متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

إرشادات عالمية حول حالات تجنب الاستناد إليه في الممارسة الطبية

تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي
تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي
TT

متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي
تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي

تحوَّل الذكاء الاصطناعي خلال العقد الأخير، من أداة بحثية في مختبرات التكنولوجيا إلى عنصر متزايد الحضور في غرف التشخيص والعيادات الطبية حول العالم. فأنظمة التعلم العميق أصبحت قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، واكتشاف الأورام في مراحل مبكرة، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها؛ بل وحتى اقتراح مسارات علاجية محتملة، اعتماداً على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية.

حدود الذكاء الاصطناعي

• حدود واضحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التقدم السريع يطرح سؤالاً بالغ الأهمية في الممارسة الطبية المعاصرة: متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

فمع توسع استخدام هذه التقنيات بدأت المؤسسات الصحية الدولية في وضع حدود واضحة لاستخدامها. وقد أصدرت جهات تنظيمية كبرى مثل منظمة الصحة العالمية وهيئات تنظيم الدواء في الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا، إرشادات تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لدعم الرعاية الصحية، ولكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الحكم السريري أو المسؤولية الطبية.

ولهذا بدأت الأدبيات العلمية والتنظيمية في تحديد حالات محددة يصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب، أو حتى غير آمن في رعاية المرضى.

• بين الأداة والسلطة: المبدأ الأساسي الذي تتفق عليه الهيئات الصحية الدولية بسيط وواضح: الذكاء الاصطناعي أداة تحليل متقدمة، ولكنه ليس سلطة طبية. فهذه الأنظمة قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات الطبية، واكتشاف أنماط قد يصعب على الإنسان ملاحظتها، ولكنها لا تملك القدرة على تحمل المسؤولية الطبية، أو فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض.

إن القرار الطبي لا يعتمد فقط على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية؛ بل يشمل أيضاً الخبرة السريرية للطبيب، وفهم التاريخ الصحي للمريض، والظروف الاجتماعية والنفسية التي قد تؤثر في التشخيص والعلاج. ولهذا تؤكد الإرشادات الدولية في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي، أن دور هذه الأنظمة يجب أن يبقى في إطار دعم القرار الطبي لا استبداله.

وفي هذا السياق، بدأت الهيئات الصحية والتنظيمية في تحديد الحالات التي ينبغي فيها استخدام الذكاء الاصطناعي بحذر، أو حتى تجنب الاعتماد عليه في رعاية المرضى.

التوصيات الدولية

تشير الإرشادات الدولية الحديثة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يجب أن يتم ضمن حدود واضحة، تضمن سلامة المرضى واستقلال القرار الطبي. فقد أكدت منظمة الصحة العالمية في توصياتها حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الصحة، الصادرة عام 2021، والمحدَّثة لاحقاً في تقارير الصحة الرقمية، وكذلك الجمعية الطبية الأميركية في إرشاداتها بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية، أن هذه الأنظمة يمكن أن تكون أدوات قوية لدعم التشخيص والعلاج، ولكنها يجب ألا تُستخدم في جميع الحالات ولا أن تحل محل الحكم السريري للطبيب.

ولهذا بدأت الأدبيات الطبية والتنظيمية في تحديد حالات واضحة، يصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب أو حتى غير آمن في رعاية المرضى. وفي ضوء هذه التوصيات يمكن تلخيص أبرز الحالات التي ينبغي فيها تجنب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية في 10 حالات رئيسية.

• الحالة الأولى- عندما لا يكون النظام مثبَتاً علمياً: القاعدة الأساسية في الطب الحديث هي أن أي تقنية جديدة يجب أن تخضع لتقييم علمي صارم، قبل استخدامها في رعاية المرضى. وينطبق ذلك بصورة خاصة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية. فالنماذج التي لم تُختبر في دراسات علمية منشورة في مجلات محكَّمة، أو لم تُقيَّم في تجارب سريرية حقيقية، أو لم تحصل على اعتماد الجهات التنظيمية المختصة، لا ينبغي الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات تشخيصية أو علاجية. فسلامة المرضى تتطلب أن تُثبت هذه الأنظمة دقتها وموثوقيتها قبل إدخالها إلى الممارسة الطبية.

• الحالة الثانية- عندما لا تمثل البيانات المرضى الحقيقيين: تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي في عملها على البيانات التي دُرِّبت عليها. وإذا كانت هذه البيانات لا تمثل الفئات السكانية التي سيُستخدم النظام معها، فقد يؤدي ذلك إلى أخطاء تشخيصية أو تحيزات طبية خطيرة. فالنظام الذي طُوِّر اعتماداً على بيانات مرضى من منطقة أو فئة سكانية معينة، قد لا يعطي النتائج نفسها عند استخدامه مع مرضى من خلفيات جينية أو بيئية مختلفة. ولهذا يؤكد الخبراء ضرورة التأكد من أن بيانات التدريب تعكس تنوع المرضى في الواقع الطبي.

