الذكاء الاصطناعي: حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

تقنيات جديدة تستخدم قصاصات الأظافر للكشف المبكر عن هشاشة العظام

حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
TT

الذكاء الاصطناعي: حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك
حين تخبرك أظافرك بما تخفيه عظامك

ماذا لو استطاع الطبيب يوماً ما أن يقيّم صحة عظامك من خلال قصاصة صغيرة من ظفرك؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى مشهد من روايات الخيال العلمي، لكن هذا بالضبط ما يعمل عليه عدد متزايد من العلماء والباحثين حول العالم. فبدلاً من انتظار ظهور الألم أو حدوث الكسر الأول، يسعى هؤلاء إلى اكتشاف إشارات مبكرة جداً قد تكشف عن هشاشة العظام قبل سنوات من ظهور أعراضها السريرية.

من قصاصة ظفر إلى خوارزمية ذكية

البحث عن دلائل مبكرة

وعلى مدى عقود طويلة، اعتمد الأطباء على صور الأشعة وقياسات كثافة العظام لتشخيص هذا المرض الصامت. غير أن المشكلة تكمن في أن كثيراً من المرضى لا يكتشفون إصابتهم إلا بعد وقوع أول كسر، عندما تكون العظام قد فقدت بالفعل جزءاً مهماً من قوتها ومتانتها. ولذلك؛ بدأ الباحثون رحلة بحث مختلفة: هل يمكن أن تحمل أجزاء أخرى من الجسم دلائل مبكرة على صحة العظام؟ وهل يمكن أن تختبئ هذه الدلائل في مكان غير متوقع مثل الأظافر؟

هذه الأسئلة قادت إلى ظهور جيل جديد من الأبحاث التي تحاول تحويل قصاصة ظفر بسيطة إلى نافذة تطل على صحة الهيكل العظمي بأكمله، في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً في مستقبل الطب الوقائي والتشخيص المبكر.

العلاقة الخفية بين الظفر والعظم

للوهلة الأولى لا تبدو هناك أي علاقة بين ظفر الإصبع وعظام الهيكل العظمي. فالأول جزء صغير من الجلد ووظيفته حماية أطراف الأصابع، في حين تشكل العظام الإطار الذي يحمل الجسم بأكمله. لكن العلم كثيراً ما يكشف عن روابط غير متوقعة بين أعضاء تبدو متباعدة ظاهرياً.

ويشير الباحثون إلى أن الأظافر والعظام يتأثران بالكثير من العمليات البيولوجية نفسها المرتبطة بالتقدم في العمر والهرمونات والتغذية والتمثيل الحيوي للبروتينات. فمع مرور السنوات لا تتغير كثافة العظام وحدها، بل تحدث أيضاً تغيرات دقيقة في البنية الجزيئية لبعض البروتينات المنتشرة في أنسجة الجسم المختلفة.

تغيرات مجهرية في تركيب الكيراتين بالأظافر والشعر

ومن بين هذه البروتينات يبرز الكيراتين، وهو المادة البروتينية الطبيعية التي تُكوّن معظم الأظافر والشعر وتمنحهما صلابتهما المعروفة. ويعتقد العلماء أن التغيرات المجهرية التي تطرأ على تركيب الكيراتين قد تعكس بصورة غير مباشرة تغيرات مماثلة تحدث في جودة العظام وقوتها الميكانيكية. وبعبارة أخرى، قد تحمل الأظافر بصمات بيولوجية مبكرة لما يجري داخل الهيكل العظمي قبل سنوات من ظهور الهشاشة بشكل واضح في الفحوص التقليدية.

وقد دفعت هذه الملاحظة الباحثين إلى التساؤل: إذا كانت العظام تترك آثاراً جزيئية على الأظافر، فهل يمكن استخدام قصاصة صغيرة من الظفر للكشف عن الأشخاص الأكثر عرضة للكسور مستقبلاً؟ ومن هنا، ظهرت فكرة تحويل الأظافر من مجرد جزء تجميلي في الجسم إلى مؤشر حيوي جديد قد يساعد الأطباء في تقييم خطر هشاشة العظام والتدخل الوقائي قبل وقوع الكسر الأول.

فحص من المنزل قبل أن يحدث الكسر

فحص منزلي

من أبرز التطبيقات الحديثة التي تجسّد هذا التوجه تقنية بريطانية تُعرف باسم «أوسنتيا» (Osentia)، تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها متقدمة علمياً في جوهرها: استخدام قصاصة صغيرة من الظفر للبحث عن مؤشرات قد ترتبط بصحة العظام.

ويعتمد الاختبار على تقنية ليزرية متطورة تُعرف باسم التحليل الطيفي رامان (Raman Spectroscopy)، وهي تقنية تسمح للعلماء بدراسة التركيب الجزيئي للمواد من خلال تحليل الطريقة التي يتفاعل بها الضوء مع البروتينات الموجودة فيها. ومن خلال هذه العملية يمكن الكشف عن تغيرات دقيقة في بنية الكيراتين، وهو البروتين الطبيعي الذي يمنح الأظافر صلابتها.

