سباق أميركي ــ صيني لاستكشاف القمر

بين مهمات «أرتيميس» الأميركية ورحلات المركبات الفضائية الصينية

جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
TT

سباق أميركي ــ صيني لاستكشاف القمر

جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر
جهود أميركية حثيثة لاستكشاف القمر

لطالما نفت وكالة الفضاء الصينية المأهولة (CMSA) وجود أي منافسة مع الولايات المتحدة على غرار سباقها مع الاتحاد السوفياتي السابق، للوصول إلى القمر في ستينات القرن الماضي. ومع ذلك، نجد أنه رويداً رويداً، وعلى امتداد عقود، بنت الصين برنامجاً فضائياً مأهولاً يسعى نحو أهداف تتضمن إنزال رواد فضاء على سطح القمر بحلول عام 2030، وإنشاء قاعدة هناك في السنوات اللاحقة.

تنافس صيني - أميركي

مع استمرار تأجيل مواعيد إطلاق مهمة «أرتيميس 3»، التابعة لـ«ناسا» للهبوط على سطح القمر، بدأت تتصاعد حدة تصريحات القيادات الأميركية بمجال الفضاء تجاه سباق الفضاء مع بكين. وفي هذا الصدد، صرّح جاريد أيزكمان، الرئيس الجديد لوكالة «ناسا»، ديسمبر (كانون الأول) الماضي: «نحن في خضم منافسة شرسة مع منافس يمتلك الإرادة والأدوات التي تمكنه من تحدّي التميّز الأميركي عبر مجالات متعددة، بما في ذلك الريادة في مجال الفضاء. ليس هذا وقت التأجيل، بل وقت العمل، لأننا إن تخلفنا عن الركب - إن ارتكبنا خطأً - فقد لا نتمكن من اللحاق بالركب ثانية أبداً، وقد تبدل عواقب ذلك موازين القوى هنا على الأرض».

ورغم تأخر إطلاق مهمة «أرتيميس 2» التابعة لـ«ناسا»، لنقل طاقم من رواد الفضاء في رحلة تجريبية حول القمر، فقد صرّح البيت الأبيض بأن على رواد الفضاء الأميركيين إعطاء الأولوية للهبوط على سطح القمر بحلول عام 2028. وهنا، ثمة تساؤلات تفرض نفسها: هل بمقدور بكين أن تسبقهم؟ وكيف ستجري الرحلة القمرية الصينية؟ وهل يمتلك البرنامج الفضائي الصيني تكنولوجيا تُضاهي أو تتفوق على نظيرتها الأميركية؟

تقول نامراتا غوسوامي، الأستاذة بجامعة جونز هوبكنز، في حديث نقله موقع «سبيكتروم» التابع لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين الإلكتروني: «لا أحد (في الصين) يُجادل بأننا في سباق فضائي. ومع ذلك، فإنهم ربما يضطلعون بجهود تُظهر الصين باعتبارها قوة فضائية، وهم جادّون للغاية في الوصول إلى مكانة متقدمة على هذا الصعيد».

مركبات فضائية صينية

أما المركبتان الفضائيتان «مينغتشو» (Mengzhou) و«لانيو» (Lanyue)، فتعتمد المعدات القمرية الصينية على أساس هندسي قائم بالفعل، وتقوم على أساس سفينة فضائية متعددة الأغراض تُدعى «مينغتشو»، تتسع لستة أو سبعة رواد فضاء، مع إمكانية سفر ثلاثة رواد فضاء فقط في رحلة من الأرض إلى مدار قمري منخفض. وبحسب ما عرضته وكالة الفضاء الصينية، تتضمن المركبة «مينغتشو» قسماً للطاقم على شكل مخروط ناقص، مع وحدة خدمة في الخلف تضم أنظمة الطاقة والدفع.

وإذا دققت النظر فستلاحظ تشابهاً مع مركبات الفضاء الأميركية «أرتيميس» أو «أبولو»، أو مركبة «كرو دراغون» التابعة لشركة «سبيس إكس»، أو مركبة «نيكس» الأوروبية، التي لم تُجرَّب بعد. وجدير بالذكر أن مبادئ الديناميكا الهوائية الأساسية، تجعل من المخروط الناقص شكلاً فاعلاً للغاية لإطلاق مركبة فضائية بأمان، وإعادتها عبر الغلاف الجوي للأرض.

