نظرة إلى الذكاء الاصطناعي... وصحة الدماغ في 2025

مذنبات سماوية متألقة وأبحاث متقدمة حول «إنسان دينيسوفان»

الانسان ضائع في عصر الذكاء الاصطناعي وهلوساته
الانسان ضائع في عصر الذكاء الاصطناعي وهلوساته
TT

نظرة إلى الذكاء الاصطناعي... وصحة الدماغ في 2025

الانسان ضائع في عصر الذكاء الاصطناعي وهلوساته
الانسان ضائع في عصر الذكاء الاصطناعي وهلوساته

إليكم ما يقوله أربعة من الاختصاصيين في حول الجوانب العلمية التي أثارت اهتمامهم في عام 2025.

الذكاء الاصطناعي: محتوى منمق وغير منطقي

نحن نغرق في بحر من المحتوى المُنمّق وغير المنطقي الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي، كما تتحدث الكاتبة أنالي نيويتز، صاحبة عمود «هذا يُغيّر كل شيء»، عن كيفية انتشار المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في عام 2025.

لا شك أن 2025 سيُذكَر بوصفه عام المحتوى المُنمّق. وهذا المصطلح الشائع يُطلق على المحتوى غير الصحيح والغريب، بل والقبيح في كثير من الأحيان، الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي، وقد أفسد تقريباً كل منصة على الإنترنت... إنه يُفسد عقولنا أيضاً.

لقد تراكمت كميات هائلة من هذا المحتوى المُنمّق خلال السنوات القليلة الماضية، لدرجة أن العلماء باتوا قادرين على قياس آثاره على الناس بمرور الوقت.

• نشاط دماغي أقل لدى المستخدمين. وجد باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الأشخاص الذين يستخدمون نماذج لغوية ضخمة (LLMs)، مثل تلك التي تقف وراء برنامج «تشات جي بي تي»، لكتابة المقالات، يُظهرون نشاطاً دماغياً أقل بكثير من أولئك الذين لا يستخدمونها.

• آثار سلبية على الصحة النفسية. ثم هناك الآثار السلبية المحتملة على صحتنا النفسية، حيث تشير التقارير إلى أن بعض برامج الدردشة الآلية تُشجع الناس على تصديق الأوهام أو نظريات المؤامرة، بالإضافة إلى حثّهم على إيذاء أنفسهم، وأنها قد تُسبب أو تُفاقم الذهان.

• تقنية التزييف العميق. أصبحت تقنية التزييف العميق شائعة؛ ما يجعل التحقق من الحقيقة على الإنترنت أمراً مستحيلاً. ووفقاً لدراسة أجرتها «مايكروسوفت»، لا يستطيع الناس التعرف على مقاطع الفيديو التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي إلا في 62 في المائة من الحالات.

وأحدث تطبيقات شركة «اوبن ايه آي» هو «سورا» Sora، وهي منصة لمشاركة الفيديوهات تُنشأ بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي - باستثناء واحد. يقوم التطبيق بمسح وجهك وإدراجك أنت وأشخاص حقيقيين آخرين في المشاهد المزيفة التي يُنشئها. وقد سخر سام ألتمان، مؤسس الشركة، من تبعات ذلك بالسماح للناس بإنشاء فيديوهات يظهر فيها المستخدم وهو يسرق وحدات معالجة الرسومات ويغني في الحمام.

• تقليل الإنتاجية. لكن ماذا عن قدرة الذكاء الاصطناعي المزعومة على جعلنا نعمل بشكل أسرع وأكثر ذكاءً؟ وفقاً لإحدى الدراسات، عندما يُدخل الذكاء الاصطناعي إلى مكان العمل، فإنه يُقلل الإنتاجية، حيث أفادت 95 في المائة من المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بأنها لا تحصل على أي عائد ملحوظ على استثماراتها.

مذنب "سوان" الى يمين تجمّع من النجوم

تدمير الأرواح والوظائف

إن الفساد يُدمر الأرواح والوظائف، ويُدمر تاريخنا أيضاً. أنا أكتب كتباً عن علم الآثار، ويقلقني أن ينظر المؤرخون إلى وسائل الإعلام من تلك الحقبة ويكتشفوا زيف محتوانا، المليء بالخداع والتضليل.

إن أحد أهم أسباب تدويننا الأمور أو توثيقها بالفيديو هو ترك سجل لما كنا نفعله في فترة زمنية محددة. وعندما أكتب، آمل أن أسهم في إنشاء سجلات للمستقبل؛ حتى يتمكن الناس اللاحقون من إلقاء نظرة على حقيقتنا، بكل ما فيها من فوضى.

إن برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تُردد كلماتٍ بلا معنى؛ فهي تُنتج محتوًى لا ذكريات. ومن منظور تاريخي، يُعدّ هذا، من بعض النواحي، أسوأ من الدعاية. على الأقل، إن الدعاية من صنع البشر، ولها هدف محدد، وهي تكشف عن الكثير من سياساتنا ومشاكلنا. أما الزيف فيمحونا من سجلنا التاريخي؛ إذ يصعب استشفاف الغاية منه.

ماذا يخبئ لنا المستقبل؟ ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالفن؟ كيف سنتعامل مع عالمٍ تندر فيه الوظائف، ويتصاعد فيه العنف، ويتم فيه تجاهل علوم المناخ بشكل ممنهج؟

الحفاظ على صحة الدماغ

كيف تعلمتُ الحفاظ على صحة دماغي؟ تتحدث هيلين تومسون، كاتبة عمود في علم الأعصاب، عن تغييرات بسيطة أحدثت فرقاً كبيراً في صحتها هذا العام.

