلانية سبيلاً وحيداً للتعامل مع هذا الملف الحساس، بعيداً عن الشعبوية أو العنصرية المقيتة». وأضاف: «أما إذا كانت الجهات الرسمية اللبنانية قادرة على دفع دمشق في اتجاه إعادة النازحين وحمايتهم والحفاظ على سلامتهم، وهو أمر مستبعد جداً، فعندئذ لكل حادث حديث. المطلوب اليوم الإقلاع عن التوتير السياسي والإعلامي والميداني وعدم تحميل النازحين السوريين كل مصائب لبنان ومفاسده».

صراع «التيار» ـ «القوات»

من جهة ثانية، شهد ملف «النزوح» كثيراً من الأخذ والرد بين «العونيين» و«القواتيين» (حزب «القوات اللبنانية»)، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، مع اتهام مناصري «التيار» مناصري «القوات» بـ«الدخول متأخرين على الخط وتنفيذ أجندات إقليمية أثبتت فشلها».

وردّ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية» شارل جبور على كل هذه الاتهامات محملاً مسؤولية «الدخول العشوائي للنازحين إلى لبنان لحكومة (8 آذار) التي كانت قائمة مع انطلاق حملات النزوح، التي كان لباسيل حصة الأسد فيها، المتمثلة بـ11 وزيراً». ولفت جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «في المرحلة الأولى كنا أمام مسألة من طبيعة إنسانية، لكن عندما توقفت الحرب قبل نحو 5 سنوات اعتبرنا أنه حان الوقت لعودة النازحين. لذلك رفعنا الصوت وقمنا بخطوات عملية في هذا السياق بخلاف الأداء الشعبوي لقوى أخرى، فتقدمنا بمشروع لنقل النازحين إلى الحدود من الجانب السوري، لكننا لم نجد تجاوباً في الداخل، ولا في الخارج، وكان الموضوع يستخدم في الداخل لتسجيل النقاط السياسية». واعتبر جبور أن «مَن يمنع إعادة النازحين اليوم هم حلفاء باسيل، أي (حزب الله) والأسد، لاعتبارات ديموغرافية معروفة».

وغير بعيد عن هذا الشأن، برز تصعيد رئيس الجمهورية السابق ميشال عون في موضوع النزوح، وقوله إن «أغلب الدول الأوروبية لا تريد النازحين، وتريد أن تفرضهم علينا وأن يبقوا عندنا». وعدّ عون أن «النازح السوري أتى إلى لبنان وارتاح هنا، وهو نازح أمني، لا سياسي. لكن الدول تفرض علينا أن نفكر بأن النازح السياسي هو مثل النازح الأمني، وهذه كذبة فيها وقاحة». وأردف: «نحن نعلم من سبّب دخول النازحين السوريين إلى لبنان، وكانت هناك دول خلف ذلك الأمر، وضغطت علينا للإتيان بهم». ثم تابع أنه «نبّه الحكومات المتتالية إلى خطورة نتائج النزوح، لكنها لم تكن على قدر كافٍ من الوعي، لاتخاذ الإجراءات أو المواقف السياسية أو الإنسانية اللازمة».

العودة صعبة المنال!

في أي حال، يُجمع الخبراء على أن تحقيق عودة النازحين لن تكون بالسهولة التي يعتقدها البعض، وأن المسار سيكون طويلاً ومعقداً. وهذا ما يقوله الدكتور نادر (مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية) عندما يوضح أن «موضوع النزوح السوري يشكل مشكلة أكبر من الأزمة المالية - الاقتصادية التي نرزح تحتها لأننا هنا نتحدث عن احتمال تغيير ديموغرافي، يعني تهديداً وجودياً، فالخوف ليس حصراً من عدد النازحين الحالي، إنما من عدد الولادات التي تخطت نسبة الولادات اللبنانية».

وتابع نادر لـ«الشرق الأوسط» شارحاً أن «ملف العودة كان يحشر في السابق أخصام الأسد الذين كانوا يرفضون التكلم معه لإعادتهم. أما اليوم فهو يحشر حلفاءه، ولا سيما المرشحين للرئاسة، باعتبار أنه هو وسياسته أديا إلى النزوح، وهو نفسه اليوم لا يسهل العودة». ويعدّ نادر أن «تحقيق العودة صعب جداً، لأن الأسد الذي أخرجهم لن يعيدهم. وطالما هذا النظام موجود لن تكون هناك العودة المنشودة... وإن كنا سنشهد عودة قسم منهم إلى المناطق المحرّرة وإلى شمال سوريا والجنوب السوري بإطار سياسة هادفة فاعلة».

ويحمّل الحلو في لقائه مع «الشرق الأوسط» كلاً من «نظام الأسد و(حزب الله) والميليشيات المتعاونة مع إيران والقصف الجوي الروسي للمنشآت الحيوية في المدن والقرى مسؤولية تهجير السوريين»، معتبراً أن «وجودهم العشوائي في لبنان يتحمل مسؤوليته من جهة (السياديون) الذين رفضوا وضع النازحين في مخيمات تضامناً معهم... ومن جهة أخرى (حزب الله) وحلفاؤه الذين كان يخشى تسليحهم واستخدامهم ضده».

وإذ يدعو الحلو إلى «مقاربة عقلانية - قانونية للملف، بعيداً عن الغوغائية»، يشدد على وجوب الابتعاد قدر الإمكان عن أي مقاربة عنصرية للملف.

