تعرَّف على المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي… في نصائح التغذية عبر الإنترنت

يقدم معلومات عمومية ومفتقرة للتميز… وغالباً ما تكون مضللة

تعرَّف على المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي… في نصائح التغذية عبر الإنترنت
TT

تعرَّف على المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي… في نصائح التغذية عبر الإنترنت

تعرَّف على المحتوى الرديء للذكاء الاصطناعي… في نصائح التغذية عبر الإنترنت

عندما تظهر لك رسالة عبر الإنترنت تروج لـ«مكوّن -أو مركّب- لإنقاص الوزن تخفيه عنك المؤسسة الطبية!»، فإنك تدرك تماماً أن عليك ألا تتبع الرابط المؤدي إلى عملية احتيال واضحة.

محتويات جذابة «ذكية»

ولكن في الآونة الأخيرة، ظهر نوع آخر من المحتوى الجذاب الذي يشق طريقه -دون دعوة- إلى خلاصات الأخبار والمحتويات التي تتابعها. فقد صُممت منشورات مُنتَجة بواسطة الذكاء الاصطناعي لجذب انتباهك، وربما الحصول على أموالك أيضاً. ويطلق على هذه المنشورات مصطلح «AI slop» (أي المحتوى الرديء أو الحشو الناتج من الذكاء الاصطناعي).

ما هو هذا المحتوى الرديء المُنتَج بالذكاء الاصطناعي؟

يشير هذا المصطلح المستحدث أخيراً إلى محتوى منخفض الجودة مُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي -سواء كان نصوصاً أو صوراً أو مقاطع فيديو- يتم إنتاجه بكميات كبيرة، ويكون عمومياً ومفتقراً للتميز، وغالباً ما يكون مضللاً. وعادةً ما يصدر هذا المحتوى عن «مزارع محتوى الذكاء الاصطناعي»، وهي مواقع إلكترونية أو منصات تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج كميات هائلة من المحتوى المتدني الجودة؛ حيث يتمثل هدفها في تحقيق إيرادات إعلانية أو تحسين ترتيبها في محركات البحث بدلاً من تقديم معلومات مفيدة للقراء أو مساعدتهم.

*منصات تنتج كميات هائلة من المحتوى المتدني الجودة لتحقيق إيرادات إعلانية*

يعتمد الكثير من هذا المحتوى الرديء ببساطة على إعادة صياغة معلومات مستمدة من محتوى آخر موجود على الويب. ومع ذلك، فإن تتبع مسار بعض هذه المنشورات قد يقودك إلى سيل من الإعلانات المزعجة، أو يغريك بشراء شيء لا تحتاج إليه، أو -وهو الأسوأ- يخدعك للكشف عن معلومات شخصية.

هل تعتقد أن بإمكانك تمييز المحتوى الزائف «الذكي»؟

مع استمرار تطور التكنولوجيا، تزداد هذه المهمة صعوبة، لا سيما مع تقدمنا ​​في العمر. فقد أظهر استطلاع للرأي أُجري عام 2026 وشمل نحو 3200 شخص بالغ تتراوح أعمارهم بين 18 و90 عاماً، أن 71 في المائة منهم تمكنوا إجمالاً من التمييز بين المحتوى المُنتَج بالذكاء الاصطناعي والمحتوى الذي أعده البشر، إلا أن نسبة نجاح من تجاوزوا سن الخامسة والستين في ذلك لم تتعدَّ 65 في المائة. وقد أشار التقرير إلى أن هذه النسبة «أفضل بقليل فقط من احتمالية الفوز في لعبة رمي العملة المعدنية».

معلومات مضللة

يُعدّ هذا المحتوى الرديء جزءاً من تدفق متزايد لمعلومات التغذية -والمعلومات المضللة- الصادرة عن المؤثرين وصنّاع المحتوى الآخرين على منصات مثل «تيك توك» و«يوتيوب» وكشف استطلاع آخر أُجري عام 2026 وشمل 1000 شخص بالغ، عن أن ما يقرب من نصفهم (46 في المائة) أفادوا بأنهم عملوا بنصائح غذائية قدمها مؤثرون، وأن واحداً من كل ثلاثة استخدم أداة ذكاء اصطناعي -مثل «جي بي تي» لإعداد خطة غذائية أو خطة لإنقاص الوزن.

