«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

العلماء يرسمون «خريطة الإحساس» بما يجري داخل الجسم

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان
TT

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

في العام الماضي، حصل أرديم باتابوتيان على وشمٍ خاص، إذ رسم أحد الفنانين شريطاً متشابكاً على ذراعه اليمنى يُجسّد رسماً تخطيطياً لبروتين يُسمّى «بيزو». وكان باتابوتيان، عالم الأعصاب في معهد سكريبس للأبحاث في سان دييغو، قد اكتشف هذا البروتين عام 2010، وفاز عام 2021 بجائزة نوبل عن هذا الاكتشاف. وبعد 3 أعوام، قرّر تخليد ذكرى «بيزو» عبر هذا الوشم.

واكتشف باتابوتيان أن «بيزو» يسمح للنهايات العصبية في الجلد بالشعور بالضغط، ما يساعد على خلق حاسة اللمس. وهو يتذكر قائلاً: «كان من المذهل الشعور بالإبرة وهي تحفر بروتين (بيزو) الذي كنت أستخدمه للشعور به»، أي بعمله.

«الإدراك الداخلي»... الحاسة الداخلية «السادسة»

لم يعد باتابوتيان يدرس كيف يُخبرنا «بيزو» (Piezo) عن العالم الخارجي ومؤثراته، وبدلاً من ذلك، اتجه إلى الداخل لدراسة تدفق الإشارات التي تنتقل من داخل الجسم إلى الدماغ. ويُعد بحثه جزءاً من جهد جديد وكبير لرسم خريطة لهذه الحاسة السادسة، الحاسة الداخلية، المعروفة باسم «الإدراك الداخلي» أو «الحسّ الداخلي» (interoception).

ويكتشف العلماء أن الحس الداخلي يزود الدماغ بصورة غنية للغاية عمّا يحدث في جميع أنحاء الجسم، وهي صورة غالباً ما تكون خافية عن وعينا.

تشكيل العواطف والسلوك... والاضطرابات

تُشكل هذه الحاسة الداخلية عواطفنا وسلوكنا وقراراتنا، وحتى طريقة شعورنا بالمرض عند الإصابة بنزلات البرد. وتُشير كمية متزايدة من الأبحاث إلى أن العديد من الحالات النفسية، بدءاً من اضطرابات القلق، وصولاً إلى الاكتئاب، قد تكون ناجمة جزئياً عن أخطاء في إدراكنا لبيئتنا الداخلية.

قد يصبح من الممكن يوماً ما علاج هذه الحالات، من خلال إعادة ضبط حاسة الشخص الداخلية، لكن أولاً، كما قال باتابوتيان، يحتاج العلماء إلى فهم راسخ لكيفية عمل الإدراك الداخلي. وأضاف «لقد تعودنا على جسدنا».

دراسة الإدراك الداخلي

لدى كل شخص وعي أساسي بالإدراك الداخلي، سواء أكان شعوراً بتسارع دقات قلبك، أم امتلاء مثانتك، أم شعوراً بالخفقان في معدتك. ولطالما اعترف علماء الأعصاب بالإدراك الداخلي بوصفه إحدى وظائف الجهاز العصبي.

ويمتلك العلماء الآن أدوات فعّالة لدراسة الإدراك الداخلي. ويقول ديفيد ليندن، عالم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز، الذي يُؤلّف كتاباً عن الإدراك الداخلي: «في السنوات الخمس الماضية فقط، حُلّت ألغاز جوهرية ظلّت قائمة منذ مائة عام».

وعلى سبيل المثال، ولدراسة بروتين «بيزو» داخل الجسم، قام باتابوتيان وزملاؤه بإدخال فيروسات مُعدّلة وراثياً في عضو لفأر؛ حيث تدخل الفيروسات النهايات العصبية التي تُسبب توهج الخلايا العصبية في العضو. وقد كشف الفحص الدقيق عن أن النهايات العصبية تستخدم بروتينات «بيزو» للكشف عن تغيرات الضغط في العديد من الأعضاء.