ويقوم الشخص بقص جزء صغير من ظفره وإرساله إلى المختبر، حيث تُحلل العينة وتُدمج نتائجها مع عوامل الخطر المعروفة، مثل العمر، والجنس، والتاريخ المرضي وبعض المؤشرات السريرية الأخرى. وبعد ذلك يُصدر النظام تقريراً يقدّر مستوى خطر الإصابة بالكسور المرتبطة بهشاشة العظام في المستقبل.

وما يثير اهتمام الباحثين أن بعض الدراسات أشارت إلى أن التغيرات الجزيئية المكتشفة في الأظافر قد ترتبط بقابلية العظام للكسر قبل سنوات من حدوث الكسر الأول فعلياً. وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج على نطاق أوسع، فقد تصبح قصاصة الظفر أداة إضافية تساعد الأطباء على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر مبكراً؛ ما يتيح فرصة للتدخل الوقائي قبل أن يتحول المرض الصامت مشكلةً سريرية حقيقية.

وربما تكمن أهمية هذه التقنيات في أنها تنقل فحص صحة العظام من غرفة الأشعة إلى المنزل، ومن مرحلة تشخيص المرض بعد حدوثه إلى مرحلة البحث عن إشاراته الأولى قبل ظهوره.

دراسة أميركية حديثة

ولعل ما يضفي مزيداً من الزخم على هذا المجال، أن الاهتمام العلمي لم يعد يقتصر على قصاصات الأظافر وحدها، بل امتد إلى تطوير جيل جديد من التقنيات غير الجراحية التي تسعى إلى قراءة الإشارات الكيميائية المرتبطة بصحة العظام دون الحاجة إلى الأشعة التقليدية.

وفي مارس (آذار) 2026، نشر الباحث محمد حسيني (Mohammad Hosseini) وزملاؤه بقيادة البروفسور أندرو بيرغر (Andrew J. Berger) من معهد البصريات (The Institute of Optics) وقسم الهندسة الطبية الحيوية في جامعة روتشستر (University of Rochester) الأميركية، دراسة استخدمت تقنية متقدمة من التحليل الطيفي رامان مدعومة بخوارزميات التعلم الآلي للكشف عن التغيرات الكيميائية المرتبطة بهشاشة العظام من خلال قياسات غير جراحية أُخذت من أصابع اليد.

وأظهرت النتائج قدرة النظام على التمييز بين العظام الطبيعية والعظام المصابة بالهشاشة، مع وجود ارتباط واضح بنتائج فحوص كثافة العظام التقليدية. ويرى الباحثون أن هذه المقاربة قد تمهد الطريق نحو اختبارات سريعة وآمنة يمكن استخدامها خارج غرف الأشعة وفي مراحل مبكرة من المرض.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة؛ لأنها تعتمد على الفكرة العلمية نفسها التي تقوم عليها اختبارات الأظافر الحديثة: البحث عن بصمات جزيئية دقيقة تعكس حالة العظام من خلال أنسجة يسهل الوصول إليها. فبدلاً من انتظار ظهور التغيرات الكبيرة في الأشعة، يحاول العلماء التقاط الإشارات البيولوجية الأولى التي قد تسبق المرض بسنوات.

ويعتقد بعض الباحثين أن المستقبل قد يشهد دمج هذه التقنيات مع الذكاء الاصطناعي لإنشاء أنظمة قادرة على تقدير خطر هشاشة العظام والكسور بصورة شخصية لكل مريض، اعتماداً على مؤشرات حيوية بسيطة يمكن جمعها بسهولة من المنزل أو العيادة، وهو ما قد يغير الطريقة التي نتعامل بها مع هذا المرض الصامت خلال العقود المقبلة.

وباء صامت يهدّد العظام

وباء صامت

تكتسب هذه الأبحاث أهمية خاصة؛ لأن هشاشة العظام لا تُعدّ مجرد مشكلة مرتبطة بالتقدم في العمر، بل واحدة من أكثر الحالات المرضية المزمنة انتشاراً وتأثيراً في جودة الحياة لدى كبار السن. وغالباً ما يصفها الأطباء بأنها «المرض الصامت»؛ لأنها تتطور ببطء على مدى سنوات طويلة من دون أعراض واضحة أو إشارات تنذر بالخطر.

وفي كثير من الحالات لا يكتشف المريض إصابته إلا بعد حدوث أول كسر، والذي قد ينجم أحياناً عن سقوط بسيط أو حتى عن حركة يومية عادية. وعندها يصبح الكسر نفسه أول رسالة يبعثها المرض بعد سنوات من الصمت.

