من التحليل إلى التنبؤ... أحدث التقنيات لكبح حوادث الطرق

«المساعد الذكي للسلامة المرورية» يضمن تقليلها

التقنيات الذكية يمكنها الحد من تداعيات حوادث الطرق عالميا (جامعة جونز هوبكنز)
التقنيات الذكية يمكنها الحد من تداعيات حوادث الطرق عالميا (جامعة جونز هوبكنز)
TT

من التحليل إلى التنبؤ... أحدث التقنيات لكبح حوادث الطرق

التقنيات الذكية يمكنها الحد من تداعيات حوادث الطرق عالميا (جامعة جونز هوبكنز)
التقنيات الذكية يمكنها الحد من تداعيات حوادث الطرق عالميا (جامعة جونز هوبكنز)

رغم تقدُّم صناعة السيارات وشبكات النقل حول العالم، فإن حوادث الطرق لا تزال تُشكِّل أحد أبرز أسباب الوفيات والإصابات الخطيرة سنوياً؛ إذ تودي بحياة أكثر من 1.3 مليون شخص، وتتسبب في إصابة عشرات الملايين، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية. وتمتد آثار حوادث السيارات إلى خسائر اقتصادية ضخمة ناجمة عن العلاج وفقدان الإنتاجية وتلف البنية التحتية.

ومع تسارع التطورات التقنية، اتجهت أنظار الباحثين نحو التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها تسخير الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء، لتحليل أسباب الحوادث والتنبؤ بها قبل وقوعها، ضمن توجه جديد نحو «السلامة المرورية الذكية».

مساعد مرور ذكي

وفي السياق، طوَّر باحثون من جامعة «جونز هوبكنز» نظاماً ذكياً جديداً يُعرف باسم «المساعد الذكي للسلامة المرورية» (SafeTraffic Copilot)، يهدف إلى التنبؤ بمخاطر الحوادث، وتحليل أسبابها بدقة عالية، في خطوة قد تسهم في إنقاذ الأرواح، وجعل الطرق أكثر أماناً. ويعتمد النظام على نماذج لغوية كبيرة (LLMs) مدرَّبة على نصوص عن ظروف الطرق، وبيانات رقمية مثل مستويات الكحول في الدم، وصور ميدانية وفضائية لمواقع الحوادث، ما يمكِّنه من تحليل عوامل الخطر بشكل متكامل وتفاعلي، وفق النتائج المنشورة بعدد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 من دورية «Nature Communications».

يتميز النموذج بقدرته على تحسين أدائه باستمرار مع إدخال بيانات جديدة، وتقدير مستوى موثوقية كل تنبؤ. وأظهرت النتائج أن دمج البيانات النصية والبصرية والرقمية في نظام واحد يزيد من دقة التنبؤ بشكل واضح مقارنة بالأنظمة التقليدية.

وكشف الدكتور هاو يانغ، أستاذ الهندسة المدنية والنظم في جامعة «جونز هوبكنز»، والباحث الرئيسي للدراسة، عن قدرة النظام الجديد على التعميم عبر الزمان والمكان؛ إذ أثبت فاعليته في ولايات أميركية لم يُدرَّب عليها، مثل مين وكارولاينا الشمالية وأوهايو، رغم تدريبه على بيانات من ولايات أخرى مثل إلينوي وواشنطن، من دون الحاجة إلى إعادة التدريب. ويُعزى ذلك إلى تصميمه القائم على الذكاء القاعدي والتحليل النصي الذي يمكِّنه من فهم السياقات المختلفة بدلاً من مجرد حفظ الأنماط.

