«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

العلماء يرسمون «خريطة الإحساس» بما يجري داخل الجسم

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان
TT

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

«الإدراك الداخلي»... الحاسة «السادسة» للإنسان

في العام الماضي، حصل أرديم باتابوتيان على وشمٍ خاص، إذ رسم أحد الفنانين شريطاً متشابكاً على ذراعه اليمنى يُجسّد رسماً تخطيطياً لبروتين يُسمّى «بيزو». وكان باتابوتيان، عالم الأعصاب في معهد سكريبس للأبحاث في سان دييغو، قد اكتشف هذا البروتين عام 2010، وفاز عام 2021 بجائزة نوبل عن هذا الاكتشاف. وبعد 3 أعوام، قرّر تخليد ذكرى «بيزو» عبر هذا الوشم.

واكتشف باتابوتيان أن «بيزو» يسمح للنهايات العصبية في الجلد بالشعور بالضغط، ما يساعد على خلق حاسة اللمس. وهو يتذكر قائلاً: «كان من المذهل الشعور بالإبرة وهي تحفر بروتين (بيزو) الذي كنت أستخدمه للشعور به»، أي بعمله.

«الإدراك الداخلي»... الحاسة الداخلية «السادسة»

لم يعد باتابوتيان يدرس كيف يُخبرنا «بيزو» (Piezo) عن العالم الخارجي ومؤثراته، وبدلاً من ذلك، اتجه إلى الداخل لدراسة تدفق الإشارات التي تنتقل من داخل الجسم إلى الدماغ. ويُعد بحثه جزءاً من جهد جديد وكبير لرسم خريطة لهذه الحاسة السادسة، الحاسة الداخلية، المعروفة باسم «الإدراك الداخلي» أو «الحسّ الداخلي» (interoception).

ويكتشف العلماء أن الحس الداخلي يزود الدماغ بصورة غنية للغاية عمّا يحدث في جميع أنحاء الجسم، وهي صورة غالباً ما تكون خافية عن وعينا.

تشكيل العواطف والسلوك... والاضطرابات

تُشكل هذه الحاسة الداخلية عواطفنا وسلوكنا وقراراتنا، وحتى طريقة شعورنا بالمرض عند الإصابة بنزلات البرد. وتُشير كمية متزايدة من الأبحاث إلى أن العديد من الحالات النفسية، بدءاً من اضطرابات القلق، وصولاً إلى الاكتئاب، قد تكون ناجمة جزئياً عن أخطاء في إدراكنا لبيئتنا الداخلية.

قد يصبح من الممكن يوماً ما علاج هذه الحالات، من خلال إعادة ضبط حاسة الشخص الداخلية، لكن أولاً، كما قال باتابوتيان، يحتاج العلماء إلى فهم راسخ لكيفية عمل الإدراك الداخلي. وأضاف «لقد تعودنا على جسدنا».

دراسة الإدراك الداخلي

لدى كل شخص وعي أساسي بالإدراك الداخلي، سواء أكان شعوراً بتسارع دقات قلبك، أم امتلاء مثانتك، أم شعوراً بالخفقان في معدتك. ولطالما اعترف علماء الأعصاب بالإدراك الداخلي بوصفه إحدى وظائف الجهاز العصبي.

ويمتلك العلماء الآن أدوات فعّالة لدراسة الإدراك الداخلي. ويقول ديفيد ليندن، عالم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز، الذي يُؤلّف كتاباً عن الإدراك الداخلي: «في السنوات الخمس الماضية فقط، حُلّت ألغاز جوهرية ظلّت قائمة منذ مائة عام».

وعلى سبيل المثال، ولدراسة بروتين «بيزو» داخل الجسم، قام باتابوتيان وزملاؤه بإدخال فيروسات مُعدّلة وراثياً في عضو لفأر؛ حيث تدخل الفيروسات النهايات العصبية التي تُسبب توهج الخلايا العصبية في العضو. وقد كشف الفحص الدقيق عن أن النهايات العصبية تستخدم بروتينات «بيزو» للكشف عن تغيرات الضغط في العديد من الأعضاء.

