الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية

كتّاب ظهروا «من الصفر إلى الشهرة» طامعين بطبعها في المجلات الرصينة

الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية
TT

الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية

الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية

تزداد رسائل الكُتّاب المدونة بواسطة روبوتات الدردشة الموجهة إلى رؤساء تحرير المجلات العلمية حول العالم، وفقاً لتقارير جديدة ولمحرري المجلات أنفسهم.

النشر العلمي... في خطر

وتُعرّض هذه الممارسة جزءاً من النشر العلمي للخطر، وهو النشر الذي يراه المحررون ضرورياً لصقل نتائج الأبحاث وإيجاد اتجاهات جديدة في البحث.

تجربة عالم في الأمراض الاستوائية

وبدأت دراسة حول هذه المشكلة بعد حادثة وقعت مع اختصاصي أمراض استوائية مرّ بتجربة غريبة، إذ تسلم رسالة كتبها روبوت دردشة. وقرر العالم معرفة ما يحدث بالضبط، ومن كان يُرسل كل هذه الرسائل.

صرح العالم، الدكتور كارلوس شكور Dr. Carlos Chaccour، من معهد الثقافة والمجتمع بجامعة نافارا University of Navarra في إسبانيا، بأن دراسته لهذه المشكلة بدأت مباشرةً بعد نشره بحثاً في مجلة «نيو إنغلاند» الطبية، إحدى أعرق المجلات العلمية في العالم. وتناول البحث، الذي نُشر في يوليو (تموز)، مكافحة عدوى الملاريا باستخدام الإيفرمكتين ivermectin، وقد نُشر مع افتتاحية أشادت بالنتائج.

وبعد 48 ساعة، تلقت المجلة رسالة شديدة اللهجة. فكّر المحررون في نشرها، ولكن كما جرت العادة، أرسلوها إلى شكور للرد عليها.

رسالة اعتراضات... بالذكاء الاصطناعي

بدأت الرسالة بعبارة «نريد إثارة اعتراضات قوية»، مشيرةً إلى أن شكور وزملاءه لم يشيروا إلى بحثٍ قيّم نُشر عام 2017 يُظهر أن البعوض يُصبح مقاوماً للإيفرمكتين.

وفي الواقع، كان شكور على درايةٍ تامة بهذه «الرسالة القيّمة». فقد كتب ذلك البحث هو نفسه مع زميل له، ولم يُشر البحث إلى أن البعوض يُصبح مقاوماً.

ثم تابعت الرسالة قائلةً إن النموذج الاقتصادي المطروح أظهر أن طريقة مكافحة الملاريا لن تنجح... ومرة أخرى، كانت الإشارة إلى بحثٍ أجراه شكور وزملاؤه.

وفكّر شكور: يذكرني «أنا مرةً أخرى؟ حقاً؟». وفي الواقع لم تشر دراسته المذكورة تلك إلى أن الطريقة لن تنجح.

اكتشاف أصل الرسالة

وقرر شكور: «لا بد أن هذا ذكاءٌ اصطناعي»، كتب الرسالة. وعلّل شكور ذلك بأنه لا بد من استخدام نموذج لغوي ضخم لكتابة الرسالة. وقال العالم إنه يعتقد أن كاتب الرسالة، وفي أثناء بحثه عن مراجع في مجال متخصص لا يتوفر بكثرة، عثر على ورقتين بحثيتين لشكور. وأخبر العالم المجلة بما وجده، لذا أوقفت المجلة نشر الرسالة.

رسائل الردود تُنشر بوصفها منشورات علمية

وصرح الدكتور إريك روبين، رئيس تحرير المجلة، بأنه لم يفكر في إمكانية كتابة روبوتات الدردشة للرسائل حتى سمع بتجربة شكور. وأشار في مقابلة إلى أن هناك سبباً يدفع المؤلفين للجوء إلى الذكاء الاصطناعي.

وفي العادة، تُدرج الرسائل الموجهة إلى المحرر، والتي تنشر في المجلات العلمية، في قواعد البيانات التي تُدرج فيها أيضاً مقالات المجلات. وقال روبين إنها «تُحتسب بقدر المقالة العلمية». وأضاف: «مقابل بذل جهد بسيط، يمكن لأي شخص إضافة مقال في مجلة نيو إنغلاند الطبية إلى سيرته الذاتية... لذلك فالدافع للغش كبير».