ويضيف يانغ لـ«الشرق الأوسط»: النظام قابل للتكيُّف بسهولة على المستوى الدولي، مع أنماط المرور المحلية، من خلال ترجمة بيانات الحوادث إلى نصوص منظمة، وتعديل النموذج وفق القوانين والبيانات الإقليمية، ثم اختبار أدائه في بيئات مختلفة. وبفضل عمله على مستوى الفهم الدلالي للحوادث، يمكن للنظام التكيُّف مع البنى التحتية المتنوعة وأنماط القيادة المختلفة بجهد محدود، مما يجعله ملائماً للتطبيق في دول متعددة. ويؤكد يانغ أن الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً في إدارة السلامة المرورية، عبر الانتقال من التحليل التفاعلي بعد وقوع الحوادث إلى إدارة استباقية وتنبؤية للمخاطر. ويوضح أن دمج بيانات متنوعة تشمل تقارير الحوادث، والصور، وأجهزة الاستشعار، وسلوك السائقين مع أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، يتيح فهماً أعمق لأسباب الحوادث واتخاذ قرارات فورية قائمة على محاكاة سيناريوهات مختلفة. كما أشار إلى أن هذه التقنيات تسهم في تبادل المعرفة بين الدول وتحسين جودة البيانات باستمرار، ما يمكِّن من تطوير أنظمة نقل أكثر أماناً واستدامة.

تقنيات متقدمة

تشهد السنوات الأخيرة ثورة في استخدام الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، لتحليل البيانات التاريخية للحوادث المرورية، مثل سرعة المركبات، وحالة الطقس، ونوع الطريق، وسلوك السائقين، بهدف التنبؤ بمواقع الحوادث المحتملة ومدى خطورتها.

وتُستخدم في هذا المجال نماذج مثل: «Extra Trees»، و«Random Forest»، و«SHAP»، لتحديد العوامل الأكثر تأثيراً في وقوع الحوادث، كـالسرعة الزائدة أو تصميم الطريق أو نوع المركبة.

وتشير دراسة لجامعة البنجاب في باكستان إلى أن دقة بعض النماذج تجاوزت 96 في المائة، مما يتيح لواضعي السياسات اتخاذ قرارات استباقية للحد من المخاطر على الطرق.

في هذا الإطار، استخدم باحثون في جامعة بنغلاديش للهندسة والتكنولوجيا أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية للكشف الفوري عن الحوادث، بالاعتماد على الكاميرات وأجهزة الاستشعار لاكتشاف الحوادث في لحظة وقوعها أو حتى قبلها، من خلال تحليل الصور وحركة المركبات باستخدام خوارزميات مثل «YOLOv11». وتُرسل هذه الأنظمة إشعارات فورية إلى فرق الطوارئ لتسريع الاستجابة وإنقاذ الأرواح، وقد أظهرت التجارب أن دمجها في أنظمة مساعدة السائق (ADAS) يحسِّن دقة الكشف في الزمن الحقيقي حتى في ظروف الإضاءة السيئة أو الزحام المروري.

أما على صعيد كشف العيوب في الطرق، فقد طوَّر باحثون في المعاهد الهندية لتكنولوجيا المعلومات نظاماً ذكياً يُعرف باسم «ETLNet»، وهو قادر على اكتشاف الحفر والتشققات وتصنيف حجمها، ثم إرسال تنبيه إلى السائقين والجهات المختصة عند وجود خلل خطير. ويستخدم النظام مستشعرات مدمجة في الهواتف الذكية لاكتشاف العيوب في سطح الطريق، دون الاعتماد على الصور البصرية فقط، ما يجعله فعالاً حتى في الطرق ذات الإضاءة الضعيفة أو التي تفتقر إلى كاميرات المراقبة.


مقالات ذات صلة

طريقة قيادتك للسيارة قد تكشف عن خطر الإصابة بألزهايمر مستقبلاً

صحتك طريقة قيادة للسيارة يمكن أن تكون مؤشراً مبكراً على التدهور الإدراكي (رويترز)

طريقة قيادتك للسيارة قد تكشف عن خطر الإصابة بألزهايمر مستقبلاً

كشفت دراسة جديدة عن أن طريقة قيادة للسيارة يمكن أن تكون مؤشراً مبكراً على التدهور الإدراكي وإمكانية الإصابة بألزهايمر في المستقبل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تصميم داخلي لسيارة «تسلا موديل واي» في المركز الجديد للشركة في غورغرام بالهند (رويترز)

