الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية

كتّاب ظهروا «من الصفر إلى الشهرة» طامعين بطبعها في المجلات الرصينة

الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية
TT

الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية

الذكاء الاصطناعي يكتب رسائل مختلقة للرد على نتائج الأبحاث العلمية

تزداد رسائل الكُتّاب المدونة بواسطة روبوتات الدردشة الموجهة إلى رؤساء تحرير المجلات العلمية حول العالم، وفقاً لتقارير جديدة ولمحرري المجلات أنفسهم.

النشر العلمي... في خطر

وتُعرّض هذه الممارسة جزءاً من النشر العلمي للخطر، وهو النشر الذي يراه المحررون ضرورياً لصقل نتائج الأبحاث وإيجاد اتجاهات جديدة في البحث.

تجربة عالم في الأمراض الاستوائية

وبدأت دراسة حول هذه المشكلة بعد حادثة وقعت مع اختصاصي أمراض استوائية مرّ بتجربة غريبة، إذ تسلم رسالة كتبها روبوت دردشة. وقرر العالم معرفة ما يحدث بالضبط، ومن كان يُرسل كل هذه الرسائل.

صرح العالم، الدكتور كارلوس شكور Dr. Carlos Chaccour، من معهد الثقافة والمجتمع بجامعة نافارا University of Navarra في إسبانيا، بأن دراسته لهذه المشكلة بدأت مباشرةً بعد نشره بحثاً في مجلة «نيو إنغلاند» الطبية، إحدى أعرق المجلات العلمية في العالم. وتناول البحث، الذي نُشر في يوليو (تموز)، مكافحة عدوى الملاريا باستخدام الإيفرمكتين ivermectin، وقد نُشر مع افتتاحية أشادت بالنتائج.

وبعد 48 ساعة، تلقت المجلة رسالة شديدة اللهجة. فكّر المحررون في نشرها، ولكن كما جرت العادة، أرسلوها إلى شكور للرد عليها.

رسالة اعتراضات... بالذكاء الاصطناعي

بدأت الرسالة بعبارة «نريد إثارة اعتراضات قوية»، مشيرةً إلى أن شكور وزملاءه لم يشيروا إلى بحثٍ قيّم نُشر عام 2017 يُظهر أن البعوض يُصبح مقاوماً للإيفرمكتين.

وفي الواقع، كان شكور على درايةٍ تامة بهذه «الرسالة القيّمة». فقد كتب ذلك البحث هو نفسه مع زميل له، ولم يُشر البحث إلى أن البعوض يُصبح مقاوماً.

ثم تابعت الرسالة قائلةً إن النموذج الاقتصادي المطروح أظهر أن طريقة مكافحة الملاريا لن تنجح... ومرة أخرى، كانت الإشارة إلى بحثٍ أجراه شكور وزملاؤه.

وفكّر شكور: يذكرني «أنا مرةً أخرى؟ حقاً؟». وفي الواقع لم تشر دراسته المذكورة تلك إلى أن الطريقة لن تنجح.

اكتشاف أصل الرسالة

وقرر شكور: «لا بد أن هذا ذكاءٌ اصطناعي»، كتب الرسالة. وعلّل شكور ذلك بأنه لا بد من استخدام نموذج لغوي ضخم لكتابة الرسالة. وقال العالم إنه يعتقد أن كاتب الرسالة، وفي أثناء بحثه عن مراجع في مجال متخصص لا يتوفر بكثرة، عثر على ورقتين بحثيتين لشكور. وأخبر العالم المجلة بما وجده، لذا أوقفت المجلة نشر الرسالة.

رسائل الردود تُنشر بوصفها منشورات علمية

وصرح الدكتور إريك روبين، رئيس تحرير المجلة، بأنه لم يفكر في إمكانية كتابة روبوتات الدردشة للرسائل حتى سمع بتجربة شكور. وأشار في مقابلة إلى أن هناك سبباً يدفع المؤلفين للجوء إلى الذكاء الاصطناعي.

وفي العادة، تُدرج الرسائل الموجهة إلى المحرر، والتي تنشر في المجلات العلمية، في قواعد البيانات التي تُدرج فيها أيضاً مقالات المجلات. وقال روبين إنها «تُحتسب بقدر المقالة العلمية». وأضاف: «مقابل بذل جهد بسيط، يمكن لأي شخص إضافة مقال في مجلة نيو إنغلاند الطبية إلى سيرته الذاتية... لذلك فالدافع للغش كبير».

طبيب شرق أوسطي كاتب الرسالة

وتساءل شكور: من هذا الشخص الذي أرسل الرسالة؟ واكتشف أن المؤلف طبيب من دولة شرق أوسطية لم ينشر أي رسائل إلى محرري المجلات العلمية حتى عام 2024. وفجأة، في عام 2025، نشر 84 رسالة، حول 58 موضوعاً.

وقال شكور مشيراً إلى إبداعاته: «إنه ليوناردو».

كتّاب كثر ظهروا بعد ظهور الذكاء التوليدي

اعتقد شكور أن من الأفضل الكتابة عن تجربته. وتضمنت الدراسة تحليلاً لأكثر من 730000 رسالة إلى محرري المجلات نُشرت منذ عام 2005. وقد نُشرت على الإنترنت قبل تقديمها إلى مجلة مُحكمة.

وقال شكور: «حدث شيء ما في عام 2023». ظهر فجأةً كُتّابٌ لم ينشروا رسائلَ كثيرةً أو لم ينشروا رسائلَ على الإطلاق قبل ذلك، ثم فجأةً أصبحت رسائلهم تُنشر بانتظام - مُنتقلين، كما قال شكور: «من الصفر إلى الشهرة».

