متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

إرشادات عالمية حول حالات تجنب الاستناد إليه في الممارسة الطبية

تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي
تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي
TT

متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي
تحيز البيانات خطر خفي في الذكاء الاصطناعي الطبي

تحوَّل الذكاء الاصطناعي خلال العقد الأخير، من أداة بحثية في مختبرات التكنولوجيا إلى عنصر متزايد الحضور في غرف التشخيص والعيادات الطبية حول العالم. فأنظمة التعلم العميق أصبحت قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، واكتشاف الأورام في مراحل مبكرة، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها؛ بل وحتى اقتراح مسارات علاجية محتملة، اعتماداً على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية.

حدود الذكاء الاصطناعي

• حدود واضحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التقدم السريع يطرح سؤالاً بالغ الأهمية في الممارسة الطبية المعاصرة: متى يجب على الطبيب ألا يعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

فمع توسع استخدام هذه التقنيات بدأت المؤسسات الصحية الدولية في وضع حدود واضحة لاستخدامها. وقد أصدرت جهات تنظيمية كبرى مثل منظمة الصحة العالمية وهيئات تنظيم الدواء في الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا، إرشادات تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لدعم الرعاية الصحية، ولكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الحكم السريري أو المسؤولية الطبية.

ولهذا بدأت الأدبيات العلمية والتنظيمية في تحديد حالات محددة يصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب، أو حتى غير آمن في رعاية المرضى.

• بين الأداة والسلطة: المبدأ الأساسي الذي تتفق عليه الهيئات الصحية الدولية بسيط وواضح: الذكاء الاصطناعي أداة تحليل متقدمة، ولكنه ليس سلطة طبية. فهذه الأنظمة قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات الطبية، واكتشاف أنماط قد يصعب على الإنسان ملاحظتها، ولكنها لا تملك القدرة على تحمل المسؤولية الطبية، أو فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض.

إن القرار الطبي لا يعتمد فقط على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية؛ بل يشمل أيضاً الخبرة السريرية للطبيب، وفهم التاريخ الصحي للمريض، والظروف الاجتماعية والنفسية التي قد تؤثر في التشخيص والعلاج. ولهذا تؤكد الإرشادات الدولية في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي، أن دور هذه الأنظمة يجب أن يبقى في إطار دعم القرار الطبي لا استبداله.

وفي هذا السياق، بدأت الهيئات الصحية والتنظيمية في تحديد الحالات التي ينبغي فيها استخدام الذكاء الاصطناعي بحذر، أو حتى تجنب الاعتماد عليه في رعاية المرضى.

التوصيات الدولية

تشير الإرشادات الدولية الحديثة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يجب أن يتم ضمن حدود واضحة، تضمن سلامة المرضى واستقلال القرار الطبي. فقد أكدت منظمة الصحة العالمية في توصياتها حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الصحة، الصادرة عام 2021، والمحدَّثة لاحقاً في تقارير الصحة الرقمية، وكذلك الجمعية الطبية الأميركية في إرشاداتها بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية، أن هذه الأنظمة يمكن أن تكون أدوات قوية لدعم التشخيص والعلاج، ولكنها يجب ألا تُستخدم في جميع الحالات ولا أن تحل محل الحكم السريري للطبيب.

ولهذا بدأت الأدبيات الطبية والتنظيمية في تحديد حالات واضحة، يصبح فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب أو حتى غير آمن في رعاية المرضى. وفي ضوء هذه التوصيات يمكن تلخيص أبرز الحالات التي ينبغي فيها تجنب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية في 10 حالات رئيسية.

• الحالة الأولى- عندما لا يكون النظام مثبَتاً علمياً: القاعدة الأساسية في الطب الحديث هي أن أي تقنية جديدة يجب أن تخضع لتقييم علمي صارم، قبل استخدامها في رعاية المرضى. وينطبق ذلك بصورة خاصة على أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية. فالنماذج التي لم تُختبر في دراسات علمية منشورة في مجلات محكَّمة، أو لم تُقيَّم في تجارب سريرية حقيقية، أو لم تحصل على اعتماد الجهات التنظيمية المختصة، لا ينبغي الاعتماد عليها في اتخاذ قرارات تشخيصية أو علاجية. فسلامة المرضى تتطلب أن تُثبت هذه الأنظمة دقتها وموثوقيتها قبل إدخالها إلى الممارسة الطبية.

• الحالة الثانية- عندما لا تمثل البيانات المرضى الحقيقيين: تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي في عملها على البيانات التي دُرِّبت عليها. وإذا كانت هذه البيانات لا تمثل الفئات السكانية التي سيُستخدم النظام معها، فقد يؤدي ذلك إلى أخطاء تشخيصية أو تحيزات طبية خطيرة. فالنظام الذي طُوِّر اعتماداً على بيانات مرضى من منطقة أو فئة سكانية معينة، قد لا يعطي النتائج نفسها عند استخدامه مع مرضى من خلفيات جينية أو بيئية مختلفة. ولهذا يؤكد الخبراء ضرورة التأكد من أن بيانات التدريب تعكس تنوع المرضى في الواقع الطبي.