استشعار الضغط في كل أعضاء الجسم

ويقول باتابوتيان: «يوجد استشعار الضغط في كل مكان في الجسم». ففي الشريان الأورطي، على سبيل المثال، تستشعر بروتينات «بيزو» ضغط الدم، وفي الرئتين تُسجّل كل نفس شهيق. كما تستشعر تمدد المثانة عند امتلائها بالبول.

وتنتمي العديد من النهايات العصبية المليئة بالبروتينات الكهروكيميائية إلى العصب المبهم، وهو سلك من 100000 خلية عصبية يتسلل إلى العديد من الأعضاء. ويستشعر العصب المبهم الضغط، ولكنه يحتوي أيضاً على مستقبلات تسجل تغيّرات أخرى، مثل تقلبات درجة الحرارة والحموضة. في الأمعاء، يستشعر العصب المبهم جزيئات السكر والدهون في الطعام الذي نتناوله، حتى بعض العناصر الغذائية المحددة، مثل الزنك.

وعندما نستنشق مثلاً، فان البروتينات الكهروكيميائية تستشعر تمدد رئتينا. إلا أن الدماغ يستجيب لذلك بمنع الاستنشاق لئلا يؤدي إلى تمدد بطانة الرئتين الرقيقة. أما إذا اكتشف العصب المبهم وجود سم في أمعائنا، فيمكنه إرسال إشارة إلى الدماغ تؤدي سريعاً إلى التقيؤ.

في أي لحظة، يقوم الدماغ بغربلة ودمج الإشارات من جميع أنحاء الجسم الداخلية. كيف يفعل ذلك، وماذا يفعل بهذه المعلومات، لا يزال غامضاً إلى حد كبير. وقال ليندن: «إنه أمرٌ مُرهِقٌ حقاً، وفهمنا للأمر ضعيفٌ جداً في الوقت الحالي».

الإحساس الداخلي بالمرض... بفضل الدماغ

وأخيراً، أحرز العلم تقدماً في حل لغزٍ واحد على الأقل: كيف يُشعرنا الإحساس الداخلي بالمرض. وقالت كاثرين دولاك، عالمة الأعصاب في جامعة هارفارد التي تدرس المرض: «عندما تشعر بالمرض، تفقد طاقتك، وتفقد شهيتك، وتشعر بتوعك، وتقول: (يا إلهي، هذا جرثومةٌ مزعجة تُسبب لي المرض)... ويتضح أن الدماغ هو مَن يفعل ذلك بك».

في الواقع، يُراقب الدماغ الجسم باستمرار بحثاً عن علامات العدوى. عندما يصطدم مُسبب المرض بنهايات عصبية مُبهمة مُعينة، فإنها تُرسل إشارات إلى الدماغ. وتستطيع النهايات العصبية الأخرى التعرّف على إشارات الإنذار التي تُرسلها الخلايا المناعية لبعضها. ثم يُكوّن الدماغ تصوراتٍ ذهنيةً لهذه العدوى، ويستخدمها لمُقاومتها. قد يرفع ذلك درجة حرارة الجسم، ما يُمكّن الخلايا المناعية من مُحاربة الجراثيم بفاعلية أكبر. وقد يُوقف دورة النوم والاستيقاظ مؤقتاً، مُبقياً إياك في السرير للحفاظ على طاقتك، بل يمكنه إرسال إشارات تُغيّر هجوم الجهاز المناعي على مسببات الأمراض -تكثيف الهجوم هنا، وكبحه هناك- لتقليل الأضرار الجانبية.

لكن الدماغ لا يكتفي بالتفاعل مع الإحساس الداخلي؛ فهو يتعلّم من هذا الإحساس الداخلي، ثم يُقدّم تنبؤات تُحسّن فرص بقائنا.

وقالت كاميلا نورد، عالِمة الأعصاب في جامعة كامبردج: «نحن لا نريد فقط معرفة اللحظة التي ينفد فيها الأكسجين؛ بل نريد أن نعرف متى سيبدأ النفاد... إننا نرغب في امتلاك حاسّة استباقية».