200 مليون شخص مصابون بهشاشة العظام عالمياً

وتشير تقديرات المؤسسة الدولية لهشاشة العظام إلى أن امرأة من كل اثنتين، ورجلاً من كل خمسة رجال فوق سن الخمسين معرضون للإصابة بكسور مرتبطة بهشاشة العظام خلال حياتهم. كما تُقدَّر أعداد المصابين بهشاشة العظام عالمياً بنحو 200 مليون شخص، مع حدوث كسر مرتبط بالمرض كل بضع ثوانٍ حول العالم.

رُبع النساء وخُمس الرجال في السعودية مصابون بها

أما في المملكة العربية السعودية، فتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن هشاشة العظام تمثل تحدياً صحياً متنامياً؛ إذ تُقدَّر نسبة الإصابة بنحو 26 في المائة بين النساء السعوديات بعد سن اليأس، في حين تراوحت التقديرات بين 9 في المائة و21 في المائة بين الرجال السعوديين حسب الفئات العمرية والدراسات المختلفة. كما تشير تقارير أخرى إلى أن انتشار المرض بين السعوديين قد يصل إلى نحو ثُلث النساء وخُمس إلى ثُلث الرجال بعد سن الخمسين. ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في منطقة الخليج العربي مع الارتفاع المستمر في متوسط العمر المتوقع وتزايد أعداد السكان فوق سن الخمسين.

ولا تقتصر المشكلة على العظام وحدها؛ فكسور الورك والفقرات قد تؤدي إلى فقدان الاستقلالية وصعوبة الحركة وتراجع جودة الحياة، كما ترتبط بزيادة الحاجة إلى الرعاية طويلة الأمد والدخول المتكرر إلى المستشفيات. ومع الارتفاع المستمر في متوسط الأعمار في المملكة ودول الخليج، يتوقع الخبراء ازدياد العبء الصحي والاقتصادي المرتبط بالكسور الهشّة خلال العقود المقبلة.

ومن هنا، تنبع أهمية التقنيات الجديدة التي تحاول اكتشاف مؤشرات الخطر قبل وقوع الكسر الأول. فكلما تمكن الأطباء من التعرف إلى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة في وقت مبكر، ازدادت فرص التدخل الوقائي والحفاظ على قوة العظام لسنوات أطول.

من علاج المرض إلى التنبؤ به

ما يميز هذه التقنيات ليس فقط اعتمادها على الأظافر أو الليزر أو الذكاء الاصطناعي، بل الفلسفة الطبية الجديدة التي تقف خلفها. فخلال معظم تاريخ الطب كان الأطباء ينتظرون ظهور الأعراض أولاً، ثم يبدأون رحلة التشخيص والعلاج. أما اليوم، فإن التوجه العالمي يسير نحو اكتشاف المرض قبل أن يشعر به المريض نفسه.

وفي حالة هشاشة العظام تحديداً، لا تكمن المشكلة في علاج الكسر فحسب، بل في منع حدوثه من الأساس. ولذلك؛ يسعى الباحثون إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في وقت مبكر، عندما تكون التغييرات في نمط الحياة والتغذية والعلاج الوقائي أكثر فاعلية وأقل تكلفة وأكثر قدرة على حماية جودة الحياة في السنوات اللاحقة.

وتعكس تقنيات تحليل الأظافر نموذجاً أوسع لما يُعرف بالطب الاستباقي أو الطب التنبؤي، حيث لا يقتصر دور الطبيب على تشخيص المرض بعد ظهوره، بل يمتد إلى توقعه ومنع حدوثه قبل أن يتحول مشكلةً صحيةً حقيقية. وفي هذا النموذج الجديد تصبح البيانات والمؤشرات الحيوية والذكاء الاصطناعي أدوات تساعد على رسم خريطة للمخاطر الصحية المستقبلية لكل فرد بصورة أكثر دقة وشخصية.

وربما تحمل الأظافر رسالة أعمق من مجرد كونها جزءاً جمالياً من أجسامنا؛ فهي تذكّرنا بأن الجسم يتحدث إلينا باستمرار، لكننا لا نحسن دائماً الإصغاء إلى إشاراته المبكرة. وما نراه اليوم في مجال هشاشة العظام قد يكون مجرد بداية لعصر جديد يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي قراءة تلك الإشارات الخفية قبل أن تتحول مرضاً أو إعاقة أو معاناة إنسانية.

وعندها قد يصبح السؤال الذي يطرحه الطبيب على مريضه مختلفاً تماماً. فبدلاً من أن يسأله: «أين تشعر بالألم؟»، قد يسأله أولاً: «هل أحضرت قصاصة من ظفرك؟».