• الحالة الثالثة- عندما يصبح القرار (صندوقاً أسود): إحدى القضايا التي تثير نقاشاً واسعاً في الذكاء الاصطناعي الطبي، هي ما تُعرف بمشكلة «الصندوق الأسود». ففي بعض الأنظمة المتقدمة قد تقدم الخوارزمية نتيجة أو توصية طبية من دون أن يكون من الواضح كيف وصلت إلى هذا الاستنتاج.

وفي الممارسة الطبية، لا يكفي أن يكون القرار صحيحاً من الناحية التقنية؛ بل يجب أن يكون قابلاً للفهم والتفسير. فالأطباء يحتاجون إلى معرفة الأسس التي بُني عليها التقييم الطبي، حتى يتمكنوا من مراجعته ومقارنته بالمعطيات السريرية للمريض. ولهذا تحذِّر كثير من الإرشادات الطبية من الاعتماد على أنظمة ذكاء اصطناعي لا توفر درجة كافية من الشفافية في طريقة عملها، أو تفسير نتائجها.

القرار الطبي يبقى بيد الطبيب، لا بيد الخوارزمية

تعارض مع الحكم السريري

• الحالة الرابعة- عندما يتعارض مع الحكم السريري: قد تقدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في بعض الحالات توصية أو تقييماً يختلف عن تقدير الطبيب السريري. وفي مثل هذه الحالات تؤكد الإرشادات الدولية أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب. فالخوارزميات تعتمد على تحليل البيانات والأنماط الإحصائية، بينما يستند الحكم السريري إلى خبرة الطبيب وفهمه الكامل لحالة المريض وسياقها الطبي والإنساني. لذلك عندما يحدث تعارض بين توصية النظام الذكي وتقييم الطبيب، يجب التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها أداة مساعدة للمراجعة، لا بديلاً عن القرار الطبي المسؤول.

• الحالة الخامسة- عندما يُستخدم النظام خارج نطاقه: تُطوَّر أنظمة الذكاء الاصطناعي في الطب عادة لأداء مهام محددة بدقة، مثل تحليل صور الأشعة أو المساعدة في تشخيص حالة معينة. وعندما يُستخدم النظام خارج المجال الذي صُمم من أجله، فقد يؤدي ذلك إلى نتائج أو توصيات غير دقيقة. ولهذا تؤكد الإرشادات التنظيمية أن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن يقتصر على الغرض الطبي الذي طُوِّرت واختُبرت من أجله؛ لأن تجاوز هذا النطاق قد يعرِّض سلامة القرار الطبي للخطر.

• الحالة السادسة- عندما يصبح النظام قديماً: مثل أي نظام تقني آخر، قد تفقد أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية جزءاً من دقتها مع مرور الوقت. ويحدث ذلك لأن البيانات الطبية والأنماط المرضية تتغير باستمرار، وهو ما يسميه الباحثون أحياناً «تدهور النموذج». ولهذا تؤكد الهيئات الصحية الدولية أن هذه الأنظمة يجب أن تخضع لمراقبة مستمرة وتحديثات دورية، لضمان بقائها دقيقة وآمنة. أما الاعتماد على نظام لم يُحدَّث أو لم تُراجع نتائجه منذ فترة طويلة، فقد يؤدي إلى قرارات طبية أقل دقة مما يُتوقع من التكنولوجيا نفسها.

غياب الشفافية والحوكمة الطبية

• الحالة السابعة- عندما تغيب الشفافية: تعتمد الثقة في أي نظام طبي على وضوح طريقة عمله وحدود استخدامه. فإذا لم تكشف الشركات المطورة عن مصادر البيانات التي دُرِّب عليها النظام، أو عن معدلات الخطأ المحتملة، أو عن الحالات التي قد يفشل فيها، يصبح من الصعب على الأطباء تقييم مدى موثوقية هذه التقنية. ولهذا تؤكد الإرشادات التنظيمية أن الشفافية شرط أساسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية؛ لأن القرار الطبي لا يمكن أن يُبنى على نظام لا يعرف الطبيب حدوده ولا نقاط ضعفه.

• الحالة الثامنة- عندما يرفض المريض استخدامه: يُعد مبدأ الموافقة المستنيرة أحد الأسس الأخلاقية في الطب الحديث. ولذلك من حق المريض أن يعرف ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُستخدم في تشخيص حالته أو دعم قرارات علاجه. كما يحق له أيضاً أن يرفض استخدام هذه التقنيات إذا لم يشعر بالارتياح لها. وفي مثل هذه الحالات يجب احترام قرار المريض؛ لأن العلاقة الطبية تقوم في جوهرها على الثقة والشفافية بين الطبيب والمريض.

• الحالة التاسعة- عندما تغيب الحوكمة الطبية: أي عندما لا يكون هناك نظام واضح للمساءلة ولا لمتابعة أداء النظام الذكي داخل المؤسسة الصحية. فالاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي يتطلب وجود آليات رقابية واضحة تضمن مراجعة نتائجه وتحديد المسؤولية في حال حدوث أخطاء.

