لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
TT

لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)

حدوث الزلازل هو جزء من السلوك الطبيعي للأرض. فهي تحدث مع حركة الصفائح التكتونية التي تشكل الطبقة الخارجية للكوكب. يمكنك أن تتخيل الصفائح على أنها غلاف خارجي صلب إلى حد ما، يجب أن يتحرك ليسمح للأرض بإطلاق حرارتها الداخلية.

تحمل هذه الصفائح القارات والمحيطات، وهي في حالة تصادم بطيء الحركة باستمرار بعضها مع بعض.

إذا لاحظنا نمط حدوث الزلازل حول العالم، فمن الواضح أن معظم النشاط يتركز في عدد من الأحزمة الزلزالية المتميزة. تحوي الأرض تحت أقدامنا عديداً من الصدوع الناتجة عن ماضي كوكب الأرض الجيولوجي المضطرب.

بعض هذه الصدوع يمكن ملاحظتها على السطح ورسم خرائطها من الجيولوجيين؛ بينما البعض الآخر يقع على بُعد كيلومترات عديدة تحت السطح. هذه الصدوع هي أماكن يمكن أن تحدث فيها الزلازل، وفقاً لموقع المسح الجيولوجي البريطاني.

تطويق مبنى مائل في أعقاب الزلزال الذي ضرب مدينة هوالين شرق تايوان، أبريل 2024 (أ.ب)

وقال جيمي تورو، جيولوجي من جامعة ويست فيرجينيا في مقال لموقع «بي بي إس» الأميركي، إن السلوك الدوري للصدوع يسمح لعلماء الزلازل بتقدير المخاطر الزلزالية إحصائياً. على حدود الصفائح ذات الحركات السريعة، مثل تلك الموجودة على طول حافة المحيط الهادئ، تتراكم الطاقة المرنة بسرعة ولديها القدرة على توليد زلازل كبيرة متكررة.

ويضيف أن الصدوع على حدود الصفائح بطيئة الحركة فتستغرق وقتا أطول للوصول إلى حالة حرجة. فعلى طول بعض الصدوع، قد تمر مئات بل آلاف السنين بين الزلازل الكبيرة. وهذا يتيح وقتاً للمدن للنمو وللناس لفقدان ذاكرة الأجداد عن الزلازل الماضية.

الحزام الهائل من الجبال الذي يمتد من جبال أطلس في شمال أفريقيا إلى جبال البيرينيه والألب ومعظم الجبال عبر جنوب أوروبا والشرق الأوسط هو نتاج تصادم الصفائح. ومع ذلك، وبسبب أن حركات هذه الصفائح بطيئة بالقرب من المغرب، فإن الزلازل الكبيرة ليست متكررة جداً مقارنةً بأفغانستان مثلاً التي تقع فوق عديد من الصدوع الناتجة عن تصادم صفائح الهند مع أوراسيا. فالصفيحة الهندية، العتيقة والصلبة، كانت تصطدم بالحافة الجنوبية لأوراسيا على مدى الأربعين مليون سنة الماضية.

السكان يمرون بجوار مبنى منهار بعد زلزال ضرب مدينة جنرال سانتوس في الفلبين (أ.ب)

حزام الزلازل

تُعرِّف الموسوعة البريطانية حزام الزلازل بأنه منطقة جغرافية ضيقة على سطح الأرض يتركز على طولها معظم النشاط الزلزالي. وتتكون الطبقة الخارجية للأرض (الغلاف الصخري) من عدة صفائح تكتونية كبيرة. الحواف التي تتحرك عندها هذه الصفائح بعضها باتجاه بعض هي موقع الزلازل.

ويعد الحزامان الزلزاليان الرئيسيان هما الحزام المحيط بالهادئ (Circum-Pacific Belt)، الذي يحيط بالمحيط الهادئ، والحزام الألبي (Alpide Belt)، الذي يمتد من جزر الأزور عبر البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط إلى جبال الهيمالايا وإندونيسيا، حيث يلتقي مع الحزام المحيط بالهادئ.

