قانون الهجرة الفرنسي في طريق مسدودة... والحكومة تسعى لكسب رضا الشارع

مأزق ماكرون بين يمين متشدّد ويسار منفتح

تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)
تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)
TT

قانون الهجرة الفرنسي في طريق مسدودة... والحكومة تسعى لكسب رضا الشارع

تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)
تظاهرة لليسار ضد مشروع القانون ووزير الداخلية (أ.ف.ب)

التذمر من المهاجرين وقلة الترحيب بهم، اللذان ارتبطا في العادة بالفرنسيين ذوي التوجه اليميني، غدوا اليوم يطولان كل الأطياف السياسية > أمام تراجع الحكومة الفرنسية وإعلانها عن تأجيل مشروع الهجرة، بدأ تيار اليمين تصعيد لهجة النقد تجاه الحكومة، علماً بأن كثرة من عناصره كانوا قد أعربوا منذ الإعلان عن المشروع عن رفضهم القاطع للقانون بصيغته الحالية.

إيريك سيوتي، رئيس كتلة اليمين الجمهوري، وصف قانون الهجرة بأنه «مجموعة من الإجراءات التافهة»، داعياً إلى إجراء استفتاء، قبل أن يقدم الجمهوريون نصّهم الخاص. إذ قال: «يجب أن نخرج من هذه الإجراءات التافهة... تدفق المهاجرين يتزايد باستمرار. يجب تغيير الإطار القانوني، وللوصول إلى ذلك نحتاج إلى إصلاحات دستورية». وتطرّق سيوتي إلى النقاط التي يختلف فيها تنظيمه السياسي مع الحكومة، وذكر أن أهمها؛ إغلاق أبواب الهجرة بالكامل، ومنع كل أشكال المساعدات على المهاجرين غير القانونيين، وفرض فترة انتظار قبل منح المهاجرين الشرعيين حق الحصول على إعانات اجتماعية، ودراسة ملفات اللجوء عند الحدود. كذلك دعا اليمين إلى إعادة النظر في قانون الجنسية وتشديد إجراءات الحصول عليها للأجانب.

في المقابل، وباستثناء التدابير الإنسانية التقليدية، لم يقترح اليسار أي مبادرة ملموسة، بل اكتفى بالتنديد بما عدّه إجراءات «عبثية» لا تعالج المشكلة من جذورها بقدر ما تحثّ على «الصيد في أراضي اليمين المتطرف». ولكن رغم ذلك، يبدو البعض مصراً على إحداث تغيير، مع إقحام اليسار في النقاش بعدما تُرك ملف الهجرة منذ البداية لليمين واليمين المتطرف. وضمن هذا الإطار، صرّح زعيم الاشتراكيين أوليفييه فور على صفحات صحيفة «لو موند» معلقاً: «علينا الانتباه وألا نبتعد عن الفرنسيين... خصوصاً الطبقة المتوسطة، التي تبدو وكأنها تطالب الحكومة بصرامة أكبر في التعامل مع الهجرة».

جيرار دارمانان (إ.ب.أ)

وسط هذا الجدل، أدلى أرباب العمل، خاصة أصحاب المطاعم وشركات البناء، بدلوهم من الناحية المطلبية، فطالبوا الحكومة بتسوية غير مشروطة لأوضاع كل العمال. فقد دعا آلان فونتين، رئيس جمعية أصحاب المطاعم، صراحة «إلى وقف النفاق، لأن الكل يعلم أن كثيراً من القطاعات الاقتصادية تعتمد على المهاجرين». وذكّر أن أكثر من 26 في المائة من الطبّاخين الذين يعملون في منطقة «إيل دو فرانس»، التي تضم العاصمة باريس وضواحيها، هم من المهاجرين. والمشكلة، كما يقول فونتين، تتفاقم في قطاع البناء حيث يشكّل المهاجرون نسبة 75 في المائة من العاملين فيه. ومن ثم يوضح فونتان، شارحاً: «حين ننشر عرضاً لوظيفة في قطاع المطاعم، فمن النادر جداً أن نتلقى طلبات من فرنسيين متأصلين، بل إن معظم المتقدمين من المهاجرين الذين تأهلوا مهنياً في مراكز ومدارس فرنسية، وهم مستعدون للعمل، فلماذا يُمنعون من ذلك؟ هل يريد البعض لاقتصادنا أن ينهار؟».