• الحالة العاشرة- عندما لا تتوفر حماية كافية للبيانات:

إذا لم يكن النظام يضمن حماية البيانات الطبية وخصوصية المرضى وفق المعايير التنظيمية المعتمدة. فالبيانات الصحية تعد من أكثر المعلومات حساسية، وأي استخدام للذكاء الاصطناعي يجب أن يلتزم بأعلى معايير الأمن الرقمي وحماية الخصوصية.

عندما تصبح الخوارزمية صندوقا أسود

بحوث حديثة... ومعايير الأخلاقيات السعودية

• ماذا تقول البحوث الحديثة؟ : تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى أن نجاح استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد فقط على دقة الخوارزميات؛ بل أيضاً على درجة الثقة التي يضعها الأطباء والمرضى في هذه الأنظمة.

ففي دراسة علمية نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرتش» (Journal of Medical Internet Research) حول العوامل المؤثرة في الثقة بأنظمة دعم القرار الطبي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، توصل الباحثون إلى أن الأطباء يميلون إلى استخدام هذه الأنظمة عندما تكون نتائجها قابلة للتفسير، وعندما تكون خاضعة لتقييم علمي واضح. كما أظهرت الدراسة أن الثقة بالذكاء الاصطناعي ترتبط بشكل وثيق بوجود إشراف طبي مباشر على القرار النهائي، وهو ما يعزز فكرة أن هذه التقنيات يجب أن تعمل كأدوات دعم للقرار الطبي لا كبديل عن الحكم السريري للطبيب.

المعايير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي في السعودية:

في المملكة العربية السعودية، أصدرت «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) إطاراً وطنياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، يُعد من أبرز الأطر التنظيمية في المنطقة لتنظيم استخدام هذه التقنيات في مختلف القطاعات، بما في ذلك الرعاية الصحية. ويرتكز هذا الإطار على مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها: العدالة، والشفافية، والمسؤولية، وحماية الخصوصية، وضمان سلامة الاستخدام.

ويؤكد هذا الإطار التنظيمي أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي يجب أن يهدف إلى دعم القرار السريري للطبيب، وتعزيز جودة الرعاية الطبية، لا أن يحل محل الحكم الطبي أو المسؤولية المهنية للطبيب. ويتماشى هذا التوجه مع المعايير الدولية التي تشدد على أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لتحليل البيانات الطبية، بينما تبقى المسؤولية النهائية عن القرار العلاجي بيد الطبيب.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

علوم  تخطيط القلب يرى ما وراء النبض

الذكاء الاصطناعي يحلل تخطيط كهربائية القلب ويتنبأ بأمراضه المقبلة

اعتاد الطب أن يبدأ عندما يعلن المرض عن نفسه: عرض يشعر به المريض، أو علامة يلتقطها الطبيب، أو فحص يكشف أن تغيراً مرضياً قد حدث بالفعل.

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
صحتك «نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

«نقص الانتباه وفرط الحركة»... بين الحقائق والخرافات

اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) من أكثر الاضطرابات النمائية العصبية حضوراً في النقاش العام، وربما من أكثرها عرضة لسوء الفهم؛

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال

استئصال اللوزتين يرتبط بزيادة التهابات الجهاز التنفسي للأطفال

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة سونغكيونكوان the Sungkyunkwan University في كوريا الجنوبية، ونُشرت في مجلة طب الأنف والأذن والحنجرة «the Journal of Rhinology

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك

بطء نبض القلب... 3 حقائق تهمك

يعلم المرء أن حياته تعتمد على تواصل استمرارية صدور نبضات القلب، التي يتم من خلالها ضخ الدم إلى أعضاء الجسم كافة، سواء العالي الأهمية منها أو الأدنى من ذلك.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك لا تتردد في طلب المساعدة لعلاج آلام الظهر

لا تتردد في طلب المساعدة لعلاج آلام الظهر

هل عانيت أنت أو أي شخص تعرفه آلام الظهر، سيما آلام أسفل الظهر؟ الإجابة عن هذا السؤال هي بالقطع «نعم».

لين كريستنسن (كمبردج ولاية ماساشوستس الأميركية)

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل
TT

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

«التأقلم الصامت»: الطريقة الخفية التي تُخرب بها النساء حياتهن أثناء العمل

إذا كنتِ تبحثين باستمرار عن أماكن هادئة في العمل للاختباء، أو الصراخ، أو التنفيس عن غضبك، أو حتى البكاء، ثم تعودين بعد فترة وكأن كل شيء على ما يرام، فقد تكونين عرضة لما يُسمى «التأقلم الصامت hushed coping». وقد يُعيقكِ هذا الأمر في الكثير من النساء في مسيرتهن المهنية، كما كتبت ليندسي دودجسون (*).

«التأقلم الصامت»

يُشير التأقلم الصامت إلى عادة كبت مشاعر الإرهاق والضغط النفسي، والمضي قدماً في العمل بصمت. بالنسبة للنساء، قد يُضيف هذا الأمر تعقيداً آخر يتمثل في مكافحتهن للصورة النمطية الراسخة التي تعدّ أن إظهار الكثير من المشاعر في العمل أمر غير مهني.