• غذاء صحي: لقد تعلمت أن أعيش بنمط حياة صحي. كل صباح، أضيف ملعقة من الكرياتين إلى الماء، وأشربه مع الفيتامينات المتعددة، ثم أتناول بعض الزبادي العادي الغني بالبكتيريا. ويتناول أطفالي حبوب الإفطار المنزلية، ويشربون الكفير، ويحاولون التحدث بالإسبانية باستخدام تطبيق «دولينغو». وبعد توصيلهم إلى المدرسة، أغطس في بركة ماء باردة، ثم أستريح في الساونا قبل العمل. لاحقاً، أضيف دائماً ملعقة من مخلل الملفوف إلى غدائي، ولا أفوّت فرصة للمشي قليلاً في الحديقة.

حياتي الجديدة المفعمة بالرضا هي نتيجة مباشرة لقضاء عام كامل في البحث عن طرق مثبتة علمياً للحفاظ على صحة الدماغ - من تعزيز الاحتياطي المعرفي إلى تنمية ميكروبيوم صحي. الآن، وأنا أُقيّم الوضع، أرى أن تغييرات بسيطة أحدثت فرقاً كبيراً.

• تجربة طبية. جاء أحد أبسط الدروس من جو آن مانسون في مستشفى بريغهام والنساء في ماساتشوستس، التي أرسلت إلي تفاصيل تجربة واسعة النطاق على كبار السن تُظهر أن تناول الفيتامينات المتعددة يومياً يُبطئ التدهور المعرفي بأكثر من 50 في المائة. وعندما سألت خبراء آخرين عن المكملات الغذائية، إن وُجدت، التي قد تُعزّز صحة الدماغ، برز الكرياتين في ذهني - فهو يُزود الدماغ بمصدر طاقة عندما يكون في أمس الحاجة إليه. لكن التغيير حدث في سلة مشترياتنا الأسبوعية؛ إذ أقنعتني محادثاتي مع علماء الأعصاب وخبراء التغذية بأهمية العناية المستمرة بميكروبيوم الأمعاء. لذا؛ بدأت عائلتي بتطبيق ذلك: تناول ثلاثة أنواع من الأطعمة المخمرة يومياً بناءً على نصيحة عالم الأوبئة تيم سبيكتور، والامتناع عن تناول الأطعمة فائقة المعالجة في وجبة الإفطار، والحرص على إدخال مزيج متنوع من الأطعمة الكاملة في نظامنا الغذائي.

• التواصل مع البيئة. كما أن التعرّض للبرد والحرارة يُمكن أن يُقلل من الالتهابات والتوتر، ويُعزز التواصل بين الشبكات الدماغية المسؤولة عن التحكم في العواطف واتخاذ القرارات والانتباه؛ ما قد يُفسر ارتباطها بتحسين الصحة النفسية. كما أصبح الخروج إلى الطبيعة أولويةً عائلية. فقد تعلمتُ أن البستنة تُعزز تنوع بكتيريا الأمعاء المفيدة، بينما قد يُفيد المشي في الغابات الذاكرة والإدراك، ويُساعد على الوقاية من الاكتئاب.

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو سرعة ظهور النتائج. فبينما تُعدّ بعض العادات استثماراً طويل الأمد في الصحة الإدراكية، إلا أنني مقتنعة بأن عادات أخرى كان لها تأثير فوري: أطفال أكثر هدوءاً، وتحسن في التركيز، وطاقة أكبر. ربما يكون تأثيراً وهمياً، لكن هناك ما يُجدي نفعاً.

مذنبات كونية متألقة

أما شاندا بريسكود - وينشتاين، كاتبة عمود في مجلة «سبيس - تايم»، فقد قدمت ملاحظات ميدانية حول كيفية تصدّر المذنبات عناوين الأخبار في عام 2025.

• المذنب «ليمون» لقد كان عام 2025 حافلاً بالمذنبات. فقد اكتُشف المذنب ليمون Lemmon في يناير (كانون الثاني) الماضي، وظلّ حديث الساعة لمدة تسعة أشهر. كانت صور ذيل ليمون الطويل والجميل، الناتج من تسخين الشمس للمذنب، تخطف أنفاسي في كل مرة.

• المذنب «سوان». ثم كان هناك اكتشاف المذنب C/2025 R2 (سوان) في سبتمبر (أيلول)، وهو مذنب شديد السطوع لدرجة أنه حتى عندما كان قريباً من القمر في عيد «الهالوين»، كان لا يزال مرئياً بوضوح للمراقبين. وكان هناك أيضاً المذنب 3I/أطلس، الذي اشتهر بعد أن أعلن عالم فلك في جامعة هارفارد، متخصص في علم الكونيات، أنه مسبار فضائي.

إن رحلتنا مع المذنبات هذا العام ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة طويلة من ردود فعل البشر تجاه الأجرام السماوية الغامضة التي تظهر في السماء. وبينما نستذكر العام الماضي، شهدنا أحداثاً كثيرة مخيفة ومُحبطة؛ ما قد يدفعنا للاعتقاد بأن هذه المذنبات ربما نذرت بنهاية العالم كما نعرفه.

«إنسان دينيسوفان»

«إنسان دينيسوفان» قلب مفاهيمنا عن الإنسان القديم رأساً على عقب. وهنا يستعرض مايكل مارشال، كاتب عمود «قصة الإنسان»، أهم اكتشافات «إنسان دينيسوفان» لهذا العام.