نقاط الخلاف بين اليمين واليسار

وُصف موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من مسألة الهجرة منذ 2017 بـ«المتقلب». إذ يُذكِّر المراقبون بأنه كان أول المُصفقين لسياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حين شجّعت دخول المهاجرين إلى ألمانيا عام 2015، بيد أنه سرعان ما غيّر موقفه وأظهر صرامة أكبر ضد مدّ اللجوء والهجرة بعد وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي.

ورغم أن ملف الهجرة يعود للواجهة في كل الحملات الانتخابية في فرنسا، فإنه كان موضع نقاش حاد بين الرئيس ماكرون وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إبان الانتخابات الرئاسية السابقة. وللعلم، خلافاً للرئيس السابق فرنسوا هولاند، وضع ماكرون ملف الهجرة في قائمة اهتماماته ووعد بترتيب وإعادة تعديل الإطار القانوني بطريقة جذرية بالتنسيق مع شركائه الأوروبيين. فلماذا قانون جديد الآن، خاصة أن فرنسا قد ناقشت 29 مشروعاً لتعديل قوانين الهجرة منذ 1980؟

الإجابة حسب ديدييه ليشي، مدير الديوان الوطني الفرنسي للهجرة، «تكمن في التّوجه السائد في أوروبا». وفي فرنسا، على غرار باقي الدول الأوروبية المعروفة بتقليد قديم في استقبال المهاجرين، بات هناك توجّه عام نحو إعادة النظر في سياسات الهجرة، وبالأخص إزاء صعود الحركات الشعبوية وتفاقم الأزمات الاقتصادية. مثل هذه الأمثلة نجدها اليوم في ألمانيا وإسبانيا وهولندا وبريطانيا، حتى السويد... التي تبنّت طويلاً سياسة انفتاح واسعة تجاه الهجرة، فاستقبلت مثلاً عام 2015 أكثر من 136 ألف لاجئ مُنحوا حق الإقامة النهائية قبل أن تشدد حكومة تحالف اليسار والوسط - التي وصلت إلى الحكم في سبتمبر (أيلول) 2022 - إجراءات استقبال المهاجرين، وخاصة اللاجئين.

مع هذا، فإن فرنسا، بخلاف الدول الغربية الأخرى، لا تزال تحتفظ بمعدّلات دخول ثابتة من المهاجرين. وهي تستقبل حسب إحصائيات الديوان الوطني الفرنسي للهجرة ما بين 200 إلى 220 ألف مهاجر جديد سنوياً، وهذه هي الحال منذ عدة سنوات، أياً كان توجّه الحكومة، يسارياً أو يمينياً أو وسطياً.

ثم إن فرنسا، رغم استقبالها حوالي 50 ألف لاجئ سنوياً، نجدها تحتل أسفل قائمة الدول فيما يخص استقبال اللاجئين. ومقارنة مع فرنسا، تركيا مثلاً استقبلت عام 2021 أكثر من 4 ملايين لاجئ، أما كندا أو النرويج فكانتا أسخى من يستقبل اللاجئين ويوفّر لهم ظروف إقامة «جيدة». أما الجديد عام 2022 فهو أن عدد الذين دخلوا الأراضي الفرنسية ببطاقة إقامة «طالب» قد فاق أعداد الهجرة العائلية، حيث وصل عدد بطاقات الإقامة التي منحت للطلبة عام 2022 حوالي 116 ألفاً، وهو رقم قياسي مقابل 80 ألف للتجمع العائلي. كذلك، فإن بطاقات الإقامة التي مُنحت بغرض «العمل» قد سجلت هي الأخرى ارتفاعاً أيضاً عام 2022، إذ بلغت 52 ألفاً.