طبيب شرق أوسطي كاتب الرسالة

وتساءل شكور: من هذا الشخص الذي أرسل الرسالة؟ واكتشف أن المؤلف طبيب من دولة شرق أوسطية لم ينشر أي رسائل إلى محرري المجلات العلمية حتى عام 2024. وفجأة، في عام 2025، نشر 84 رسالة، حول 58 موضوعاً.

وقال شكور مشيراً إلى إبداعاته: «إنه ليوناردو».

كتّاب كثر ظهروا بعد ظهور الذكاء التوليدي

اعتقد شكور أن من الأفضل الكتابة عن تجربته. وتضمنت الدراسة تحليلاً لأكثر من 730000 رسالة إلى محرري المجلات نُشرت منذ عام 2005. وقد نُشرت على الإنترنت قبل تقديمها إلى مجلة مُحكمة.

وقال شكور: «حدث شيء ما في عام 2023». ظهر فجأةً كُتّابٌ لم ينشروا رسائلَ كثيرةً أو لم ينشروا رسائلَ على الإطلاق قبل ذلك، ثم فجأةً أصبحت رسائلهم تُنشر بانتظام - مُنتقلين، كما قال شكور: «من الصفر إلى الشهرة».

نشر أحد الكُتّاب، من دولةٍ في جنوب شرقي آسيا، 234 رسالةً في عام 2024، و243 رسالةً حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، بعد أن لم ينشر أي رسالةٍ في عام 2023.

كما حدّد 128 كاتباً لم ينشروا رسالةً قط. ثم، في عامهم الأول بصفتهم كتّاب رسائل، كان لديهم ما لا يقل عن 10 رسائل منشورة.

وقال شكور إن ما يصل إلى 3000 مؤلف لم يسبق لهم نشر رسالة قبل عام 2023 نشروا ثلاثاً على الأقل. وأضاف: «إذا ظهر شخص ما فجأة وكتب ثلاث أو خمس أو عشر رسائل في عام واحد، فهذا أمر مثير للدهشة... فلكتابة رسالة، تحتاج إلى خبرة، ويجب أن تكون على اطلاع دائم بالأدبيات».

رسائل مشبوهة

ووصلت رسائل غريبة إلى:

* «مجلة الصداع»

بدأت الدكتورة آمي غيلفاند، رئيسة تحرير مجلة «الصداع» journal Headache، في تلقي رسائل مشبوهة. وقالت إن أحد الأدلة هو الرسائل التي تصل بعد يومين من نشر البحث. وأضافت أن المؤلفين من البشر يمضون عادةً بضعة أسابيع قبل الكتابة.

وبدأت في البحث عن مؤلفي الرسائل المشكوك فيها في موقع «PubMed»، وهي قاعدة بيانات للمنشورات العلمية. وقد نشر أحد مؤلفي إحدى الرسائل الحديثة ست رسائل إلى المحرر هذا الشهر في ست مجلات حول ستة مواضيع.

*مجلة «الإدمان»

تلقى كيث همفريز، نائب رئيس تحرير مجلة «الإدمان» Addiction، ما بدا أنه رسالة معقولة إلى المحرر، وأرسلها إلى مؤلفي ورقة البحثية للتعليق عليها.

اتضح أن مؤلفي الرسالة المقيمين في الصين، كانوا منتجين للغاية. في غضون ستة أشهر، نشروا رسائل إلى محرري مجلات في أمراض القلب، وطب الطوارئ، والغدد الصماء، وأمراض الجهاز الهضمي، وأمراض الكبد، وعلم المناعة، وطب العناية المركزة. وقال همفريز: «لقد أتقنوا كل مجال على حدة».

ازدياد نسبة رسائل الردود العلمية

وجد شكور وزملاؤه أن عدد الرسائل المشبوهة في ازدياد مستمر. في عام 2023، بلغت نسبة الرسائل التي كتبها مؤلفون غزيرو الإنتاج - أولئك الذين نشروا ثلاثاً أو أكثر في عام واحد - 6 في المائة. في عام 2024، بلغت 12 في المائة. هذا العام، أفاد الباحثون بأنها تقترب من 22 في المائة.