يصادف هذا العام مرور 15 عاماً على اكتشافنا «إنسان دينيسوفان»، وهي إنسان من مجموعة من البشر القدماء الذين عاشوا في ما يُعرف اليوم بشرق آسيا قبل عشرات آلاف السنين. وقد أثار هذا الإنسان فضولي منذ ذلك الحين؛ لذا سررتُ هذا العام برؤية سلسلة من الاكتشافات المثيرة التي وسّعت فهمنا لمكان عيشهم وهويتهم.

• أدلة من جزيئات إصبع. كان «إنسان دينيسوفان» أول أشباه البشر الذين تم اكتشافهم بشكل أساسي من خلال الأدلة الجزيئية. وكانت أول أحفورة معروفة عبارة عن عظمة إصبع من كهف دينيسوفا في سيبيريا، التي كانت صغيرة جداً بحيث لا يمكن التعرف عليها من خلال شكلها، ولكنها أسفرت عن تحليل الحمض النووي في عام 2010. وأشارت النتائج الجينية إلى أن «إنسان دينيسوفان» كان مجموعة شقيقة لـ«إنسان نياندرتال»، الذي عاش في أوروبا وآسيا. كما أظهرت النتائج أيضاً أنهم تزاوجوا مع الإنسان الحديث.

واليوم، يمتلك سكان بعض مناطق جنوب شرقي آسيا، مثل بابوا غينيا الجديدة والفلبين، أعلى نسب الحمض النووي لـ«إنسان دينيسوفان» في جينوماتهم.

ومنذ ذلك الحين، سعى الباحثون جاهدين للعثور على المزيد من الأمثلة على «إنسان دينيسوفان»، لكنّ هذه الجهود كانت بطيئة. ولم يظهر مثال ثانٍ إلا في عام 2019: عظم فك من كهف بايشيا كارست في شياخه على هضبة التبت.

• اكتشافات جديدة. ثم جاء عام 2025 وتدفقت الاكتشافات الجديدة. ففي أبريل (نيسان) الماضي، تأكد وجود «إنسان دينيسوفان» في تايوان. وأكد الباحثون هذا الاكتشاف الآن باستخدام البروتينات المحفوظة داخل الأحفورة. ثم في يونيو (حزيران) الماضي عُثر على أول وجه لإنسان، حيث وُصفت جمجمة من مدينة هاربين شمال الصين عام 2021، وسُميت نوعاً جديداً.

حتى الآن، تبدو هذه النتائج منطقية للغاية. كما أنها رسمت صورة متكاملة لـ«إنسان دينيسوفان» كإنسان ضخم البنية.

وكان الاكتشافان الآخران في عام 2025 مفاجأتين كبيرتين. ففي سبتمبر، أُعيد بناء جمجمة مهشمة من يونشيان في الصين. ويبدو أن جمجمة يونشيان 2 تعود إلى «إنسان دينيسوفان» مبكر، وهو اكتشاف مثير للاهتمام؛ نظراً لقدمها التي تبلغ نحو مليون عام. ويشير هذا إلى أن «إنسان دينيسوفان» كان موجوداً مجموعةً منفصلة منذ مليون عام على الأقل، أي قبل مئات آلاف السنين مما كان يُعتقد سابقاً. كما يدل هذا على أن السلف المشترك بيننا وبين «إنسان نياندرتال»، والمعروف باسم السلف العاشر، قد عاش قبل أكثر من مليون عام.

• استخلاص جينوم من سن وحيدة. بعد شهر واحد فقط، أعلن علماء الوراثة عن ثاني جينوم عالي الجودة لـ«إنسان دينيسوفان»، والذي استُخرج من سنّ عمرها 200 ألف عام في كهف دينيسوفا. الأهم من ذلك، أن هذا الجينوم كان مختلفاً تماماً عن الجينوم الأول المُبلغ عنه، والذي كان أحدث عهداً، كما أنه كان مختلفاً عن الحمض النووي للـ«دينيسوفان» لدى البشر المعاصرين.

ويُشير هذا إلى وجود ثلاث مجموعات على الأقل من الـ«دينيسوفان»: مجموعة مبكرة، ومجموعة لاحقة، ومجموعة تزاوجت مع جنسنا البشري. هذه المجموعة الثالثة، من الناحية الأثرية، تظل لغزاً محيراً.

* مجلة «نيو ساينتست» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«غوغل» تطلق «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة

تكنولوجيا يركز النموذج على المهام المعقدة متعددة الخطوات في البرمجة والمالية والقانون والأمن السيبراني والعلوم (أدوبي)

«غوغل» تطلق «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة

تطلق «غوغل» نموذج «Gemini 4 Argon» عالمياً للمهام المعقدة في البرمجة والأعمال والعلوم مع قدرات متقدمة في الاستدلال والروبوتات

نسيم رمضان (لندن)
خاص تستخدم «SandboxAQ» الذكاء الاصطناعي مع «أرامكو» لفحص أكثر من مليون محفّز كيميائي واختيار نحو 10 مرشحين للاختبارات المخبرية (أدوبي)

خاص «SandboxAQ» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أمام فرصة لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى صناعات قابلة للتصدير

تسعى السعودية لتحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى صناعات ومِلكية فكرية قابلة للتصدير عبر تطبيقات متقدمة في الطاقة والرقائق والأدوية والملاحة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تجمع شاشة «أبل هوم فيو» المدعومة بمساعد «سيري» للذكاء الاصطناعي بين الترفيه والاتصال وإدارة المنزل الذكي.