الخلايا الحسّية تتفاعل مع الدماغ

عندما تأكل شيئاً جديداً، على سبيل المثال، تُخبر الخلايا الحسية في أمعائك دماغك ما إذا كان الطعام مصدراً جيداً للمغذيات، وهذه المعلومات قد تُولّد رغبة في تناول مزيد منه في المستقبل. وبالمثل، تُعلّم إشارات المرض الداخلي الدماغ توقع أمراض لم تبدأ بعد. كما أن مجرد رؤية شخص مريض قد يكون كافياً لتحفيز دماغ المُشاهد على تعزيز جهاز المناعة.

الإدراك الداخلي والاضطرابات المَرضية

وعلى الرغم من أهمية الإدراك الداخلي لبقائنا، يُشتبه نورد وباحثون آخرون في أنه مسؤول أيضاً عن عدد من الاضطرابات، فإذا أساء الدماغ تفسير إشارات الجسم، أو إذا كانت هذه الإشارات خاطئة، فقد يُرسل الدماغ أوامر تُسبب الضرر.

ويتزايد اعتقاد الباحثين بإمكانية علاج بعض الاضطرابات النفسية مثل اضطرابات أساسها الحس الداخلي. وتُشير أدوية إنقاص الوزن، مثل أوزيمبيك، بالفعل إلى مدى فاعلية هذا النوع من العلاج، إذ إن هذه الأدوية المعروفة باسم أدوية «GLP-1»، تُحاكي الإشارات التي تُرسلها الأمعاء إلى الدماغ عند تناول الطعام، ما يؤدي إلى فقدان الشهية.

وبالإضافة إلى محاكاة إشارات الجسم، قد يستلزم علاج اضطراب الإدراك الداخلي إعادة ضبط مناطق الدماغ لتفسير الإشارات بشكل مختلف.

أطلس الإدراك الداخلي

لكن باتابوتيان حذّر من صعوبة تحويل الإدراك الداخلي إلى أدوات يمكن التحكم بها قبل أن يتم فهمه بشكل أفضل. ويأمل هو وزملاؤه في مركز «سكريبس» للأبحاث أن يوفّروا أساساً لهذه التطورات، من خلال إنشاء أطلس للإدراك الداخلي في جميع أنحاء الجسم.

وفي اكتشاف حديث، وجدوا أن الدهون مخترقة بنهايات عصبية تستشعر الضغط باستخدام بروتينات «بيزو».

وقال باتابوتيان: «يبدو أن الأمر مهم هنا، لكننا ما زلنا لا نعرف ما الذي تستشعره؟ هل عندما تنمو الدهون، تصبح أكثر كثافة وتزيد الضغط على الأعصاب؟ هل عندما تنمو الدهون، يزداد تدفق الدم، وهذا ما يتم استشعاره؟ ببساطة، لا نعرف الإجابة».

يأمل باتابوتيان أن يساعد أطلسه للإدراك الداخلي العلماء على فهم أعمق لما تستشعره أعصابنا، ليس فقط في الدهون، بل في جميع أنحاء أجسامنا.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث عند تناول أحماض أوميغا - 3 الدهنية خلال فترة انقطاع الطمث؟

صحتك اضطرابات النوم وتقلبات المزاج من أبرز أعراض انقطاع الطمث لدى السيدات (جامعة فرجينيا)

ماذا يحدث عند تناول أحماض أوميغا - 3 الدهنية خلال فترة انقطاع الطمث؟

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن العديد من النساء يبحثن عن طرق طبيعية للتخفيف من أعراض انقطاع الطمث، مثل الهبات الساخنة، والتعرق الليلي، وتقلبات المزاج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يعد الماء الساخن بديلاً للقهوة أو الشاي ويتميز بكونه خالياً من الكافيين والسعرات الحرارية (بكسباي)

