كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»

أبحاث عالمية تشير إلى دورهما في تدهور الإدراك والمعرفة

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»
TT

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»

ربيع العام الماضي، كلفت شيري ميلوماد، الأستاذة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، مجموعة من 250 شخصاً بمهمة كتابة بسيطة: التشارك بنصائح مع صديق حول كيفية اتباع نمط حياة صحي. وللتوصل إلى هذه النصائح، سُمح للبعض باستخدام بحث (غوغل) التقليدي، بينما اعتمد آخرون فقط على ملخصات المعلومات المُولّدة تلقائياً باستخدام الذكاء الاصطناعي من «غوغل».

ملخصات الذكاء الاصطناعي عامة وغير مفيدة

كتب الأشخاص الذين استخدموا الملخصات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي نصائح عامة، وواضحة، وغير مفيدة إلى حد كبير -تناول أطعمة صحية، وحافظ على رطوبة جسمك، واحصل على قسط كافٍ من النوم! أما الأشخاص الذين وجدوا معلومات من خلال بحث «غوغل» التقليدي على الويب، فقد تشاركوا بنصائح أكثر تفصيلاً ركزت على مختلف ركائز الصحة، بما في ذلك الصحة البدنية، والعقلية، والعاطفية.

المعتمدون على الذكاء الاصطناعي لهم أداء أسوأ

يخبرنا قادة صناعة التكنولوجيا أن برامج الدردشة الآلية وأدوات البحث الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستُعزز طريقة تعلمنا وازدهارنا، وأن أي شخص يتجاهل هذه التكنولوجيا يُخاطر بالتخلف عن الركب. لكن تجربة ميلوماد، كغيرها من الدراسات الأكاديمية المنشورة حتى الآن حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الدماغ، وجدت أن الأشخاص الذين يعتمدون بشكل كبير على برامج الدردشة الآلية وأدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مهام مثل كتابة المقالات والأبحاث، يُحققون أداءً أسوأ عموماً من الأشخاص الذين لا يستخدمونها.

وقالت ميلوماد: «أنا خائفة جداً، بصراحة. أنا قلقة بشأن عدم معرفة الشباب بكيفية إجراء بحث تقليدي على (غوغل)».

أهلاً بكم في عصر «تعفن الدماغ»

وهذا المصطلح «عامّ» لوصف الحالة العقلية المتدهورة نتيجة الانخراط في محتوى إنترنت رديء الجودة. وعندما اختارت مطبعة جامعة أكسفورد، الجهة الناشرة لقاموس أكسفورد الإنجليزي، مصطلح «تعفن الدماغ» (brain rot) كلمة العام لعام 2024، كان هذا التعريف يشير إلى الكيفية التي يؤدي فيها إدمان تطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل «تيك توك» و«إنستغرام»، ومشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة، وتأثيرها على الأطعمة، ما حوّل أدمغة المستخدمين إلى «هريس».

هل تُضعف التكنولوجيا الناس؟

هذا سؤالٌ قديمٌ بقدم التكنولوجيا نفسها. فقد انتقد سقراط اختراع الكتابة لإضعافه الذاكرة البشرية. وفي عام 2008، أي قبل سنوات عديدة من ظهور ملخصات الويب المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، نشرت مجلة «ذا أتلانتيك» مقالاً بعنوان: «هل يجعلنا «غوغل» أغبياء؟». لكن تبيّن أن هذه المخاوف مُبالغ فيها.

إلا أن الحذر المتزايد في الأوساط الأكاديمية من تأثير الذكاء الاصطناعي على التعلم (بالإضافة إلى المخاوف القديمة بشأن الطبيعة المُشتتة للانتباه لتطبيقات التواصل الاجتماعي) يُمثّل خبراً مُقلقاً لبلدٍ يشهد أداؤه في فهم المقروء تراجعاً حاداً بالفعل.

مستويات قراءة متدنية لدى الأطفال والمراهقين الأميركيين

هذا العام، وصلت درجات القراءة بين الأطفال، بمن فيهم طلاب الصف الثامن وطلاب المرحلة الثانوية، إلى مستويات متدنية جديدة. وكانت النتائج، التي جُمعت من التقييم الوطني للتقدم التعليمي، الذي لطالما اعتُبر الامتحان الأكثر موثوقيةً في البلاد، هي الأولى من نوعها التي تُنشر منذ أن عطّلت جائحة كوفيد-19 التعليم، وزادت من وقت استخدام الشاشات بين الشباب.

يخشى الباحثون من تزايد الأدلة على وجود صلة قوية بين انخفاض الأداء الإدراكي والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى الدراسات الحديثة التي وجدت علاقة بين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتدهور المعرفي، وجدت دراسة جديدة أجراها أطباء أطفال أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بضعف الأداء لدى الأطفال الذين يخضعون لاختبارات القراءة والذاكرة واللغة.