مبيعات «تسلا» تهبط في الأسواق الأوروبية الرئيسية... والنرويج تخالف الاتجاه

أظهرت بيانات رسمية أن تسجيلات سيارات «تسلا» انخفضت بشكل كبير في نوفمبر (تشرين الثاني) في فرنسا والسويد والدنمارك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق إيلون ماسك... يعيش في بيت صغير وينفق الكثير على السيارات والطائرات الخاصة (رويترز – يوتيوب – شركة «غلف ستريم») play-circle

إيلون والتريليون... على ماذا ينفق ماسك ثروته الخيالية؟

قبل أيام احتفل إيلون ماسك بلقب «تريليونير» راقصاً مع الروبوتات على المسرح. فكيف ينفق أغنى شخص في العالم ثروته الطائلة؟

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد شعار شركة «نكسبيريا» الصينية (رويترز)

مفوض التجارة الأوروبي يرحب بإعفاءات تصدير رقائق «نيكسبيريا» الصينية

قالت هولندا إن الصين وافقت على استئناف شحنات رقائق «نكسبيريا» من المصانع في البلاد، مما يشير إلى انفراجة محتملة في خلاف كان على وشك أن يعرقل إنتاج السيارات.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية هاميلتون (أ.ف.ب)

هاميلتون يحذر ثنائي مكلارين من التراخي أمام فيرستابن

حذّر لويس هاميلتون سائق فيراري، ثنائي فريق مكلارين؛ أوسكار بياستري، ولاندو نوريس، من خطر خسارة لقب بطولة العالم لسباقات «فورمولا 1» للسيارات لصالح ماكس فرستابن.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)

هل تجد البشرية نفسها في «مسار تصادمي» مع الذكاء الاصطناعي؟

سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»
سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»
TT

هل تجد البشرية نفسها في «مسار تصادمي» مع الذكاء الاصطناعي؟

سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»
سواريس أثناء فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»

أعرب باحثون في طليعة أبحاث الذكاء الاصطناعي، وقادة العديد من المنصات الرئيسية - من جيفري هينتون إلى يوشوا بنجيو، وديميس هاسابيس، وسام ألتمان، وداريو أمودي، وإيلون ماسك - عن مخاوفهم من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فناء البشرية، كما كتبت آنا لويز جاكسون (*).

كتاب «إذا بناه أحد، سيموت الجميع»

كتاب جديد عن احتمالات نهاية العالم

غير أن هذه الاحتمالات التي ذكرها بعض خبراء الذكاء الاصطناعي هؤلاء، والتي تصل فيها احتمالية وقوع نهاية العالم إلى نسبة 25 في المائة، لا تزال «متفائلة بشكل مفرط»، كما يقول نايت سواريس، رئيس معهد أبحاث الذكاء الآلي، (MIRI)، المؤلف المشارك لكتاب «إذا بناه أحد، سيموت الجميع» If Anyone Builds It, Everyone Dies الذي حقق أعلى المبيعات أخيراً.

ويجادل سواريس بأن المسار الذي نسلكه مع الذكاء الاصطناعي يتجه نحو كارثة، ما لم يتغير شيء جذرياً.

تصرفات وسلوكيات غير متوقعة

يستكشف الكتاب، الذي شارك في تأليفه الباحث إيليزر يودكوفسكي، التهديدات المحتملة التي يشكلها «الذكاء الخارق»، أو أنظمة الذكاء الاصطناعي النظرية التي تفوق ذكاء البشر.

وصرح سواريس في فعاليات «قمة الأفكار التي تُغير العالم»، التي استضافتها مجلة «فاست كومباني» وجامعة جونز هوبكنز في واشنطن العاصمة الشهر الماضي: «نحن نُنمّي نوعاً ما أنظمة ذكاء اصطناعي تتصرف بطرق لم يطلبها أحد، ولديها دوافع وسلوكيات ناشئة لم يتوقعها أحد».

وأضاف: «إذا حصلنا على أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة الذكاء تسعى لتحقيق غايات لم يرغب بها أحد، فأعتقد أن النتيجة الحتمية هي هلاك جميع سكان الأرض».

