«التوأم الرقمي» سيغدو في متناول أي إنسان قريباً

بيانات شخصية كافية ستتيح بناءه

«التوأم الرقمي» سيغدو في متناول أي إنسان قريباً
TT

«التوأم الرقمي» سيغدو في متناول أي إنسان قريباً

«التوأم الرقمي» سيغدو في متناول أي إنسان قريباً

بعد كتابتي أكثر من مقال يومياً على مدار 23 عاماً مضت، جمعتُ نصاً ضخماً بما يكفي لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي قادر على الكتابة مثلي شخصياً، بشكل مقنع. ومع تكنولوجيا اليوم، لن يكون من الصعب بناء نظام قادر على توليد آراء تبدو كما لو أنها صادرة عن إنريكي دانس، أي بناء «أستاذ خوارزمي» يستمر في النشر فترة طويلة بعد رحيلي.

التوأم الرقمي

هذه -على ما تبدو- هي آفاق الإنتاجية القادمة: التوأم الرقمي. وتبني شركات ناشئة مثل «فيفن» (Viven)، وأدوات مثل «سينثيسيا» (Synthesia) «نسخاً من الذكاء الاصطناعي» للموظفين والمديرين التنفيذيين، مدرَّبة على أصواتهم وكتاباتهم وقراراتهم وعاداتهم.

إن الفكرة مغرية. تخيَّل نفسك تُوسِّع نطاق قدراتك بواسطة هذا التوأم الرقمي بلا حدود: الرد على رسائل البريد الإلكتروني، وتسجيل مقاطع الفيديو، وكتابة التحديثات، وما إلى ذلك، بينما تقوم أنت بشيء آخر، أو لا تقوم بشيء على الإطلاق.

الإغراء لا يعني بالضرورة العقلانية

إننا ندخل عالماً مليئاً بالأشباح الرقمية. نحن ندخل عصراً لن يقتصر فيه المحترفون على أتمتة المهام؛ بل سيُقلِّدون شخصياتهم؛ إذ قد تُنشئ شركة نسخة رقمية من أفضل مندوبي المبيعات أو موظفي خدمة العملاء لديها. وقد يُدرِّب الرئيس التنفيذي توأماً افتراضياً للرد على الاستفسارات. وقد تُوظِّف جامعة نسخة ذكاء اصطناعي من مُحاضر مشهور لتقديم دورات على نطاق واسع.

نظرياً، يبدو هذا فعالاً. ولكن عملياً، يُثير نوعاً من الارتباك الوجودي: إذا كانت النسخة مُقنعة بما فيه الكفاية، فماذا يحدث للشخص؟ ماذا يعني أن تكون «منتِجاً» عندما تكون نسختك الرقمية هي من تقوم بالعمل؟

إن الانبهار باستنساخ أنفسنا رقمياً يعكس الإغراء نفسه الذي قاد الأتمتة قروناً: الاستعانة بمصادر خارجية ليس فقط للعمالة؛ بل أيضاً للهوية. الفرق هو أن الذكاء الاصطناعي يستطيع الآن محاكاة صوت تلك الهوية، حرفياً ومجازياً.

كيف سأبدو كخوارزمية؟

يمكنني فعل ذلك بسهولة. لو زودتُ نموذجاً لغوياً ضخماً بملايين الكلمات التي كتبتها منذ عام 2003 (كل مقال، وكل منشور، وكل تعليق) لحصلتُ على محاكاة دقيقة جداً لي. من المرجح أن يكون لديه النبرة والمفردات والإيقاع المناسبين. يمكنه كتابة مقالات معقولة، وربما حتى نشرها بالوتيرة نفسها؛ لكنه سيُخطئ الهدف؛ ذلك لأني لا أكتب لملء جدول زمني أو قاعدة بيانات. أنا أكتب للتفكير أو للتدريس. والكتابة -بالنسبة لي- ليست فعل إنتاج؛ بل هي تأمل. لهذا السبب -كما شرحتُ أخيراً في مقال «لماذا أدع الذكاء الاصطناعي يُساعدني على التفكير، ولكن لا يُفكر نيابة عني أبداً»- لم أدَع الذكاء الاصطناعي يكتب مقالاتي نيابة عني، فهذا غير منطقي؛ إذ إن الطلب من نموذج أن يُفكر نيابة عني سيُبطل السبب الحقيقي الذي يدفعني للكتابة كل صباح.