تصاعد مشاعر التذمرالسبب الآخر الذي قد يفسّر الأهمية التي توليها الحكومة لمشروع قانون حول الهجرة يكمن في الضغوط التي يمارسها الرأي العام، الذي أضحى يعارض أكثر فأكثر قبول مزيد من المهاجرين. ولقد كشفت دراسة أخيرة لمعهد «إيفوب» عن أن 70 في المائة من الفرنسيين يعدّون اليوم أن بلدهم قد استقبل «عدداً كبيراً» من الأجانب، وبالتالي، صار من المستحسن التوقّف عند هذا الحد. وذكرت الدراسة نفسها أيضاً أن 61 في المائة من الفرنسيين باتوا يعدّون المهاجرين عبئاً اقتصادياً بالغاً على الحكومة، و80 في المائة مقتنعون بأن الهجرة قضية ما عاد من الممكن التكلم فيها بهدوء، لأن الموضوع يثير كثيراً من الحساسيات.

معهد «إيفوب» أشار أيضاً إلى أن كل الأرقام التي نشرت ماضية إلى ارتفاع، بالمقارنة مع الدراسة السابقة، التي أنجزها عام 2018، بنسبة تتراوح بين 6 إلى 8 نقاط. الأمر الذي يشير إلى وجود توجه نحو مشاعر أكثر سلبية تجاه المهاجرين.

إريك سيوتي (آ ف ب)

ثم إن التذمر من المهاجرين وقلة الترحيب بهم، اللذين ارتبطا في العادة بالفرنسيين ذوي التوجه اليميني، غدوا اليوم يطولان كل الأطياف السياسية. وهذا الجانب هو ما كشفت عنه دراسة أخرى أجراها معهد «جان جوريس» القريب من الحزب الاشتراكي. ولقد بيّنت هذه الدراسة أن فرنسياً واحداً من بين اثنين ممن يصوتون عادة لصالح اليسار يريد الآن قانوناً جديداً ينص على الحد من الهجرة، وأن فرنسياً واحداً من بين اثنين أيضاً يعتقد أنه يوجد الآن في فرنسا «عدد كبير» من الأجانب، وأن 8 من بين 10 فرنسيين ينتظرون من الحكومة صرامة أكبر مع المهاجرين غير القانونيين.

وأخيراً، أفادت دراسة ثالثة لمعهد «سي إس آي»، أجريت في أبريل المنصرم، بأن 82 في المائة من الفرنسيين يرحبون الآن بفكرة تسهيل عمليات ترحيل المهاجرين غير القانونيين.

تأجيل القانون إلى الخريف المقبلعودة إلى هموم الإليزيه، يقال إن مشروع «مراقبة الهجرة وتحسين الاندماج» كان موجوداً على مكتب الرئيس ماكرون منذ أشهر، قبل أن يقدمه وزير الداخلية جيرارد درمانان إلى مجلس الوزراء في الأول من فبراير (شباط) 2023 بغرض المناقشة.

نصّ مشروع القانون قُدم على أنه يحوي مجموعة من التدابير لتسهيل عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، ولا سيما ذوي السوابق العدلية، وتعديل نظام اللجوء، وتنظيم اندماج المهاجرين، وتسوية أوضاع أولئك الذين يعملون في القطاعات التي تعاني أزمة يد عاملة. وللعلم، صُمم مشروع قانون الهجرة في البداية لكسب تأييد اليمين الجمهوري الذي ازدادت عناصره تطرّفاً خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص فيما يتعلق بإشكاليات الهجرة. وفي الوقت نفسه، كانت ثمة مبادرة للحصول على تأييد اليسار الذي يندد منذ سنوات بتدهور شروط استقبال اللاجئين.

ولكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر، ليغدو مشروع قانون الهجرة مأزقاً للحكومة وموضوعاً خلافياً بين كل هذه الأطراف، خصوصاً أن رئيسة الوزراء كانت قد لمّحت إلى احتمال اللجوء إلى قانون 49.3 للتصويت في حال الفشل في تكوين غالبية برلمانية. ولقد كان من المنتظر إعلان الحكومة الفرنسية عن تفاصيل أكثر دقة عن مشروع هذا القانون الذي يحمل اسم «مراقبة الهجرة وتحسين الاندماج»، الذي حضّره «مهندسه» جيرارد دارمانان، بمساعدة زميله وزير العمل أوليفييه دوسوبت، بيد أن رئيسة الوزراء إليزابيث بورن فاجأت الجميع بإعلان التأجيل خلال مؤتمرها الصحافي الذي عقدته يوم 26 أبريل المنصرم، مضيفة أنه سيصار إلى النظر في هذا المشروع خلال الخريف المقبل.

هذا التأجيل أثار غضب اليمين الذي كان يطالب بالتسريع في تعديل قانون الهجرة الفرنسية، بعدما برّرت رئيسة الوزراء هذا التأجيل بغياب غالبية برلمانية تسمح بالتصويت على هذه القوانين الجديدة. وهنا نذكر أن اليمين الفرنسي الذي قد يبدو كأحسن حليف للحكومة في هذا المشروع، تعرّض لانقسام في صفوفه بين مؤيد ومعارض لقانون تعديل المعاشات، ما أصاب هذه «الشراكة السياسية» بالتصّدع. وفي المقابل، بادرت الصحافة إلى التعليق على قرار التأجيل، معتبرة إياه محاولة «لتهدئة» النفوس وسط أجواء مشحونة بالسخط والغضب تجاه الحكومة.

بداية صعبة للمشروعفي الواقع، بدأ مشروع القانون رحلته البرلمانية في منتصف مارس (آذار) الماضي عندما عُرض على لجنة القوانين في مجلس الشيوخ. في حينه لم يوافق أعضاء مجلس الشيوخ على الصيغة الأولى لمشروع القانون، واقترحوا عدة تعديلات تتماشى مع بعض المواقف التاريخية لليمين المتطرّف، مثل؛ إلغاء المعونة الطبية التي تُمنح للمهاجرين غير الشرعيين، وتشديد منح الإقامة للمهاجرين بغرض لمّ شمل الأسر.

وعلى خلفية الحُمى السياسية والاجتماعية، ولمواجهة المقاومة التي اعترضت طريق القانون في مجلس الشيوخ، أعلن الرئيس ماكرون يوم 22 مارس 2023 أن نص مشروع القانون سيُقسم إلى عدة نصوص صغيرة، وأن الفكرة هي تمكين اليسار الفرنسي من التصويت على الجزء الخاص بدمج العمال المهاجرين، وفي الوقت ذاته تمكين اليمين من التصويت على الجزء الخاص بترحيل المهاجرين غير القانونيين. إلا أن المشروع عرف فشلاً آخر حين أعلن ماكرون في مداخلته التلفزيونية، التي أذيعت على الفرنسيين، أن مشروع قانون الهجرة سيدخل ضمن «خطة المائة يوم» التي دعا إليها بغرض تهدئة النفوس وإعادة ترتيب ملفات الإصلاحات إثر أجواء من الاحتجاجات والغضب الشعبي العارم بوجه إصلاح نظام المعاشات.

البعض فسّر هذا الإعلان على أنه بمثابة «تخلٍ» وانسحاب لماكرون من المعركة قبل بدايتها، ولو مؤقتاً. وفي اليوم التالي، أعلن وزير الداخلية دارمانان في وسائل الإعلام أن «الوصول إلى اتفاق مع اليمين الجمهوري بخصوص قانون الهجرة وارد». وبناءً عليه، فهو سيعيد عرض المشروع على مجلس الشيوخ الذي ينتمي غالبية أعضائه إلى اليسار والوسط، ولكن بعد إحداث بعض التغييرات.