وقد وجدت دراسة أُجريت على 115 امرأة عاملة في القطاع العام، ونُشرت في مجلة «العدالة الاجتماعية والإدارة العامة» في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن نحو 55 في المائة من المشاركات وافقن على أن وظائفهن تتطلب منهن إخفاء مشاعرهن الحقيقية. أفادت المشاركات أيضاً بأنهن غالباً ما يخفين الغضب (43 في المائة)، والانزعاج (40 في المائة)، والشعور بالعجز (37 في المائة)، والحزن (34 في المائة).

بيئة العمل: «اصمتي واعملي»

تقول ليوني كينيبول، خبيرة القيادة النسائية والمؤسسة المشاركة لمنصة Female x Finance المهنية والإعلامية، لمجلة «فاست كومباني»: «ترغب النساء بشدة في الشعور بالتقدير والاهتمام، ويشعرن بمشاعر كثيرة في مكان العمل. لكنهن لا يجدن البيئة المناسبة للتعبير عن رغباتهن بصراحة». وتضيف: «يبدو أن بيئة العمل مصممة على أساس (اصمتي واعملي)». قد يبدو الصمت الخيار الأكثر أماناً مهنياً.

تكلفة مهنية ونفسية خفية ومتراكمة

لكن السلوكيات التي تقلل من احتمالية وصف الشخص بأنه عاطفي قد تقلل أيضاً من فرص ملاحظته كموظف، والاستماع إليه، وترقيته في نهاية المطاف. كما أن التأقلم الصامت قد يعني تجنب المحادثات الصعبة، ورفض الفرص، وتحمل أعباء عمل مرهقة بصمت.

وتقول كينيبول: «تفترض النساء وجود الكثير من الأمور عن الشركات دون التحدث عنها». بينما تقول كريستين سيكلز، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة المشاركة لشركة الاستشارات «مايك دروب وركشوب»: «لذلك؛ قد يصعب رصد التكلفة المهنية لأنها تتراكم من خلال كل ما لا يفعله الشخص. وهذا ما يجعل التأقلم الصامت مكلفاً للغاية... فالتكلفة خفية ومتراكمة».

وتضيف: «إنها الترقية التي لا تسعى (المرأة) إليها لأنها غارقة في المشاكل، والتقييمات السلبية التي تتجاهلها. ولا يظهر أي من ذلك في لحظة واحدة، وهذا تحديداً ما يجعل الاستمرار في فعله سهلاً للغاية».

تأقلم ناجم عن التجاهل وعدم التقدير

من جهتها، تقول إيمي فيجليوتي، الاختصاصية النفسية المرخصة ومؤسسة عيادة «سيلف ووركس» للعلاج النفسي، لمجلة «فاست كومباني» إن التأقلم الصامت قد ينبع من الشعور بالتجاهل أو عدم الاحترام أو عدم التقدير؛ أو التعامل مع مُديرين سامّين؛ أو قلة فرص النمو. ومع مرور الوقت، قد يتطور إلى نوع من اليأس المكتسب؛ إذ تفترض المرأة العاملة أنه إذا لم يُجدِ التحدث نفعاً في الماضي، فلماذا أُرهق نفسي بالمحاولة مجدداً؟

تقول فيجليوتي إن المعاناة في صمت قد تُنهك الموظفات عاطفياً ونفسياً؛ ما يُضعف اندفاعهن في نهاية المطاف، بل ويجعلهن يشككن في كفاءتهن. وقد يُلحق ذلك الضرر بأصحاب العمل أيضاً: فعندما لا يشعر غالبية الموظفين بالأمان الكافي لمشاركة أفكارهم، أو طرح أسئلتهم، أو التعبير عن مخاوفهم، يُمكن أن يُصبح صمتهم «عائقاً كبيراً أمام التغيير والتطوير التنظيمي»، على حد قولها.

التأقلم في صمت دليل على ضرورة التغيير

تقول جيني هاريسون، محامية حقوق الموظفين والمؤسسة المشاركة لمكتب جيني هاريسون للمحاماة، لمجلة «فاست كومباني»، إنه إذا وقع أي شخص في فخ التأقلم الصامت نتيجة عبء عمل يفوق طاقته، فعليه أولاً الاستعداد لمحادثة صريحة مع مديره بشأن قائمة مشاريعه، ومتطلبات الجدول الزمني، والتزامه تجاه الشركة. كما تنصح هاريسون بالتدرب على طريقة العرض بهدوء قبل الاجتماع؛ حتى يتمكن الموظف أو الموظفة من التعبير عن احتياجاته دون الشعور بالإرهاق.

وتضيف: «فكّري في إخبار مديرك بأنك تعتقدين أن من مصلحة الشركة زيادة الموارد المخصصة للمشاريع لضمان تسليمها في الوقت المحدد وبأعلى مستوى من الكفاءة والتنفيذ. إذا حاولت التواصل بوضوح ولم تستجب الشركة، فسيكون لديك كل المعلومات الكافية عن طبيعة هذه الشركة».

البحث عن مُحاورين

وتتفق فيجليوتي على أهمية التعبير عن الرأي، لكنها تقول إن التخلص من هذه العادة لا يعني بالضرورة البدء بمديرك.