بالطبع، أستخدم الذكاء الاصطناعي باستمرار: ألخص المصادر، وأتحقق من الحقائق، واستكشف الحجج المضادة، وأجد المراجع. ولكنني لا أدعه يُكمل جملتي أبداً. هذا هو الحد الذي يُبقي عملي ملكي.

وهم تطوير الذات

تنبع وعود الاستنساخ الرقمي من المفهوم الخاطئ نفسه: أن تكرار الإنتاج يساوي تكرار القيمة. وتتحدث الشركات الآن عن «تجميع الخبرة»، أو «تطوير رأس المال البشري» كما لو كانت الشخصية خط إنتاج.

لكن استنساخ الإنتاج يختلف عن توسيع نطاق الكفاءة. فالقيمة المهنية للشخص ليست كلماته أو إيماءاته؛ بل أحكامه المتفردة التي تُبنى بمرور الوقت من خلال السياق وحب الاطلاع. قد يُقلِّد نموذج مُدرَّب على قراراتك السابقة أسلوبك، ولكنه لا يستطيع توقع تطورك. إنه أحفورة، وليس مستقبلاً.

قد يُقلِّد استنساخ الذكاء الاصطناعي أسلوب كتابتي من عام 2025. ولكنني إذا سمحتُ له بالنشر، فسيُجمِّدني في ذلك العام إلى الأبد، قطعة متحفية تُحدَّث يومياً.

من الإنتاجية إلى الحضور

على المديرين التنفيذيين ورواد الأعمال والمبدعين توخي الحذر فيما يتمنون. قد يتولى «التوأم الرقمي» إدارة البريد الوارد أو تسجيل مختصرات الفيديو، ولكنه يُضعف أيضاً ما يجعل للقيادة والإبداع معنى الحضور.

في تغطية فعاليات ملتقى «أكسيوس» لنسخ الرؤساء التنفيذيين، اعترف كثير من المديرين التنفيذيين بأنهم يُحبون نسخهم من الذكاء الاصطناعي؛ لكنهم لا يثقون بها تماماً. تستطيع النسخة التعامل مع التفاعلات المتكررة، ولكنها لا تستطيع التعامل مع التعاطف، أو التوقيت، أو الفروق الدقيقة، وهي الصفات التي تُحدد المصداقية. ويُشبه تفويض هذه الأمور إلى خوارزمية إرسال دمية إلى اجتماع: حاضرة تقنياً، وخالية عاطفياً.

خلود الشركات وأخلاقيات الإرث

هناك أيضاً سؤالٌ حول ما سيحدث عندما يعمِّر توأمك الرقمي أكثر منك. بعض الشركات تُعامل بيانات موظفيها كأصول، فلماذا لا تُعامل نسخها الرقمية بالطريقة نفسها؟

تخيل شركة تُواصل نشر «نسخة الذكاء الاصطناعي» من قائدٍ أو مُعلّمٍ عزيزٍ بعد رحيله. قد يبدو الأمر تكريماً، ولكنه في الحقيقة شكلٌ من أشكال السحر الأسود: استخدام البقايا الفكرية لشخصٍ ما لتخليد علامة تجارية.

ليس من الصعب تخيُّل جامعاتٍ تبيع «أساتذة افتراضيين» أو شركاتٍ تُعيد استخدام رؤسائها التنفيذيين السابقين كصورٍ رمزية دائمة. في ورقة أكاديمية حديثة حول التوائم الرقمية، حذَّر باحثون من أن الحدود بين «التمثيل» و«الامتلاك» أصبحت ضبابية. مَن يملك النسخة المُستنسخة؟ ومَن يستفيد منها؟

عندما نُحاكي الأشخاص ككائنات بيانات، نُخاطر بتحويل الهوية إلى بنية تحتية، إلى شيءٍ يُمكن ترخيصه، أو استثماره، أو إعادة تسميته حسب الرغبة.