تقول نانسي أوليفيرا، اختصاصية التغذية المعتمدة ومديرة خدمة التغذية والعافية في مستشفى «بريغام آند وومنز» التابع لجامعة هارفارد: «مع تزايد اعتماد المعلومات الصحية على الذكاء الاصطناعي، من الضروري توخي الحذر والاطلاع الجيد؛ فالذكاء الاصطناعي ليس سوى تطور تقني آخر يحتاج الجميع إلى فهمه».

كيف تميز بين ما هو مفيد وما هو ضار؟

تشير أوليفيرا إلى أهمية ملاحظة أن المعلومات الغذائية التي يولدها الذكاء الاصطناعي تلبي حاجة فعلية؛ فالكثير من الناس يلجأون إلى نصائح الذكاء الاصطناعي لعدم تمكنهم من الحصول على موعد عاجل مع الطبيب، أو لأن تأمينهم الصحي لا يغطي تكاليف استشارة اختصاصي تغذية. وتضيف قائلة: «قد تختار استخدام أداة ذكاء اصطناعي مثل (جي بي تي) للحصول على إرشادات غذائية أو إعداد خطة وجبات لحالة صحية شائعة نسبياً، مثل ارتفاع الكولسترول أو مرحلة ما قبل السكري. يمكن أن تكون هذه بداية مفيدة، لكن احرص على عرض الخطة على طبيبك في موعدك المقبل. وعليك أيضاً أن تدرك أن دقة الإرشادات الغذائية المستمدة من الذكاء الاصطناعي تنخفض إذا كنت تعاني حالة طبية معقدة أو مشاكل صحية متعددة».

لكن ما تحصل عليه عند استخدام أداة الذكاء الاصطناعي بمفردك يختلف عما قد تجده منشوراً عبر الإنترنت بهدف جذب انتباهك.

نصائح لرصد المحتوى الرديء

إليك بعض النصائح لمساعدتك في رصد محتوى الذكاء الاصطناعي الرديء - والنصائح الخطيرة عبر الإنترنت بشكل عام:

* هل يبدو المحتوى مثيراً للقلق أو يوحي بوجود حالة طارئة؟ توضح أوليفيرا أن المتخصصين الموثوقين في الرعاية الصحية يحرصون على تجنب اللغة المثيرة أو المبالغ فيها، مثل عبارة «يجب عليك التوقف عن تناول الشوفان»؛ إذ تقول: «هذا النوع من المحتوى يُصمم خصيصاً لجذب النقرات» (على المحتوى).

* تحقق من هوية ناشر المحتوى. إذا قام الناشر بمشاركة منشورات عدّة تدعي أنها صادرة عن مصادر مختلفة، ولكنها تحمل رسائل متشابهة، فقد يكون الحساب مُداراً بواسطة الذكاء الاصطناعي.

* تحقق من المؤهلات المهنية. قد لا يكون ذلك «الجراح المتخصص في جراحة القلب» شخصاً حقيقياً، وكذلك المؤسسة التي يعمل بها. بل قد يكون «الخبير» مجرد صورة مُولدة بتقنية «التزييف العميق لعالم حقيقي، استُخدمت دون إذنه. قم بإجراء بحث عبر الإنترنت للتأكد من أن الشخص المذكور يعمل فعلياً في تلك المؤسسة، وأن المعلومات تتوافق مع أبحاثه المنشورة.

ابحث بنفسك ودقّق

إن الاستشهاد بدراسة بحثية لا يعني بالضرورة المصداقية؛ فإذا كان المنشور يستند إلى نتائج دراسة ما، فابحث عنها بنفسك واطلع عليها. تقول أوليفيرا: «قد تكون النتائج المذكورة خارجة عن سياقها، أو مستمدة من دراسة أُجريت على الفئران ولا تنطبق على البشر؛ لذا، إذا قيل إن (أ) تسبب (ب) دون تقديم مزيد من التفاصيل، فعليك توخي الحذر».