ولا تبدو قراءة رياض قهوجي، رئيس مركز «الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري - أنيغما»، بعيدة عن قراءتي نادر والحلو للمعطيات الراهنة. إذ يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الملف مرتبط بأمور كثيرة داخلية وخارجية»، مشيراً إلى وجود «أطراف مستفيدة من وضع النازحين عبر جمعيات توفر مدخولاً مالياً لها من جهات دولية. كما أن النظام السوري يستخدم النازحين كأداة ابتزاز ضد لبنان والمجتمع الدولي، والقوى الغربية بقيادة أميركا لا تدعم العودة قبل حل سياسي للأزمة السورية وتطبيق إصلاحات حسب قرار مجلس الأمن... لأن هذه العودة تتطلب دعماً مالياً لإعادة الإعمار، وهو ما لا تريد أن تُقدم عليه بوجود نظام الأسد بشكله الحالي».

ولا يستبعد قهوجي أن يكون للانتخابات الرئاسية «دور في إثارة هذا الموضوع لإظهار ضخامة المشكلة ومحاولة بعض الجهات عرض نفسها كمدخل للحل في حال تسلمت السلطة»، قبل أن يختتم بالقول: «لا أعتقد أن هذا الملف قابل للحل دون دعم أميركي - غربي».

الوجود السوري في لبنان... بالأرقام

- يُقدر العدد الإجمالي للاجئين والنازحين السوريين الموجودين بلبنان بحوالي مليوني سوري، بحسب الأمن العام اللبناني، أي ما نسبته تقريباً 35 في المائة من سكان لبنان. ومن بين هؤلاء 804326 مسجلاً لدى مفوضية اللاجئين.

- بحسب المفوضية، تستضيف منطقة جبل لبنان أكبر عدد من النازحين (385033 نازحاً)، يليها سهل البقاع (352110 نازحاً) ثمّ الشمال (200762 نازحاً).

- يتوزع النازحون على 1000 بلدة من البلدات اللبنانية الـ1050، بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية.

- هناك نحو 200 ألف طفل سوري ولدوا في لبنان منذ بداية الأزمة، أي بمعدل 20 ألفاً سنوياً، وقد ارتفعت هذه الأرقام وفق آخر إحصاء لتصل إلى 50 ألف ولادة سنوياً مقابل 70 ألف ولادة لبنانية.

- أعيد 540 ألف سوري تم إعادتهم إلى سوريا ضمن إطار العودة الطوعية، وفق الأمن العام اللبناني.

- عام 2022 نُقل ما يقارب 8300 نازح من لبنان إلى بلد ثالث، وهذه زيادة بنسبة 24 في المائة مقارنة بعام 2021.

- تلقى لبنان ما يقارب 9.3 مليار دولار أميركي منذ عام 2015 لدعم اللاجئين السوريين واللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين والمؤسسات العامة في إطار خطة لبنان للاستجابة للأزمة.

- بحسب المفوضية، 90 في المائة من النازحين السوريين في لبنان يعيشون في فقر مدقع، وأقل من 1 في المائة منهم يتمتعون بالأمن الغذائي.

- بحسب تصريحات للواء عباس إبراهيم، مدير عام الأمن العام اللبناني سابقاً، عام 2022، فإن 42 في المائة من مجموع السجناء في لبنان من الجنسية السورية. لكن هذه النسبة تدنت وهي تبلغ حالياً 29.8 في المائة.

- تكلفة النزوح السوري على لبنان تجاوزت 40 مليار دولار، وفق الرئيس السابق ميشال عون.

- أبرز الأسباب التي يقول اللاجئون والنازحون إنها تحول دون عودتهم، هي عدم توفر السلامة، انعدام الأمن، الافتقار إلى المسكن، نقص الخدمات الأساسية وسُبل العيش. ويضاف إلى ما سبق الخوف من الاعتقال والاحتجاز وفرض الالتحاق بالخدمة العسكرية.


مقالات ذات صلة

شبكة تهريب في ألمانيا تستخدم تصاريح إقامة لاجئين سوريين

أوروبا الشرطة خلال مهمة بمدينة لايبزيغ الألمانية 21 أبريل 2026 (د.ب.أ)

شبكة تهريب في ألمانيا تستخدم تصاريح إقامة لاجئين سوريين

أطلقت الشرطة الألمانية، الثلاثاء، عملية واسعة لتفكيك شبكة يُشتبه في استغلالها تصاريح إقامة تعود إلى لاجئين سوريين بهدف إدخال آخرين إلى البلاد بشكل غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا أشخاص يصطفون في طوابير للحصول على شهادة وضع قانوني لتسوية أوضاعهم القانونية المتعلقة بالهجرة في مبنى بلدية ألميريا بجنوب إسبانيا 20 أبريل 2026 (رويترز)

نجاة 4 مهاجرين بعد انقلاب قارب قبالة سواحل ليبيا

ذكرت ثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة، اليوم (الاثنين)، أنه تسنى إنقاذ أربعة مهاجرين من البحر المتوسط بعد أكثر من خمسة أيام من انقلاب قارب.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

تسابق السلطات المعنية بالهجرة غير النظامية في ليبيا الزمن للبحث عن مفقودين عقب انقلاب قارب قبالة سواحل طبرق شرق ليبيا، وذلك بعد إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.