الطريقة الصحيحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي شخصياً

ومع ذلك، هناك طريقة عقلانية لاستخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق العمل، كإضافة، لا كتقليد.

إني أستخدم الذكاء الاصطناعي يومياً كشريك تفكير. يقرأ المسودات، ويقترح المصادر، وينتقد منطقي. يشبه الأمر وجود مساعد بحث لا يكَل، لا يغضب أبداً عندما أتجاهل نصائحه. ولكن عملية التفكير، وقرار ما أقوله، وكيف أقوله، تبقى مسؤوليتي.

هذا هو الفرق الجوهري بين استخدام الذكاء الاصطناعي وبين أن نصبح كذلك. عندما نستعين بمصادر خارجية للتفكير، نفقد حلقة التغذية الراجعة التي تجعلنا بشراً: عملية التأمل والمراجعة والنمو المستمرة.

المهنيون الذين يتبنون الذكاء الاصطناعي بمسؤولية سيوسعون نطاق عملهم دون أن يُضعفوا جوهره. أما أولئك الذين لا يفعلون ذلك، فسيجدون في النهاية أن أصواتهم لا يمكن تمييزها عن أصوات آلاتهم.

ما ينبغي للشركات تعلمه من هذا

للشركات التي تُغازل نسخاً من موظفيها أو شخصياتها المُجسَّدة بالذكاء الاصطناعي، إليكم قائمة مرجعية جديرة بالتذكر:

- تحديد الهدف لا التقليد: لا تنشئوا توائم ذكاء اصطناعي لمحاكاة البشر؛ بل لتنشئوا أنظمة تُتيح لهم القيام بأعمال ذات قيمة أعلى.

- الحفاظ على العنصر البشري في دائرة التأليف: يُمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في الصياغة والترميز والتلخيص، ولكن يجب أن يبقى الحكم النهائي بشرياً.

- التعامل مع البيانات كإرث لا كملكية: احترموا استقلالية الموظف والمُبدع. لا ينبغي لأحد أن يُصبح أصلاً رقمياً دائماً دون موافقته.

- التركيز على التوسيع لا الأتمتة: استخدموا الذكاء الاصطناعي لتعزيز الذكاء الجماعي، لا لإلغاء الحاجة إليه.

إن الذكاء الاصطناعي ليس هنا ليحل محل الخبرة البشرية؛ بل لتحدي كيفية تطبيقها.

مفارقة التكرار الذاتي

قريباً، سيتمكن أي شخص لديه بيانات كافية من بناء نسخة رقمية من نفسه. سيعتبرها البعض خلوداً؛ بينما يراها آخرون تكراراً. أراه مرآة، اختباراً لماً هو مهمٌ حقاً في العمل البشري.

عندما يكتب توأمي الرقمي مقالاً جيداً عن الذكاء الاصطناعي، لن أُعجب به. المسألة ليست في قدرته على الكتابة؛ بل في اهتمامه، وفي خدمتي للهدف الذي أسعى لتحقيقه.

وإلى أن تُصبح الخوارزميات قادرة على الاهتمام بالحقيقة، والفروق الدقيقة، وحب الاطلاع والفضول، أو الغاية، سأستمر في فعل ما فعلته على مدار الثلاثة والعشرين عاماً الماضية: الجلوس، والتفكير، والكتابة؛ ليس لأنني مُضطرٌ لذلك؛ بل لأنني ما زلتُ قادراً على ذلك.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

استثمار ملياريّ لـ«إس كيه هاينكس» لتعزيز ريادتها في رقائق الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، يوم الأربعاء، أنها تخطط لاستثمار 19 تريليون وون (12.85 مليار دولار) في إنشاء مصنع جديد بكوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.