• الحالة الثالثة- عندما يصبح القرار (صندوقاً أسود): إحدى القضايا التي تثير نقاشاً واسعاً في الذكاء الاصطناعي الطبي، هي ما تُعرف بمشكلة «الصندوق الأسود». ففي بعض الأنظمة المتقدمة قد تقدم الخوارزمية نتيجة أو توصية طبية من دون أن يكون من الواضح كيف وصلت إلى هذا الاستنتاج.

وفي الممارسة الطبية، لا يكفي أن يكون القرار صحيحاً من الناحية التقنية؛ بل يجب أن يكون قابلاً للفهم والتفسير. فالأطباء يحتاجون إلى معرفة الأسس التي بُني عليها التقييم الطبي، حتى يتمكنوا من مراجعته ومقارنته بالمعطيات السريرية للمريض. ولهذا تحذِّر كثير من الإرشادات الطبية من الاعتماد على أنظمة ذكاء اصطناعي لا توفر درجة كافية من الشفافية في طريقة عملها، أو تفسير نتائجها.

القرار الطبي يبقى بيد الطبيب، لا بيد الخوارزمية

تعارض مع الحكم السريري

• الحالة الرابعة- عندما يتعارض مع الحكم السريري: قد تقدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في بعض الحالات توصية أو تقييماً يختلف عن تقدير الطبيب السريري. وفي مثل هذه الحالات تؤكد الإرشادات الدولية أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب. فالخوارزميات تعتمد على تحليل البيانات والأنماط الإحصائية، بينما يستند الحكم السريري إلى خبرة الطبيب وفهمه الكامل لحالة المريض وسياقها الطبي والإنساني. لذلك عندما يحدث تعارض بين توصية النظام الذكي وتقييم الطبيب، يجب التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها أداة مساعدة للمراجعة، لا بديلاً عن القرار الطبي المسؤول.

• الحالة الخامسة- عندما يُستخدم النظام خارج نطاقه: تُطوَّر أنظمة الذكاء الاصطناعي في الطب عادة لأداء مهام محددة بدقة، مثل تحليل صور الأشعة أو المساعدة في تشخيص حالة معينة. وعندما يُستخدم النظام خارج المجال الذي صُمم من أجله، فقد يؤدي ذلك إلى نتائج أو توصيات غير دقيقة. ولهذا تؤكد الإرشادات التنظيمية أن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن يقتصر على الغرض الطبي الذي طُوِّرت واختُبرت من أجله؛ لأن تجاوز هذا النطاق قد يعرِّض سلامة القرار الطبي للخطر.

• الحالة السادسة- عندما يصبح النظام قديماً: مثل أي نظام تقني آخر، قد تفقد أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية جزءاً من دقتها مع مرور الوقت. ويحدث ذلك لأن البيانات الطبية والأنماط المرضية تتغير باستمرار، وهو ما يسميه الباحثون أحياناً «تدهور النموذج». ولهذا تؤكد الهيئات الصحية الدولية أن هذه الأنظمة يجب أن تخضع لمراقبة مستمرة وتحديثات دورية، لضمان بقائها دقيقة وآمنة. أما الاعتماد على نظام لم يُحدَّث أو لم تُراجع نتائجه منذ فترة طويلة، فقد يؤدي إلى قرارات طبية أقل دقة مما يُتوقع من التكنولوجيا نفسها.

غياب الشفافية والحوكمة الطبية

• الحالة السابعة- عندما تغيب الشفافية: تعتمد الثقة في أي نظام طبي على وضوح طريقة عمله وحدود استخدامه. فإذا لم تكشف الشركات المطورة عن مصادر البيانات التي دُرِّب عليها النظام، أو عن معدلات الخطأ المحتملة، أو عن الحالات التي قد يفشل فيها، يصبح من الصعب على الأطباء تقييم مدى موثوقية هذه التقنية. ولهذا تؤكد الإرشادات التنظيمية أن الشفافية شرط أساسي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية؛ لأن القرار الطبي لا يمكن أن يُبنى على نظام لا يعرف الطبيب حدوده ولا نقاط ضعفه.

• الحالة الثامنة- عندما يرفض المريض استخدامه: يُعد مبدأ الموافقة المستنيرة أحد الأسس الأخلاقية في الطب الحديث. ولذلك من حق المريض أن يعرف ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُستخدم في تشخيص حالته أو دعم قرارات علاجه. كما يحق له أيضاً أن يرفض استخدام هذه التقنيات إذا لم يشعر بالارتياح لها. وفي مثل هذه الحالات يجب احترام قرار المريض؛ لأن العلاقة الطبية تقوم في جوهرها على الثقة والشفافية بين الطبيب والمريض.

• الحالة التاسعة- عندما تغيب الحوكمة الطبية: أي عندما لا يكون هناك نظام واضح للمساءلة ولا لمتابعة أداء النظام الذكي داخل المؤسسة الصحية. فالاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي يتطلب وجود آليات رقابية واضحة تضمن مراجعة نتائجه وتحديد المسؤولية في حال حدوث أخطاء.