أهمية التأمل في النتائج السلبية

شبَّه سواريس عمل بعض رواد الذكاء الاصطناعي ببناء طائرة أثناء تحليقها من دون عجلات هبوط، وقال إنه لا يتم إيلاء الاهتمام الكافي للنتائج السلبية المحتملة لهذه التقنية. مؤكداً أن حجم الاستثمارات العالمية التي تُضخ في الذكاء الاصطناعي يُظهر أن الناس يراهنون على أنه لن يكون «فشلاً ذريعاً».

خياران مجنونان

لكن هناك خياران «مجنونان» آخران: إما أن يُؤتْمِت الذكاء الاصطناعي العمل البشري بالكامل بشكل جذري، مما يؤدي إلى سيطرة فئة قليلة جداً على الاقتصاد، أو أن يصبح فائق الذكاء ويقضي على الجميع.

وأضاف سواريس: «لم يستوعب العالم بعد مدى خطورة هذا الذكاء الاصطناعي».

التعبير عن المخاوف يعزز التفاؤل

لكن هناك بعض الأسباب للتفاؤل، كما قال سواريس، إذ ما إن يشعر الكثيرون بالقلق حيال مستقبل الذكاء الاصطناعي ويعبرون عن مخاوفهم، فإن هذا يُنذر بوضع «هش» (في مجالات تطويره).

«ربما إذا تساءل عدد كافٍ من الناس: لحظة، ماذا نفعل الآن؟ ما هذا بحق الجحيم؟»، كما يشير سواريس. ويضيف: «ربما يُزلزل ذلك العالم بأسره ويجعله يقول: يا إلهي، لنغير مسارنا».

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


من هارفارد إلى منهاتن… خريطة طريق جديدة لعكس المرض ومكافحة الشيخوخة

دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
TT

من هارفارد إلى منهاتن… خريطة طريق جديدة لعكس المرض ومكافحة الشيخوخة

دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة
دراسة ترابط الدماغ والقلب والميتوكوندريا... لفهم الشيخوخة

في قلب منهاتن، التقت «الشرق الأوسط» حصرياً، مع أحد أبرز العقول التي تعيد رسم مستقبل الطب: الدكتور صلاح الدين هلسة البروفسور في جامعة هارفارد، الذي جاء إلى نيويورك ليكشف لنا ملامح كتابٍ أثار اهتمام العالم الطبي، كتاب لا يكتفي بطرح أفكار جديدة، بل يقدّم ما يشبه «خريطة طريق» لإعادة كتابة علاقة الإنسان بمرضه وزمنه وعمره البيولوجي.

البروفسور صلاح الدين هلسة داخل مختبره أثناء شرحه آليات تحليل العمر البيولوجي

قراءة إيقاع العمر

هذا العمل الذي شارك في تأليفه أربعة من كبار الأطباء العالميين - لا يَعِد بمعجزة، ولا يبيع وهماً؛ بل يقدّم منهجاً علمياً متماسكاً، قائماً على فهمٍ أعمق للأيض الخلوي، وتجديد الأنسجة، وقراءة إيقاع العمر في داخل الجسم. وهو كتاب يستعين بالذكاء الاصطناعي لا بوصفه تقنية مساعدة، بل كنافذة جديدة يرى من خلالها الطبيب ما كان يختبئ خلف أعراض صامتة، وما كان يبدأ قبل سنوات من لحظة التشخيص.

الأمراض المزمنة ليست ألغازاً... إنها تبدأ من نقطة واحدة

وفي حديثه بدأ البروفسور صلاح الدين هلسة بقوله: «الأمراض المزمنة ليست ألغازاً معقدة. إنها تبدأ من نقطة واحدة: خلل مبكر في طريقة تواصل خلايا الجسم. وإذا أمكن قراءة هذا الخلل في الزمن المناسب... يمكن إيقاف المرض، بل وعكس مساره».