ما تأثير الكافيين الزائد على ضغط الدم؟

قال موقع «كليفلاند كلينك» إن الكافيين يُحوّل المشروبات إلى مُنشّطات. لذا عندما ترتشف قهوتك أو تتناول مشروب طاقة غالباً ما تشعر بتأثيره مع تدفق الكافيين في جسمك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك ينبغي على مرضى القلب تبني عادات غذائية صحية (بيكسلز)

كيف تحافظ على صحة قلبك بعد سن الخمسين؟

قالت جمعية القلب الأميركية إن الوقاية من أمراض القلب تعني اتخاذ خيارات صحية الآن ستعود عليك بالنفع طوال حياتك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا»

الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي

في كل مرة يظهر فيها خبر عن فيروس جديد، أو فاشيةٍ مرضية، في منطقة ما من العالم، يتكرر المشهد ذاته: عناوين مثيرة، ومقاطع متداولة على منصات التواصل الاجتماعي.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

تريَّثْ في شراء مكملات صحة الدماغ

كشف مسح وطني شامل عن أنَّ نحو ربع البالغين الأميركيين فوق سن الخمسين، يتناولون مكمِّلاً غذائياً واحداً، على الأقل، بغية تحسين صحة الدماغ.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)

فيروس قاتل يوقف نمو سرطان البنكرياس

الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره
الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره
TT

فيروس قاتل يوقف نمو سرطان البنكرياس

الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره
الأورام الخبيثة في البنكرياس قد لا تُكتشف بسرعة لصغره

نجح فيروس في إيقاف سرطان البنكرياس لدى ثلاثة أشخاص، في تجربة سريرية بالولايات المتحدة. وتبدو نتائج التجربة الأولية مُشجعة، لا سيما أن جرعات صغيرة فقط من الفيروس استُخدمت في اختبارات السلامة الأولية، إلا أنه لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من التقييم في تجارب أوسع نطاقًا، كما كتبت أليس كلاين(*).

ويقول ماساتو ياماموتو من جامعة مينيسوتا، الذي قاد تطوير العلاج الفيروسي: «لقد حقنّا عُشر الجرعة التي نستهدفها في نهاية المطاف، لذا فإن الفعالية أفضل مما توقعت».

سرطان البنكرياس

يُعرف سرطان البنكرياس بأنه أشد أنواع السرطان فتكًا. وأحد أسباب ذلك أن الأعراض غالباً ما تظهر متأخرة، عندما يكون السرطان قد انتشر ولا يمكن استئصاله جراحياً. ولذا، وبعد التشخيص، لا يعيش المرضى عادةً إلا من ثلاثة إلى ستة أشهر.

السبب الآخر أن أورام البنكرياس تتميز ببنية داخلية ليفية صلبة تمنع وصول أدوية العلاج الكيميائي. كما أن العلاجات المناعية التي تعزز نشاط الجهاز المناعي ضد السرطان غير فعالة، لأن أورام البنكرياس قادرة على التخفي من الجهاز المناعي.

تجربة لعلاج فيروسي

تلقى المريض الأول في التجربة، وكان يعاني من ورم في البنكرياس قطره 7 سنتيمترات، العلاج قبل عام، بينما يتلقى المريضان الآخران العلاج منذ ذلك الحين. في ذلك الوقت، لم تكن أورامهم قد انتشرت خارج البنكرياس. ومنذ بدء العلاج، لم تزد أورامهم حجماً.

ويقول ياماموتو، الذي عرض النتائج في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية للعلاج الجيني والخلوي في بوسطن، بماساتشوستس، الشهر الماضي: «جميعهم ما زالوا على قيد الحياة، وحالتهم مستقرة سريرياً». سيتم الآن إعطاء 15 مريضًا آخر جرعات أعلى لتحديد المستوى الأمثل.