مقالات ذات صلة

بعد البريد الإلكتروني... هجمات سيبرانية تطول دعوات الاجتماعات ومنصات العمل

خاص يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين على إنشاء رسائل أكثر إقناعاً وتخصيص حملات واسعة بناءً على بيانات الضحايا (رويترز)

بعد البريد الإلكتروني... هجمات سيبرانية تطول دعوات الاجتماعات ومنصات العمل

يكشف تقرير انتقال التصيد المدعوم بالذكاء الاصطناعي من البريد إلى التقويمات ومنصات العمل مستغلاً الثقة والتشتت واختفاء العلامات التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد هواتف آيفون معروضة في متجر «أبل» بمدينة مومباي بالهند 29 يونيو 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يعلن عن محادثات «بناءة» مع «أبل» بعد خلاف حول «سيري»

قالت متحدثة باسم المفوضية الأوروبية، أمس، إن رئيسة قسم التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي، هينا فيركونين، أجرت محادثات «بنَّاءة» مع الرئيس التنفيذي لشركة «أبل».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تكنولوجيا تلفزيون «أوليد إيفو جي 6» المتقدم

الذكاء الاصطناعي يعيد ابتكار الترفيه التلفزيوني المنزلي لكأس العالم 2026

أطلقت شركة «إل جي» LG مجموعة تلفزيونات جديدة تتميز بمعالج ذكاء اصطناعي متقدم وجيل جديد من تقنيات الاتصال اللاسلكي، وتقنيات العرض، وذلك بهدف تقديم تجربة ترفيه…

خلدون غسان سعيد (جدة)
الاقتصاد محطة الحاويات التابعة لشركة «هانجين شيبينغ» في ميناء بوسان الجديد (رويترز)

صادرات كوريا الجنوبية تقفز 70.9 % في يونيو بأقوى نمو منذ 1978

سجّلت صادرات كوريا الجنوبية في يونيو نموّاً هو الأقوى منذ نحو نصف قرن، متجاوزة التوقعات، مدفوعة بطفرة عالمية في الطلب على الرقائق الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شاحنات تُستخدم لنقل حاويات في ميناء «بوسان» بكوريا الجنوبية (رويترز)

صادرات كوريا الجنوبية تنمو بأقوى معدل منذ نصف قرن

سجلت صادرات كوريا الجنوبية الشهر الماضي أقوى معدل نمو لها منذ ما يقرب من نصف قرن، متجاوزة التوقعات، بفضل ارتفاع مبيعات الرقائق الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

علماء ينجحون في «بناء خلية من الصفر» لأول مرة

الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
TT

علماء ينجحون في «بناء خلية من الصفر» لأول مرة

الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)
الخلايا أبعد ما تكون عن البساطة (بيكسباي)

أعلن علماء أنهم قاموا لأول مرة ببناء خلية من الصفر يمكنها أن تتغذى وتنمو وتتكاثر مثل الخلية الطبيعية. ويمكن لهذا التقدم في علم الأحياء التخليقي أن يبشر بعصر من «الكائنات الحية المصنعة حسب الطلب»، و«التي تعمل مثل الآلات الحية»، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقامت كيت أدامالا، عالمة الأحياء الاصطناعية والأستاذة في جامعة مينيسوتا الأميركية، وفريقها ببناء الخلية قطعة قطعة من مكونات كيميائية غير حية.

ويعد هذا الابتكار «نموذجاً أولياً محدوداً وهشاً»، ولكنه قد يساعد العلماء على فهم أصل الحياة بشكل أفضل، ومن الممكن برمجته للمساعدة في التخفيف من بعض أكبر المشكلات البيولوجية في العالم. والخلية غير محددة - ليست نباتية ولا حيوانية - ولكنها تشبه إلى حد كبير البكتيريا البسيطة.

الحدود التالية

قالت أدامالا: «أعرف قائمة المكونات الكاملة للخلية، وأعرف بالضبط ما المواد الكيميائية، وما الجزيئات، وبأي تركيزات». وأضافت: «إنها محددة بالكامل، مما يعني أنه يمكننا هندستها».

ولقد قام العلماء لعقود من الزمن بهندسة الخلايا الطبيعية بيولوجياً لحل المشاكل البشرية. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك كيفية إدخال جينات الإنسولين البشري في الخلايا البكتيرية للإشريكية القولونية لتصنيع الإنسولين وعلاج مرض السكري.

ويرى العلماء أن الخلايا الاصطناعية هي الحدود التالية؛ ومن المحتمل أن تؤدي إلى تطوير علاجات جديدة للسرطان وطرق جديدة لتصنيع المواد الكيميائية.

والخلايا هي اللبنات الأساسية للحياة، لكنها أبعد ما تكون عن البساطة. ويحتوي جسم الإنسان على 37 تريليون خلية، أي أكثر من عدد النجوم في السماء، ولا يزال العلماء لا يعرفون كيف تعمل كل أنواع الخلايا المختلفة أو ما تحتويه بالضبط.

وأطلقت أدامالا على الخلية اسم «SpudCell» لأنها لم ترغب في تسميته باسمها. وفيها أيضاً إسقاط على «Sputnik» القمر الاصطناعي الروسي الذي أطلق عصر الفضاء في الخمسينات، وفق «سي إن إن».