لم تكن هذه الكلمات مجرد افتتاح، بل كانت المفتاح الفكري الذي يقوم عليه الكتاب كله. فعالم الطب، كما يوضح هلسة، ظلّ لعقود طويلة يتعامل مع المرض عندما يصبح صارخاً وواضحاً: السكري بعد أن يرتفع السكر، ارتفاع ضغط الدم بعد أن يتصاعد الضغط، هشاشة بعد أن يحدث الكسر. لكن ما يكشفه العلم الحديث اليوم هو أن البدايات الفعلية للمرض تتشكّل قبل سنوات من لحظة التشخيص، وأن الخلايا ترسل إشارات خافتة لا يسمعها الطبيب إلا إذا امتلك الأدوات التي تكشف ما تحت السطح وما وراء الأعراض.

البداية من الخلية... لا من العَرَض

يوضّح البروفسور هلسة أن الطريق إلى فهم المرض لا يبدأ من الأعراض التي يراها الطبيب، بل من الخلية نفسها؛ تلك الوحدة الصغيرة التي تحمل داخلها سرّ الصحة وسرّ الانهيار في آنٍ واحد. ويشير إلى أن نحو 80 في المائة من الأمراض المزمنة - من السكري إلى أمراض القلب والسرطان - تشترك في خيط بيولوجي واحد يبدأ بالضغط الخلوي (Cell Stress)، واضطراب عمل الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة، ثم يتطور بصمت عبر تراكم الالتهابات الخفية التي تعمل لسنوات دون أن يشعر بها المريض.

وفي لقائه، يلخّص البروفسور هذه الرؤية بكلمات لافتة: «الخلية هي وحدتنا الأولى. فإذا فُهمت جيداً، فُهم كل شيء بعدها».

هذه العبارة - كما يصفها - ليست مجازاً علمياً، بل قاعدة ذهبية لفهم كيف ينشأ المرض وكيف يمكن إيقافه قبل أن يتحوّل إلى معاناة واضحة تُجبر الطبيب على التدخل.

غلاف الكتاب الجديد

الذكاء الاصطناعي... الطبيب الذي يرى ما لا نراه

لم تعد التقنيات الحديثة تقتصر على تحليل صور الأشعة أو قراءة السجلات الطبية؛ فقد بات الذكاء الاصطناعي قادراً على:

- بناء عمر بيولوجي لكل عضو على حدة.

- اكتشاف الأمراض قبل 5 إلى 10 سنوات من ظهورها.

- التنبؤ بأنماط الشيخوخة وتسارعها.

- تصميم بروتوكولات علاجية شخصية لكل مريض.

ويقول هلسة في حديثه: «الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب، بل يعطيه عيوناً جديدة».

من الوقاية... إلى الوقاية الاستباقية

يشرح البروفسور هلسة أن الوقاية لم تعد فحوصاً سنوية روتينية، بل منظومة متكاملة تشمل: تحليل الدم المتقدم، وقياس المؤشرات الالتهابية الخفية، وقراءة الميكروبيوم، وتقييم الأداء الخلوي، وتتبع النوم والإجهاد، ثم دمج كل هذه البيانات في خوارزميات ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بخطر المرض قبل ظهوره.

هل يمكن إبطاء الشيخوخة؟

يُوضّح البروفسور هلسة أن الحديث عن الشيخوخة لم يعد خيالاً علمياً، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن إيقاف الزمن، بل عن تحسينه. فهناك اليوم أدلة واضحة على أن بعض المسارات البيوكيميائية يمكن إعادة ضبطها. نحن لا نطيل العمر فقط... بل نعيد جودة الحياة إلى مركزه». وهذه الرؤية، كما يشرح: تُحوّل الشيخوخة من قدر محتوم إلى عملية يمكن توجيهها وتعديل سرعتها.

«المريض الكامل»... رؤية جديدة

يقدّم الكتاب الذي نشر بعنوان The Metabolic Codex (المدوّنة الأيضية)، نموذج «المريض الكامل» الذي يرى الإنسان كمنظومة مترابطة؛ فكل عضو يؤثر في الآخر: القلب بالنوم، والدماغ بالغذاء، والمناعة بالحالة النفسية، والشيخوخة بإيقاع الميتوكوندريا.