أكثر الدول تعرضا للزلازل

إليك أكثر 10 دولا معرضة للزلازل بسبب وجودها على أحزمة زلازل، وفقاً لموقع «هاو ستف وركس»:

طفل ينام خارج منازل متضررة من الزلزال في كاتيا لا مار بفنزويلا (أ.ب)

1- اليابان: الدولة الأكثر تعرضاً للزلازل

تُعد اليابان شديدة التعرض للزلازل، إذ تمتلك شبكة كثيفة من أجهزة الرصد تكتشف حتى عن الهزات الصغيرة. تقع اليابان فوق أربع صفائح تكتونية، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق اضطرابا في العالم.

يحدث ما بين 10 و20 في المائة من جميع الزلازل التي تبلغ قوتها 6 درجات أو أكثر في اليابان أو بالقرب منها.

2- إندونيسيا: نشاط زلزالي مستمر

تقع إندونيسيا على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة، بما في ذلك زلازل كبرى بقوة تزيد على 6 درجات كل عام تقريباً.

في السنوات الأخيرة، سجلت آلاف الهزات سنوياً، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق نشاطاً في العالم.

3- الصين: تاريخ طويل من الزلازل المدمرة

تمتلك الصين تاريخاً طويلاً من الزلازل الكارثية، بما في ذلك بعض أكثر الكوارث الطبيعية دموية في التاريخ الحديث.

أحداث مثل زلزال تانغشان عام 1976 وزلزال مقاطعة سيتشوان عام 2008، تسببت في دمار هائل وخسائر بشرية فادحة.

4- الفلبين: زلازل وبراكين متكررة

تقع الفلبين على طول حدود صفائح رئيسية في حزام النار بالمحيط الهادئ، مما يجعلها شديدة التعرض للزلازل. وتشهد بانتظام نشاطاً زلزالياً إلى جانب نشاط بركاني، مما يزيد من المخاطر الإجمالية.

صورة من الجو تظهر مبان مدمرة بالكامل في لاغوايرا بفنزويلا عقب زالزلين مدمرين (أ.ف.ب)

5- المكسيك: نشاط على طول ساحل المحيط الهادئ

موقع المكسيك على طول الساحل الغربي يضعها مباشرةً في منطقة زلزالية كبرى. وتسجل باستمرار عدداً كبيراً من الزلازل كل عام.

6- إيران: خطوط صدع متعددة

تقع إيران على عدة خطوط صدع نشطة حيث تلتقي الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى زلازل متكررة. تجعلها جغرافيتها واحدة من أكثر الدول عرضة للزلازل في الشرق الأوسط.

7- تركيا: مناطق صدع رئيسية

تقع تركيا بالقرب من خطوط صدع رئيسية بين الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى نشاط زلزالي منتظم وزلازل مدمرة عرضية. تسببت هذه الزلازل في أضرار واسعة النطاق للمدن والبنية التحتية.

8- الولايات المتحدة: مناطق زلزالية متنوعة

تشهد الولايات المتحدة زلازل في عدة مناطق، خصوصاً على طول صدع سان أندرياس في كاليفورنيا وفي ألاسكا. تُنتج هذه المناطق زلازل صغيرة وأخرى كبيرة يمكن أن تؤثر على أعداد كبيرة من السكان.

9- بيرو: نشاط على طول حزام النار

تقع بيرو على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة بسبب مناطق الانغراز، معظمها هزات صغيرة، لكن المنطقة قادرة على إنتاج زلازل كبرى.

10- إيطاليا: نشاط زلزالي في أوروبا

تُعد إيطاليا واحدة من أكثر الدول الأوروبية عرضة للزلازل بسبب موقعها على عدة خطوط صدع. تشهد زلازل دورية تؤثر على المدن التاريخية والبنية التحتية الحديثة.

أشخاص يبحثون عن ناجين تحت أنقاض مبنى منهار بعد زلزال ضرب سينديرجي في مقاطعة باليكسير غربي تركيا، أغسطس 2025 (رويترز)

وقال موقع المسح الجيولوجي الأميركي إنه وفقاً للسجلات طويلة المدى (منذ نحو عام 1900)، يتوقع حدوث نحو 16 زلزالاً كبيراً في أي سنة معينة. يشمل ذلك 15 زلزالاً في نطاق قوة 7 درجات، وزلزالاً واحداً بقوة 8 درجات أو أكثر. وأضاف: «في السنوات الأربعين إلى الخمسين الماضية، تُظهر سجلاتنا أننا تجاوزنا المتوسط طويل الأجل لعدد الزلازل الكبيرة نحو اثنتي عشرة مرة».