إلا أن غاي براون من مستشفى رويال نورث شور في سيدني يقول: «أعتقد أن هذه إشارة مبكرة واعدة، ولكن بصفتي جراح بنكرياس، أرى أنه من المهم الحفاظ على منظور متوازن». ويشير إلى أن التجربة لم تتضمن حتى الآن مجموعة ضابطة، لذا يصعب تحديد ما إذا كان الفيروس أكثر فعالية من العلاجات الأخرى أو عدم وجود علاج على الإطلاق.

فيروس معدل وراثياً يتكاثر داخل الورم

الفيروس هو فيروس غدي مُعدّل وراثيًا ليتكاثر داخل الأورام فقط. ويتم تنشيط تكاثره بواسطة إنزيم يُسمى «سيكلوأكسيجيناز-2» (COX-2)، الذي يوجد بمستويات أعلى بكثير في الخلايا السرطانية مقارنةً بالخلايا الطبيعية. وبعد إصابة الخلايا السرطانية بالفيروس، تنفجر وتموت، مُطلقةً المزيد من الفيروس الذي يُمكنه إصابة الخلايا السرطانية المجاورة.

تقلص الأورام

في التجربة، تم حقن الفيروس مباشرةً في أورام المرضى عبر أنبوب رفيع تم إدخاله عبر الحلق إلى البنكرياس. كان الأنبوب مزوداً بمسبار للموجات فوق الصوتية في نهايته للتمكين من رؤية الأورام.

يقول ياماموتو إن سبب توقف نمو الأورام دون أن تتقلص قد يعود إلى انخفاض جرعة العلاج. ويعتقد أنها قد تبدأ بالانكماش مع إتاحة المزيد من الوقت للفيروس للتكاثر.

دفع الجهاز المناعي لكشف السرطان

ويضيف ياماموتو أنه مع بدء تحلل خلايا الورم وتسريب محتوياتها، قد يتمكن الجهاز المناعي من التعرف على السرطان ومكافحته.

في محاولة لتعزيز هذه الاستجابة المناعية الطبيعية، يخطط ياماموتو وزملاؤه لدمج العلاج الفيروسي مع العلاجات المناعية، مثل مثبطات نقاط التفتيش المناعية - وهي أدوية تحجب البروتينات التي تمنع الجهاز المناعي من مهاجمة الخلايا السرطانية - في تجارب مستقبلية.

* مجلة «نيوساينتست»


هجوم إسرائيلي على منشآت النفط في إيران... يُحدث أثراً بركانياً

شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة
شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة
TT

هجوم إسرائيلي على منشآت النفط في إيران... يُحدث أثراً بركانياً

شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة
شدة الانبعاثات الملوثة الخطيرة بإيران كانت أقوى من تلك الناتجة عن انفجار بركان آيسلندا الذي يبدو في الصورة

أدت الغارات الجوية الإسرائيلية على منشآت نفطية في طهران، في 7 مارس (آذار)، إلى انبعاثات لثاني أكسيد الكبريت تعادل ثوراناً بركانياً صغيراً، ما قد يُعرِّض سكاناً في مناطق بعيدة كالصين للأمطار الحمضية وتلوث الهواء السام، كما كتب أليك لون في العدد الأخير من مجلة «نيوساينتست» العلمية البريطانية.

قصف المنشآت النفطية

وكانت طائرات حربية قصفت، في إطار الحملة الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، مستودعات نفطية عدة، ومصفاة نفط في تلك الليلة؛ ما أشعل حرائق هائلة تصاعد منها الدخان لأيام. وهطلت أمطار سوداء مُحمَّلة بالسخام والهيدروكربونات على العاصمة الإيرانية، وأبلغ السكان عن حالات تهيُّج في العين والجلد، وصعوبة في التنفس.

سحابة ملوثة غطت تركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان والصين

والآن، أظهرت بيانات من جيل جديد من الأقمار الاصطناعية الصينية أنَّ سحابة ثاني أكسيد الكبريت المنبعثة من هذه الانفجارات والحرائق غطَّت مساحة 300 ألف كيلومتر مربع، مروراً بتركمانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان والصين، كما أوردت دورية «Advancesin Atmospheric Sciences, doi.org/q8r9».