وقالت أدامالا: «نأمل أن نبدأ بالفعل العصر الحقيقي للاقتصاد الحيوي، وتمكين التكنولوجيا التي ستسمح للناس بهندسة علم الأحياء».

وتتكون الخلية من 150 إلى 200 جزيء، وتتغذى وتنمو وتتكاثر لمدة خمسة أجيال تقريباً، وفقاً لأدامالا. وهي أقل تعقيداً بكثير من الخلية البيولوجية التي تحتوي على الملايين، إن لم يكن المليارات، من الجزيئات.

«الاختراق الأكبر»

وقال يوفال إيلاني، الأستاذ المشارك في تقنيات الكيمياء الحيوية في «إمبريال كوليدج لندن»، الذي لم يشارك في العمل، إن الخلية الاصطناعية التي بنتها أدامالا وزملاؤها لم تكن «حياة تم إنشاؤها في المختبر» ولكنها «معلم حقيقي على الطريق نحو هذا السؤال».

وأضاف إيلاني: «بناء خلية من الصفر يعني أنك لم تعد مرتبطاً بالقيود التطورية للبيولوجيا الطبيعية. إن ذلك يفتح إمكانية تصميم أنظمة وبرمجتها للقيام بأشياء قد لا تفعلها الخلايا الحية بسهولة، أو قد لا تفعلها على الإطلاق». واستطرد: «في رأيي، يعد هذا تقدماً حقيقياً في الجهود طويلة الأمد للتساؤل عما إذا كان من الممكن تنظيم الكيمياء بشكل مقنع لدرجة أن نبدأ في تسميتها حياة».

ووصف توم إليس، أستاذ هندسة الجينوم الاصطناعي في «إمبريال كوليدج لندن»، الخلية بأنها «ربما أكبر اختراق في الآونة الأخيرة في مجال الخلايا الاصطناعية». وقال إن «صنع خلية اصطناعية يساعدنا على فهم الحد الأدنى الدقيق من متطلبات الحياة، وكيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت من الكيمياء، إنه أمر رائع أن نحاول فهمه».


«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية
TT

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

«كلود للبحث العلمي» نموذج مطور لتسريع الأبحاث الطبية واكتشاف الأدوية

يُعرف داريو أمودي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» -عند مقارنته مع معظم الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي- بإطلاقه تنبؤات مذهلة ومثيرة للدهشة. ففي مقاله الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعنوان «آلات النعمة المُحِبّة» (Machines of Loving Grace)، طرح واحدة من أشهر تنبؤاته: «ستسمح لنا علوم الأحياء والطب المدعومة بالذكاء الاصطناعي بضغط كل مسار التقدم الذي كان سيحققه علماء الأحياء البشر على مدار 50 إلى 100 عام المقبلة، ليتحقق في غضون من 5 إلى 10 سنوات فقط». وقد أطلق على هذا التأثير اسم «القرن الحادي والعشرين المضغوط».

الذكاء الاصطناعي والتقدم العلمي

أمس وفي 30 يونيو (حزيران)، وخلال حدث نظمته «أنثروبيك» في سان فرانسيسكو تحت عنوان «الإيجاز: الذكاء الاصطناعي من أجل العلم» (The Briefing: AI for Science)، لم يعلن أمودي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على علم الأحياء والعلوم الأخرى قد أطلق له العنان بالفعل أو أنه على وشك تحقيقه، بل شدد على أنه لا يتوقع حدوث ذلك في العامين المقبلين، مشيراً إلى أنه «قد» يحدث بعد عقد من الآن.

خُصِّصت معظم الفترة المتبقية من الفعالية لحلقات نقاشية، بمشاركة كل من أمودي، ومخترعة عقار «جي إل بي-1» (GLP-1) لوتي كنودسن، والرئيس التنفيذي لشركة «بريستول مايرز سكويب» كريس بورنر، والرئيس التنفيذي لشركة «نوفارتس» فاس ناراسيمهان، ونائبة الرئيس التنفيذي لشركة «جينينتيك» أفيف ريغيف.

نموذج «كلود للبحث العلمي»

في عالم الذكاء الاصطناعي، يبدو عام 2036 وكأنه مستقبل بعيد للغاية. لكن الهدف من حدث «أنثروبيك» كان تأكيد أن الشركة تعمل بالفعل نحو تحقيق حالة «الضغط الزمني» التي كتب عنها أمودي. وعلى وجه الخصوص، كشفت الشركة عن «كلود ساينس» (Claude Science)، وهي نسخة جديدة من نموذج «كلود» مخصصة للبحث العلمي، التي يتم إطلاقها اليوم في مرحلة تجريبية (بيتا). وقد قدم ألكسندر تاراشانسكي، الذي قاد عملية تطوير المنتج، عرضاً توضيحياً موسعاً ومباشراً على المسرح وقد يوظّف في اكتشاف الأدوية.