«أبل» توسّع منظومتها المنزلية بأجهزة جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي

كشفت «أبل» عن حزمة جديدة من المنتجات والخدمات المنزلية، تضم شاشة ذكية ومكبرات صوت وجهاز تلفزيون مطوّراً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا مشروع مفتوح المصدر يقدم بدائل مجانية لبرامج التصميم والإنتاجية (ArtCraft)

بديل مجاني ومفتوح المصدر لبرامج «أدوبي» و«أوفيس»

يعمل مشروع على بناء منظومة مختلفة تضم تطبيقات مجانية ومفتوحة المصدر تستهدف تقديم بدائل لأشهر البرامج المستخدمة في تحرير الصور.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
TT

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات

ماذا لو وصلت لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) إلى القرى والمناطق النائية دون الحاجة لتبريد شديد؟ قد يعني ذلك تسهيل حملات التطعيم في أماكن تعوقها الحرارة أو انقطاع الكهرباء. هذا ما تُبشر به دراسة جديدة تمنح هذا الاحتمال أساساً تجريبياً، بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

رسم يوضّح دور الجسيمات الدهنية في حماية الحمض النووي الريبي المرسال وإيصاله للخلايا

تركيبات مطورة

طوّر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تركيبات تساعد على حماية هذه اللقاحات من الحرارة، في دراسة نُشرت بمجلة «Nature Biotechnology» في 28 سبتمبر (أيلول) 2026.

وبعد تجفيفها وتخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو لمدة عام في درجة حرارة الغرفة، احتفظت التركيبات المختبَرة بقدرتها على تحفيز جهاز المناعة لدى الفئران بمستوى مماثل للقاحات المستخدَمة للمقارنة.

إنها خطوة واعدة لتخفيف أعباء نقل اللقاحات وتخزينها، لكن الانتقال من نجاح التجارب الحيوانية إلى استخدامها لدى البشر ما زال يحتاج إلى إثبات السلامة والفاعلية.

المشكلة ليست في اللقاح وحده

أظهرت جائحة «كوفيد-19» إمكانات تقنية تطوير الحمض النووي الريبي المرسال «mRNA»، وكشفت تحدياً عملياً: كيف نحافظ على فاعلية اللقاح أثناء تخزينه ونقله؟ فالحمض النووي الريبي المرسال جزيء سريع التحلل، تُحيط به جسيمات نانوية دهنية (LNPs) تحميه وتساعده على دخول الخلايا. ومع ذلك تحتاج بعض هذه المستحضرات إلى التخزين في درجات حرارة شديدة الانخفاض.

رسم توضيحي لآلية عمل لصقات الإبر المجهرية التي تخترق الطبقة السطحية من الجلد ثم تذوب لتُطلق اللقاح المطور

وهنا تصبح متطلبات الحفظ عاملاً مؤثراً في وصول اللقاحات إلى الناس، فسلسلة التبريد تحتاج إلى تجهيزات متخصصة وكهرباء مستقرة ومراقبة للحرارة طوال النقل والتخزين؛ وهي شروط يصعب ضمانها في بعض المناطق النائية.

عندما تدخل الخوارزمية المختبر

طوّر الفريق العلمي نظاماً للذكاء الاصطناعي باسم «AGENT» يساعد الباحثين على اختيار التركيبات التي تستحق الاختبار. ويتعلّم النظام من نتائج التجارب السابقة، ويقترح خلطات يُرجَّح أن تحمي اللقاح من الحرارة، بدلاً من اختبار الاحتمالات واحداً تلو الآخر.

بدأ الباحثون بفحص نحو 50 مادة مساعِدة معتمَدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، واختاروا خمساً واعدة، ثم اقترح النظام نسب مَزجها، واختبر العلماء مدى قدرتها على حماية اللقاح. ومع كل جولة، أعادوا النتائج إليه ليحسّن اقتراحاته التالية. وخلال ست جولات استغرقت نحو شهر، توصّل الفريق إلى تركيبات محسَّنة، بعد محاولات يدوية امتدت أشهراً.

شهران عند 37 درجة مئوية

حوّل الباحثون اللقاحات إلى تركيبات صلبة بإزالة الماء تحت ضغط منخفض، واختبروا تخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو عامٍ في درجة حرارة الغرفة.

وأظهرت الاختبارات على حيوانات التجارب أن التركيبات المطوَّرة حفّزت جهاز المناعة بمستوى لا يقل عن اللقاحات الطازجة المستخدمة للمقارنة. ونجحت الطريقة مع جسيمات دهنية شبيهة بتلك المستخدمة في لقاحَي «موديرنا» و«فايزر»، باستعمال المواد المساعدة نفسها بنسب مختلفة.

لصقة بدلاً من الحقنة

قد يفتح تحمّل الحرارة الباب أمام طريقة أخرى لإعطاء اللقاح: لصقات تحمل مئات الإبر المجهرية المحمّلة به. وعند وضعها على الجلد، تذوب هذه الإبر وتُطلق محتواها، لتوصيل اللقاح دون استخدام الحقنة التقليدية.

واستخدم الباحثون التركيبة المطوّرة لصنع لصقات لقاح ضد الفيروس المسبّب لـ«كوفيد-19». وفي التجارب الحيوانية حفّزت جهاز المناعة بمستوى مماثل للقاحات RNA المحقونة، ما يدعم إمكان الجمع بين سهولة التخزين وطريقة مختلفة لإعطاء اللقاح.

ويظل من تحديات هذه اللصقات ضمان إيصال الجرعة المطلوبة بصورة موثوقة، وإنتاجها بجودة ثابتة.