وتضيف أوليفيرا بضرورة تجنّب المنشورات التي تدعي الكشف عن «معلومات سرية»؛ فرغم أنه قد يراودك شعور بأن خبراء الصحة يخفون معلومات سعياً وراء الربح، فإنه ينبغي عليك تجنب هذا النوع من التفكير القائم على «نظرية المؤامرة»، مؤكدة أن «هدفنا الأساسي هو مساعدة الناس».

وأخيراً، ثق بحدسك؛ إذ تقول: «إذا بدا لك الأمر غير منطقي أو غريباً للغاية، فعليك التشكيك في المصدر».

* رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة » - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد أجهزة حاسوب في المركز بمدينة لوغانو جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

من «مفتاح الإيقاف» إلى حظر «الذكاء الفائق»... واشنطن أمام معضلة الذكاء الاصطناعي

لم تعد مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم افتراضية، بعدما أظهرت نماذج حديثة قدرتها على تجاوز القيود والوصول إلى أنظمة خارجية والتَّصرُّف باستقلالية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

رئيس «أنثروبيك» يدعو إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي

دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي أمس إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً الحاجة إلى تحكّم أفضل في تطوره.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا «غوغل» توسّع حضور «جيميناي» بتطبيق جديد لـ«ويندوز» (غوغل)

«جيميناي» يصل رسمياً إلى أجهزة «ويندوز»

يتيح تثبيت التطبيق على جهاز الكومبيوتر استدعاء «جيميناي» من أي مكان على الجهاز باستخدام اختصار (Alt + Space).

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» للذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

رئيس «أنثروبيك» يدعو لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي... وألتمان وماسك يؤيدانه

دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي، السبت، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً الحاجة إلى تحكم أفضل في تطوّره.

«الشرق الأوسط» ( نيويورك)
يوميات الشرق هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تغيير قناعات المؤمنين بنظريات المؤامرة؟ (بيكسلز)

الذكاء الاصطناعي في مواجهة نظريات المؤامرة... دراسة تظهر نتائج مفاجئة

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تغيير قناعات المؤمنين بنظريات المؤامرة؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أصغر كواكب المجموعة الشمسية ينكمش أسرع من توقعات العلماء

كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)
كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)
TT

أصغر كواكب المجموعة الشمسية ينكمش أسرع من توقعات العلماء

كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)
كوكب عطارد هو أصغر كواكب المجموعة الشمسية (أ.ب)

كشفت دراسة جديدة عن أن كوكب عطارد أصغر كواكب المجموعة الشمسية، يتقلص بسرعة أكبر بكثير مما كان يُعتَقد سابقاً، مما يفتح نافذةً غير مسبوقة لفهم تكوين الكوكب وتاريخه وتطوره.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد صرَّح فريق الدراسة بأنه «على الرغم من أن هذا الكوكب ظلَّ ينكمش على مدى 4.5 مليار سنة، نتيجة لعملية التبريد التي تلت نشأته النارية، فإن معدل هذا الانكماش قد يفوق التقديرات السابقة بنسبة 30 في المائة».

وتشير الدراسة إلى أن مقدار انكماشه قد يصل إلى نحو 22 كيلومتراً، وهو رقم كبير مقارنة بقطر الكوكب البالغ نحو 4800 كيلومتر فقط.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، غاكو نيشِيياما، عالم الكواكب في «معهد أبحاث الفضاء»، التابع لـ«المركز الألماني للطيران والفضاء»: «نحن نقترب من فهم حقيقة تطور عطارد».

واعتمد الباحثون على بيانات جمعتها المركبة الفضائية «مسنجر»، التابعة لوكالة «ناسا»، والتي قضت أكثر من 4 سنوات في الدوران حول هذا الكوكب الملتهب، لرصد تضاريس سطحه والبحث عن تكوينات جيولوجية تُعرَف باسم «تراكيب الانكماش».