ورغم أن التفاؤل بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على العلوم كان هو السائد بلا شك فإنه لم يكن تفاؤلاً مطلقاً أو غير مقيد؛ فقد اتسمت النقاشات بعمق وموضوعية لافتة، مع الإقرار بأن الذكاء الاصطناعي -رغم تطوره السريع- تظل له حدود فيما يمكنه تقديمه لدفع عجلة التقدم في مجالات مثل اكتشاف الأدوية.

أبرز نتائج المؤتمر

إليك بعض الجوانب التي وجدتها الأكثر قيمة في هذا الحدث، الذي يُعد واحداً من أفضل فعاليات شركات التكنولوجيا التي حضرتها في السنوات الأخيرة:

1. أداة «Claude Science» تبدو واعدة ومميزة. لا أتوقع أن أستخدم «كلود ساينس» شخصياً لابتكار أي أدوية ثورية؛ فبما أنني لست عالماً، قد لا أستخدمها على الإطلاق. لكنني أُعجبت بالعرض التوضيحي الذي قدمه تاراشانسكي، حيث أظهر أن المنتج يمنح المستخدم شعوراً مألوفاً يشبه روبوتات الدردشة، ولكنه يوفر أيضاً مجموعة أكثر ثراءً من الأدوات للبحث عن المعلومات ومعالجتها وفهمها.

وعلى وجه الخصوص، يمكن لـ«كلود ساينس» إنشاء رسوم بيانية توضيحية (infographics) بشكل فوري، ولا يقتصر دورها على كونها مجرد مادة للعروض، بل تساعد في استكشاف البيانات بطرق يتعذر تحقيقها بمجرد النظر إلى أرقام مجردة على الصفحة. وقد أشار إريك كاودرر-أبرامز، رئيس قسم علوم الحياة في شركة «أنثروبيك»، إلى أن «العلم مجال يعتمد بشكل كبير على الجانب البصري».

علاج السرطان

2. التركيز المفرط على «علاج السرطان» أمر غير صائب. يبدو أن كل نقاش حول الكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي تحسين حياة البشر بشكل جذري يتحول سريعاً إلى احتمالية استخدامه لعلاج السرطان. ويُستخدم هذا الأمر بوصفه اختزالاً لفكرة تحقيق اختراقات طبية كان من المستحيل الوصول إليها لولا هذه التقنية، مما قد ينقذ حياة الملايين، ورغم ذلك سأكون سعيداً بالقدر نفسه لو نجح الذكاء الاصطناعي في علاج أمراض القلب أولاً.

لكنني خرجت من فعالية «أنثروبيك» بعزمٍ على عدم حصر تفكيري في هدف طبي كبير وجريء واحد أو اثنين عند النظر إلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والعلم. فإذا كان كل ما نحصل عليه هو مئات أو آلاف من الإنجازات الأصغر حجماً والأسرع تحقيقاً، فلا يوجد أي مبرر للاستنتاج بأن الوعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت مبالغاً فيها.

تقول بورنر: «تنطوي هذه التكنولوجيا على إمكانات وفرص هائلة، لكن علينا أيضاً ألا نرفع سقف التوقعات بشأن ما يمكننا تحقيقه إلى مستويات نعجز فعلياً عن الوفاء بها. فعندما نسمع عبارة (القضاء على السرطان في حياتنا)، ندرك أننا سنحرز تقدماً كبيراً في هذا المجال، لكننا لا نريد استباق الأمور والمبالغة في تقدير قدراتنا».

حدود تمنع تسريع الدراسات العلمية

3. هناك حدود لمدى إمكانية تسريع وتيرة العلم. إلى جانب المساعدة في الاكتشاف العلمي بحد ذاته، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في جوانب أخرى -أكثر روتينية- تتعلق بطرح الأدوية في الأسواق. تقول نودسن: «في بعض الأحيان، يتعين عليك استقطاب 20 ألف شخص لإجراء دراسة تستغرق خمس سنوات، وتستغرق عملية الاستقطاب وحدها عامين». وهي ترى إمكانات واعدة في الذكاء الاصطناعي لتسريع الإجراءات الإدارية المعقدة والموسعة المرتبطة بمثل هذه الاختبارات.

وفي معرض حديثها عن رؤية أمودي المتمثلة في اختزال عقود من التقدم العلمي في سنوات قليلة، حذرت نودسن من أن عناصر معينة -مثل الدراسات التي تستغرق خمس سنوات- لا يمكن تقليص مدتها بشكل جذري، مهما بلغت درجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. وتضيف قائلة: «أعتقد أننا سنشهد بالفعل تقليصاً كبيراً في المدة الزمنية، لكننا ما زلنا بحاجة إلى بيانات التجارب السريرية؛ لذا فمن الصعب تصور إمكانية تقليص المدة إلى أقل من خمس سنوات».