لوحات إرشادية توضّح مراحل تلقي لقاح «كوفيد-19» في مدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

قد تكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في العالم العربي، حيث تتداخل الحرارة والمسافات الطويلة وتفاوت الخدمات الصحية لتجعل إيصال اللقاحات إلى بعض المناطق أكثر صعوبة. فالتحدي لا ينتهي بوصول الشحنة إلى مستودع مركزي؛ بل يستمر حتى نقل الجرعة إلى مركز صحي بعيد أو فريق تطعيم متنقّل.

وقد تمنح اللقاحات الأكثر تحمّلاً للحرارة هذه الفرق مرونة أكبر، وتخفّف اعتمادها على تجهيزات التبريد، خصوصاً حين تتكرر انقطاعات الكهرباء. وإذا ثبت نجاحها عملياً، فقد تساعد على تقليل تلف الجرعات وتوسيع نطاق الحملات.

لكن التخزين عند 37 درجة مئوية في ظروف مضبوطة لا يحاكي بالضرورة رحلة نقل تتقلب فيها الحرارة تحت شمس الصحراء. لذلك، يلزم اختبار التركيبات في ظروف التوزيع الفعلية وتحديد شروط حفظها بدقة. وتظل «لقاحات بلا ثلاجات» أفقاً واعداً، لا إعلاناً عن انتهاء سلسلة التبريد.

بين الخوارزمية والتحقق السريري

سرّع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى تركيبات واعدة، لكن التجارب المخبرية والحيوانية هي التي اختبرت أداءها، فالخلطة التي يقترحها النظام تظل احتمالاً يحتاج إلى دليل: هل تحمي اللقاح أثناء التخزين؟ وهل يحتفظ بقدرته على تحفيز المناعة؟

وقبل استخدامها لدى البشر، يلزم تقييم السلامة والفاعلية في دراسات سريرية، والتحقق من إمكان تصنيعها بكميات كبيرة وبجودة ثابتة. فنجاح عيّنة في المختبر لا يضمن وحده نجاح إنتاج آلاف الجرعات ونقلها وحفظها، كما لا يعني اعتماد المواد المساعِدة منفردةً اعتمادَ التركيبة الجديدة تلقائياً.

وتزداد أهمية أن تتمكن فِرق مستقلة من تكرار النتائج، وأن تتضح البيانات التي استندت إليها الخوارزمية وحدود توقعاتها. فقيمة تسريع البحث تتحقق حين يقود إلى لقاحات آمنة وفعّالة يمكن الوثوق بها خارج المختبر.

من تحليل البيانات إلى تصميم اللقاحات

تُظهر الدراسة كيف يمتد دور الذكاء الاصطناعي من تحليل الأشعة والسجلات إلى تطوير اللقاح نفسه، بما يشمل إمكان حفظه ونقله وإعطائه بعيداً عن ظروف المختبر المضبوطة.

قد لا تختفي ثلاجات اللقاحات غداً، لكن قيمة هذا التقدّم ستتضح حين تصل جرعة فعّالة إلى مركز صحي بعيد، أو تصبح حملة تطعيم أقل عرضة للتعطّل بسبب انقطاع الكهرباء. عندها، يتحوّل اختصار وقت البحث إلى تقليص المسافة بين الاكتشاف والمريض.


مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
TT

مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ

قطعت مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس (Perseverance)» مسافةً أبعد من أي مركبة أخرى في النظام الشمسي، باستثناء المركبات الموجودة على الأرض، بالطبع.

28 ميلاً... وما زال العد مستمراً

تجاوز عداد مركبة «برسيفيرانس» مسافة 28.06 ميل، وهي المسافة التي قطعتها داخل وحول فوهة «جيزيرو» منذ هبوطها على سطح المريخ في فبراير (شباط) 2021. ويتجاوز هذا الرقم المسافة التي قطعتها «أوبورتيونيتي»، إحدى مركبات «ناسا» الجوالة الأصغر حجماً في وقت سابق من عام 2004 حتى توقفها عن العمل في عام 2018. وأعلن مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» الذي يُشغّل المركبة، هذا الخبر، يوم الاثنين الماضي، بعد تأكيد موقع «برسيفيرانس» ومسافة قيادتها الإجمالية الجديدة: 28.1 ميل.

وكان مديرو المهمة يعتقدون أن «برسيفيرانس» ستتجاوز هذا الإنجاز في أغسطس (آب)، لكنها عثرت بعد ذلك على صخور فاتحة اللون مثيرة للاهتمام، يُحتمل أن تكون من أقدم الصخور التي دُرست على سطح المريخ. لذا، توقفت عن العمل لمدة شهرين.

وقالت كاتي ستاك مورغان العالمة المشرفة على المشروع، في مقابلة أُجريت معها في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «العلم هو السبب وراء وجود هذه المركبة الجوالة على سطح المريخ. نحن متحمسون لتحقيق الرقم القياسي حالما يتحقق. ولكن في الوقت الراهن، فإن (دراسة) الصخور هي المحرِّك الحقيقي للمهمة».

ومن المرجح أن تكون أميال طويلة أمام مركبة «برسيفيرانس» لتقطعها في السنوات المقبلة. إليكم بعض المحطات البارزة من رحلتها حتى الآن.

مظلة مركبة «برسيفيرانس» الفضائية أبطأت هبوطها على سطح المريخ.

المحطة الأولى: الهبوط في فوهة جيزيرو

في 18 فبراير 2021، هبطت مركبة «برسيفيرانس» في فوهة بركان جيزيرو على سطح المريخ، وهي منخفض يبلغ عرضه 30 ميلاً، كان بحيرة عندما كان الكوكب أكثر دفئاً ورطوبة، خلال السنوات الأولى للنظام الشمسي.