وقال شكور إنهم يغزون المجلات «مثل أوميكرون»، في إشارة إلى متحور كوفيد الذي سرعان ما أصبح مهيمناً. وقال روبين إن الوضع «ليس جيداً». لكن الحل لا يكمن في التوقف عن نشر الرسائل. وأضاف: «أحياناً تحتوي الرسائل على معلومات بالغة الأهمية. الرسائل الجيدة تطرح أسئلة جيدة أو تثير نقاطاً لا يطرحها المؤلفون». وتتابع غيلفاند: «من دون رسائل، نفقد كل القيمة، والرؤى الجديدة، والانتقادات والمناقشات المهمة حول معناها للعلم».

خطوات لمكافحة الرسائل «الاصطناعية»

وهناك فكرة أخرى تتمثل في التوقف عن فهرسة الرسائل، حتى لا تظهر في «PubMed». وتقول غيلفاند إن هذا أيضاً ليس حلاً جيداً. فالروابط الموجودة في هذا الموقع من الرسائل مفيدة للباحثين.

في الوقت الحالي، لا يوجد اتفاق على ما يجب فعله. وقال شكور إنه على الرغم من أن تجربته مع رسالة الدكتور ب. س. كانت مضحكة، لكن الصورة الكبرى ليست كذلك. وأضاف: «الأمر مرعب».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تقترب من مستوى قياسي جديد

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تقترب من مستوى قياسي جديد

اقتربت «وول ستريت» من تسجيل مستوى قياسي جديد يوم الأربعاء، بعدما أعلنت عدة شركات في قطاع الذكاء الاصطناعي عن نمو فاق توقعات المحللين خلال فصل الربيع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

مسؤول استخبارات يصمم أزياء لتضليل نظم الرؤية الحاسوبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

هل رأيت يوماً أحد المشاهير البارزين يروج لحبوب جديدة لإنقاص الوزن تحمل اسماً غريباً؟ أو ربما شركة تعرض منتجاً جديداً لم تسمع به من قبل؟ إن الإعلانات الزائفة…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

تضيف «أنثروبيك» بصمات غير مرئية وبيانات منشأ إلى مخرجات «Claude» لتسهيل تتبع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد لافتة لشركة «فوكسكون» خلال معرض تايبيه الدولي لقطع غيار وإكسسوارات السيارات والدراجات النارية (رويترز)

أرباح «فوكسكون» التايوانية تقفز 35 % في الربع الثاني متجاوزةً التوقعات

أعلنت شركة «فوكسكون» التايوانية، أكبر مُصنّع للإلكترونيات، يوم الأربعاء ارتفاع أرباحها 35 في المائة في الربع الثاني، متجاوزةً توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (تايبيه )

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية
TT

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

أدى تزايد انتشار أنظمة المراقبة العامة إلى ظهور رد فعل مضاد يتمثل في صنع أزياء صُممت خصيصاً لإرباك كاميرات المراقبة الأمنية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. تهدف هذه التصاميم إلى تضليل أنظمة الرؤية الحاسوبية -مثل كاميرات «أكسون» (Axon) المثبتة على أجسام رجال الشرطة وكاميرات «فلوك» (Flock) وغيرها من أدوات المراقبة الجماعية- وذلك عبر استخدام حيل بصرية، مثل وضع أنماط ورسوم تخدع أجهزة استشعار الذكاء الاصطناعي وتجعلها تصنف مرتديها خطأً على أنهم حيوانات أو جمادات، أو من خلال استخدام أقمشة عاكسة للضوء، كما كتب هانتر شوارتز (*).

التشويش على 11 نموذجاً للرؤية الحاسوبية

تظهر الآن علامة تجارية جديدة للملابس -تُنتج بإصدار محدود وتعتمد على التمويل الجماعي- لتقدم قطعاً تتميز بأنماط قادرة بفاعلية على التشويش على 11 نموذجاً مختلفاً من نماذج الرؤية الحاسوبية. تحمل هذه العلامة التجارية اسم «noRecognition».(اللاتعرّف).