وتظهر هذه التكوينات على سطح الكوكب مع تقلصه، وتشبه إلى حدٍّ كبير التجاعيد التي تظهر مع التَّقدُّم في العمر. إلا أن دراسة هذه العلامات كانت صعبة؛ بسبب تغطية كثير منها بالحفر وبقايا الاصطدامات الناتجة عن الكويكبات وغيرها من الأجرام السماوية.

وللتغلب على هذه المشكلة، جمع الباحثون صوراً ثنائية الأبعاد التقطتها أنظمة التصوير الموجودة على المركبة، ثم دمجها لإنشاء خرائط شديدة التفصيل لتضاريس سطح عطارد.

وأظهرت النتائج وجود عدد أكبر بكثير من علامات الانكماش مقارنة بالتقديرات السابقة، وهو ما يشير إلى أن الكوكب فقد من حجمه بمعدل أسرع مما كان العلماء يعتقدون.

ويرى الباحثون أن تتبع هذا الانكماش يمكن أن يساعد على كشف ما يحدث تحت القشرة الصخرية لعطارد، كما قد يوفر معلومات مهمة لفهم عمليات الانكماش والتغير الداخلي التي قد تحدث في كواكب أخرى.


اختتام «صحة آسيا 2026»… رقعة ذكية تراقب القلب لأسابيع وتتجه للتحقق السريري في السعودية

جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)
جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)
TT

اختتام «صحة آسيا 2026»… رقعة ذكية تراقب القلب لأسابيع وتتجه للتحقق السريري في السعودية

جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)
جانب من معرض «صحة آسيا 2026» في كراتشي الذي جمع شركات وتقنيات صحية بمشاركة ما يزيد على 35 دولة (الشرق الأوسط)

قد ينبض قلب المريض بصورة طبيعية طوال الساعات الـ24 التي يرتدي فيها جهاز «هولتر»، ثم يظهر اضطراب في النظم بعد نزعه بيوم أو أسبوع. لكن ماذا لو أمكن مراقبة القلب لمدة تصل إلى 30 يوماً، بينما تبحث خوارزميات الذكاء الاصطناعي وسط آلاف الساعات من النبضات عن إشارات ربما لم يلتقطها الفحص التقليدي؟

هذا ما برز في الدورة الـ23 من معرض ومؤتمر «صحة آسيا 2026»، التي اختُتمت السبت في كراتشي، حيث اطلعت «الشرق الأوسط» على تقنية تعتمد على رقعة إلكترونية صغيرة تُثبَّت على صدر المريض، تسجِّل نشاط القلب لأيام وأسابيع، وتستعين بالخوارزميات لرصد اضطرابات النظم المحتملة وعرضها على الطبيب.

وقال البروفسور زكي الدين أحمد، أستاذ الصحة الرقمية والمؤسِّس المشارِك والمنسق العام لـ«صحة آسيا»، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن الدورة الحالية سجَّلت أكبر حضور دولي للمتحدِّثين في تاريخ الحدث، بمشاركة 35 متحدثاً دولياً ضمن 22 مؤتمراً وورشة، وأكثر من 200 شركة ونحو 600 جناح عرض، مع تمثيل لأكثر من 35 دولة.

وأضاف أن البرنامج جمع الجامعات والهيئات الحكومية والمؤسسات الصحية، وتناول الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية والسجلات الطبية الإلكترونية وسلامة المرضى والصحة العامة وصحة السكان، مشيراً إلى مشاركة وزارة الصحة الاتحادية الباكستانية في تنظيم الحدث.

البروفسور زكي الدين أحمد: «صحة آسيا» يجمع الابتكار الطبي والصحة الرقمية بمشاركة أكثر من 35 دولة (الشرق الأوسط)

رقعة صغيرة تراقب القلب

لا تكمن قوة التقنية التي طورتها «Vivalink» في حجمها، بل في قدرتها على إطالة نافذة مراقبة القلب. فالرقعة القابلة لإعادة الشحن والمقاومة للماء تسجِّل تخطيط القلب (ECG) ومعدل ضرباته والتنفس، إلى جانب تباين معدل القلب ودرجة حرارة الجلد والحركة والوضعية، مع إمكان المراقبة وجمع البيانات لفترات ممتدة تصل إلى 30 يوماً.