وتضيف: «أعتقد أن النقطة الأساسية هنا هي أنه عند محاولة التخلص من عادة معينة، ابدأ بأفراد من جمهور تشعر معه بالراحة والأمان، ويحترم رأيك». بينما تقترح كينيبول بالمثل البدء بخطوات صغيرة. يمكن أن تكون الخطوة الأولى ببساطة هي التحدث عن مخاوفك مع زميلة أو زميل تثقين بها أو به، وهما اللذان قد يشاركانك إياها أو يقدمان لك رأياً واقعياً قيّماً. وتقول: «الخطوة الأولى دائماً هي التحدث مع شخص تثق به في المؤسسة، شخص لديه خبرة أطول منك، ويعرف ثقافة العمل، ويعرف كيف تُدار الأمور هناك – حينذاك ستسمعين، على الأرجح، أن الأمر ليس شخصياً (بل عمومياً)».

وأحياناً، قد يكشف هذا الحوار عن أن التوتر الذي يُظهره مديرك لا علاقة له بأدائك، وقد يفتح الباب أمام تواصل أكثر صراحة.

وتقول كينيبول: «الجميع مشغولون، والجميع يتعامل مع التوتر بطريقة مختلفة، لكن لا تأخذي الأمر على محمل شخصي».

* مجلة «فاست كومباني»


هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
TT

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟
هل سيُسهم الذكاء الاصطناعي في صنع الكوارث؟

تثير التحذيرات الجديدة -التي تشير إلى أن البشر يقتربون من مرحلة فقدان السيطرة على الذكاء الاصطناعي- تساؤلاً مقلقاً: هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي ليصبح واحداً من أخطر التهديدات التي تواجه البشرية؟

ورغم صعوبة تقييم مخاطر هذه التكنولوجيا، فإن السيناريو الأسوأ -وهو انقراض البشرية- يجعل المخاوف الأرضية الأخرى تبدو ضئيلة الأهمية، كما كتب تشيكو هارلان (*).

التغير المناخي... علم راسخ

البشرية... من أزمة «صناعية» إلى أخرى

صحيح أن التغير المناخي يتسبب في ظروف حرارة خطيرة، ويؤجج العواصف العاتية، ويدمر المحاصيل، وقد يؤدي إلى اضطرابات هائلة على مستوى الكوكب، لكن كل ذلك لا يهم إلا إذا ظلت حضارتنا قائمة ومعروفة بهيئتها الحالية.

يقول توبي أورد، الباحث في جامعة أكسفورد ومؤلف كتاب «الهاوية: المخاطر الوجودية ومستقبل البشرية» (The Precipice): «فيما يتعلق بالأمور التي قد تؤدي إلى نهاية البشرية، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يشكل خطراً أكبر».

يضع هذا الوضع نشطاء المناخ في حالة تنافس للحصول على قدر محدود من الاهتمام السياسي، ففي حين يجتمع الدبلوماسيون وقادة العالم في الأمم المتحدة هذا الأسبوع لمعالجة أكثر مشكلات الكوكب إلحاحاً، يخشى البعض أن يتم تجاهل قضية الاحتباس الحراري رغم تفاقمها.

عندما يلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ مع الرئيس ترمب في واشنطن يوم الخميس، من المتوقع أن يناقش زعيما الدولتين الأكثر إنتاجاً لغازات الدفيئة قضايا عدة، من بينها سلامة الذكاء الاصطناعي. أما التغير المناخي -الذي يصفه ترمب بأنه «خدعة»- فمن غير المرجح أن يكون مدرجاً على جدول الأعمال.

التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً وأكثر واقعية

كتبت ليا ستوكس، أستاذة سياسات البيئة في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، الأسبوع الماضي، أن الذكاء الاصطناعي «يستحوذ على كل اهتمامنا»، وجادلت بأن التغير المناخي يشكل خطراً ملموساً أكثر واقعية، مستشهدة بموجات الحر القاتلة التي اجتاحت أوروبا هذا الصيف والانهيار الجليدي المروع الذي وقع الشهر الماضي في نيبال.

وكتبت الدكتورة ستوكس: «على عكس الذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الوجودي الذي يمثله التغير المناخي ليس افتراضياً؛ إنه يقتل الناس بالفعل في الوقت الراهن. يبدو أيضاً أن الكثيرين قد تناسوا -بشكل مريح لأنفسهم- مدى إلحاح ضرورة حل هذه المشكلة».

تكهنات حول كارثة الذكاء الاصطناعي

من المعروف أن البشر يفتقرون إلى الكفاءة في تقييم المخاطر. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، تظل المخاطر في الغالب مجرد تكهنات في هذه المرحلة، فحتى أكثر التوقعات جرأةً بشأن تسبب الذكاء الاصطناعي في فناء البشرية غالباً ما تفتقر إلى تفاصيل حول كيفية وقوع هذه الكارثة.. هل ستأتي النهاية على شكل ميكروب فائق الخطورة صممه الذكاء الاصطناعي أم عبر إطلاق أسلحة نووية؟ كما أن دمار المجتمع البشري قد يحدث ببطء أكبر، من خلال استيلاء نظام ذكاء اصطناعي مارق على البنية التحتية، في حين يعاني البشر من الجوع ويُحرمون من الحصول على الدواء.