حمل الرسم الموجود على المظلة، التي أبطأت مركبة «برسيفيرانس» الفضائية في أثناء هبوطها عبر الغلاف الجوي للمريخ، رسالة سرية: «تجرأ على فعل أشياء عظيمة».

رحلة مروحية المريخ

من بين المهام المبكرة للمهمة، كانت هناك مهمة لم تتطلب قيادة تُذكر. كانت مروحية صغيرة تُدعى «إنجينيويتي (Ingenuity)» مُخبأة أسفل مركبة «برسيفيرانس». وبمجرد هبوطها على سطح المريخ، قامت «إنجينيويتي» بأولى رحلاتها المُتحكَّم بها والمُزوَّدة بالطاقة على كوكب آخر. وبقيت «برسيفيرانس» بالقرب منها للمراقبة ونقل البيانات من المروحية إلى الأرض.

كانت الرحلات التجريبية الـ4 ناجحة للغاية، ما دفع مديري المهمة إلى اتخاذ قرار بمرافقة «إنجينيويتي» لـ«برسيفيرانس» في استكشافها للمريخ. وقد قامت «إنجينيويتي» بـ72 رحلة حتى تعطَّلت إحدى مراوحها في يناير (كانون الثاني) 2024.

اختبار القيادة الذاتية

أمضت «برسيفيرانس» معظم عامها الأول في التجوال حول قاع فوهة جيزيرو، المُكوَّنة من صخور كانت انصهرت ثم تصلبت في أعقاب اصطدام نيزك شكّل الفوهة.

وعلى غرار بعض أحدث السيارات على وجه الأرض، تستخدم مركبة «برسيفيرانس» تقنية القيادة الذاتية لتحديد مسارها من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» دون الحاجة إلى توجيهات تفصيلية من الأرض. وبفضل شريحة حاسوبية إضافية أسرع، تتفوق «برسيفيرانس» في هذا المجال على نظيرتها «كيوريوسيتي»، التي هبطت قبلها بأكثر من 8 سنوات وقطعت مسافة أقل، (كما أن «كيوريوسيتي»، المتجهة نحو قمة جبل، ليست في عجلة من أمرها).

قدرات «برسيفيرانس»

تتجاوز قدرات «برسيفيرانس»، التي لا يتجاوز حجمها حجم سيارة صغيرة، بكثير ما استطاعت «سوجورنر (Sojourner)»، أول مركبة روبوتية تابعة لـ«ناسا»، إنجازه عام 1997. فقد قطعت تلك المركبة مسافة 341 قدماً - أي أقل من خُمس ميل - على مدار 12 أسبوعاً، ولم تكن قادرة إلا على تنفيذ الأوامر المُرسلة إليها بدقة. وفي إحدى المرات، علقت إحدى عجلاتها في صخرة بسبب خطأ في تقدير المسافة من قِبل المشرف عليها.

وقال ماثيو والاس، مهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا»، واصفاً العمل المعقد الذي كان على فريق من المهندسين على الأرض القيام به لمجرد التخطيط لرحلة قصيرة لمركبة «سوجورنر»، مقارنةً بما تستطيع مركبة «برسيفيرانس» القيام به بمفردها: «الأمر مختلف (الآن) تماماً».

ذراع الروبوت التابع لمركبة «برسيفيرانس»

أنهار وصخور وتلال

بعد استكشاف قاع الفوهة، كانت المرحلة التالية من رحلة «برسيفيرانس»، التَّوجُّه إلى دلتا نهر قديم على طول الفوهة، حيث وصلت في أبريل (نيسان) 2022. عُدَّ هذا الموقع واعداً للبحث عن آثار بقايا عضوية، في حال وُجدت حياة على المريخ في أي وقت مضى. كان هذا هو الدافع الرئيسي لـ«ناسا» لاختيار فوهة جيزيرو وجهةً لـ«برسيفيرانس».

ما وراء جيزيرو

انطلقت مركبة «برسيفيرانس» من جيزيرو، وهي الآن تستكشف صخوراً يبلغ عمرها نحو 4 مليارات سنة في منطقة تُعرف باسم بحيرة شارم، نسبةً إلى خزان مائي في فرنسا. لا توجد صخور بهذا القِدم على الأرض، لأن حركة الصفائح التكتونية تدفع القشرة القارية باستمرار إلى باطن الكوكب.

صخور فاتحة اللون على الكوكب الأحمر

وقالت فيفيان صن، نائبة رئيس المشروع: «ما تقدِّمه لنا (برسيفيرانس) هو في الواقع نظرة على تاريخ النظام الشمسي المبكر جداً، أي خلال نصف المليار سنة الأول. هناك كثير مما يمكننا تعلمه من هذه الصخور». وتشمل هذه الصخور تلك ذات اللون الفاتح التي أثارت اهتمام علماء «ناسا» منذ أغسطس الماضي.

يتكوَّن معظم قشرة المريخ من البازلت، وهو صخر بركاني دقيق الحبيبات ذو لون رمادي داكن. (يُعزى اللون الأحمر للمريخ إلى الغبار، فعندما تتعرَّض الصخور للتعرية (نتيجة المناخ)، يصدأ الحديد الموجود في المعادن). وقالت الدكتورة ستاك مورغان: «لذا، كلما رأينا شيئاً فاتح اللون بشكل واضح، فإنه يلفت انتباهنا».

في الطرف الشمالي لوادٍ في بحيرة شارم، رصد العلماء مجموعة من الصخور فاتحة اللون، فانحرفت المركبة الجوالة عن مسارها لإلقاء نظرة عليها.