دارمانان قال لقناة «إل سي آي» الإخبارية إنه سيقدم «نصاً قوياً واحداً» للمناقشة. ولمّح إلى أنه سيصار إلى التخلّي عن «تجزئة النصوص» التي اقترحها ماكرون، مؤكداً على أنه بدأ بمجموعة مشاورات مُكثفة مع عناصر من كتلة اليمين للوصول إلى اتفاق يرضي الجميع، ويُمكن الحكومة من الحصول على غالبية برلمانية تسمح بتمرير القانون.

على ماذا ينصّ هذا القانون؟مشروع قانون الهجرة الجديد يتضمن شقّين متباينين؛ الجزء الأول يخص تشديد شروط الدخول والإقامة في فرنسا مع تسريع وتسهيل عمليات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. والجزء الثاني يهدف إلى تشجيع الهجرة الاقتصادية من خلال استحداث تصاريح للإقامة خاصة بالعمال الذين يشغلون وظائف في قطاعات تعاني من نقص اليد العاملة، كقطاعي البناء والمطاعم.

من جهته، قدّم وزير الداخلية دارمانان مشروع القانون على أنه مشروع «متوازن» لأنه - على لسانه - إنساني وصارم في آنٍ معاً. والحقيقة أن مشروع القانون أعطى أهمية كبرى لتعديل قانون الترحيل، وبالأخص الأجانب الذين صدرت ضدهم أحكام بالسجن لمدة تعادل أو تفوق 10 سنوات، أما الغاية فهي تقليص نطاق الطعن في قرارات الترحيل الإجبارية، خصوصاً عندما يشكّل الأجانب المعنيون بالأمر خطراً على الأمن العام وسلامة المواطنين.

القرار يسعى أيضاً إلى إسقاط الحماية التي يحظى بها الأجانب الذين صدرت بحقهم أحكام بالترحيل غير أنها في الغالب لا تُنفذ، لأنهم يقيمون في فرنسا منذ مدة طويلة. وبين البنود بند يهتم بتعديل الإطار القانوني لطلبات اللجوء السياسي أو الإنساني، والهدف منه أولاً تقصير الآجال المخصصة لدراسة الطلبات إلى بضعة أسابيع بدل بضعة أشهر، وأحياناً سنوات، ومن جانب آخر صدّ الأجانب الذين يطلبون حق اللجوء من دون مبرّرات قوية.

كذلك، من البنود اللافتة في مشروع القانون، تسوية أوضاع العمال غير القانونيين، وهو الإجراء الذي ترى الحكومة أنه سيضفي «توازناً» ووجهاً أكثر «إنسانية» لنص القانون. ذلك أنها تنوي تسوية أوضاع العمال الموجودين في الأراضي الفرنسية منذ أكثر من 3 سنوات ومنحهم بطاقات إقامة يصار إلى تجديدها كل سنة بشرط أن يشغلوا وظائف في قطاعات مهنية تعاني أزمة توظيف. وهنا، يُخطّط القانون أيضاً لاستحداث بطاقة إقامة تدوم 4 سنوات خاصة بالعاملين في القطاع الصحي والحاصلين على شهاداتهم خارج المجموعة الأوروبية، خاصة أن فرنسا تعاني منذ سنوات من نقص خطر في عدد الأطباء والجراحين، وأطباء الأسنان، والصيادلة، والممرّضين.

وفي سياق متصل، من بنود قانون الهجرة الأخرى ربط شرط الحصول على الإقامة بإتقان اللغة الفرنسية على المهاجرين الجدد، بينما لا يطلب منهم حالياً سوى المشاركة في تدريب قصير على اللغة. وهذا الإجراء حسب وزير الداخلية دارمانان سيتعلق بـ270 ألف شخص سيجتازون امتحان لغة فرنسية، وفي حالة إخفاقهم سترفض طلباتهم. وأخيراً، سيتضمن القانون اقتراحات بإبعاد المهاجرين القُصَّر، وهذه نقطة تعثرت في تناولها القوانين السابقة بسبب تصدّي المنظمات الإنسانية وجمعيات المهاجرين التي ترفض ترحيل القُصَّر وتطالب بحمايتهم.


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.