وفيما يلي ملخص للأبحاث التي أُجريت حتى الآن، وكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تُعزز الدماغ -لا تُضعفه.

عندما نكتب باستخدام «تشات جي بي تي»... هل نحن نكتب حقاً؟

صدرت الدراسة الأبرز هذا العام حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الدماغ عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث سعى الباحثون إلى فهم كيفية تأثير أدوات مثل «جي بي تي» على طريقة كتابة الناس. كانت عينة الدراسة، التي شملت 54 طالباً جامعياً، صغيرة الحجم، لكن النتائج أثارت تساؤلات مهمة حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يُضعف قدرة الناس على التعلم.

في جزء من الدراسة، طُلب من الطلاب كتابة مقال يتراوح بين 500 و1000 كلمة، وقُسِّموا إلى مجموعات مختلفة: مجموعة تكتب بمساعدة «جي بي تي»، ومجموعة ثانية تبحث عن المعلومات فقط باستخدام محرك بحث «غوغل» التقليدي، ومجموعة ثالثة تعتمد فقط على أدمغتها في كتابة واجباتها.

مستخدمو «جي بي تي» الأسوأ أداء

ارتدى الطلاب أجهزة استشعار لقياس النشاط الكهربائي في أدمغتهم. وأظهر مستخدمو «جي بي تي» أدنى نشاط دماغي، وهو أمر غير مفاجئ، لأنهم كانوا يتركون روبوت الدردشة الذكي يقوم بالعمل.

لكن الاكتشاف الأبرز ظهر بعد أن أنهى الطلاب تمرين الكتابة. إذ وبعد دقيقة واحدة من إكمال مقالاتهم، طُلب من الطلاب اقتباس أي جزء من مقالهم. لم تتمكن الغالبية العظمى (83 في المائة) من مستخدمي «جي بي تي» من تذكر جملة واحدة.

في المقابل، استطاع الطلاب الذين يستخدمون محرك بحث «غوغل» اقتباس بعض الأجزاء، بينما استطاع الطلاب الذين لم يعتمدوا على أي تقنية قراءة الكثير من السطور، بل إن بعضهم اقتبسوا تقريباً كامل مقالاتهم حرفياً.

وقالت ناتاليا كوزمينا، الباحثة في مختبر الوسائط بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التي قادت الدراسة، عن مستخدمي «جي بي تي»: بعد مرور دقيقة واحدة، لم يكن بإمكانهم قول أي شيء حقاً؟ إذا لم يتذكروا ما كتبوه، فلن يشعروا بالمسؤولية».

على الرغم من أن الدراسة ركزت على كتابة المقالات، فإن كوزمينا أعربت عن قلقها بشأن الآثار المترتبة على الأشخاص الذين يستخدمون روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في المجالات التي يكون فيها الاحتفاظ بالمعلومات أمراً ضرورياً، مثل الطيار الذي يدرس للحصول على رخصة قيادة الطائرة. وقالت إن هناك حاجة ملحة لإجراء المزيد من الأبحاث حول كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على قدرة الناس على الاحتفاظ بالمعلومات.

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يرتبط بتدني درجات القراءة

على مدار العامين الماضيين، سارعت المدارس في ولايات مثل نيويورك وإنديانا ولويزيانا وفلوريدا إلى حظر استخدام الهواتف الجوالة في الفصول الدراسية، مشيرةً إلى مخاوف من تشتيت الطلاب لانتباههم بتطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل «تيك توك» و«إنستغرام». وما يعزز هذا الحظر، دراسة نُشرت الشهر الماضي وجدت صلة قوية بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وضعف الأداء الإدراكي.

في الشهر الماضي، نشرت المجلة الطبية «JAMA» دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا، سان فرنسيسكو. قام الدكتور جيسون ناجاتا، طبيب الأطفال الذي قاد الدراسة، وزملاؤه بفحص بيانات من مشروع ABCD، الخاص بالتطور المعرفي لدماغ المراهقين، وهو مشروع بحثي تابع أكثر من 6500 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 9 و13 عاماً من عام 2016 إلى عام 2018.

وخضع جميع الأطفال لاستطلاع رأي مرة واحدة سنوياً حول مقدار الوقت الذي يستخدمون فيه وسائل التواصل الاجتماعي. وخضعوا لعدة اختبارات كل عامين. على سبيل المثال، تضمن اختبار المفردات البصرية مطابقة الصور بشكل صحيح مع الكلمات التي سمعوها.

تدهور المعرفة

أظهرت البيانات أن الأطفال الذين أفادوا باستخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي لفترات قصيرة (ساعة واحدة يومياً) أو لفترات طويلة (ثلاث ساعات على الأقل يومياً) سجلوا نتائج أقل بكثير في اختبارات القراءة والذاكرة والمفردات، مقارنةً بالأطفال الذين أفادوا بعدم استخدامها على الإطلاق.