استشعار الضغط في كل أعضاء الجسم

ويقول باتابوتيان: «يوجد استشعار الضغط في كل مكان في الجسم». ففي الشريان الأورطي، على سبيل المثال، تستشعر بروتينات «بيزو» ضغط الدم، وفي الرئتين تُسجّل كل نفس شهيق. كما تستشعر تمدد المثانة عند امتلائها بالبول.

وتنتمي العديد من النهايات العصبية المليئة بالبروتينات الكهروكيميائية إلى العصب المبهم، وهو سلك من 100000 خلية عصبية يتسلل إلى العديد من الأعضاء. ويستشعر العصب المبهم الضغط، ولكنه يحتوي أيضاً على مستقبلات تسجل تغيّرات أخرى، مثل تقلبات درجة الحرارة والحموضة. في الأمعاء، يستشعر العصب المبهم جزيئات السكر والدهون في الطعام الذي نتناوله، حتى بعض العناصر الغذائية المحددة، مثل الزنك.

وعندما نستنشق مثلاً، فان البروتينات الكهروكيميائية تستشعر تمدد رئتينا. إلا أن الدماغ يستجيب لذلك بمنع الاستنشاق لئلا يؤدي إلى تمدد بطانة الرئتين الرقيقة. أما إذا اكتشف العصب المبهم وجود سم في أمعائنا، فيمكنه إرسال إشارة إلى الدماغ تؤدي سريعاً إلى التقيؤ.

في أي لحظة، يقوم الدماغ بغربلة ودمج الإشارات من جميع أنحاء الجسم الداخلية. كيف يفعل ذلك، وماذا يفعل بهذه المعلومات، لا يزال غامضاً إلى حد كبير. وقال ليندن: «إنه أمرٌ مُرهِقٌ حقاً، وفهمنا للأمر ضعيفٌ جداً في الوقت الحالي».

الإحساس الداخلي بالمرض... بفضل الدماغ

وأخيراً، أحرز العلم تقدماً في حل لغزٍ واحد على الأقل: كيف يُشعرنا الإحساس الداخلي بالمرض. وقالت كاثرين دولاك، عالمة الأعصاب في جامعة هارفارد التي تدرس المرض: «عندما تشعر بالمرض، تفقد طاقتك، وتفقد شهيتك، وتشعر بتوعك، وتقول: (يا إلهي، هذا جرثومةٌ مزعجة تُسبب لي المرض)... ويتضح أن الدماغ هو مَن يفعل ذلك بك».

في الواقع، يُراقب الدماغ الجسم باستمرار بحثاً عن علامات العدوى. عندما يصطدم مُسبب المرض بنهايات عصبية مُبهمة مُعينة، فإنها تُرسل إشارات إلى الدماغ. وتستطيع النهايات العصبية الأخرى التعرّف على إشارات الإنذار التي تُرسلها الخلايا المناعية لبعضها. ثم يُكوّن الدماغ تصوراتٍ ذهنيةً لهذه العدوى، ويستخدمها لمُقاومتها. قد يرفع ذلك درجة حرارة الجسم، ما يُمكّن الخلايا المناعية من مُحاربة الجراثيم بفاعلية أكبر. وقد يُوقف دورة النوم والاستيقاظ مؤقتاً، مُبقياً إياك في السرير للحفاظ على طاقتك، بل يمكنه إرسال إشارات تُغيّر هجوم الجهاز المناعي على مسببات الأمراض -تكثيف الهجوم هنا، وكبحه هناك- لتقليل الأضرار الجانبية.

لكن الدماغ لا يكتفي بالتفاعل مع الإحساس الداخلي؛ فهو يتعلّم من هذا الإحساس الداخلي، ثم يُقدّم تنبؤات تُحسّن فرص بقائنا.

وقالت كاميلا نورد، عالِمة الأعصاب في جامعة كامبردج: «نحن لا نريد فقط معرفة اللحظة التي ينفد فيها الأكسجين؛ بل نريد أن نعرف متى سيبدأ النفاد... إننا نرغب في امتلاك حاسّة استباقية».