• الحالة العاشرة- عندما لا تتوفر حماية كافية للبيانات:

إذا لم يكن النظام يضمن حماية البيانات الطبية وخصوصية المرضى وفق المعايير التنظيمية المعتمدة. فالبيانات الصحية تعد من أكثر المعلومات حساسية، وأي استخدام للذكاء الاصطناعي يجب أن يلتزم بأعلى معايير الأمن الرقمي وحماية الخصوصية.

عندما تصبح الخوارزمية صندوقا أسود

بحوث حديثة... ومعايير الأخلاقيات السعودية

• ماذا تقول البحوث الحديثة؟ : تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى أن نجاح استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعتمد فقط على دقة الخوارزميات؛ بل أيضاً على درجة الثقة التي يضعها الأطباء والمرضى في هذه الأنظمة.

ففي دراسة علمية نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرتش» (Journal of Medical Internet Research) حول العوامل المؤثرة في الثقة بأنظمة دعم القرار الطبي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، توصل الباحثون إلى أن الأطباء يميلون إلى استخدام هذه الأنظمة عندما تكون نتائجها قابلة للتفسير، وعندما تكون خاضعة لتقييم علمي واضح. كما أظهرت الدراسة أن الثقة بالذكاء الاصطناعي ترتبط بشكل وثيق بوجود إشراف طبي مباشر على القرار النهائي، وهو ما يعزز فكرة أن هذه التقنيات يجب أن تعمل كأدوات دعم للقرار الطبي لا كبديل عن الحكم السريري للطبيب.

المعايير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي في السعودية:

في المملكة العربية السعودية، أصدرت «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) إطاراً وطنياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، يُعد من أبرز الأطر التنظيمية في المنطقة لتنظيم استخدام هذه التقنيات في مختلف القطاعات، بما في ذلك الرعاية الصحية. ويرتكز هذا الإطار على مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها: العدالة، والشفافية، والمسؤولية، وحماية الخصوصية، وضمان سلامة الاستخدام.

ويؤكد هذا الإطار التنظيمي أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي يجب أن يهدف إلى دعم القرار السريري للطبيب، وتعزيز جودة الرعاية الطبية، لا أن يحل محل الحكم الطبي أو المسؤولية المهنية للطبيب. ويتماشى هذا التوجه مع المعايير الدولية التي تشدد على أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لتحليل البيانات الطبية، بينما تبقى المسؤولية النهائية عن القرار العلاجي بيد الطبيب.


مقالات ذات صلة

دراسة: المبيض يستمر في العمل بعد انقطاع الطمث

صحتك نموذج توضيحي للرحم والمبيضين... أظهرت دراسة استمرار النشاط البيولوجي للمبايض بعد انقطاع الطمث (بيكسلز)

دراسة: المبيض يستمر في العمل بعد انقطاع الطمث

كشفت دراسة، تغيِّر النظرة السائدة، عن أن المبايض لا تدخل في حالة خمول بعد انقطاع الطمث، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تلعب دوراً في الشيخوخة والأمراض المزمنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

أدى ازدهار مجال الصحة والعافية إلى ظهور مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية تَعِد بتحسين الصحة والسعادة،

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

تكشف دراسة علمية جديدة عن تفاصيل غير مسبوقة حول الطريقة التي يُنظِّم بها الحمض النووي خلايا الجهاز المناعي بعدما نجح باحثون في رسم أول خريطة ثلاثية الأبعاد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك أجهزة سمعية مطورة وملحقاتها في معرض المؤتمر

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل السمع... والسعودية تواكب أحدث تقنيات زراعة القوقعة

دراسة حديثة تكشف تحسناً في فهم الكلام باستخدام الخوارزميات الذكية

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
أوروبا صور كارل دايسروث وبيتر هيغمان ويورغ ناغل تُعرض على شاشة تزامناً مع إعلان منحهم جائزة نوبل في الطب (أ.ب)

«نوبل الطب» لأميركي وألمانيَّين لأبحاثهم في البصريات الوراثية

مُنحت جائزة نوبل في الطب لعام 2026 للأميركي كارل دايسروث والألمانيين بيتر هيغيمان ويورغ ناغل، وفق ما أعلنت لجنة نوبل في استوكهولم، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان
TT

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

يمنح الذكاء الاصطناعي أبحاث إطالة العمر مساراً مستقبلياً جديداً من خلال توفير أدوات أفضل لتحديد التدخلات المحتملة، وطرق أكثر فاعلية لدراسة تأثيرات تلك التدخلات على البشر، كما كتب د. أليكس جافورونكوف. (*)

تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة

وتُبرز نتائج بحثين صدرت أخيراً عن فريقنا العلمي وشركائنا الأكاديميين، هذا التطور، حيث قدمنا في دورية «سيل» (Cell) ​​أدوات مفتوحة لتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يساعد الباحثين على تحديد أهداف دوائية محتملة في بيولوجيا الشيخوخة . أما في دورية «نيتشر بايوتكنولوجي» (Nature Biotechnology)، فقد بحثنا في كيفية دمج «قياسات الشيخوخة» المستمدة من عينات الدم ضمن التجارب السريرية لعقار طُوِّر باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ورغم أنه لا يمكننا الجزم حالياً بأن هذا العقار سيطيل عمر أي شخص، فإن هذه الدراسات تشير إلى مستقبل واعد في مجال تطوير الأدوية، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد علاجات محتملة، مع دراسة تأثيرات تلك العلاجات على بيولوجيا الشيخوخة بالتوازي مع تأثيراتها على الأمراض التي صُممت هذه الأدوية لعلاجها.