أما عن سبب تأثير تطبيقات التواصل الاجتماعي -مثل «تيك توك» و«إنستغرام»- على نتائج الاختبارات، فإن الاستنتاج الوحيد المؤكد هو أن كل ساعة يقضيها الطفل في تصفح التطبيقات تُضيّع وقتاً على أنشطة أكثر إثراءً كالقراءة والنوم، وفقاً لناجاتا.

طرق صحية لتوظيف الذكاء الاصطناعي

ما أفضل الطرق الصحية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي؟ على الرغم من وجود علاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتدهور المعرفي، فإنه من الصعب التوصية بوقت مثالي أمام الشاشات للشباب، لأن الكثير من الأطفال يقضون وقتاً أمام الشاشات في أنشطة لا علاقة لها بوسائل التواصل الاجتماعي، مثل مشاهدة البرامج التلفزيونية، وفقاً لناجاتا.

بدلاً من ذلك، اقترح أن يفرض الآباء مناطق خالية من الشاشات، وأن يحظروا استخدام الهاتف في أماكن مثل غرفة النوم وطاولة الطعام، حتى يتمكن الأطفال من التركيز على دراستهم ونومهم ووجباتهم.

وبالنسبة لروبوتات الدردشة الذكية، برزت نقطة مثيرة للاهتمام في دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تُقدم حلاً مُحتملاً لكيفية استخدام الناس لروبوتات الدردشة على أفضل وجه للتعلم والكتابة.

في النهاية، تبادلت المجموعات المشاركة في تلك الدراسة الأدوار: تمكّن من اعتمدوا على أدمغتهم فقط في الكتابة من استخدام «جي بي تي»، بينما تمكّن من اعتمدوا عليه سابقاً من استخدام أدمغتهم فقط. وكتب جميع الطلاب مقالات حول نفس المواضيع التي اختاروها سابقاً.

سجّل الطلاب الذين اعتمدوا في البداية على أدمغتهم فقط أعلى نشاط دماغي لهم بمجرد السماح لهم باستخدام «جي بي تي». أما الطلاب الذين استخدموا «جي بي تي» في البداية، فلم يكونوا على قدم المساواة مع المجموعة الأولى عندما قُيّدوا باستخدام أدمغتهم فقط، كما قالت كوزمينا.

التفكير في تنفيذ العمل أولاً ثم اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي

يشير ذلك إلى أن الأشخاص الذين يتوقون لاستخدام روبوتات الدردشة للكتابة والتعلم يجب أن يفكروا في بدء العملية ليقوموا بها بأنفسهم قبل اللجوء إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لاحقاً في العملية للمراجعة، على غرار طلاب الرياضيات الذين يستخدمون الآلات الحاسبة لحل المسائل فقط بعد استخدامهم القلم والورقة لتعلم الصيغ والمعادلات.

وقالت ميلوماد إن مشكلة هذه الأدوات تكمن في أنها حوّلت ما كان في السابق عملية نشطة في الدماغ -تصفح الروابط والنقر على مصدر موثوق للقراءة- إلى عملية سلبية من خلال أتمتة كل ذلك.

الذكاء الاصطناعي للإجابة عن التفاصيل وليس البحث عن الجوهر

لذا، ربما يكون مفتاح استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة أكثر صحة، كما قالت، هو محاولة أن نكون أكثر وعياً بكيفية استخدامنا له. وقالت ميلوماد إنه بدلاً من طلب إجراء جميع الأبحاث حول موضوع واسع، استخدمه على أنه جزء من عملية البحث الخاصة بك للإجابة عن أسئلة صغيرة، مثل البحث عن التواريخ التاريخية. ولكن للتعمق في موضوع ما، فكّر في قراءة كتاب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)

«مايكروسوفت» تتيح «كوبايلوت كوورك» زميل عمل رقمياً ضمن «فرونتير»

«مايكروسوفت» تطلق «Copilot Cowork» لتنفيذ مهام متعددة الخطوات في تحول نحو ذكاء اصطناعي يشارك فعلياً في إنجاز العمل داخل المؤسسات.

نسيم رمضان (لندن)
علوم بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

التركيز اليوم لا ينصب على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، بل على مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
تكنولوجيا «كلود»... تصميم مطور لـ«شريك ذكي يناقش الأفكار ويطرحها»

«كلود»... تصميم مطور لـ«شريك ذكي يناقش الأفكار ويطرحها»

محاولة لخلق كيان يقاوم ويتحدى قليلاً... ولا يتملق... بل يكون جذاباً حقاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تدعم نظارات "ميتا" الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟


الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».