تلوث يعادل انفجار بركان

أدى الهجوم الوجيز إلى ارتفاع حاد في الانبعاثات استمرَّ لأيام، حيث أُطلق ما مجموعه 29800 طن من ثاني أكسيد الكبريت في الهواء، وفقاً لتشنبينغ يين وفريقه من جامعة ووهان في الصين. وكان بركان «إيافيالايوكول» في آيسلندا يُطلق نحو 20 ألف طن من ثاني أكسيد الكبريت يومياً عندما تسببت سحابة الرماد البركاني في توقف حركة الطيران في أوروبا عام 2010.

مضاعفات صحية

ويقول يين إنَّ تركيزات ثاني أكسيد الكبريت التي رصدتها الأقمار الاصطناعية وصلت إلى مستويات قد تُضعف وظائف الرئة، وتُهيِّج العينين والحلق، وتُفاقم الربو أو التهاب الشعب الهوائية، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن.

تأثيرات على المياه والزراعة والغذاء

ويضيف: «على الرغم من أنَّ حدث الانبعاث الكبير استمرَّ ليوم أو يومين فقط، فإنَّ البحث يُشير إلى أنه لا ينبغي إغفال التأثير المحتمل على الغلاف الجوي الإقليمي». ويُضيف أن الملوثات ربما تكون قد تساقطت على مصادر المياه والأراضي الزراعية، ما قد يُلوث مياه الشرب والغذاء.

ضباب دخاني... وأمطار حمضية

يتفاعل ثاني أكسيد الكبريت مع مركبات مختلفة من الهيدروجين والأكسجين في الهواء لتكوين حمض الكبريتيك، الذي قد يؤدي إلى الضباب الدخاني والأمطار الحمضية.

إلى جانب ثاني أكسيد الكبريت، انبعث من منشآت النفط المحترقة السخام والمعادن الثقيلة. ووفقاً للوسي كاربنتر من جامعة يورك بالمملكة المتحدة، فإنَّ الكمية الهائلة من ثاني أكسيد الكبريت المنبعثة تشير إلى أنَّ عمود الدخان كان يحمل كميات ضارة من ملوثات أكثر خطورة.

ملوثات إضافية أكثر خطورة

قد تشمل هذه الملوثات أكاسيد النيتروجين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، بالإضافة إلى الهيدروكربونات غير المحترقة مثل البنزين، وكلها مرتبطة بالسرطان.

تقول كاربنتر: «لهذه الكمية في حريق واحد آثار بالغة على صحة الناس... على امتداد آلاف الكيلومترات».

استمر عمود الدخان لمدة 3 أيام فقط، وهي مدة غير كافية على الأرجح للتسبب بالسرطان. كما أن الأقمار الاصطناعية تقيس تركيزات ثاني أكسيد الكبريت في جميع أنحاء الغلاف الجوي، لذا فإنَّ تركيز السموم على مستوى سطح الأرض غير واضح. لكن التلوث قد يكون قد تسبب في نوبات الربو أو السكتات الدماغية أو حتى النوبات القلبية لدى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، وفقاً لكاربنتر.


علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟

علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟
TT

علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟

علاج تساقط الشعر لدى الرجال: ما الحلول الفعّالة؟

يلاحظ معظم الرجال أن كثافة شعرهم تتراجع تدريجياً مع التقدم في العمر. إلا أن ترقق الشعر يكون أكثر وضوحاً في منطقة الصدغين، (انحسار خط الشعر) أو عند قمة الرأس (ظهور بقعة الصلع). وتُعد هذه الحالة شائعة جداً، حتى بين الرجال في سن مبكرة.

وقد يظهر هذا الاضطراب، المعروف باسم الصلع الوراثي لدى الذكور (Male-Pattern Baldness)، لأول مرة في مرحلة مبكرة من العمر، قد تبدأ منذ أواخر فترة المراهقة.

