في خريف عام 1976 وصلت علبة بلاستيكية زرقاء تحتوي على قارورتين زجاجيتين إلى معهد الطب الاستوائي في أنتويرب في بلجيكا. انكسرت إحدى القارورتين أثناء النقل، فتسرب محتواها الدموي إلى الثلج شبه الذائب داخل القارورة. أما الأخرى، فكانت لا تزال تحتوي على دم راهبة فلمنكية توفيت بمرض غامض في يامبوكو، في زائير، الكونغو حالياً. ومع العلبة وُضعت ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط اليد مرفقة بالقارورتين، وقد تسربت الكتابة جزئياً إلى الماء المثلج، كُتب عليها: «حمى صفراء؟».
وقد أوكلت مهمة تحديد ما إذا كانت المرأة قد توفيت بالفعل بسبب الحمى الصفراء إلى عالم بلجيكي أصغر أعضاء فريق المعهد، الذي يبلغ من العمر 27 عاماً.
طبيبان بلجيكي وكونغولي يرصدان «إيبولا»
لكنه لم يكن الوحيد المعنيّ بالأمر؛ إذ جمع الدكتور جان جاك مويمبي، وهو طبيب كونغولي تلقى تدريبه في بلجيكا، العينات وأرسلها إلى المختبر. وساعد باحثون آخرون في أنتويرب ويامبوكو على عزل الفيروس من العينة وتحديد خصائص تفشي المرض.
يوم الأحد الماضي مرَّت خمسون عاماً بالضبط على اللحظة التي كان بيوت واثنان آخران أول من اطلع على «الجاني»: فيروس كبير ونحيل، سيُعرف لاحقاً بأنه من بين أخطر مسببات الأمراض التي يمكن أن تنتجها الطبيعة، كما كتب أبورفا ماندفيلي (*).
أطلق الفريق عليه اسم «إيبولا» Ebola، نسبةً إلى نهر قرب مركز تفشي المرض كان قد أودى بحياة الراهبة وعشرات آخرين. وعلى مر السنين، اكتشف العلماء أن لـ«إيبولا» أشكالاً متعددة، تسببت مجتمعةً في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص. وقد تسبب تفشي فيروس بونديبوغيو Bundibugyo الحالي في الكونغو أيضاً، في إصابة ما يقرب من 9000 شخص ووفاة أكثر من 4200 شخص حتى 6 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
بعد أقل من عِقد من اكتشافه فيروس «إيبولا»، أصبح الدكتور بيوت شخصية بارزة في تاريخ فيروس فتاك آخر: فيروس نقص المناعة البشري (الإيدز)، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كشف عمله في أفريقيا عن أن فيروس نقص المناعة البشرية لم يكن مرضاً يصيب الرجال المثليين فقط، كما كان يعتقد الكثيرون آنذاك. وفي عام 1995، أصبح أول مدير لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (UNAIDS)، ويُنسب إليه الفضل في مساعدة العالم على فهم أن المرض كان يفتك ببعض أفقر سكان العالم وأكثرهم تهميشاً.

حوار علمي
يبلغ بيوت الآن 77 عاماً، وهو رئيس مبادرة «إعادة ضبط أكرا Accra Reset»، وهي جهد دولي لإصلاح الصحة العالمية انطلاقاً من سيادة الدول. وخلال مقابلة أجريت معه في نيويورك الشهر الماضي، تحدث بإسهاب عن التهديد المستمر للأمراض المعدية وضرورة تغيير طريقة تعامل العالم معها. وفيما يلي مقتطفات من المحادثة:
س: حدّثنا عن اكتشافك عام 1976، الذي وصفته بأنه لحظة إدراك مفاجئة.
ج: في ذلك الوقت، لم يكن بالإمكان عزل الفيروس فيما كان يُسمى آنذاك دولة زائير. لم يكن هناك مختبر قادر على ذلك. لم نكن نملك أي فكرة عما كان موجوداً هناك. كان لدينا اسم المريض والطبيب، وهذا كل شيء.
وتحت المجهر، رأينا شيئاً لم نره من قبل. عادةً ما تكون الفيروسات كروية أو مربعة، وهنا رأينا شيئاً أشبه بالمعكرونة أو الديدان. لقد حيرنا الأمر، وكنا نعلم أن فيروساً واحداً فقط وُصف بهذه الطريقة حتى ذلك الحين، وهو فيروس ماربورغ Marburg (فيروس يُسبب حمى نزفية حادة وغالباً ما تكون قاتلة). لكننا كنا في حاجة إلى مزيد من اليقين. أرسلنا العينة إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (الأميركية) في أتلانتا، وهناك، في غضون يومين، أثبت الباحثون أنها ليست فيروس «ماربورغ».
ما أراه مثيراً للاهتمام، مقارنةً بتجربتي اللاحقة مع فيروس نقص المناعة البشرية، هو أننا لم نتخاصم أبداً. بعد ذلك، اكتشفتُ أن الأمور في العلم ليست دائماً على هذا النحو.