مسؤول استخبارات يصمم الأزياء المشوشة

وابتكر بيل سوارينجين، وهو مسؤول استخباراتي سابق ومؤسس «SecKC»، وهي خدمة لفعالية شهرية متخصصة في الأمن السيبراني تُقام في مدينة كانساس- علامة «noRecognition» بعد إجراء 31.7 مليون اختبار رقمي لتحديد أنواع الأنماط التي تربك نماذج متعددة في آن واحد، وذلك بهدف ابتكار نمط تمويه شامل ومضاد لأنظمة الرصد. ووظّف سوارينجين الذكاء الاصطناعي في مراحل العمل كافة، بدءاً من بناء النموذج وتدريبه، ومروراً باستخدامه لتوليد واختبار الأشكال الهندسية للأنماط المضادة، ووصولاً إلى تحديد الأنماط الأكثر فاعلية.

ويكمن التحدي بالنسبة لسوارينجين في أن النمط الذي ينجح في خداع نموذج واحد غالباً ما يفشل أمام نماذج أخرى مختلفة. ويقول في هذا الصدد: «لقد نجحت في التغلب على كل نموذج اختبرته، لذا فإن تجاوز نموذج واحد أصبح بالنسبة لي مسألة محسومة؛ أما التحدي الحالي فيتمثل في العثور على ذلك النمط الفريد الذي ينجح في خداع العديد من النماذج في آن واحد».

وقد كشف سوارينجين عن علامته هذه للجمهور خلال مؤتمر «ديف كون» (Def Con) للأمن السيبراني في لاس فيغاس في 7 أغسطس (آب) الحالي. كما أطلق حملة على منصة «كيك ستارتر» في الأسبوع نفسه لجمع 5000 دولار، لكن الحملة نجحت في جمع أكثر من 40 ألف دولار حتى الآن. ويوضح سوارينجين أن الأموال المجمعة ستُخصص لشراء الأقمشة والكاميرات وتوفير الموارد الحاسوبية اللازمة، معرباً عن امتنانه العميق وتأثره البالغ بهذا الكرم ورد الفعل الإيجابي.

وشاح «أنبوبي» للرقبة وقميص وسترة رياضية

تتضمن تشكيلة الملابس ذات الإصدار المحدود وشاحاً أنبوبياً (يمكن ارتداؤه كغطاء للرقبة)، وقميصاً (تي شيرت)، وسترة رياضية (سويت شيرت)، بالإضافة إلى ملصقات ورقع قماشية. وسيتم إنتاج 50 قطعة فقط من كل صنف، حيث سيتميز كل منها بنمط فريد تم توليده خصيصاً لشخص واحد.

ويعرض موقع «سوارينجين» الإلكتروني أمثلة على بعض الأنماط التي يولدها نموذج «noRecognition»، إلا أن أقوى أعماله تظل بعيدة عن متناول الإنترنت؛ فمن خلال إبقاء أكثر الأنماط فاعلية خارج الموقع، يحول نموذجه هذا دون قيام مشغلي كاميرات المراقبة بتدريب أنظمتهم على ما ينتجه هذا النموذج.

أنماط التضليل البصري

وكانت السفن الحربية استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى نمط «تمويه التمويه البصري» الذي يتألف من خطوط متعرجة بالأبيض والأسود- لإرباك سفن العدو. واليوم تستخدم شركات السيارات أساليب تمويه لإخفاء تفاصيل المركبات أثناء اختبارها عند القيادة. أما في مجال الأزياء المصممة لمواجهة أنظمة الرصد أو ما يسمى أزياء «الخصومة التقنية» أو (Adversarial fashion)، فيتم الاعتماد بشكل أساسي على استخدام وحدات نمطية متكررة.

نمط من وحدات متكررة

تعتمد معظم الأنماط - وإن لم تكن جميعها - على وحدات متكررة؛ إذ تضمن هذه الطريقة بقاء النمط سليماً وواضحاً حتى بعد قص القماش، ما يجعله ظاهراً في مجال رؤية أجهزة الكشف بغض النظر عن الجزء الذي يظهر من قطعة الملابس. ولا تهدف هذه الأنماط إلى تحقيق غايات جمالية، بل تعطي الأولوية للوظيفة العملية؛ حيث تُعد الأبعاد المحددة للنمط عاملاً حاسماً في مدى نجاحه وفاعليته.