الذكاء الاصطناعي يوسع نطاق الاكتشاف

إن الذكاء الاصطناعي قادر على توسيع نطاق ما يمكن للعلماء اكتشافه وقياسه، بينما تظل التجارب العلمية الدقيقة والتجارب السريرية هي السبيل لتحديد أي من هذه التطورات يؤدي فعلياً إلى تحسين الصحة. وهكذا، يمكن لأدوات البحث المتاحة اليوم أن تصبح حجر الأساس لأدوية الغد.

أعتقد أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في نهاية المطاف في مضاعفة متوسط ​​عمر الإنسان. لكن هذا يظل طموحاً، وليس توقعاً يمكننا إثبات صحته اليوم. أما الفرصة المتاحة حالياً فهي تطوير أدوية أفضل، وبناء البنية التحتية اللازمة لاختبارها.

اكتشاف الأدوية يسير وفق إيقاعين

يعتمد اكتشاف الأدوية على إيقاعين: أحدهما حاسوبي، والآخر بيولوجي.

الإيقاع الحاسوبي. يسير الإيقاع الحاسوبي بسرعة كبيرة، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل البيانات البيولوجية، وتحديد الأهداف الدوائية المحتملة، وتوليد هياكل كيميائية، ومساعدة العلماء في اتخاذ قرارات بشأن التجارب التي ينبغي إجراؤها، ما يوسع آفاق الاحتمالات التي يمكن للباحثين استكشافها.

أمّا الإيقاع البيولوجي فيسير بوتيرة مختلفة، إذ يتطلب الأمر تصنيع الجزيء واختباره، والتأكد من وصوله إلى الأنسجة المستهدفة، وعمله وفقاً للمتوقع، وخلوه من الآثار الضارة. كما تتطلب الدراسات البشرية استقطاب المشاركين، وتحديد الجرعات المناسبة، وإجراء متابعة كافية لتقييم السلامة والفوائد.

تجربة مع عقار

وتُعد تجربتنا مع عقار «رينتوسيرتيب» (rentosertib) مثالاً يوضح هذا التمييز، فقد طُوِّر هذا العقار لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب idiopathic pulmonary fibrosis، وهو مرض يؤدي إلى تندب الرئتين بشكل تدريجي. وقد ساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد هدف بيولوجي وتصميم جزيء يستهدفه. وتوصلنا خلال 18 شهراً إلى مادة «ما قبل سريرية» مُرشحة لهذا الهدف. كان ذلك بمنزلة إنجاز مهم في مجال الاكتشاف، وليس دواءً نهائياً. ثم تلت ذلك دراسات مختبرية وتجارب سريرية. وأظهرت دراسة المرحلة الثانية (A) تحسناً مُشجعاً في وظائف الرئة، وقد انتقل البرنامج الآن إلى المرحلة الثالثة من الاختبارات. وتُجيب كل مرحلة عن أسئلة لم تستطع المرحلة السابقة الإجابة عنها.

بالنسبة للمسؤولين التنفيذيين والمستثمرين يعني هذا قياس التقدم وفقاً للمعايير الصحيحة. فالتنبؤ الأسرع، والتجربة الواعدة، والتجربة السريرية الناجحة، كلها إنجازات مختلفة. إلا أن وضعها جميعاً على جدول زمني واحد قد يؤدي إلى خلق توقعات غير واقعية حول موعد استفادة المرضى.

«تصغير الأعمار»

طبّق التحليل المنشور في Nature Biotechnology المذكور آنفاً ستة نماذج لتقدير العمر البروتيني على عينات دم من مجموعة فرعية من المشاركين في تجربة «رينتوسرتيب». وتُقدّر هذه النماذج العمر البيولوجي من أنماط البروتينات المنتشرة في الدم. وقد رصدت إمكانات إحداث تحولات علاجية بهدف خلق أنماط أصغر سناً. لكن هذه النتيجة تستحق مزيداً من البحث. ولا تعني بالضرورة أن المرضى يمكن أن يصبحوا أصغر سناً بسنوات. وكان التحليل استكشافياً، وشمل 42 شخصاً مصاباً بمرض رئوي خطير، وامتد لفترة مراقبة قصيرة.

يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين التجارب السريرية

هناك مجال واسع لجعل التطوير السريري أكثر كفاءة. فتحسين تصميم البروتوكولات (العلاجية)، وزيادة فاعلية التوظيف، وتسريع مراجعة البيانات من شأنه أن يقلل من التأخيرات التي يمكن تجنبها. وقد يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين في اختيار القياسات المفيدة وتحديد المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة.

لكن الكفاءة لا تُجيب عن جميع التساؤلات البيولوجية. فقد لا يظهر أثر جانبي نادر إلا بعد أن يتلقى عدد كافٍ من الأشخاص الدواء. لذا فإن النتيجة تتطلب تحقيق فائدة مستدامة.

إنني لا أزال متفائلاً بشأن إمكانية إطالة العمر بشكل جذري. أتوقع أن يتحقق التقدم من خلال أجيال متتالية من الأدوية والتشخيصات والتقنيات الأخرى التي تقي من الأمراض وتعيد الوظائف الحيوية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا في تطوير هذه التطورات ودمجها.

* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنسيليكو ميديسن»، مجلة «فاست كومباني».


لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
TT

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات

ماذا لو وصلت لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) إلى القرى والمناطق النائية دون الحاجة لتبريد شديد؟ قد يعني ذلك تسهيل حملات التطعيم في أماكن تعوقها الحرارة أو انقطاع الكهرباء. هذا ما تُبشر به دراسة جديدة تمنح هذا الاحتمال أساساً تجريبياً، بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

رسم يوضّح دور الجسيمات الدهنية في حماية الحمض النووي الريبي المرسال وإيصاله للخلايا

تركيبات مطورة

طوّر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تركيبات تساعد على حماية هذه اللقاحات من الحرارة، في دراسة نُشرت بمجلة «Nature Biotechnology» في 28 سبتمبر (أيلول) 2026.

وبعد تجفيفها وتخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو لمدة عام في درجة حرارة الغرفة، احتفظت التركيبات المختبَرة بقدرتها على تحفيز جهاز المناعة لدى الفئران بمستوى مماثل للقاحات المستخدَمة للمقارنة.

إنها خطوة واعدة لتخفيف أعباء نقل اللقاحات وتخزينها، لكن الانتقال من نجاح التجارب الحيوانية إلى استخدامها لدى البشر ما زال يحتاج إلى إثبات السلامة والفاعلية.

المشكلة ليست في اللقاح وحده

أظهرت جائحة «كوفيد-19» إمكانات تقنية تطوير الحمض النووي الريبي المرسال «mRNA»، وكشفت تحدياً عملياً: كيف نحافظ على فاعلية اللقاح أثناء تخزينه ونقله؟ فالحمض النووي الريبي المرسال جزيء سريع التحلل، تُحيط به جسيمات نانوية دهنية (LNPs) تحميه وتساعده على دخول الخلايا. ومع ذلك تحتاج بعض هذه المستحضرات إلى التخزين في درجات حرارة شديدة الانخفاض.

رسم توضيحي لآلية عمل لصقات الإبر المجهرية التي تخترق الطبقة السطحية من الجلد ثم تذوب لتُطلق اللقاح المطور

وهنا تصبح متطلبات الحفظ عاملاً مؤثراً في وصول اللقاحات إلى الناس، فسلسلة التبريد تحتاج إلى تجهيزات متخصصة وكهرباء مستقرة ومراقبة للحرارة طوال النقل والتخزين؛ وهي شروط يصعب ضمانها في بعض المناطق النائية.

عندما تدخل الخوارزمية المختبر

طوّر الفريق العلمي نظاماً للذكاء الاصطناعي باسم «AGENT» يساعد الباحثين على اختيار التركيبات التي تستحق الاختبار. ويتعلّم النظام من نتائج التجارب السابقة، ويقترح خلطات يُرجَّح أن تحمي اللقاح من الحرارة، بدلاً من اختبار الاحتمالات واحداً تلو الآخر.

بدأ الباحثون بفحص نحو 50 مادة مساعِدة معتمَدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، واختاروا خمساً واعدة، ثم اقترح النظام نسب مَزجها، واختبر العلماء مدى قدرتها على حماية اللقاح. ومع كل جولة، أعادوا النتائج إليه ليحسّن اقتراحاته التالية. وخلال ست جولات استغرقت نحو شهر، توصّل الفريق إلى تركيبات محسَّنة، بعد محاولات يدوية امتدت أشهراً.

شهران عند 37 درجة مئوية

حوّل الباحثون اللقاحات إلى تركيبات صلبة بإزالة الماء تحت ضغط منخفض، واختبروا تخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو عامٍ في درجة حرارة الغرفة.

وأظهرت الاختبارات على حيوانات التجارب أن التركيبات المطوَّرة حفّزت جهاز المناعة بمستوى لا يقل عن اللقاحات الطازجة المستخدمة للمقارنة. ونجحت الطريقة مع جسيمات دهنية شبيهة بتلك المستخدمة في لقاحَي «موديرنا» و«فايزر»، باستعمال المواد المساعدة نفسها بنسب مختلفة.