وحتى لو حالت العمليات البطيئة بطبيعتها -مثل التجارب السريرية- دون تحقيق هدف أمودي النظري المتمثل في تسريع العمليات بمقدار عشرة أضعاف، فإن تحقيق تقدم أقل دراماتيكية يظل تقدماً مهماً. ويقول ناراسيمهان: «يمكن تقليص المدة -منذ تحديد الدواء المرشح وحتى نهاية الرحلة- من 12 عاماً إلى ما بين 7 و8 سنوات؛ وهو أمر هائل إذا ما نظرنا إلى تأثيره التراكمي على هذا القطاع بأكمله».

ثنائية اللغة العلمية... والتقنية

4. قد يحتاج العلماء إلى أن يكونوا «ثنائيي اللغة». تواجه العديد من القطاعات حالياً مأزقاً غريباً يتمثل في حماس مفرط لدى المديرين التنفيذيين الذين لا يفهمون الذكاء الاصطناعي بما يكفي لاستخدامه بمسؤولية. وقد أكدت نودسن -التي بدت متحمسة لهذه التكنولوجيا دون أي مبالغة غير عقلانية- على ضرورة أن يزخر المجال العلمي بأشخاص تصفهم بأنهم «ثنائيو اللغة».

وتوضح قائلة: «لا أقصد الأشخاص الذين يتحدثون لغتين، بل أقصد أولئك الذين يمتلكون طلاقة تامة في مجال علمي معين، وفي الوقت نفسه يتقنون مجالات التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وحينها، يمكن لشخص واحد في كل فريق أن يحقق نتائج مذهلة».

«الهلوسة الذكية» لن تنحسر

5. لا تتوقع اختفاء ظاهرة «الهلوسة» (المعلومات الخاطئة). في مرحلة ما، أخبر المحاور ماثيو هيربر -من موقع «Stat News»- أمودي بأنه طلب من «كلود» المساعدة في صياغة أسئلة لطرحها في أثناء الجلسة الحوارية. ولم يكن رد فعل برنامج الدردشة الآلي مشجعاً له على طرح أسئلة سهلة أو بسيطة. وفقاً لما ذكره هيربر، فقد طُلب منه طرح السؤال الآتي: «لماذا ينبغي لشركات الأدوية أن تثق بتنبؤات الذكاء الاصطناعي في حين أن نماذجكم تعاني من (الهلوسة)؟».

وردّ أمودي بأن ظاهرة الهلوسة «قد تحسنت وتطورت بمرور الوقت، فلم نعد نسمع عنها كثيراً كما في السابق»، وهو أمر صحيح بالفعل. ومع ذلك، فقد أكد في النهاية أن ميل الذكاء الاصطناعي إلى «تخيل» أشياء غير موجودة هو أمر لا ينفصل عن قدرته على استخلاص رؤى جديدة مما يمتلكه من معلومات. وأشار إلى أن الأمر نفسه ينطبق على البشر، قائلاً: «لكي تكون مبدعاً، غالباً ما تجد نفسك تقف على الحد الفاصل بين اختلاق الأمور وتوليد أفكار قيّمة. ولذا، أعتقد أن (الهلوسة) لن تختفي أبداً».

لقد شهد مجال الذكاء الاصطناعي قدراً كبيراً من التصريحات الرنانة التي تفوق حاجته الفعلية، إلا أن النقاشات الأكثر هدوءاً واتزاناً تظل دائماً موضع ترحيب؛ بل ربما تكون هذه النقاشات هي السبيل الأمثل لهذا القطاع لتجاوز حالة التشكيك العام التي تلازم كل خطوة يخطوها.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة
TT

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

ثورة في علم الوراثة: تغيير موضع الجينات قد يعيدها إلى الحياة

في كل خلية من خلايا الجسم البشري يمتد الحمض النووي بطول يقارب المترين، ومع ذلك يُحشر داخل نواة مجهرية أصغر من رأس دبوس.

أهمية موقع الجينات

ولطالما اعتقد العلماء أن طريقة طي الحمض النووي ليست مجرد وسيلة لتوفير المساحة داخل النواة، بل تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم عمل الجينات. واليوم تكشف دراسة جديدة أن موقع الجين داخل النواة قد لا يقل أهمية عن الجين نفسه، وأن أي خلل في هذا التنظيم قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة.

وتوصل باحثون من كلية بيرلمان للطب في جامعة بنسلفانيا الأميركية إلى فهم جديد للآلية التي تُحدد بها الخلية ما إذا كان الجين سيظل نشطاً أو سيُسكَت. كما أظهرت الدراسة أن هذا النظام يختل في مرض نادر يُعرف باسم «رنح فريدرايخ» (Friedreich's Ataxia)، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف تنظيم الحمض النووي (دي إن إيه) بدلاً من تعديل الجينات نفسها.