س: عندما تعاملتَ مع العينة، كنتَ ترتدي قفازات بسيطة ورقيقة فقط، وليس معدات الوقاية المُعقدة التي تعلم الآن أنها ضرورية عند التعامل مع «إيبولا».
ج: هذا درسٌ بالغ الأهمية لحياتي وللجميع. لا يمكنك أبداً معرفة ما تحتويه عينة من مريض. قد لا يكون فيها شيء. وقد تكون «إيبولا»... لذا؛ فإن تجنب سوء الحظ هو أهم شيء في الحياة.
أُصبتُ ذات مرة ببكتيريا السل البقري (التي تُسبب السل في الماشية). ومع الإصابة بـ«كوفيد - 19»، انتهى بي المطاف في العناية المركزة. ولكن هذا كل شيء. أنا لستُ من هواة المخاطرة.
س: أنت مؤسس برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز، ومع ذلك تعتقد أنه يجب إغلاق المنظمة.
ج: عندما أسستُ برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، كنتُ أعتقد دائماً أن عمره محدود. من جهة، الأمر مؤثر بعض الشيء لأنني كرّستُ 12 عاماً من حياتي له، سبعة أيام في الأسبوع، دون توقف. لكنني أعتقد أيضاً أننا في حاجة إلى إعادة النظر بجدية فيما يحتاج إليه العالم حقاً اليوم. نحن في وقت نحتاج فيه إلى اتباع نهج أكثر تكاملاً في مجال الصحة، وليس مجرد التركيز على كل مرض على حدة من خلال منظمة مستقلة. علينا أن نفكر في الناس والقضية، وليس في المؤسسات.
تهديدات كبيرة
س: لقد مرّت خمسون سنة منذ أن اكتشفتَ «إيبولا»، وأربعون سنة منذ عملك الأولي على فيروس نقص المناعة البشرية. لكن لا يزال كلاهما يشكل تهديداً كبيراً.
ج: في عام 1973، عندما كنتُ في سنتي الأخيرة في كلية الطب، ذهبتُ للتحدث مع الأساتذة، فيما يُعرف اليوم بالإرشاد المهني. قالوا إنه لا مستقبل لكم في مجال الأمراض المعدية. لدينا لقاحات، ومضادات حيوية، ومياه شرب نقية، وصرف صحي، وما إلى ذلك - كان هذا رأيهم.
لقد حققنا تقدماً هائلاً، لكن بإمكاننا فعل المزيد. كانت نقطة التحول بالنسبة لي هي أن فيروس نقص المناعة البشري أصبح قابلاً للعلاج. هناك أكثر من 30 مليون شخص تعتمد حياتهم اليومية على تناول حبة دواء؛ أليس هذا مذهلاً؟ لكننا ما زلنا لا نملك علاجاً لفيروس نقص المناعة البشري؛ وما زلنا لا نملك لقاحاً. وستظل هناك دائماً حالات انتقال للعدوى؛ لا يمكننا تجاهل ذلك. لكن علينا بذل كل ما في وسعنا حتى لا يتفاقم الوضع ويتحول إلى وباء.
أسباب انتشار وباء «إيبولا»
س: ينتشر وباء «إيبولا» الحالي بوتيرة أسرع من أي وباء سابق. هل تعتقد أنه من الممكن السيطرة عليه؟
ج: من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون «إيبولا» من أسهل الأوبئة التي يمكن السيطرة عليها؛ لأنه يتطلب (للانتقال والإصابة) اتصالاً مباشراً بسوائل الجسم. وهو يختلف تماماً عن «كوفيد - 19»؛ إذ يكفي عزل المرضى وارتداء معدات الوقاية. في المجتمعات المزدهرة والقادرة على الصمود، تتوفر جميع هذه الأنظمة.
لكن السياق هو ما يجعل الأمر بالغ الصعوبة في الكونغو. فهذه منطقة عانت ويلات الصراع المسلح لعقود؛ لذا لا يمكن التنقل من مكان إلى آخر بسهولة. كما أن هناك عنفاً جنسياً. أما نظام الرعاية الصحية فلا يعمل بكفاءة؛ فهو غير مستعد للعزل والعلاج وتوعية الناس. وهناك الكثير من المعلومات المضللة. لكن هناك أيضاً عادات وطقوساً، كالجنازات، التي تُصبح خطيرة للغاية عند وفاة شخص مصاب بـ«إيبولا».
عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عنه
كما نعلم أن عدد الوفيات لأسباب أخرى قابلة للعلاج يفوق بكثير عدد الوفيات الناجمة عن «إيبولا» نفسها. هذا يُشلّ نظام الرعاية الصحية برمته. لدينا معدلات وفيات أمهات أعلى بكثير، ووفيات أطفال بسبب الملاريا أو الحوادث. علينا أن نضمن توفير هذا النوع من الرعاية المنتظمة، ليس فقط لإنقاذ الأرواح، بل أيضاً لاستعادة الثقة في النظام الصحي. ولهذا السبب؛ يساورني قلق بالغ من أن يستمر هذا التفشي لفترة طويلة. لكن سيتم احتواؤه يوماً ما.
* خدمة «نيويورك تايمز»