لصقة بدلاً من الحقنة

قد يفتح تحمّل الحرارة الباب أمام طريقة أخرى لإعطاء اللقاح: لصقات تحمل مئات الإبر المجهرية المحمّلة به. وعند وضعها على الجلد، تذوب هذه الإبر وتُطلق محتواها، لتوصيل اللقاح دون استخدام الحقنة التقليدية.

واستخدم الباحثون التركيبة المطوّرة لصنع لصقات لقاح ضد الفيروس المسبّب لـ«كوفيد-19». وفي التجارب الحيوانية حفّزت جهاز المناعة بمستوى مماثل للقاحات RNA المحقونة، ما يدعم إمكان الجمع بين سهولة التخزين وطريقة مختلفة لإعطاء اللقاح.

ويظل من تحديات هذه اللصقات ضمان إيصال الجرعة المطلوبة بصورة موثوقة، وإنتاجها بجودة ثابتة.

لوحات إرشادية توضّح مراحل تلقي لقاح «كوفيد-19» في مدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

قد تكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في العالم العربي، حيث تتداخل الحرارة والمسافات الطويلة وتفاوت الخدمات الصحية لتجعل إيصال اللقاحات إلى بعض المناطق أكثر صعوبة. فالتحدي لا ينتهي بوصول الشحنة إلى مستودع مركزي؛ بل يستمر حتى نقل الجرعة إلى مركز صحي بعيد أو فريق تطعيم متنقّل.

وقد تمنح اللقاحات الأكثر تحمّلاً للحرارة هذه الفرق مرونة أكبر، وتخفّف اعتمادها على تجهيزات التبريد، خصوصاً حين تتكرر انقطاعات الكهرباء. وإذا ثبت نجاحها عملياً، فقد تساعد على تقليل تلف الجرعات وتوسيع نطاق الحملات.

لكن التخزين عند 37 درجة مئوية في ظروف مضبوطة لا يحاكي بالضرورة رحلة نقل تتقلب فيها الحرارة تحت شمس الصحراء. لذلك، يلزم اختبار التركيبات في ظروف التوزيع الفعلية وتحديد شروط حفظها بدقة. وتظل «لقاحات بلا ثلاجات» أفقاً واعداً، لا إعلاناً عن انتهاء سلسلة التبريد.

بين الخوارزمية والتحقق السريري

سرّع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى تركيبات واعدة، لكن التجارب المخبرية والحيوانية هي التي اختبرت أداءها، فالخلطة التي يقترحها النظام تظل احتمالاً يحتاج إلى دليل: هل تحمي اللقاح أثناء التخزين؟ وهل يحتفظ بقدرته على تحفيز المناعة؟

وقبل استخدامها لدى البشر، يلزم تقييم السلامة والفاعلية في دراسات سريرية، والتحقق من إمكان تصنيعها بكميات كبيرة وبجودة ثابتة. فنجاح عيّنة في المختبر لا يضمن وحده نجاح إنتاج آلاف الجرعات ونقلها وحفظها، كما لا يعني اعتماد المواد المساعِدة منفردةً اعتمادَ التركيبة الجديدة تلقائياً.

وتزداد أهمية أن تتمكن فِرق مستقلة من تكرار النتائج، وأن تتضح البيانات التي استندت إليها الخوارزمية وحدود توقعاتها. فقيمة تسريع البحث تتحقق حين يقود إلى لقاحات آمنة وفعّالة يمكن الوثوق بها خارج المختبر.

من تحليل البيانات إلى تصميم اللقاحات

تُظهر الدراسة كيف يمتد دور الذكاء الاصطناعي من تحليل الأشعة والسجلات إلى تطوير اللقاح نفسه، بما يشمل إمكان حفظه ونقله وإعطائه بعيداً عن ظروف المختبر المضبوطة.

قد لا تختفي ثلاجات اللقاحات غداً، لكن قيمة هذا التقدّم ستتضح حين تصل جرعة فعّالة إلى مركز صحي بعيد، أو تصبح حملة تطعيم أقل عرضة للتعطّل بسبب انقطاع الكهرباء. عندها، يتحوّل اختصار وقت البحث إلى تقليص المسافة بين الاكتشاف والمريض.


مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
TT

مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ

قطعت مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس (Perseverance)» مسافةً أبعد من أي مركبة أخرى في النظام الشمسي، باستثناء المركبات الموجودة على الأرض، بالطبع.

28 ميلاً... وما زال العد مستمراً

تجاوز عداد مركبة «برسيفيرانس» مسافة 28.06 ميل، وهي المسافة التي قطعتها داخل وحول فوهة «جيزيرو» منذ هبوطها على سطح المريخ في فبراير (شباط) 2021. ويتجاوز هذا الرقم المسافة التي قطعتها «أوبورتيونيتي»، إحدى مركبات «ناسا» الجوالة الأصغر حجماً في وقت سابق من عام 2004 حتى توقفها عن العمل في عام 2018. وأعلن مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» الذي يُشغّل المركبة، هذا الخبر، يوم الاثنين الماضي، بعد تأكيد موقع «برسيفيرانس» ومسافة قيادتها الإجمالية الجديدة: 28.1 ميل.