الصلع يظهر لدى نصف الرجال قبل منتصف العمر

تقول الدكتورة ماريان ماكريديس سينا، مديرة مركز «لاهي» للتميز في علاج تساقط الشعر والأستاذة المساعدة في طب الأمراض الجلدية بكلية الطب جامعة هارفارد: «إن نحو 20 في المائة من الرجال يبدأون الصلع بحلول سن العشرين، ونحو 30 في المائة يواجهون ذلك بحلول سن الثلاثين». ويستمر هذا الاتجاه التصاعدي حتى سن الخمسين؛ حيث يفقد نحو نصف الرجال كميات ملحوظة من الشعر، وتواصل نسبة الانتشار الارتفاع مع التقدم في السن.

ما أسباب الصلع الذكوري؟

يُعد نمط الصلع الذكوري، المعروف أيضاً باسم «الثعلبة الأندروجينية» (androgenetic alopecia)، النوع الأكثر شيوعاً لتساقط الشعر. وإلى جانب التقدم في العمر، تلعب الجينات والهرمونات الجنسية المعروفة باسم «الأندروجينات» أدواراً رئيسية في ذلك. إذ يُشتق الهرمون الرئيسي المسؤول عن ذلك، وهو «ثنائي هيدرو التستوستيرون» (dihydroxytestosterone) (DHT)، من هرمون التستوستيرون. وتؤدي المستويات الزائدة من هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون» إلى انكماش بصيلات الشعر، مع تقصير دورة النمو الطبيعية لكل شعرة، ما يُعجل من تساقط الشعر.

أدوية للوقاية من تساقط الشعر وعلاجه

هناك دواءان معتمدان من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية لعلاج تساقط الشعر الناتِج عن الصلع الذكوري: «مينوكسيديل» الموضعي المتاح دون وصفة طبية، و«فيناسترايد» (بروبيشيا)، وهو دواء لا يُصرف إلا بوصفة طبية. ومع كلا الدواءين، تحتاج إلى استعمالهما بانتظام لمدة تتراوح بين 4 و6 أشهر قبل حصول أي تحسن ملحوظ، ثم يتعين عليك الاستمرار في استخدامهما إلى أجل غير مسمى للحفاظ على أي فوائد مكتسبة.

* «مينوكسيديل» الموضعي topical minoxidil % 5) -«5) (روغين Rogaine). طُوّر «مينوكسيديل» في الأصل بوصفه دواءً لعلاج ارتفاع ضغط الدم. وأُعيد توظيفه علاجاً لتساقط الشعر بعد أن لاحظ الأطباء أن الأشخاص الذين يتناولونه ينمو لديهم شعر زائد. وبالنسبة لتساقط الشعر، يأتي الدواء على شكل رغوة أو سائل يُوضع على فروة الرأس مرتين في اليوم.

ويعتقد الخبراء أن المنتجات الموضعية للدواء تعمل عن طريق توسيع الأوعية الدموية في فروة الرأس، ما يُساعد على زيادة تدفق الدم وتوصيل العناصر الغذائية اللازمة لتحفيز نمو الشعر.

تقول الدكتورة سينا: «يجد أغلب الناس أن السائل أسهل في الاستخدام؛ لأنه لا يلتصق بالشعر المجاور بقدر ما تفعل الرغوة». ولكن على عكس الرغوة، يحتوي السائل على مادة «بروبيلين غليكول»، وهي مادة حافظة يمكن أن تهيج الجلد، ما يسبب الحكة والاحمرار لدى بعض الأشخاص.

* «فيناسترايد» (finasteride) (بروبيشيا Propecia). يعمل هذا الدواء، الذي يُؤخذ منه قرص يومي، عن طريق التدخل في عملية تحويل التستوستيرون إلى هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون».

آثار جانبية

وتشمل الآثار الجانبية له انخفاض الرغبة الجنسية، وضعف الانتصاب، ومشكلات في القذف؛ ووردت بعض التقارير التي تُفيد باستمرار هذه الآثار الجانبية حتى بعد التوقف عن تناول الدواء.