لكن التَّحوُّل الأهم يحدث خلف الرقعة؛ إذ تحلل الخوارزمية التدفق المستمر لبيانات القلب بحثاً عن أكثر من 15 نوعاً من اضطرابات النظم، بينها الرجفان الأذيني وتسارع القلب وبطؤه، وتبرز الأحداث المشتبه بها لمراجعة الطبيب. وهكذا لا يحل الذكاء الاصطناعي محل طبيب القلب، بل يساعده على العثور على لحظات غير طبيعية وسط أسابيع من النبضات.

لماذا قد لا تكفي «لقطة» للقلب؟

بعض اضطرابات نظم القلب متقطعة؛ فقد يشعر المريض بالخفقان أو الدوار، ثم يظهر تخطيط القلب طبيعياً تماماً عند إجراء الفحص. فالمشكلة أحياناً ليست في قدرتنا على تشخيص الاضطراب، بل في أن القلب لم يكشفه خلال فترة المراقبة.

وتدعم هذا المبدأ دراسة حديثة نُشرت في مايو (أيار) 2026 في مجلة «JACC: Asia»، التابعة للكلية الأميركية لأمراض القلب، وشملت 2978 شخصاً استخدموا رقعة أخرى لتخطيط القلب لمدة تصل إلى 7 أيام.

وكانت النتيجة لافتة: اكتشفت الرقعة الرجفان الأذيني (Atrial Fibrillation) لدى 1.48 في المائة من المشاركين، مقابل 0.23 في المائة باستخدام تخطيط القلب التقليدي في نقطة زمنية واحدة؛ أي أن معدل الاكتشاف ارتفع بنحو 6.3 مرة. كما ظهر نصف الحالات في اليوم الأول، لكن استمرار المراقبة حتى اليوم الثالث كشف 75 في المائة من مجموع الحالات التي رصدتها الرقعة خلال فترة الدراسة.

وهذا يوضِّح أهمية إطالة فترة المراقبة: فاضطراب نظم القلب قد يحدث بصورة متقطعة، ولذلك قد لا يظهر في أثناء تخطيط قصير أو مراقبة ليوم واحد، لكنه يصبح أكثر احتمالاً للاكتشاف كلما طالت مدة تسجيل نشاط القلب.

من «هولتر» التقليدي إلى الرقعة الذكية... مراقبة القلب تدخل عصر الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يدخل المعادلة

ولا تقتصر الفكرة على إطالة مدة المراقبة؛ فالتحدي التالي هو كيف نحلل هذا الكم الهائل من بيانات القلب؟ وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي.

ففي دراسة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «JMIR mHealth and uHealth»، استخدم الباحثون شبكة عصبية عميقة لتحليل تخطيط قلب أحادي القناة وحقَّق النظام نتائج مرتفعة؛ إذ تمكَّن من اكتشاف 91.9 في المائة من حالات الرجفان والرفرفة الأذينية (Atrial Flutter)، كما استطاع استبعاد الاضطراب بصورة صحيحة لدى 99.6 في المائة ممن لا يعانون منه. وعند تحليل الرجفان الأذيني وحده، تمكَّن من اكتشاف 96.2 في المائة من حالاته.

ورغم هذه النتائج المرتفعة، أكد الباحثون ضرورة مواصلة التحقق من أداء النظام في ظروف المراقبة الواقعية. وهنا تكمن الرسالة الأهم: دقة الخوارزمية في الدراسة لا تكفي وحدها؛ فالثقة السريرية تبدأ عندما نعرف كيف تؤدي مع المرضى في الحياة اليومية.

من كراتشي إلى الرياض

وهنا تكتسب القصة بُعداً سعودياً. فقد وصف البروفسور شافي أحمد، الأستاذ في جامعة لندن وأحد قادة ورشة «الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: من الابتكار إلى التطبيق»، التقنية في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» بأنها «طفرة في طب القلب والمراقبة القلبية الرقمية»، لما تتيحه من انتقال من المراقبة المحدودة زمنياً إلى متابعة ممتدة يمكن أن تساعد على التقاط اضطرابات قلبية متقطعة قد لا تظهر في أثناء الفحص التقليدي.