وكان مديرو المهمة يعتقدون أن «برسيفيرانس» ستتجاوز هذا الإنجاز في أغسطس (آب)، لكنها عثرت بعد ذلك على صخور فاتحة اللون مثيرة للاهتمام، يُحتمل أن تكون من أقدم الصخور التي دُرست على سطح المريخ. لذا، توقفت عن العمل لمدة شهرين.

وقالت كاتي ستاك مورغان العالمة المشرفة على المشروع، في مقابلة أُجريت معها في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «العلم هو السبب وراء وجود هذه المركبة الجوالة على سطح المريخ. نحن متحمسون لتحقيق الرقم القياسي حالما يتحقق. ولكن في الوقت الراهن، فإن (دراسة) الصخور هي المحرِّك الحقيقي للمهمة».

ومن المرجح أن تكون أميال طويلة أمام مركبة «برسيفيرانس» لتقطعها في السنوات المقبلة. إليكم بعض المحطات البارزة من رحلتها حتى الآن.

مظلة مركبة «برسيفيرانس» الفضائية أبطأت هبوطها على سطح المريخ.

المحطة الأولى: الهبوط في فوهة جيزيرو

في 18 فبراير 2021، هبطت مركبة «برسيفيرانس» في فوهة بركان جيزيرو على سطح المريخ، وهي منخفض يبلغ عرضه 30 ميلاً، كان بحيرة عندما كان الكوكب أكثر دفئاً ورطوبة، خلال السنوات الأولى للنظام الشمسي.

حمل الرسم الموجود على المظلة، التي أبطأت مركبة «برسيفيرانس» الفضائية في أثناء هبوطها عبر الغلاف الجوي للمريخ، رسالة سرية: «تجرأ على فعل أشياء عظيمة».

رحلة مروحية المريخ

من بين المهام المبكرة للمهمة، كانت هناك مهمة لم تتطلب قيادة تُذكر. كانت مروحية صغيرة تُدعى «إنجينيويتي (Ingenuity)» مُخبأة أسفل مركبة «برسيفيرانس». وبمجرد هبوطها على سطح المريخ، قامت «إنجينيويتي» بأولى رحلاتها المُتحكَّم بها والمُزوَّدة بالطاقة على كوكب آخر. وبقيت «برسيفيرانس» بالقرب منها للمراقبة ونقل البيانات من المروحية إلى الأرض.

كانت الرحلات التجريبية الـ4 ناجحة للغاية، ما دفع مديري المهمة إلى اتخاذ قرار بمرافقة «إنجينيويتي» لـ«برسيفيرانس» في استكشافها للمريخ. وقد قامت «إنجينيويتي» بـ72 رحلة حتى تعطَّلت إحدى مراوحها في يناير (كانون الثاني) 2024.

اختبار القيادة الذاتية

أمضت «برسيفيرانس» معظم عامها الأول في التجوال حول قاع فوهة جيزيرو، المُكوَّنة من صخور كانت انصهرت ثم تصلبت في أعقاب اصطدام نيزك شكّل الفوهة.

وعلى غرار بعض أحدث السيارات على وجه الأرض، تستخدم مركبة «برسيفيرانس» تقنية القيادة الذاتية لتحديد مسارها من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» دون الحاجة إلى توجيهات تفصيلية من الأرض. وبفضل شريحة حاسوبية إضافية أسرع، تتفوق «برسيفيرانس» في هذا المجال على نظيرتها «كيوريوسيتي»، التي هبطت قبلها بأكثر من 8 سنوات وقطعت مسافة أقل، (كما أن «كيوريوسيتي»، المتجهة نحو قمة جبل، ليست في عجلة من أمرها).

قدرات «برسيفيرانس»

تتجاوز قدرات «برسيفيرانس»، التي لا يتجاوز حجمها حجم سيارة صغيرة، بكثير ما استطاعت «سوجورنر (Sojourner)»، أول مركبة روبوتية تابعة لـ«ناسا»، إنجازه عام 1997. فقد قطعت تلك المركبة مسافة 341 قدماً - أي أقل من خُمس ميل - على مدار 12 أسبوعاً، ولم تكن قادرة إلا على تنفيذ الأوامر المُرسلة إليها بدقة. وفي إحدى المرات، علقت إحدى عجلاتها في صخرة بسبب خطأ في تقدير المسافة من قِبل المشرف عليها.

وقال ماثيو والاس، مهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا»، واصفاً العمل المعقد الذي كان على فريق من المهندسين على الأرض القيام به لمجرد التخطيط لرحلة قصيرة لمركبة «سوجورنر»، مقارنةً بما تستطيع مركبة «برسيفيرانس» القيام به بمفردها: «الأمر مختلف (الآن) تماماً».