كان العام الذي شهد أكبر عدد إجمالي هو عام 2010، إذ بلغ عدد الزلازل الكبيرة 23 زلزالاً (بقوة تساوي أو تزيد على 7 درجات). وفي سنوات أخرى، كان الإجمالي أقل بكثير من المتوسط السنوي طويل الأجل البالغ 16 زلزالاً كبيراً. ففي عام 1989، لم يحدث سوى 6 زلازل كبيرة، وفي عام 1988 لم يحدث سوى 7 زلازل فقط.


مقالات ذات صلة

زلزال بقوة 6.2 درجة يضرب جزيرة جاوة في إندونيسيا

آسيا صورة لرصد زلزال (رويترز)

زلزال بقوة 6.2 درجة يضرب جزيرة جاوة في إندونيسيا

ضرب زلزال بقوة 6.2 درجة جزيرة جاوة في إندونيسيا في الساعة 2123 من مساء الجمعة بتوقيت غرينتش، حسبما ذكر مركز الأبحاث الألماني للعلوم الجيولوجية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
آسيا أضرار بعد زلزال سابق في إندونيسيا (أرشيفية - رويترز) p-circle

زلزال بقوة 6.2 درجة يقع قبالة ساحل جزيرة إندونيسية

قالت وكالة الأرصاد الجوية الإندونيسية إن زلزالاً بقوة 6.2 درجة وقع في بحر باندا بالقرب من جزيرة الملوك، الجمعة، ولم يتسبب في احتمال حدوث موجات تسونامي.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
المشرق العربي صورة لرصد زلزال (رويترز)

معهد: زلزال بقوة 6.2 درجة شرق خليج عدن

قال المركز الأورومتوسطي لرصد الزلازل، إن هزة أرضية بقوة 6.2 درجة وقعت مساء الخميس في خليج عدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق لوحة جدارية ملونة من أكروتيري تُظهر أسطولاً بحرياً يقترب من مدينة ساحلية محصنة وهي الوثيقة البصرية التي يستند إليها الكثير من الباحثين لمحاولة تصور شكل أطلنطس المفقودة قبل دمارها (ويكيبيديا)

شيفرة أطلنطس المفقودة: هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟

هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟ اكتشف حقائق عام 1613 قبل الميلاد والعلاقة الجيولوجية المذهلة بأسطورة قارة أطلنطس المفقودة التي كتب عنها أفلاطون.

كوثر وكيل (لندن)
آسيا صورة لرصد زلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجة قبالة سواحل اليابان

ضرب زلزال بلغت قوته 5.6 درجة على مقياس ريختر منطقة قبالة الساحل الشرقي لليابان، على بعد نحو 212 كيلومترا شرق مدينة أوناجاوا.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على القمر

عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)
عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب (أ.ف.ب)

اكتشف باحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر، في حدث نادر يقول العلماء إنه قد لا يتكرّر سوى مرة كل قرن أو أكثر.

وأوضحت ناسا أن عرض الفوهة التي أُطلق عليها اسم «ماكغيتشين» (McGetchin)، يبلغ نحو 222 مترا، ويُعتقد أنها تشكّلت في ربيع 2024 نتيجة اصطدام القمر بمذنب أو كويكب، فيما قدّر الباحثون أن الجسم الذي تسبب بها كان بحجم مبنى يتألف من ثلاث إلى سِت طبقات. وقالت ناسا «يقدّر العلماء أن اصطداما بهذا الحجم يحدث على القمر مرة كل قرن» أو أكثر.

ورغم أن الفوهة موجودة منذ سنوات، فإنها لم تُكتشف إلا عندما لاحظها الباحث روبرت فاغنر خلال تحليل صور جديدة التقطها مسبار «مستكشف القمر المداري» (LRO)، الذي يدرس القمر منذ العام 2009. وظهرت الفوهة في الصور على شكل «بقعة ساطعة كبيرة تحيط بها هالة داكنة».