الخلايا الحسّية تتفاعل مع الدماغ

عندما تأكل شيئاً جديداً، على سبيل المثال، تُخبر الخلايا الحسية في أمعائك دماغك ما إذا كان الطعام مصدراً جيداً للمغذيات، وهذه المعلومات قد تُولّد رغبة في تناول مزيد منه في المستقبل. وبالمثل، تُعلّم إشارات المرض الداخلي الدماغ توقع أمراض لم تبدأ بعد. كما أن مجرد رؤية شخص مريض قد يكون كافياً لتحفيز دماغ المُشاهد على تعزيز جهاز المناعة.

الإدراك الداخلي والاضطرابات المَرضية

وعلى الرغم من أهمية الإدراك الداخلي لبقائنا، يُشتبه نورد وباحثون آخرون في أنه مسؤول أيضاً عن عدد من الاضطرابات، فإذا أساء الدماغ تفسير إشارات الجسم، أو إذا كانت هذه الإشارات خاطئة، فقد يُرسل الدماغ أوامر تُسبب الضرر.

ويتزايد اعتقاد الباحثين بإمكانية علاج بعض الاضطرابات النفسية مثل اضطرابات أساسها الحس الداخلي. وتُشير أدوية إنقاص الوزن، مثل أوزيمبيك، بالفعل إلى مدى فاعلية هذا النوع من العلاج، إذ إن هذه الأدوية المعروفة باسم أدوية «GLP-1»، تُحاكي الإشارات التي تُرسلها الأمعاء إلى الدماغ عند تناول الطعام، ما يؤدي إلى فقدان الشهية.

وبالإضافة إلى محاكاة إشارات الجسم، قد يستلزم علاج اضطراب الإدراك الداخلي إعادة ضبط مناطق الدماغ لتفسير الإشارات بشكل مختلف.

أطلس الإدراك الداخلي

لكن باتابوتيان حذّر من صعوبة تحويل الإدراك الداخلي إلى أدوات يمكن التحكم بها قبل أن يتم فهمه بشكل أفضل. ويأمل هو وزملاؤه في مركز «سكريبس» للأبحاث أن يوفّروا أساساً لهذه التطورات، من خلال إنشاء أطلس للإدراك الداخلي في جميع أنحاء الجسم.

وفي اكتشاف حديث، وجدوا أن الدهون مخترقة بنهايات عصبية تستشعر الضغط باستخدام بروتينات «بيزو».

وقال باتابوتيان: «يبدو أن الأمر مهم هنا، لكننا ما زلنا لا نعرف ما الذي تستشعره؟ هل عندما تنمو الدهون، تصبح أكثر كثافة وتزيد الضغط على الأعصاب؟ هل عندما تنمو الدهون، يزداد تدفق الدم، وهذا ما يتم استشعاره؟ ببساطة، لا نعرف الإجابة».

يأمل باتابوتيان أن يساعد أطلسه للإدراك الداخلي العلماء على فهم أعمق لما تستشعره أعصابنا، ليس فقط في الدهون، بل في جميع أنحاء أجسامنا.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

4 مشروبات تحتوي على فيتامين «سي» أكثر من عصير البرتقال

صحتك كوب من عصير الطماطم الطازج (بيكسلز)

4 مشروبات تحتوي على فيتامين «سي» أكثر من عصير البرتقال

يلجأ كثيرون إلى شرب عصير البرتقال لزيادة استهلاكهم من فيتامين «سي»، إذ يحتوي ثلاثة أرباع كوب من عصير البرتقال على نحو 93 ملليغراماً من هذا الفيتامين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تشير دراسات غذائية إلى أن الاستهلاك المزمن لكميات كبيرة من البروتين خصوصاً من مصادر حيوانية قد يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية وبعض أنواع السرطان (بيكسباي)

5 آثار جانبية لتناول كميات كبيرة من البروتين

قد يؤدي الإفراط في تناول البروتين إلى آثار جانبية صحية لا تكون ظاهرة دائماً في بدايتها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا صورة من مدخل مستشفى بحري التعليمي بعد استئناف خدماته في الخرطوم 18 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مستشفى بحري في الخرطوم يعود إلى العمل بعد دماره جراء الحرب

استقبل مستشفى بحري التعليمي بالعاصمة السودانية أول مرضاه هذا الأسبوع بعد أن اضطر إلى غلق أبوابه لنحو ثلاثة أعوام بعد أن دُمّر ونُهب في الحرب.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
صحتك كوب من شاي الكركديه (بيكسباي)