ذراع الروبوت التابع لمركبة «برسيفيرانس»

أنهار وصخور وتلال

بعد استكشاف قاع الفوهة، كانت المرحلة التالية من رحلة «برسيفيرانس»، التَّوجُّه إلى دلتا نهر قديم على طول الفوهة، حيث وصلت في أبريل (نيسان) 2022. عُدَّ هذا الموقع واعداً للبحث عن آثار بقايا عضوية، في حال وُجدت حياة على المريخ في أي وقت مضى. كان هذا هو الدافع الرئيسي لـ«ناسا» لاختيار فوهة جيزيرو وجهةً لـ«برسيفيرانس».

ما وراء جيزيرو

انطلقت مركبة «برسيفيرانس» من جيزيرو، وهي الآن تستكشف صخوراً يبلغ عمرها نحو 4 مليارات سنة في منطقة تُعرف باسم بحيرة شارم، نسبةً إلى خزان مائي في فرنسا. لا توجد صخور بهذا القِدم على الأرض، لأن حركة الصفائح التكتونية تدفع القشرة القارية باستمرار إلى باطن الكوكب.

صخور فاتحة اللون على الكوكب الأحمر

وقالت فيفيان صن، نائبة رئيس المشروع: «ما تقدِّمه لنا (برسيفيرانس) هو في الواقع نظرة على تاريخ النظام الشمسي المبكر جداً، أي خلال نصف المليار سنة الأول. هناك كثير مما يمكننا تعلمه من هذه الصخور». وتشمل هذه الصخور تلك ذات اللون الفاتح التي أثارت اهتمام علماء «ناسا» منذ أغسطس الماضي.

يتكوَّن معظم قشرة المريخ من البازلت، وهو صخر بركاني دقيق الحبيبات ذو لون رمادي داكن. (يُعزى اللون الأحمر للمريخ إلى الغبار، فعندما تتعرَّض الصخور للتعرية (نتيجة المناخ)، يصدأ الحديد الموجود في المعادن). وقالت الدكتورة ستاك مورغان: «لذا، كلما رأينا شيئاً فاتح اللون بشكل واضح، فإنه يلفت انتباهنا».

في الطرف الشمالي لوادٍ في بحيرة شارم، رصد العلماء مجموعة من الصخور فاتحة اللون، فانحرفت المركبة الجوالة عن مسارها لإلقاء نظرة عليها.

تُعرف هذه الصخور فاتحة اللون باسم «غابرو (gabbros)»، وهي صخور بركانية خشنة الحبيبات تشبه في تركيبها البازلت، ولكنها على الأرجح تَشكَّلت في أعماق أكبر تحت سطح الأرض حيث بردت الصهارة ببطء أكبر، ما سمح بتكوّن بلورات أكبر. وأضاف الدكتور ستاك مورغان: «لقد لاحظنا في هذه الصخور أدلة على انصهار شديد وصدمة قوية، وهذا بالضبط ما نتوقع رؤيته في صخور ما قبل جيزيرو القديمة جداً التي تمثل قشرة المريخ».

لغز غامض

يعتقد العلماء أن كتل الصخور قد تكون ناتجة عن 3 اصطدامات نيزكية منفصلة: الأول أدى إلى انصهار قشرة المريخ وتكوين الغابرو، والثاني خلق أنماطاً من الصدمات وانصهاراً إضافياً، والثالث دفعها إلى موقعها الحالي خارج جيزيرو مباشرةً. وقال الدكتور ستاك مورغان: «إنها أشبه بلغزٍ غامض».

حاولت مركبة «برسيفيرانس» حفر إحدى الصخور، لكن جمع عينة منها كان بالغ الصعوبة.

لم تضع «ناسا» خططاً طويلة الأجل بشأن وجهة «برسيفيرانس» بعد انتهاء مسحها للمنطقة الحالية. وفي مرحلة ما، ستحتاج الوكالة أيضاً إلى تحديد مصير عينات الصخور التي تحملها «برسيفيرانس». لكن مشروع «إعادة عينات المريخ»، الذي كان من المفترض أن يعيدها إلى الأرض، قد أُلغي، لأن المهمة، التي كانت ستكون تعاوناً بين «ناسا» و«وكالة الفضاء الأوروبية»، عُدَّت باهظة التكلفة. وقد تُعيد «ناسا» إحياء المشروع بوصفه مهمةً تجاريةً، لكنها لم تُصدر أي بيانات بهذا الشأن.

مسافة قياسية

قبل الإطلاق، أكدت «ناسا» قدرة مركبة «برسيفيرانس» على قطع مسافة 20 كيلومتراً، أو 12.4 ميل. وقال ستيفن لي، مدير مشروع المهمة: «تجاوزنا ذلك بكثير الآن». وتعمل «ناسا» حالياً على توسيع نطاق الاعتماد إلى 100 كيلومتر، أو ما يزيد قليلاً على 62 ميلاً.

وعلق والاس: «أتوقع أن تتجاوز المركبة حاجز الـ100 كيلومتر إذا استمرَّت على هذا المنوال. لكن لا شيء مؤكد. قد نكتشف موقعاً بالغ الأهمية لإجراء دراسات علمية، فنقرِّر البقاء فيه لفترة طويلة واستكشافه».

* خدمة «نيويورك تايمز».