وأشارت دراسة نُشرت الأربعاء في مجلة «ساينس أدفانسيز» إلى أن هذه الفوهة تمثّل أكبر فوهة حديثة التكوين جرى اكتشافها في النظام الشمسي حتى الآن. ويقول العلماء إن دراسة تشكُّل الفوهات الحديثة تساعد على فهم جيولوجيا القمر بصورة أفضل، ما قد يساهم في التحضير للبعثات المأهولة المستقبلية التي تخطّط لها كل من الولايات المتحدة والصين.


«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي
TT

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

«انتفاضة الباحثين» السبب الحقيقي وراء دعوات إبطاء بحوث الذكاء الاصطناعي

لسنوات متتالية، حذَّرت منظمات سلامة الذكاء الاصطناعي من أن المختبرات الكبرى تتسابق لتطوير أنظمة أكثر ذكاءً واستقلالية، دون استراتيجية واضحة وواقعية لإدارة المخاطر. وأكد باحثون مستقلون أن الاستثمارات في السلامة والتوافق تتخلف كثيراً عن الاستثمارات في القدرات. وقد استقال موظفون، وتوقع بعض الخبراء وقوع كارثة، ولم يُسهم أي من ذلك في إبطاء هذا السباق.

تحذيرات قوية من الباحثين

لكن خلال الأسابيع القليلة الماضية، بدأت التحذيرات تتخذ منحى مختلفاً؛ إذ باتت تصدر بشكل متزايد من العاملين داخل المختبرات. في الأسبوع الماضي، أعلن باحث الذكاء الاصطناعي جاكوب كوكسون استقالته من شركة «أنثروبيك» في منشور حصد أكثر من 171 مليون مشاهدة على منصة «إكس». وبعد ذلك بوقت قصير، أيَّد إيفان هوبينغر، رئيس قسم علوم التوافق في «أنثروبيك» كوكسون علناً، وكذلك فعل إيثان بيريز، باحث التوافق في «أنثروبيك»، وسامويل ماركس، باحث الإشراف القابل للتوسع. كما أيَّدته جولي ستيل وجاسمين وانغ، باحثتا السلامة في شركة «أوبن إيه آي».

«الذكاء الخارق»... مقامرة بحياة البشر

لماذا الآن؟ يُشير كوكسون في تغريدته إلى جزءٍ واضح من الإجابة: «إنهم يتسابقون نحو الذكاء الخارق المُتطور ذاتياً، ويُقامرون بحياتنا». ويُشير كوكسون هنا إلى مفهوم تقني يُسمى «التحسين الذاتي المُتكرر» (recursive self-improvement)، أو استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية لبناء نماذج جديدة وتحسينها.

الذكاء الاصطناعي بدأ يتحكم

ويُمكن للباحثين الآن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في مراحل كثيرة من عملية تطوير النماذج. يُمكنهم استخدامها لتصميم بنية تحتية حاسوبية جديدة تُوفر قوة حاسوبية وكفاءة وسرعة معالجة أكبر. كما يُمكن استخدامها لإنشاء بيانات تدريب أكثر وأفضل، أو لإدارة وتحسين إطار البرمجيات الذي يُنظم تدريب النموذج. أو يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة وتحسين الشفرة البرمجية التي تُحدد النموذج وتُنفذه.

بعبارة أخرى، لا تكتفي نماذج الذكاء الاصطناعي بالتحسن فحسب؛ بل بدأت تتولى زمام العمل اللازم لتطوير الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.

مضاعفة إنتاجية البحث

على سبيل المثال، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» أخيراً بأن برامجها تُساهم بالفعل في «تسريع وتيرة البحث العلمي» داخل الشركة. وبحلول منتصف أغسطس (آب) كانت مؤسستها البحثية تستخدم 3.1 يوم عمل للوكلاء الأذكياء لكل يوم عمل بشري، وقالت الشركة إنها وصلت إلى ما تسميه «متدربَ بحث آلياً».