البروفسور شافي أحمد يشير إلى تقنية المراقبة القلبية الممتدة التي تتجه للتحقق السريري في السعودية (الشرق الأوسط)

وأوضح أن المملكة العربية السعودية اختيرت لتكون من الدول الأولى التي تدخل إليها التقنية للتحقُّق منها سريرياً، لما تتمتع به من موقع متقدم عالمياً في الذكاء الاصطناعي وبنية تحتية رقمية وصحية متطورة، تجعلها بيئة مناسبة لاختبار التقنيات الطبية الجديدة ونقلها من الابتكار إلى التطبيق السريري.

وأضاف شافي أحمد أن التَّحقُّق من التقنية سيتم في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ومستشفى دله في الرياض، في خطوة ستتيح تقييم أدائها داخل البيئة السريرية المحلية.

وتتجاوز أهمية هذه الخطوة إدخال جهاز جديد إلى المستشفيات؛ فهي تختبر سؤالاً أساسياً في الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: هل تحافظ الخوارزمية على دقتها عندما تنتقل إلى مرضى وسكان وبيئة سريرية مختلفة عن تلك التي طُورت واختُبرت فيها؟

التحقق المحلي قبل الثقة

وهنا يظهر مفهوم «التحقق المحلي (Local Validation)»: فنجاح خوارزمية على مجموعة سكانية معينة، أو حصول التقنية على موافقة تنظيمية في دولة ما، لا يضمن بالضرورة الأداء نفسه عند استخدامها على سكان مختلفين وفي بيئة صحية أخرى. وقد أشارت دراسة «JACC: Asia» نفسها إلى محدودية التنوع العرقي في عينتها بوصفها أحد قيود الدراسة.

لذلك لا يكفي أن نسأل عن عدد الحالات التي اكتشفتها الخوارزمية؛ بل يجب أيضاً معرفة ما الذي فاتها، وما الذي صنَّفته خطأً، وكيف يتغير أداؤها عند اختبارها على المرضى المحليِّين وفي ظروف الاستخدام الفعلية.

عندما يراقب الذكاء الاصطناعي القلب

ربما كان المشهد الأكثر دلالة في ختام «صحة آسيا 2026» رقعة صغيرة على صدر المريض تجمع بيانات قلبه أياماً وأسابيع، بينما تبحث الخوارزميات وسط آلاف الساعات من الإشارات عن اضطراب ربما لم يشعر به أصلاً.

لكن الانتقال الحقيقي «من الابتكار إلى التطبيق» لا يحدث بمجرد وصول التقنية إلى المستشفى؛ بل عندما نتحقَّق من أدائها على المرضى المحليين، ونراقبها بعد الاستخدام، ونُبقي القرار السريري والمسؤولية في يد الإنسان.

وفي طب القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، لن يكون السؤال فقط:

ماذا اكتشفت الخوارزمية؟ بل السؤال الأكثر أهمية: ماذا لم تكتشف... وهل تحققنا من ذلك قبل أن نثق بها؟


قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي
TT

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

قرية طلابية دنماركية بيئية بتصميم مستقبلي

أصبح مجمع سكن الطلاب الجديد -الواقع بالقرب من كلية «فيا» الجامعية (VIA University College) في الدنمارك- أكبر مشروع سكني يُنفذ بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في أوروبا. وهو يبرز الإمكانات الهائلة لهذه التقنية عند تطبيقها على نطاق واسع، كما كتب هانتر شوارتز(*).