الأتمتة تنتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل... ثم يقع خلل ما

يقول سيث باوم، المدير التنفيذي لمعهد المخاطر الكارثية العالمية: «هناك سيناريوهات لكوارث تدريجية قد يسببها الذكاء الاصطناعي، فنحن نواصل أتمتة المزيد والمزيد من العمليات بمرور الوقت، لننتهي بوجود نظام مؤتمت بالكامل، ثم يقع خلل ما».

تنبع هذه التوقعات من شعور بأن البشر بصدد خلق كيان قد يستعصي على السيطرة، كيان قد يكتسب القدرة على تطوير نفسه ذاتياً، ليصبح أذكى وأسرع منا بكثير من جميع النواحي الجوهرية. أما عن الحلول للحيلولة دون حدوث كل ذلك فهي غير موجودة بعد.

التغير المناخي... علم راسخ

في المقابل، تتسم قضية التغير المناخي بوجود حقائق ومعطيات معلومة، فالعلم الذي يربط بين انبعاثات الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة العالمية هو علم راسخ لا يقبل الجدل. كما أن الحلول المتاحة للحد من الانبعاثات -مثل الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية- هي حلول مُثبتة الفعالية ومتوفرة بكثرة. وعلى الصعيد العالمي، أصبحت المؤتمرات السنوية الرامية إلى درء هذه الأزمة جزءاً ثابتاً من الأجندة الدولية، وهي مؤتمرات تزخر بالمصطلحات العلمية والسياسية، فضلاً عن السجالات الدبلوماسية حول خطط العمل طويلة الأجل.

قد تبدو هذه المؤتمرات ذات طابع بيروقراطي، إلا أنها أثبتت أهميتها، فقد كانت التوقعات السابقة تشير إلى احتمال ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 4 درجات مئوية (7.2 درجة فهرنهايت) مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، أما الآن فيقول العلماء إن الاحترار يسير في مسار يؤدي إلى ارتفاع قدره 2.6 درجة مئوية (4.7 درجة فهرنهايت)، وذلك بناءً على السياسات والاتجاهات الحالية. ومع ذلك، يظل هذا المستوى أعلى بكثير من الحد الذي عدّته الدول مقبولاً أو قابلاً للتحمل.

تتجلى عواقب تغير المناخ في أحداث متطرفة ومفاجئة مثل حرائق الغابات وموجات الحر والفيضانات. وفي الوقت نفسه، تتفاقم المشكلة ببطء نسبي، وبطرق قد لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه المستمر. فمنذ أن أصبحت هذه القضية محط اهتمام العالم قبل جيل مضى، أثارت لحظات من التكاتف الجماعي، فضلاً عن ردود فعل معارضة ومشاعر اليأس والإرهاق. يقول الدكتور بوم: «نحن نميل إلى اعتبار الأمور التي تحدث تدريجياً أموراً طبيعية ونعتاد عليها. فالناس العاديون لا يرغبون في أن يكون هذا الأمر هو محور تفكيرهم الدائم».

مخطط دائري لبيانات الاستدامة (صورة رقمية مُولّدة لمقطع عرضي دائري متعدد البيئات تُظهر تطور المدينة من مدينة قديمة ملوثة إلى نمط حياة نظيف يعتمد على الطاقة البديلة المستدامة)

مشكلات من صنع البشر

ثمة روابط ملحوظة بين الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ باعتبارهما تهديدين للبشرية. ففي كلتا الحالتين، تنبع المخاطر من أنشطة بشرية؛ سواء كان ذلك يتمثل في تطوير «نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة والرائدة» (frontier models)، أو في حرق الوقود الأحفوري الذي يغذّي الاقتصاد العالمي الحديث. وفي كلتا الحالتين أيضاً، تمارس شركات عملاقة (سواء كانت شركات تكنولوجيا تبلغ قيمتها السوقية تريليونات الدولارات أو شركات طاقة عملاقة عابرة للقارات) تأثيراً هائلاً على مسار التاريخ.

وقد قلّل الرئيس ترمب من شأن التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، مشيراً أخيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أنها تصدر عن «الأشخاص أنفسهم الذين قالوا قبل وقت قصير، إن العالم سيفنى بسبب (تغير المناخ)».

الذكاء الاصطناعي... تدمير البيئة أم حمايتها؟

يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يكون أداة فعالة في مكافحة تغير المناخ، إذ يمكنه -على سبيل المثال- تصميم أنظمة إنذار أكثر تطوراً للكوارث، أو ابتكار حلول تخفف من حدة نقص المياه العالمي. وبالفعل، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تعزيز حماية جزر المالديف (التي تتميز بانخفاض مستوى أراضيها عن سطح البحر) وإعادة تأهيل المناطق الساحلية.