ويوجز البروفسور هلسة هذه الفكرة بعبارة لافتة: «لا يوجد مرض منفصل. يوجد إنسان واحد».

من هارفارد إلى العالم العربي

وفي تصريحه الخاص بـ«الشرق الأوسط»، يشيد البروفسور هلسة بالدور المتنامي للمنطقة في تبنّي الطب المستقبلي، قائلاً: «الشرق الأوسط يمتلك طاقة بشرية وصحية هائلة، وما تقوم به السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي والطب الوقائي قد يجعلها في مقدمة الدول القادرة على تطبيق هذا النموذج الجديد. وهذه المنطقة - بخططها الطموحة واستثماراتها في التقنيات الطبية - قادرة على أن تتحول إلى منصة عالمية لإعادة تعريف مفهوم الصحة».

ويضيف أن البيئة البحثية في المملكة، وما تشهده من مبادرات في البيانات الصحية، والطب الدقيق، والتوأم الرقمي، تؤهلها لتكون من أوائل الدول التي تنقل هذا العلم من المختبرات إلى الحياة اليومية للمرضى

تطلعات المستقبل

هذا الكتاب ليس مجرد تأليف أكاديمي، بل إعلان بداية مرحلة جديدة من الطب: طبّ ذكي، وشفاف، واستباقي، وشخصي... طبّ لا ينتظر المرض ليظهر، بل يعترضه قبل أن يولد. رؤيةٌ تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وعمره البيولوجي، وتفتح باباً كان مغلقاً لعقود أمام فكرة «عكس المرض» بدل الاكتفاء بإدارته.

وفي ختام اللقاء، عبَّر البروفسور هلسة عن تطلّعه - مع فريق مؤلفي الكتاب - لزيارة الشرق الأوسط، ولا سيما السعودية، لبحث فرص التعاون في تحويل هذه المفاهيم العلمية إلى برامج عملية؛ من الطب الوقائي إلى الذكاء الاصطناعي الصحي، ومن العيادات الذكية إلى منصات العمر البيولوجي. وأضاف: «نحن مستعدون للعمل مع المنطقة لخلق نموذج صحي جديد... يبدأ من هنا، ويصل أثره إلى العالم».


«ناسا» تفقد الاتصال بالمركبة «مافن» التي تدور حول المريخ منذ عقد

المركبة «مافن» (أ.ب)
المركبة «مافن» (أ.ب)
TT

«ناسا» تفقد الاتصال بالمركبة «مافن» التي تدور حول المريخ منذ عقد

المركبة «مافن» (أ.ب)
المركبة «مافن» (أ.ب)

فقدت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) الاتصال بمركبة فضائية كانت تدور حول المريخ منذ أكثر من عقد.

ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، توقفت المركبة «مافن» فجأة عن التواصل مع المحطات الأرضية خلال مطلع الأسبوع. وقالت وكالة ناسا، هذا الأسبوع، إن المركبة كانت تعمل بشكل طبيعي قبل أن تختفي خلف الكوكب الأحمر، وعندما عادت للظهور، لم يكن هناك سوى الصمت.

وبعد إطلاقها في 2013، بدأت المركبة «مافن» دراسة الغلاف الجوي العلوي للمريخ، وتفاعله مع الرياح الشمسية، وذلك بمجرد وصولها إلى الكوكب الأحمر في العام التالي.

وتوصل العلماء في نهاية الأمر إلى تحميل الشمس مسؤولية فقدان المريخ لمعظم غلافه الجوي في الفضاء عبر العصور، ما حوّله من كوكب رطب ودافئ إلى الكوكب الجاف والبارد الذي هو عليه الآن.

وعملت مركبة «مافن» أيضاً كحلقة وصل للاتصالات لعربتي «ناسا» الاستكشافيتين على المريخ؛ «كيوريوسيتي» و«بيرسيفيرانس». وقالت وكالة ناسا إن تحقيقات هندسية تجري حالياً.