وإن كان بعض الناس يختارون ملابسهم لتلائم الكاميرات، فان تصميم «noRecognition» ليفعل العكس تماماً.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟

قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على «رؤية المستقبل»، بل إن أجسامنا تترك بصمات بيولوجية دقيقة في الدم قبل وقت طويل من تحولها إلى مرض واضح. وما تفعله الخوارزميات الحديثة هو التقاط هذه الإشارات الصامتة، وربطها بأنماط مَرضية معقدة قد تبقى خفية على العين البشرية سنوات طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل حدوث الضرر.

رصد المرض الذي يتسلل إلى الكبد

وباء صامت

يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease - MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.

وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.

ماذا اكتشف الباحثون؟

اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.

ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.

ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

بصمة تكشف المستقبل

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟

لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.

وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.

ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

هل تقود المملكة مستقبل الطب الوقائي؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.

وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.

كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.

من علاج المرض إلى درئه

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.

ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.

وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».


البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه
TT

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

حددت دراسة جديدة دور الذكاء الاصطناعي الكبير في الإخلال بالبيئة وإلحاق الأضرار بها؛ إذ يؤدي إنشاء مراكز البيانات الجديدة المرتبطة بالنظم الذكية إلى بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، مثل محطة غاز في تكساس تدعمها شركة «أمازون» التي قد تصبح أكبر مصدر منفرد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. ولكن الأدهى من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يجعل صناعة الوقود الأحفوري أكثر إنتاجية أيضاً.

الذكاء الاصطناعي يزيد إنتاجية استخراج الوقود الأحفوري

تكشف دراسة جديدة أن مكاسب الإنتاجية هذه قد تولِّد انبعاثات تفوق ما تنتجه مراكز البيانات اليوم بما يصل إلى 13 ضعفاً.

وتركز الدراسة -التي نُشرت في دورية «npj Climate Action» التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature Portfolio)- على ما تُعرَف بـ«الانبعاثات الناجمة عن التمكين»، وهي الانبعاثات التي تنشأ عندما تستخدم شركات النفط والغاز الذكاء الاصطناعي لاستخراج الوقود الأحفوري وتكريره بسرعة وتكلفة أقل، وكذلك لتوليد مزيد من الطاقة.

كما حسبت الدراسة كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الطاقة المتجددة أكثر إنتاجية، إلا أن التأثير على الوقود الأحفوري يفوق بكثير الفائدة العائدة على الطاقة المتجددة.

ولكي تظل الانبعاثات العالمية ثابتة تقريباً، يجب أن تتحسن إنتاجية الطاقة المتجددة بمعدل يتراوح بين 4 و5 أضعاف من معدل تحسن إنتاجية الوقود الأحفوري. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أي تحسن –ولو كان بسيطاً- في عمليات استخراج الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك هذا الوقود.

زيادة الانبعاثات الكربونية

ووجدت الدراسة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات العالمية بمقدار يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (للمقارنة، تعادل 1.8 غيغا طن 3 أضعاف الانبعاثات السنوية لألمانيا). وتتراوح الانبعاثات الناجمة عن مكاسب الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري بين 3.3 و13.3 ضعف الانبعاثات الحالية الناتجة عن مراكز البيانات.

ويُذكر أن اثنين من مؤلفي الدراسة كانا موظفَين في شركة «مايكروسوفت»، وتركا العمل فيها لتأسيس منظمة غير ربحية تحمل اسم «حملة الانبعاثات الناجمة عن التمكين» (Enabled Emissions Campaign).

تأثير غير متكافئ

وقال ويل ألبين، المؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان له: «لقد أمضيت سنوات في بناء أدوات لمنصات الذكاء الاصطناعي، ورأيت بنفسي كيف تُستخدم هذه الأدوات. ومثل أي أداة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة أي مجال يُطبَّق فيه. نعم، يمكنه دفع عجلة الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وتحسين الكفاءة؛ لكنه يعمل أيضاً منذ سنوات على تعزيز إنتاجية صناعة الوقود الأحفوري. وتُظهر بحوثنا أن هذا التأثير غير متكافئ؛ إذ يعمل الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية تعزز جدوى الوقود الأحفوري وهيمنته».

* مجلة «فاست كومباني».