الذكاء الاصطناعي سيستهلك عام 2030 كهرباء تعادل ما يستهلكه نحو 200 مليون نسمة

ولكن على المدى القصير على الأقل، يجعل الذكاء الاصطناعي خفض انبعاثات غازات الدفيئة أمراً أكثر صعوبة؛ إذ يؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة، حيث ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 في المائة خلال العام الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية. وقد ذكر معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك بحلول عام 2030 كمية من الكهرباء تعادل ثلاثة أضعاف ما تستهلكه نيجيريا وباكستان وبنغلاديش مجتمعة، وهي دول يبلغ مجموع سكانها نحو 650 مليون نسمة.

تراجع الشركات عن أهدافها البيئية

لقد أصبحت شركات التكنولوجيا مشترياً رئيسياً للطاقة، وباتت تدعم مشروعات تعتمد على كل من الطاقة المتجددة والوقود الأحفوري. في خطاب ألقاه يوم الاثنين، وصف سايمون ستيل، مسؤول المناخ في الأمم المتحدة، قطاع الذكاء الاصطناعي بأنه «شره لاستهلاك الطاقة»، وقال إنه بحاجة إلى «احترام العلم وبدء مواءمة مساره مع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، وبشكل عاجل».

وفي اليوم نفسه، صرح وزير البيئة التركي، مراد كوروم -الذي سيرأس مؤتمر المناخ الدولي لهذا العام في نوفمبر (تشرين الثاني)- بأن جدول أعمال المؤتمر سيتضمن مناقشة «الاستهلاك المتزايد للطاقة» في مجال الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن «عالماً يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة، ونظام طاقة عالمياً يعاني من الاضطراب، ومخاوف متزايدة بشأن صعود الذكاء الاصطناعي؛ كلها أمور تستدعي التحرك».

قبل ست سنوات، وضعت شركة «غوغل» خطة للاعتماد على طاقة خالية من الكربون بحلول عام 2030. وقد وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي للشركة، هذه الخطة بأنها «مبادرة طموحة للغاية لتحقيق الاستدامة» أو ما يُعرف بـ«مشروع القمر» (moonshot)، مشيراً إلى أن مدينته الأم في الهند، تشيناي، كانت قد غمرتها مياه الفيضانات قبل بضع سنوات، ما جعل «آثار تغير المناخ تبدو أقرب بكثير إلى حياته الشخصية».

سباق الذكاء الاصطناعي غيّر الأولويات

إن انبعاثات «غوغل» مستمرة في الارتفاع، وكذلك الحال بالنسبة إلى شركة «مايكروسوفت»، التي كانت قد أعلنت سابقاً هدفها بأن تصبح «سالبة الكربون» (أي تزيل من الكربون أكثر مما تنتج) بحلول عام 2030.

وفي العام الماضي، نشر الملياردير بيل غيتس -الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»- مقالاً طويلاً (يقع في 5000 كلمة) جادل فيه بأن تغير المناخ «لن يؤدي إلى فناء البشرية». وقد عكست استنتاجاته -التي جاءت بعد سنوات من تمويل قضايا المناخ- وجهة نظر مثيرة للجدل مفادها أنه حتى مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب سيظل بوسع البشر «العيش والازدهار في معظم أنحاء الأرض». ثم في الشهر الماضي، نشر غيتس مقالاً مطولاً آخر، تناول فيه مخاطر الذكاء الاصطناعي.

سمة مشتركة: عدم القدرة على التنبؤ

غير أن العديد من العلماء يرون أنه من الخطأ افتراض أن تغير المناخ سيسير وفق مسار يمكن التنبؤ به، أو بطريقة تتيح للدول إدارته والسيطرة عليه. ويشير البعض إلى أن أنظمة كوكب الأرض أثبتت -على مدى العقد الماضي- أنها أكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة التدريجي مما كان متوقعاً، فضلاً عن أن المزيد من الاحترار لا يزال بانتظارنا.

إن العالم يفقد جمال الشعاب المرجانية والأسماك التي تتخذ منها موطناً، والاقتصادات القائمة على صيد تلك الأسماك. كما أن النباتات والأشجار تذبل وتضعف تحت وطأة ظروف مناخية أقسى، ما قد يقلّص إحدى الوسائل الطبيعية التي تمتص بها الأرض غاز ثاني أكسيد الكربون. ويؤدي ذوبان الجليد البحري في القطب الشمالي إلى انكشاف مساحات واسعة من المياه الداكنة الممتصة للحرارة، ما يزيد من حدة ارتفاع درجات الحرارة. وعلاوة على ذلك، قد تؤدي التغيرات المستقبلية في ظروف المحيطات إلى إضعاف أو توقف أنظمة دورانٍ -لم تحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام- تُعد حيوية للحفاظ على ظروف ملائمة للحياة في بعض أنحاء العالم.

وتشير كاثرين ريتشاردسون، الأستاذة في جامعة كوبنهاغن، المتخصصة في دراسة «حدود الكوكب»، إلى أن مخاطر حلقات التغذية الراجعة وتعقيد نظام الأرض هما السبب الدقيق وراء خطورة وضع افتراضات مسبقة حول شكل العالم في المستقبل ومدى ملاءمته للعيش.