وأكدت شركة «أنثروبيك» بالمثل أن نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة تُسهم الآن في تطوير النماذج اللاحقة لها.

نماذج تولِّد نماذج أذكى

يُعدُّ ابتكار نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تولي هذه المهام أحد الأسباب التي دفعت «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، و«غوغل» إلى التركيز على تطوير مساعدي برمجة الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود كود»، و«كوديكس»، و«أنتيغرافيتي». وقد استغلت أقسام الهندسة في مختلف المؤسسات هذه الأدوات لتسريع تطوير برامجها، ما وفَّر مصدر دخل بالغ الأهمية لمختبرات الذكاء الاصطناعي. ولكن داخل هذه المختبرات، يُمكن استخدام الأنظمة نفسها لتسريع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي جديدة.

ومع ازدياد قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء مهامه، تتراكم التحسينات والكفاءات، ما يُؤدي في النهاية إلى نموذج أكثر ذكاءً. ويمكن استخدام هذا النموذج، أو وكلاء الذكاء الاصطناعي التي يُشغّلها، لتطوير البنية التحتية وكتابة الشيفرة المستخدمة في الجيل التالي من النماذج.

التوصل إلى «ذكاء خارق»

وقد تبدأ هذه الحلقة المتكررة بالعمل بوتيرة أسرع فأسرع، مع تولي الذكاء الاصطناعي مزيداً من مراحل عملية التطوير. وبذلك، يُمكن أن يُصبح تطوير النماذج مع التحسين الذاتي المتكرر عملية مستمرة. قد تتحقق المكاسب في مجال الذكاء بشكل أسرع وأوسع، ما يمهد الطريق نحو ذكاء اصطناعي فائق.

انفلات الذكاء الاصطناعي خارج الإشراف البشري

وقد أثارت الحادثة التي وقعت لـشركة «هاغنغ فيس» هذا الصيف مخاوف كبيرة، ومهدت الطريق لإعلان كوكسون الذي انتشر كالنار في الهشيم. فقد خرجت أسراب من وكلاء «أوبن أيه آي» عن السيطرة، وخرجت من بيئة التدريب، ووصلت إلى الإنترنت، واخترقت خوادم الشركة؛ بل واخترقت خوادم «أوبن إيه آي» نفسها. وقد نبهت هذه الحادثة الناس إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تطورت إلى درجة يمكنها معها العمل خارج الإشراف البشري؛ بل وضد مصالح البشر.

بعد 4 أيام من استقالة كوكسون، نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً جديداً بعنوان «يجب علينا ضبط وتيرة التقدم في التقنيات الرائدة» We Must Pace the Frontier)) دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.

ومن جانبها، صرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأنها ستقوم «بإبطاء أو إيقاف» عمليات التطوير أو النشر، في حال كانت مخاطر السلامة غير مقبولة. كما أعرب كبير العلماء في الشركة، جاكوب باتشوك، عن أمله في أن يصبح التباطؤ الطوعي ممارسة شائعة.

وقد دعت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الحكومات إلى التدخل وضبط «وتيرة» تطوير الذكاء الاصطناعي.

انعدام الالتزام

ومع ذلك، لم تلتزم أي من الشركتين بإبطاء تطوير ونشر النماذج الجديدة بشكل مستمر. فبالنسبة لهذه المختبرات، لا تُعد عملية الإبطاء أمراً بسيطاً؛ إذ يبرز تساؤل مفاده: ماذا لو أبطأت المختبرات «أ» وتيرتها بينما واصلت المختبرات «ب» السباق نحو الأمام؟

وفي هذا السياق، يدعو ديفيد ساكس -الذي شغل سابقاً منصب مسؤول ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب- مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة عملها ذاتياً. وفي المقابل، يرى الرئيس دونالد ترمب أنه لا مجال لإبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، نظراً للمنافسة القائمة مع الصين؛ حيث كتب على منصة «تروث سوشيال» يقول: «من يفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، يفوز بكل شيء!».