وحدة سكنية دنماركية «مطبوعة»

يحمل المشروع اسم «سكوفسبوريت» (Skovsporet)، وهو مجمع يضم 36 وحدة سكنية موزعة على ستة مبانٍ تغطي مساحة 17760 قدماً مربعاً (1650 متراً مربعاً) في مدينة «هولستبرو» الواقعة غرب شبه جزيرة يوتلاند. وتتكون كل وحدة سكنية -وهي مبانٍ منخفضة الارتفاع- من خرسانة منخفضة الكربون، طُبعت بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في موقع البناء نفسه. وقد صُممت كل شقة خاصة لتكون منزلاً متكاملاً يضم منطقة للنوم، وحماماً، وغرفة معيشة، ومطبخاً، ومساحة للدراسة.

فلّين وزجاج... لمسة جمالية

تسمح النوافذ الكبيرة والسقف المائل الهجين (المصنوع من الخشب ومواد أخرى) بدخول الضوء الطبيعي، بينما تضفي ألواح الفلين والزجاج لمسة جمالية وملمساً مميزاً يكمل مظهر الجدران المطبوعة ثلاثية الأبعاد. وقد شُيدت كل شقة حول ساحات مشتركة تتصل ببعضها عبر ممرات للمشاة ومساحات خضراء منسقة.

مشروعات أوروبية

يُذكر أن أكبر مشروع سكني سابق نُفذ بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في أوروبا كان مشروع «فيليا سبرينت» (ViliaSprint) في مدينة ريمس بفرنسا؛ وهو مجمع مكون من ثلاثة طوابق ويضم 12 وحدة سكنية، وقد اكتمل بناؤه في ربيع ذلك العام. كما كانت ألمانيا قد شيدت أول مشروع للإسكان العام بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في مدينة «لونين» عام 2023.

تولت شركتا «ساغا سبيس أركيتكتس» (Saga Space Architects) و«إم إس بلس» (MS+) تصميم مجمع «سكوفسبوريت» بالتعاون مع شركة «3DCP Group» للمقاولات. ولم يكن الهدف من المشروع مجرد الاستعراض التقني أو التجربة، بل كان الغرض منه توفير مساكن اجتماعية دائمة تخضع لنفس الأطر التنظيمية المطبقة على مشروعات الإسكان الاجتماعي التقليدية في الدنمارك، وذلك وفقاً لما ذكره سيباستيان أريستوتليس، كبير المهندسين المعماريين في شركة «ساغا»، وميكيل بريتش، الرئيس التنفيذي لشركة «3DCP».

استقلالية فردية وروح اجتماعية

لقد تمثلت الغاية من تصميم شقق خاصة تتخللها مساحات مشتركة في تعزيز كل من الاستقلالية الفردية وروح المجتمع. ويقول أريستوتليس وبريتش في رسالة عبر البريد الإلكتروني لمجلة «فاست كومباني»: «نأمل أن يشعر الطلاب بأنهم يعيشون في واحدة من أروع القرى الطلابية المستقبلية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شعور الألفة والدفء المنزلي. كما أردنا لمشروع (سكوفسبوريت) أن يعزز روح المجتمع القوية؛ ولهذا السبب صُممت الوحدات السكنية لتتوزع حول مساحات خارجية مشتركة وتقع على مقربة من مؤسسات تعليمية متنوعة».

مواد بناء بيئية

ويضيف أريستوتليس وبريتش: «تتجلى الإمكانات الحقيقية للطباعة ثلاثية الأبعاد عندما تتجاوز هذه التقنية مرحلة النماذج الأولية والمشروعات الفريدة من نوعها (المعالم العمرانية)، لتبدأ في منافسة أساليب البناء التقليدية في مجال الإسكان اليومي». وقد أُضيفت مادة تُعرف باسم «D.fab» إلى الخرسانة، مما سمح بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 84 في المائة مقارنة بالخرسانة التقليدية. كما شُيّد المجمع السكني وسط الأشجار القائمة بالفعل، مما أتاح الحفاظ على 90 في المائة منها أثناء عملية البناء.

ومن شأن نجاح مشروع «سكوفسبوريت» أن يلهم إنشاء مجمعات مماثلة تعتمد على الطباعة ثلاثية الأبعاد في مواقع أخرى، وأن يثبت جاهزية المساكن المطبوعة للانتقال إلى مرحلة التطوير والبناء على نطاق واسع.

* مجلة «فاست كومباني».