ليس كل الجينات متساوية داخل النواة

ولا تُرتب الجينات داخل نواة الخلية بشكل عشوائي، بل تشغل مواقع محددة في فضاء ثلاثي الأبعاد. وقد لاحظ العلماء منذ سنوات أن الجينات القريبة من الغلاف الداخلي للنواة تكون عادة أقل نشاطاً، في حين تميل الجينات الموجودة في مركز النواة إلى العمل بشكل أكبر.

لكن السؤال الذي حيّر الباحثين طويلاً كان: هل يتوقف نشاط الجين بسبب موقعه داخل النواة، أم يتغير موقعه نتيجة انخفاض نشاطه؟

وللإجابة عن هذا السؤال، ركز فريق بحث، برئاسة راجان جاين من قسم بيولوجيا الخلية والتطور في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا، في دراسة نُشرت بمجلة «Molecular Cell» في 21 مايو (أيار) 2026، على عمليتين أساسيتين؛ الأولى هي «النسخ الجيني» (Transcription)، وهي عملية قراءة الجين لإنتاج الحمض النووي الريبي (RNA)، والثانية تتعلق ببروتين يُعرف باسم «كوهيسين» (Cohesin)، الذي ينظم البنية المكانية للحمض النووي (DNA) عبر طيه وربط أجزاء مختلفة منه معاً.

وباستخدام أدوات تعتمد على تقنية «كريسبر»، اكتشف الباحثون أن خفض نشاط النسخ الجيني يدفع بعض الجينات نحو أطراف النواة؛ حيث تصبح أكثر عرضة للإسكات. وفي المقابل فإن النشاط الزائد لبروتين كوهيسين يؤدي أيضاً إلى دفع الجينات نحو الحافة الخارجية للنواة وإخماد نشاطها.

أما المفاجأة فكانت أن إعادة تنشيط عملية النسخ وتقليل نشاط كوهيسين سمحا للجينات بالعودة نحو مركز النواة واستعادة جزء من نشاطها الطبيعي.

ويصف العلماء هذه العلاقة بأنها تُشبه «مفتاح تعتيم الضوء»، إذ لا تعمل الجينات بنظام التشغيل أو الإيقاف الكامل، بل يجري ضبط نشاطها تدريجياً حسب موقعها، وطريقة تنظيم الحمض النووي حولها.

مرض نادر يكشف الآلية الخفية

واختار الباحثون مرض «رنح فريدرايخ» نموذجاً للدراسة؛ لأنه ينتج عن خلل معروف في جين واحد يسمى «FXN» المسؤول عن إنتاج بروتين «فراتاكسين» (frataxin).

ويؤدي انخفاض هذا البروتين إلى ظهور أعراض عصبية وقلبية خطيرة تشمل فقدان التوازن التدريجي وضعف العضلات ومشكلات في القلب، ويصيب المرض نحو شخص واحد من كل 40 ألف شخص حول العالم.

عندما فحص العلماء خلايا مأخوذة من مرضى «رنح فريدرايخ» وجدوا أن الجين «FXN» يتموضع بشكل غير طبيعي عند أطراف النواة، وهي منطقة ترتبط عادة بإسكات الجينات. وعند تقليل نشاط بروتين كوهيسين داخل هذه الخلايا تحرك الجين بعيداً عن الحافة، وعاد إلى مناطق أكثر نشاطاً داخل النواة. والأهم من ذلك أن مستويات بروتين فراتاكسين ارتفعت بشكل ملحوظ رغم أن الطفرة الوراثية الأصلية بقيت موجودة دون تغيير.

وتشير هذه النتيجة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الطفرة الجينية نفسها بل أيضاً في المكان الذي يحتله الجين داخل النواة.

نحو جيل جديد من العلاجات

ورغم أن هذه النتائج لا تُمثل علاجاً جاهزاً للمرض فإنها تقدم مفهوماً جديداً قد يغير طريقة التفكير في الأمراض الوراثية، فبدلاً من التركيز حصراً على إصلاح الجينات المعطوبة قد يصبح بالإمكان مستقبلاً إعادة تنظيم الحمض النووي داخل النواة، بحيث تستعيد الجينات نشاطها الطبيعي.

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية «هندسة الجينوم ثلاثية الأبعاد»، وهو مجال ناشئ يدرس كيفية ترتيب الحمض النووي داخل الخلايا، وتأثير ذلك في الصحة والمرض.

ومع تزايد الأدلة على أن موقع الجين قد يكون عاملاً حاسماً في عمله، يعتقد العلماء أن فهم هذه البنية الخفية قد يقود إلى استراتيجيات علاجية جديدة ليس فقط لمرض «رنح فريدرايخ» بل لمجموعة واسعة من الأمراض الوراثية والعصبية التي ما زالت تفتقر إلى علاجات فعالة. وهكذا، فأحياناً لا يكون الحل في تغيير الجين نفسه، بل في منحه المكان المناسب ليعمل من جديد.