ويجري التسويق لمركبة «مينغتشو» باعتبارها قابلة لإعادة الاستخدام، إذ تتميز بدرع حرارية خارجية يمكن استبدالها بعد الرحلة. ومن المقرر أن تجري عمليات الهبوط في صحراء غرب الصين. وجاء في بيان صادر عن وكالة الفضاء الصينية: «بالإضافة إلى أسلوب الهبوط باستخدام الوسائد الهوائية، يمكن حماية المركبة الفضائية بشكل أفضل من التلف، ما يسمح بإعادة استخدامها».

ومن المقرر إطلاق المركبة بواسطة صاروخ «لونغ مارش 10» الجديد ذي القدرة العالية على الرفع، وهو أحد صاروخين يُستخدمان في أي مهمة قمرية محددة. ويبلغ ارتفاع صاروخ «لونغ مارش 10»، المعد للرحلات القمرية، 92.5 مترً عند الإطلاق، ويولد قوة دفع تبلغ 2678 طناً. وتجدر الإشارة إلى أن صاروخ «أرتيميس 2» أقوى، إذ تبلغ قوته 3992 طناً.

وستنطلق «مينغتشو» إلى القمر بعد أن يُطلق صاروخ «لونغ مارش 10» آخر مركبة هبوط قمرية تحمل اسم «لانيو». وسيلتقي الصاروخان ويرسوان في مدار قمري، وسينتقل رائدا فضاء إلى «لانيو» ويهبطان على سطح القمر. بعد ذلك، ستنتظر مركبة «مينغتشو» رائدي الفضاء في مدارها للعودة إلى الأرض. يذكر أن كتلة مركبة «لانيو» تقدر بـ26 طناً، ويمكنها حمل مركبة جوالة تزن 200 كيلوغرام.

من ناحيتها، أفادت السلطات الصينية بأن اختبارات «لانيو» بدأت عام 2024. ومن المقرر أن تنطلق «مينغتشو» في أول رحلة آلية لها عام 2026، و«لانيو» عام 2027. أما أول مهمة اختبار مشتركة فمُخطط لها في عام 2028 أو 2029، على أن يتوجه أول طاقم إلى القمر بعد ذلك بعام.

خطة صينية طويلة الأجل

ما خطة بكين طويلة الأجل للفضاء؟ يغفل التركيز على المعدات فرقاً جوهرياً بين جهود بكين وواشنطن للهبوط على القمر؛ فبرنامج «أرتيميس» يعدّ نتاجاً لنقاشات متقطعة داخل أروقة الحكومة الأميركية منذ انتهاء برنامج «أبولو» في سبعينات القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، تغيرت الأهداف مراراً وتكراراً، غالباً مع تولي رؤساء جدد مناصبهم.

وفي المقابل، نجد أن الحملة الصينية نتاج خطة تسمى «مشروع 921»، نالت دعم الحزب الشيوعي الصيني للمرة الأولى عام 1992. ورغم تعرضها لبعض التحديثات وبعض النكسات التكنولوجية، ظلت الصين ملتزمة بها إلى حد كبير منذ ذلك الحين.

وعن ذلك، تقول غوسوامي: «ما ميّز الجهود الصينية في مجال الفضاء عن غيرها، دمج جميع العناصر؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد إطلاق مهمة، بل يتجاوز ذلك بكثير. إنهم ينظرون إلى الفضاء باعتباره نشاطاً كاملاً، وليس مجرد مهمات».

وبعبارة أخرى، كما تقول الباحثة، فإن كل تكنولوجيا جديدة تعدّ جزءاً من جهد منسق لخلق وجود مستدام في الفضاء، الأمر الذي يُحقق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية، وأحياناً عسكرية. وقد تكاملت جميع هذه العناصر، حتى الآن، بعضها مع بعض؛ فقد أطلقت أول كبسولة مدارية، «شنتشو 1» عام 1999، ما أسهم في إنجاز أول رحلة لرائد فضاء، يانغ ليوي، على متن «شنتشو 5» عام 2003. بعد ذلك، تطورت المحطات الفضائية (سلسلة «تيانغونغ»)، التي بدأت عام 2011، والتي يسافر إليها طاقم «شنتشو» بانتظام منذ ذلك الحين (أُطلقت «شنتشو 22» في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي). ومن المنتظر أن تتولى «مينغتشو»، نهاية المطاف، دور المركبة الرئيسية لنقل الطاقم في رحلات الفضاء حول الأرض.

في غضون ذلك، شهدنا وتيرة ثابتة لإطلاق المركبات الفضائية الروبوتية المدارية والهابطة على سطح القمر (أعادت مركبة «تشانغ إي - 6» أول عينة تربة من الجانب البعيد للقمر عام 2024)، وسيتبعها، كما قيل لنا الآن، رواد فضاء صينيون.