تُعرف هذه الصخور فاتحة اللون باسم «غابرو (gabbros)»، وهي صخور بركانية خشنة الحبيبات تشبه في تركيبها البازلت، ولكنها على الأرجح تَشكَّلت في أعماق أكبر تحت سطح الأرض حيث بردت الصهارة ببطء أكبر، ما سمح بتكوّن بلورات أكبر. وأضاف الدكتور ستاك مورغان: «لقد لاحظنا في هذه الصخور أدلة على انصهار شديد وصدمة قوية، وهذا بالضبط ما نتوقع رؤيته في صخور ما قبل جيزيرو القديمة جداً التي تمثل قشرة المريخ».

لغز غامض

يعتقد العلماء أن كتل الصخور قد تكون ناتجة عن 3 اصطدامات نيزكية منفصلة: الأول أدى إلى انصهار قشرة المريخ وتكوين الغابرو، والثاني خلق أنماطاً من الصدمات وانصهاراً إضافياً، والثالث دفعها إلى موقعها الحالي خارج جيزيرو مباشرةً. وقال الدكتور ستاك مورغان: «إنها أشبه بلغزٍ غامض».

حاولت مركبة «برسيفيرانس» حفر إحدى الصخور، لكن جمع عينة منها كان بالغ الصعوبة.

لم تضع «ناسا» خططاً طويلة الأجل بشأن وجهة «برسيفيرانس» بعد انتهاء مسحها للمنطقة الحالية. وفي مرحلة ما، ستحتاج الوكالة أيضاً إلى تحديد مصير عينات الصخور التي تحملها «برسيفيرانس». لكن مشروع «إعادة عينات المريخ»، الذي كان من المفترض أن يعيدها إلى الأرض، قد أُلغي، لأن المهمة، التي كانت ستكون تعاوناً بين «ناسا» و«وكالة الفضاء الأوروبية»، عُدَّت باهظة التكلفة. وقد تُعيد «ناسا» إحياء المشروع بوصفه مهمةً تجاريةً، لكنها لم تُصدر أي بيانات بهذا الشأن.

مسافة قياسية

قبل الإطلاق، أكدت «ناسا» قدرة مركبة «برسيفيرانس» على قطع مسافة 20 كيلومتراً، أو 12.4 ميل. وقال ستيفن لي، مدير مشروع المهمة: «تجاوزنا ذلك بكثير الآن». وتعمل «ناسا» حالياً على توسيع نطاق الاعتماد إلى 100 كيلومتر، أو ما يزيد قليلاً على 62 ميلاً.

وعلق والاس: «أتوقع أن تتجاوز المركبة حاجز الـ100 كيلومتر إذا استمرَّت على هذا المنوال. لكن لا شيء مؤكد. قد نكتشف موقعاً بالغ الأهمية لإجراء دراسات علمية، فنقرِّر البقاء فيه لفترة طويلة واستكشافه».

* خدمة «نيويورك تايمز».


هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
TT

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء

​أفاد العلماء أخيراً بأن الميكروبيوم البشري -وهو تريليونات الميكروبات التي تعيش في أمعائنا- كان نظاماً بيئياً مستقراً في عشرات آلاف السنين قبل أن يشهد تغيرات سريعة في الدول الصناعية، ما يثير مخاوف صحية محتملة لدى الإنسان المعاصر.

600 نوع مفقود من البكتيريا

وفي دراسة أجريت على الأفارقة وسكان أميركا الجنوبية، حدد الباحثون أكثر من 600 نوع من البكتيريا التي ربما كانت شائعة بالأمعاء في الماضي، ولكنها الآن نادرة أو غائبة تماماً عن معظم المجتمعات اليوم. وقال جاستن سوننبرغ، عالم الميكروبيوم في جامعة ستانفورد، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «نتشر»، إن كثيراً من هذه الميكروبات ربما أفادت صحة الإنسان.

تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة

وتكهن بأن تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة في العالم الصناعي، من الحساسية إلى الخرف.

وتساءل سوننبرغ: «ما مدى خطورة هذا التغيير الكبير في الميكروبيوم الخاص بنا؟ أعتقد أن هذه الدراسة تشير إلى أن الوضع قد يكون خطيراً للغاية».

كان لدى أسلافنا الأوائل، الشبيهين بالقردة، ميكروبيوم مُتكيف مع نظام غذائي يعتمد على النباتات النيئة واللحوم. ويُعتقد أن تركيبه قد تغير منذ مئات آلاف السنين، عندما بدأ الإنسان القديم الطهي باستخدام النار. ومع انتشار البشر من أفريقيا قبل نحو 50 ألف عام، كانوا لا يزالون يعيشون على الحيوانات التي يصطادونها والنباتات البرية التي يجمعونها. ولم يبدأ المزارعون في استئناس المحاصيل إلا قبل نحو 10 آلاف عام، ما أدى على الأرجح إلى تغيير آخر في الميكروبيوم.

أطعمة السكر والحبوب المكررة: تغيير جوهري في العقود الأخيرة

في العقود الأخيرة، بدأ مليارات البشر تناول أطعمة غنية بالسكر والحبوب المكررة. وقد يكون للطب الحديث أيضاً تأثير عميق، فقد أنقذت المضادات الحيوية أرواحاً لا حصر لها، ولكنها قد تُدمر أيضاً الميكروبات المفيدة في الأمعاء.