وفي مقاله، دعا أمودي أيضاً إلى «دمج» جهات تقييم مستقلة -مثل مؤسسات: «METR» و«Apollo Research» و«Redwood Research»- داخل هذه المختبرات. وقد أيد سام ألتمان -الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»- هذه الفكرة، وأكد أن شركته ستشارك فيها. وفي الوقت نفسه، يعكف المشرعون -ومعظمهم من الديمقراطيين- على اقتراح تشريعات من شأنها تعزيز دور الحكومة في الإشراف على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.

كفاءة تقنية أعلى... وإشراف أدنى

إن فهم توقيت هذه التحركات ليس بالأمر الصعب؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تزداد كفاءة في العمل بأقل قدر من الإشراف البشري، وفي الوقت ذاته، باتت تتولى جزءاً متزايداً من المهام المتعلقة بتطوير الجيل القادم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا تكمن المخاوف ببساطة في استمرار ازدياد ذكاء نماذج الذكاء الاصطناعي؛ بل في أن عملية جعلها أكثر ذكاءً قد تتسارع لدرجة تفقد معها البشرية قدرتها -أكثر فأكثر- على مراقبة ما يحدث، أو إبطاء وتيرته، أو فرض معايير السلامة والمواءمة.

* مجلة «فاست كومباني».


كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية
TT

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

كراسي متحركة للأطفال الصغار... بالطباعة التجسيمية

لعقود طويلة كان استخدام أجهزة التنقل للأطفال محدوداً بسبب ارتفاع التكاليف، وعوائق التأمين، والحاجة إلى تصنيع متخصص. أما الآن، فمؤسسة «مَيْكْ غود» MakeGood غير الربحية في نيو أورليانز -الحائزة على جائزة الابتكار في التصميم لعام 2026 في مجال التصميم المُيسّر- تستخدم الطباعة ثلاثية الأبعاد (التجسيمية) لتوسيع نطاق الوصول إلى هذه الأجهزة للأطفال الذين يعانون من حالات تجعل الحركة المستقلة صعبة، كما كتبت مارغريت أندرسن(*).

كرسي متحرك بلاستيكي ملون

بدلاً من إنتاج كرسي متحرك يدوي تقليدي، ابتكرت المؤسسة كرسياً متحركاً بلاستيكياً ملوناً سمته «الجهاز التدريبي wheelchair-like mobility trainer» يُشبه الكرسي المتحرك، ومُصمماً للأطفال من عمر سنة إلى ثماني سنوات، الذين يعانون من حالات مثل الشلل الدماغي أو تشقق العمود الفقري (السِّنْسِنَة المشقوقة)، أو الذين قضوا فترات طويلة في العناية المركزة لحديثي الولادة.

تصنيع منزلي

ويمكن تصنيع الكرسي «التدريبي» محلياً ببضع مئات من الدولارات باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد منزلية. وهو مُجمّع من عشرات المكونات الصغيرة باستخدام تقنيات النجارة المستوحاة من النجارة اليابانية، والهياكل الهندسية المتشابكة لإنشاء إطار متين من مطبوعات بحجم سطح المكتب.

وتدير المؤسسة منصة إلكترونية تُسمى 3D-mobility.org تربط أكثر من 1000 متطوع من صانعي الأجهزة حول العالم بالعائلات التي تطلبها. وتقوم المدارس، ومساحات العمل الإبداعية، والمستشفيات، وحتى الأجداد الذين اشتروا طابعات ثلاثية الأبعاد حديثاً، بتجميع هذه الأجهزة التدريبية بالقرب من أماكن سكن الأطفال.

تلبية الاحتياجات الفردية

يقول نعوم بلات، مؤسس «مَيْكْ غود»: «التصميم الجيد المقترن بالطباعة ثلاثية الأبعاد يمنحنا القدرة على تلبية احتياجاتنا دون الحاجة إلى القلق بشأن شركات التأمين. إذا احتجنا إلى جهاز مساعد على الحركة، يُمكننا ببساطة صنعه بأنفسنا».

وتُوسّع المنظمة حالياً مراكز الإنتاج المحلية عالمياً، لا سيما في مناطق أميركا اللاتينية، حيث يرتفع الطلب، بينما يبقى الوصول إلى الطابعات ثلاثية الأبعاد والمواد محدوداً.

* مجلة «فاست كومباني»