وبذلك يتضح أن الصينيين بدأوا ببطء وتأنٍّ، عن عمد، مع فترات راحة طويلة بين المهمات، ولم تكتسب جهودهم بمجال الفضاء زخماً واضحاً إلا في الفترة الأخيرة. وفي بعض الأحيان، استعانوا بخبرات دول أخرى. على سبيل المثال، استعارت كبسولة «شنتشو» المأهولة في التسعينات، جزءاً كبيراً من تصميمها من مركبة «سويوز» الروسية.

ويشير كثير من المهندسين، اليوم، إلى أن خطة «مينغتشو - لانيو» تشبه إلى حد كبير ما اقترحه مدير «ناسا» آنذاك، مايكل غريفين، لبرنامج «كونستليشن»، التابع لـ«ناسا»، عام 2005، وهو عبارة عن مركبة مأهولة تُطلق بواسطة صاروخ، ومركبة هبوط على سطح القمر بواسطة صاروخ آخر، حيث ينتقل رواد الفضاء إلى مركبة الهبوط بمجرد وصولهم إلى مدار القمر.

وبالتأكيد، فإن إطلاق كبسولة مأهولة ومركبة هبوط على سطح القمر، سيشكل عبئاً كبيراً على عملية إطلاق واحدة، كما كانت الحال مع برنامج «أبولو - ساتورن 5»، لأن عمليات الهبوط ستكون أكثر طموحاً مما يمكن إنجازه باستخدام وحدة الهبوط القمرية البسيطة لبرنامج «أبولو»، نظراً لطول مدة الإقامة وتجهيزات القاعدة القمرية.

من جهته، يقول مدير سابق رفيع المستوى في وكالة «ناسا»، طلب، كغيره، عدم ذكر اسمه: «يسعى الصينيون إلى تصميم مشابه لتصميم برنامج (أبولو). وهذا أمر مفهوم، لأن طموحهم يكمن في السرعة، وقد نجح برنامج (أبولو)».

ولهذا السبب يتحدث جاريد أيزكمان عن ضرورة الإسراع من وتيرة الجهود التي تبذلها وكالة «ناسا». وقد تجنب حتى الآن ذكر كلمة «الصين» علانية؛ فالصينيون، على حد تعبيره، هم عادةً «خصمنا الأكبر» أو «منافسنا».

من جهتهم، يقول بعض المخضرمين في وكالة «ناسا» إن الصين قد تُسهم في دفع الوكالة نحو مزيد من السرعة والمرونة. ويشيرون إلى أن نجاح برنامج «أبولو» يعود، إلى حد كبير، إلى سباق التفوق على الاتحاد السوفياتي. وقد يُساعد التحدي الصيني - حتى إن كان غير مُعلن أو متخيلاً - برنامج «أرتيميس» في المضي قدماً. وقال أيزكمان لموظفي «ناسا»: «لدينا منافس قوي يتحرك بسرعات مُذهلة، ومن المُقلق التفكير في عواقب فشلنا في الحفاظ على تفوقنا التكنولوجي والعلمي والاقتصادي في الفضاء. إن الوقت يداهمنا!».


مقالات ذات صلة

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

يتحول الاحتيال الرقمي إلى منظومة عالمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي مع تضاعف احتيال العملاء، وازدهار أسواق الإنترنت المظلم، وتسارع المدفوعات الرقمية

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد أحد مراكز البيانات التابعة لـ«أمازون ويب سيرفسز» (الشركة)

ماذا يعني تعطل خدمات «أمازون» في الإمارات والبحرين؟

تعطل خدمات «أمازون ويب سيرفسز» في الإمارات والبحرين يوقف الأنشطة المرتبطة بهذه المراكز في المنطقة، ويؤثر على استمرارية عمل الشركات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تقترح دراسة من جامعة واترلو إدماج عناصر من الحكمة البشرية في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي (بيكسلز)

دراسة تسأل: هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى «الحكمة» ليصبح أكثر موثوقية؟

يقترح باحثون تطوير ذكاء اصطناعي أكثر حكمة عبر إدماج «الميتامعرفة» والتواضع المعرفي وفهم السياق لتحسين قرارات الأنظمة في البيئات المعقدة

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعتمد الجهاز على شاشة ثانية قابلة للفصل ومنافذ قابلة للاستبدال ولوحة مفاتيح منفصلة لتوفير مرونة في بيئات العمل المختلفة (لينوفو)

مفهوم حاسوب محمول قابل لإعادة التشكيل وفق بيئة العمل من «لينوفو»

نموذج مفاهيمي يتحدى التصميم الثابت التقليدي لأجهزة الكمبيوتر المحمولة الحديثة

نسيم رمضان (لندن)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.