أطفال «تسيماني» يوقدون الناس لتحضير الطعام

ولرسم تاريخ الميكروبيوم البشري، درس سوننبرغ وزملاؤه مجتمعات حول العالم في مستويات مختلفة من التصنيع. وظهر بعضٌ من أكثر النتائج إثارة للدهشة من قبيلة «هادزا»، وهي مجموعة صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار في تنزانيا. ومن خلال دراسة عينات براز من متطوعين من «هادزا»، وجد سوننبرغ وزملاؤه طيفاً واسعاً من البكتيريا.

يقول سوننبرغ: «يوجد نحو 270 نوعاً من البكتيريا في براز الشخص العادي في كاليفورنيا، ونحو 730 نوعاً في براز الشخص العادي من (هادزا)».

التنوُّع... والندرة

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو تنوُّع هذه الأنواع. فكثير منها نادر أو غير موجود تماماً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية. وتساءل سوننبرغ وزملاؤه عن مدى تشابه الميكروبيوم لدى «هادزا» اليوم مع الميكروبات التي كانت تحملها شعوب الصيد وجمع الثمار القديمة. وقرر وفريقه مقارنة «هادزا» بشعوب أخرى لا تزال تتبع نمط حياة مشابهاً.

وبدأ العلماء بالتعاون مع علماء أنثروبولوجيا يدرسون مجموعة بوليفية تُدعى «تسيماني» يعيش أفرادها في قرى نائية في الأمازون؛ حيث يديرون مزارع صغيرة مع استمرارهم في الصيد وجمع الثمار. وبينما تتشابه ثقافات «هادزا» و«تسيماني» إلى حد ما، فإن تاريخهما مختلف تماماً؛ إذ ينحدر شعب «تسيماني» من شعوب غادرت أفريقيا قبل 50 ألف عام، وعبرت إلى الأميركتين قبل نحو 15 ألف عام. أما شعب «هادزا» فيقتصر أصله بالكامل على أفريقيا.

بكتيريا تستوطن الأمعاء منذ عشرات آلاف السنين

استخدم سوننبرغ وزملاؤه أساليب جديدة متطورة للكشف عن الحمض النووي البكتيري في عينات براز من شعب «تسيماني»، وقارنوا النتائج بتلك الموجودة لدى شعب «هادزا». ووجد الباحثون 848 نوعاً بكتيرياً مشتركاً بين المجموعتين، ولكنه نادر أو غائب في الدول الصناعية. ثم قاموا بتحليل 636 نوعاً كانت وفيرة بشكل خاص في العينات.

وجد العلماء أن كل نوع من هذه الأنواع يميل إلى حمل طفرات مميزة، اعتماداً على ما إذا كان موجوداً لدى شعب «هادزا» أو «تسيماني». ويشير هذا النمط إلى أن هذه الأنواع الميكروبية كانت تستوطن أمعاء الصيادين وجامعي الثمار منذ عشرات آلاف السنين.

ولا يزال شعب «هادزا» يحملها حتى اليوم، بفضل نمط حياتهم كصيادين وجامعي ثمار. ولكن أسلاف شعب «تسيماني» هاجروا عبر جسر بيرينغ البري إلى الأميركتين قبل 15 ألف عام، وربما قبل ذلك. وحال هذا الانفصال الجغرافي دون انتقال الميكروبات من سكان العالم القديم إلى الأميركتين. واستمر أسلاف «تسيماني» من الصيادين وجامعي الثمار في حمل بعض الأنواع نفسها التي حملها أسلافهم، ولكن البكتيريا الخاصة بهم اكتسبت طفرات مميزة على مر آلاف السنين.

وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الصيادين وجامعي الثمار تشاركوا نظاماً بيئياً مميزاً من ميكروبات الأمعاء عشرات آلاف السنين. يقول سوننبرغ: «ربما تأثرت بيولوجيتنا إلى حد بعيد بهذه الميكروبات».

بكتيريا الأسلاف وتدريب الجهاز المناعي

ربما كانت البكتيريا القديمة مهمة لتدريب أجهزتنا المناعية، على سبيل المثال، أو لتخليق المركَّبات التي يحتاج إليها جسمنا. ومع اختفاء بعض الميكروبات في المجتمعات الحديثة، حلَّت محلها ميكروبات جديدة. قد يؤثر هذا التحول على صحتنا. ويقول سوننبرغ: «ينتهي بك الأمر بميكروبيوم مختلف تماماً عما اعتاد عليه جينومك البشري»، ما قد يؤدي إلى التهابات وتغيرات غير صحية أخرى.

من جهته يقول مايكل غورفن، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة، إن الميكروبيوم القديم قد يساعد في تفسير سبب تمتع شعب «تسيماني» بحماية من أمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة. ولكن ماري كلير أرييتا، عالمة الميكروبيوم في جامعة ألبرتا، والتي لم تشارك في البحث، حذَّرت من أن سكان الدول الصناعية لا ينبغي لهم محاولة استزراع ميكروبيوم يشبه ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ إذ لا يعرف العلماء الكثير عن الميكروبات المعوية الـ636 المدرجة في قائمة سوننبرغ، ولا عن الأضرار المحتملة التي قد تسببها. وقالت: «هناك احتمالية كبيرة لانتقال العدوى».

بدلاً من ذلك، فضَّلت أرييتا التعرُّف على الوظائف المفيدة التي تؤديها الميكروبات القديمة في جسم الإنسان، وإيجاد طرق لاستعادة تلك الوظائف تحديداً. وأضافت: «إن فكرة العودة إلى الميكروبيوم القديم تبدو غير منطقية، ولكن من المؤكد أن دراستها ضرورية لفهم بعض هذه الوظائف الميكروبية التي فُقدت».

* خدمة «نيويورك تايمز».