ويمكن أن يحدث أيضاً تضخم في الثدي، وضعف مؤقت في الخصوبة، وتغيرات في المزاج. ووفقاً لمراجعة علمية نُشرت عام 2025 في «مجلة طب الأمراض الجلدية التجميلية»، فإن «فيناسترايد» الفموي يُعد أكثر فاعلية بقليل من «مينوكسيديل» الموضعي، بناءً على متوسط التغير في كثافة الشعر بعد 6 أشهر من الاستخدام.

تحذيرات من المنتجات المركبة والمكملات الغذائية

أما المنتجات الأخرى المروَّجة لإنبات الشعر، والتي تُباع عادة عبر الإنترنت، فلا تفتقر فقط إلى الأدلة العلمية التي تثبت فاعليتها، بل قد تنطوي أيضاً على مخاطر صحية. ففي أبريل (نيسان) 2025، أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية تحذيراً للمستهلكين بشأن المخاطر المحتملة المرتبطة بالمنتجات المركبة المحتوية على «فيناسترايد» الموضعي.

وتقول الدكتورة سينا إن الدراسات تُشير إلى أن هذه المنتجات يمكن أن تخفض مستويات هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون» في الدم بمعدل يقترب من فاعلية «فيناسترايد» الفموي؛ إذ أبلغ مستخدموها عن آثار جانبية مماثلة لتلك التي تسببها أقراص «فيناسترايد»، بما في ذلك ضعف الانتصاب، والقلق، والاكتئاب.

وتحتوي منتجات أخرى على خلائط غير مختبرة من الفيتامينات والمعادن والمكملات الغذائية، مثل الكركمين، والأشواغاندا، ومستخلص الشاي الأخضر. وتشير الدكتورة سينا إلى أنه على الرغم من ندرة حدوث ذلك، فإن هناك تقارير تُفيد بإصابة شباب أصحاء بأضرار في الكبد ناجمة عن استخدام هذه المكملات.

آفاق المستقبل

قد تُشكل أيضاً أقراص «مينوكسيديل» بجرعات منخفضة ممتدة المفعول خياراً فعالاً وأكثر ملاءمة لإعادة إنمـاء الشعر. وإذا ما أكدت دراسات أطول وأوسع نطاقاً فوائد هذه التركيبة الجديدة وسلامتها (وأدت إلى نيل اعتماد إدارة الغذاء والدواء الأميركية)، فستكون أول أقراص غير هرمونية لعلاج الصلع الذكوري. (يُذكر أن الدكتورة سينا تشغل منصب مستشار علمي للشركة التي تعمل على تطوير هذا الدواء).

وتخضع عدة علاجات جديدة محتملة أخرى للتطوير في الوقت الراهن، بما في ذلك مادة «كلاسكوتيرون» (clascoterone) (بريزولا Breezula)، المعتمدة بالفعل لعلاج حب الشباب (تحت الاسم التجاري «وينليفي Winlevi»).

وتقول الدكتورة سينا إن هذا الدواء الموضعي يُثبط أيضاً هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون»، ولكن بصورة انتقائية للغاية؛ أي عند بصيلة الشعر فحسب بدلاً من تثبيطه في جميع أنحاء الجسم. ولا تزال التجارب الإكلينيكية جارية، غير أن النتائج الأولية تُشير إلى أنه يتمتع بفاعلية تقارب فاعلية الأدوية المتاحة حالياً، ولا يصاحبه سوى آثار جانبية طفيفة تشمل الاحمرار والحكة.

وتضم قائمة العلاجات الواعدة الأخرى مادة «بيريلوتاميد (pyrilutamide)»، التي تُثبط هي الأخرى هرمون «ثنائي هيدرو التستوستيرون» انتقائياً، ومادة «بي بي 405- PP405»، التي تهدف إلى تحفيز الخلايا الجذعية في بصيلات الشعر الخاملة.

• رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»، خدمات «تريبيون ميديا».