نشر أحد الكُتّاب، من دولةٍ في جنوب شرقي آسيا، 234 رسالةً في عام 2024، و243 رسالةً حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، بعد أن لم ينشر أي رسالةٍ في عام 2023.

كما حدّد 128 كاتباً لم ينشروا رسالةً قط. ثم، في عامهم الأول بصفتهم كتّاب رسائل، كان لديهم ما لا يقل عن 10 رسائل منشورة.

وقال شكور إن ما يصل إلى 3000 مؤلف لم يسبق لهم نشر رسالة قبل عام 2023 نشروا ثلاثاً على الأقل. وأضاف: «إذا ظهر شخص ما فجأة وكتب ثلاث أو خمس أو عشر رسائل في عام واحد، فهذا أمر مثير للدهشة... فلكتابة رسالة، تحتاج إلى خبرة، ويجب أن تكون على اطلاع دائم بالأدبيات».

رسائل مشبوهة

ووصلت رسائل غريبة إلى:

* «مجلة الصداع»

بدأت الدكتورة آمي غيلفاند، رئيسة تحرير مجلة «الصداع» journal Headache، في تلقي رسائل مشبوهة. وقالت إن أحد الأدلة هو الرسائل التي تصل بعد يومين من نشر البحث. وأضافت أن المؤلفين من البشر يمضون عادةً بضعة أسابيع قبل الكتابة.

وبدأت في البحث عن مؤلفي الرسائل المشكوك فيها في موقع «PubMed»، وهي قاعدة بيانات للمنشورات العلمية. وقد نشر أحد مؤلفي إحدى الرسائل الحديثة ست رسائل إلى المحرر هذا الشهر في ست مجلات حول ستة مواضيع.

*مجلة «الإدمان»

تلقى كيث همفريز، نائب رئيس تحرير مجلة «الإدمان» Addiction، ما بدا أنه رسالة معقولة إلى المحرر، وأرسلها إلى مؤلفي ورقة البحثية للتعليق عليها.

اتضح أن مؤلفي الرسالة المقيمين في الصين، كانوا منتجين للغاية. في غضون ستة أشهر، نشروا رسائل إلى محرري مجلات في أمراض القلب، وطب الطوارئ، والغدد الصماء، وأمراض الجهاز الهضمي، وأمراض الكبد، وعلم المناعة، وطب العناية المركزة. وقال همفريز: «لقد أتقنوا كل مجال على حدة».

ازدياد نسبة رسائل الردود العلمية

وجد شكور وزملاؤه أن عدد الرسائل المشبوهة في ازدياد مستمر. في عام 2023، بلغت نسبة الرسائل التي كتبها مؤلفون غزيرو الإنتاج - أولئك الذين نشروا ثلاثاً أو أكثر في عام واحد - 6 في المائة. في عام 2024، بلغت 12 في المائة. هذا العام، أفاد الباحثون بأنها تقترب من 22 في المائة.

وقال شكور إنهم يغزون المجلات «مثل أوميكرون»، في إشارة إلى متحور كوفيد الذي سرعان ما أصبح مهيمناً. وقال روبين إن الوضع «ليس جيداً». لكن الحل لا يكمن في التوقف عن نشر الرسائل. وأضاف: «أحياناً تحتوي الرسائل على معلومات بالغة الأهمية. الرسائل الجيدة تطرح أسئلة جيدة أو تثير نقاطاً لا يطرحها المؤلفون». وتتابع غيلفاند: «من دون رسائل، نفقد كل القيمة، والرؤى الجديدة، والانتقادات والمناقشات المهمة حول معناها للعلم».

خطوات لمكافحة الرسائل «الاصطناعية»

وهناك فكرة أخرى تتمثل في التوقف عن فهرسة الرسائل، حتى لا تظهر في «PubMed». وتقول غيلفاند إن هذا أيضاً ليس حلاً جيداً. فالروابط الموجودة في هذا الموقع من الرسائل مفيدة للباحثين.

في الوقت الحالي، لا يوجد اتفاق على ما يجب فعله. وقال شكور إنه على الرغم من أن تجربته مع رسالة الدكتور ب. س. كانت مضحكة، لكن الصورة الكبرى ليست كذلك. وأضاف: «الأمر مرعب».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

ماسك ينفي علمه بتوليد «غروك» صوراً إباحية لأطفال

العالم موقع الذكاء الاصطناعي «غروك» على هاتف محمول وحاسوب محمول (إ.ب.أ)

ماسك ينفي علمه بتوليد «غروك» صوراً إباحية لأطفال

قال إيلون ماسك، اليوم الأربعاء، إنه غير مطّلع على أي «صور عارية لقاصرين» تم توليدها بواسطة أداة الذكاء الاصطناعي «غروك» التابعة لشركة «إكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف التقليدية (رويترز)

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

مع التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذه الثورة التكنولوجية على سوق العمل العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

لا يكتفي التحليل بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد قفز الذكاء الاصطناعي من المركز العاشر إلى المركز الثاني بعد الجرائم الإلكترونية خلال العام الحالي بحسب المقياس السنوي للشركات (رويترز)

الذكاء الاصطناعي ثاني أكبر تهديد للشركات في العالم

ذكرت شركة التأمين الألمانية العملاقة «آليانز»، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكبر التهديدات التي تواجهها الشركات في العالم.

«الشرق الأوسط» (برلين)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».