وذكرت أن معظم مراحل التقدم البشري -بدءاً من العصر الحجري والعصر البرونزي ووصولاً إلى عصر النهضة- قد تحققت في ظل درجات حرارة ظلت ضمن نطاق محدود. وقالت: «لا نعلم يقيناً ما إذا كان بوسعنا الازدهار» في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بمقدار درجتين أو ثلاث درجات مئوية. وأضافت أننا لا نعرف حتى الآن كيف قد يبدو عالم كهذا. وللتعبير عن حالة عدم اليقين المرتبطة بتغير المناخ، استخدمت عبارات مشابهة لتلك التي تُستخدم في التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. إذ قالت: «قد نفقد السيطرة على هذه العملية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية
TT

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

علماء يكتشفون آلية صد المشتري للرياح الشمسية

كشفت دراسة أميركية آلية معقدة يستخدمها كوكب المشتري للتعامل مع الرياح الشمسية، تعتمد على مجموعة من موجات البلازما ومناطق الصدمة التي تساعد على إبطاء الجسيمات القادمة من الشمس قبل وصولها إلى الكوكب.

واعتمد الباحثون، بقيادة علماء فيزياء من جامعة أيوا، على بيانات جمعتها مركبة «جونو»، التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، وقدمت أدق رصد، حتى الآن، لموجة الصدمة القوسية المحيطة بالمشتري. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Communications».

والرياح الشمسية هي تدفق مستمر من الجسيمات المشحونة، مثل الإلكترونات والبروتونات، تنبعث من الغلاف الجوي الخارجي للشمس، وتنتشر عبر النظام الشمسي. ويمكن لهذه الجسيمات عالية الطاقة أن تتفاعل مع المجالات المغناطيسية للكواكب وتؤثر في بيئاتها الفضائية.

وعند المشتري، تتشكل موجة الصدمة القوسية عند الحد الفاصل بين الرياح الشمسية والمجال المغناطيسي للكوكب، وتعمل كحاجز يبطئ الرياح الشمسية ويغيّر اتجاهها ويبدد جزءاً من طاقتها قبل وصولها إلى الكوكب.

وأظهرت البيانات أن المشتري يستخدم موجات بلازمية ذات ترددات متعددة للتعامل مع قوة الرياح الشمسية. والبلازما غاز شديد السخونة تتكون فيه جسيمات مشحونة، مثل الإلكترونات والأيونات، يمكنها التفاعل مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية.

ورصد الباحثون مجموعة متنوعة من الموجات عند موجة الصدمة القوسية، من بينها الموجات الصوتية الأيونية، وموجات مرتبطة بعدم استقرار حركة الإلكترونات، وموجات كهروستاتيكية منفردة.

وأظهرت بعض الموجات الصوتية الأيونية بنية تضم ترددات متعددة، وليس تردداً أساسياً واحداً، ما يشير إلى دورها في نقل الطاقة بين الموجات والجسيمات.

سلسلة صدمات صغيرة

كما وجد الباحثون أن المشتري يستخدم سلسلة من المناطق الصغيرة المعروفة باسم «الصدَمات الصغيرة» (shocklets)، تتفاعل مع الرياح الشمسية وتساعد على إبطائها قبل وصولها إلى موجة الصدمة القوسية الرئيسية.

ووفق الباحثين، يختلف ذلك عن الأرض، التي تعتمد بصورة أساسية على موجة الصدمة القوسية الرئيسية لإبطاء الرياح الشمسية وإعادة توجيهها حول الكوكب، إذ إن تأثير الرياح الشمسية على الأرض أقل قوة.

وتستند النتائج إلى بيانات جمعتها «جونو»، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثناء مرورها عبر منطقة موجة الصدمة القوسية للمشتري. وكان جهاز «Waves»، الموجود على متن المركبة، أساسياً في جمع هذه البيانات، إذ أتاح دراسة موجات البلازما بتفاصيل لم تكن متاحة من قبل.

وقبل «جونو»، تمكنت مركبات فضائية من رصد وجود موجة الصدمة عند الكواكب الخارجية، لكنها لم تتمكن من قياس التعقيد الكامل لموجات البلازما المرتبطة بها.

وتكشف البيانات أيضاً عن تفاعلات بين موجات البلازما والجسيمات المشحونة، يمكن أن تسهم في تحويل جزء من طاقة حركة الرياح الشمسية إلى حرارة وطاقة في الجسيمات.

وتساعد دراسة هذه التفاعلات على فهم الصدمات التي تحدث في البلازما الفضائية.

ويرى الباحثون أن أهمية النتائج تتجاوز فهم بيئة المشتري، إذ قد تساعد في تفسير كيفية تعامل الأجرام الفلكية مع تدفقات طاقة أكبر بكثير. وتحدث صدمات أكثر قوة حول أجرام مثل بقايا المستعرات العظمى، وهي البقايا الناتجة عن الانفجارات الهائلة التي تُنهي حياة بعض النجوم، ما يجعل موجة الصدمة عند المشتري مختبراً طبيعياً قريباً لدرس كيفية تحول طاقة التدفقات القوية إلى حرارة وجسيمات عالية الطاقة.