ما أفضل وقت لشرب شاي الكركديه لخفض ضغط الدم؟

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن أفضل وقت لشرب شاي الكركديه لخفض ضغط الدم هو عدة مرات على مدار اليوم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك يرسل الدماغ إشارةً لاستهلاك مزيد من السعرات الحرارية عن طريق زيادة الشعور بالجوع (رويترز)

6 أسباب تجعلك تشعر بالجوع أكثر في الطقس البارد

قد تشعر بالجوع أكثر عندما يكون الجو بارداً، ويعود ذلك إلى عدة أسباب؛ منها الغرائز الطبيعية، والحاجة إلى سعرات حرارية إضافية للطاقة، ومشكلات الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.


الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
TT

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

تتجه الأدلة العلمية بشكل متزايد إلى حقيقة صادمة هي أن إساءة معاملة الأطفال لا تُلحق الأذى بالنفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على امتداد العمر.

الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً

وقد كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة عن أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تصبح منقوشة بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية طويلة الأمد.

وتمثل هذه النتائج مجتمعةً نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال إذ لم تُعد مسألة اجتماعية أو نفسية فحسب، بل عامل خطر بيولوجي له تبعات جينية قابلة للقياس.

دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة

في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قام باحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب بيانات عن إساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة. وباستخدام أساليب جينومية متقدمة أثبت الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية عدة.

وكانت النتائج مذهلة، إذ إن الأفراد الذين تعرَّضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة واجهوا خطراً أعلى بـ5 أضعاف تقريباً للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في وقت لاحق من حياتهم.

التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية

وعلى المستوى البيولوجي كشفت الدراسة عن أن سوء معاملة الأطفال يترك آثاراً جينية مستمرة، لا سيما التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيِّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.

ومن بين آلاف هذه التغيرات، حدَّد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية. الجدير بالذكر أن كثيراً من هذه الجينات متورطة أيضاً في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، ما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي في مراحل لاحقة من العمر.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.

الصدمة المكتوبة في الدماغ

وتكمل هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 ركّزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معاً.

وقاد الدراسة البروفسورة أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني، وكلاهما من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة. واستخدم الفريق نهجاً واسع النطاق لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالاً صغاراً ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، إضافة إلى حالات تشريح قضائي. وعلى خلاف الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات محددة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» epigenome للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.

و«الإبيجينوم» هي مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA) والبروتينات التي تؤثر على وقت ومكان وكيفية التعبير عن الحمض النووي. ويمكن أن تنتقل هذه التغيُّرات إلى نسل الكائن الحي وراثياً عبر الأجيال.

وحدَّد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة أهمها «FOXP1»، وهو جين يُعد مفتاحاً رئيسياً لتنظيم تطور الدماغ.

وارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطاً مباشراً بتغيُّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعد هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي. وهي وظائف غالباً ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.

ومن خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ تقدّم الدراسة دليلاً بيولوجياً قوياً على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي ذاته.

الكشف المبكر والوقاية

والأهم أن الدراستين لا تكتفيان بالتشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية. فقد حدَّدت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تتوسط العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والمرض العقلي اللاحق. وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، وكذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التحصيل العلمي. ويمكن للتدخلات الموجّهة في هذه المجالات أن تقلّل الضرر طويل الأمد بشكل ملموس.

في المقابل طوَّر فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الـ4 المرتبطة بالصدمة. وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة والذين لا يملكون ذلك التاريخ باستخدام بيانات مستقلة؛ ما يفتح المجال مستقبلاً لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرُّف المبكر إلى الأطفال المعرّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.

ويرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحوّلاً جذرياً، إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات حكراً على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية لمعالجة تحديات صحية عامة واسعة الانتشار مثل إساءة معاملة الأطفال.

ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة

وتبعث هاتان الدراستان برسالة واضحة هي أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تُشكّل الصحة النفسية طوال الحياة. ورغم أن بعض التغيّرات اللاجينية قد يصعب عكسها فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، ألا وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فاعلية.

ومن خلال فهم الكيفية التي تُكتب بها الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا يمنحنا العلم إلحاحاً أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»