كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»

أبحاث عالمية تشير إلى دورهما في تدهور الإدراك والمعرفة

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»
TT

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»

كيف يُسهم الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في «تعفّن الدماغ»

ربيع العام الماضي، كلفت شيري ميلوماد، الأستاذة في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، مجموعة من 250 شخصاً بمهمة كتابة بسيطة: التشارك بنصائح مع صديق حول كيفية اتباع نمط حياة صحي. وللتوصل إلى هذه النصائح، سُمح للبعض باستخدام بحث (غوغل) التقليدي، بينما اعتمد آخرون فقط على ملخصات المعلومات المُولّدة تلقائياً باستخدام الذكاء الاصطناعي من «غوغل».

ملخصات الذكاء الاصطناعي عامة وغير مفيدة

كتب الأشخاص الذين استخدموا الملخصات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي نصائح عامة، وواضحة، وغير مفيدة إلى حد كبير -تناول أطعمة صحية، وحافظ على رطوبة جسمك، واحصل على قسط كافٍ من النوم! أما الأشخاص الذين وجدوا معلومات من خلال بحث «غوغل» التقليدي على الويب، فقد تشاركوا بنصائح أكثر تفصيلاً ركزت على مختلف ركائز الصحة، بما في ذلك الصحة البدنية، والعقلية، والعاطفية.

المعتمدون على الذكاء الاصطناعي لهم أداء أسوأ

يخبرنا قادة صناعة التكنولوجيا أن برامج الدردشة الآلية وأدوات البحث الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستُعزز طريقة تعلمنا وازدهارنا، وأن أي شخص يتجاهل هذه التكنولوجيا يُخاطر بالتخلف عن الركب. لكن تجربة ميلوماد، كغيرها من الدراسات الأكاديمية المنشورة حتى الآن حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الدماغ، وجدت أن الأشخاص الذين يعتمدون بشكل كبير على برامج الدردشة الآلية وأدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مهام مثل كتابة المقالات والأبحاث، يُحققون أداءً أسوأ عموماً من الأشخاص الذين لا يستخدمونها.

وقالت ميلوماد: «أنا خائفة جداً، بصراحة. أنا قلقة بشأن عدم معرفة الشباب بكيفية إجراء بحث تقليدي على (غوغل)».

أهلاً بكم في عصر «تعفن الدماغ»

وهذا المصطلح «عامّ» لوصف الحالة العقلية المتدهورة نتيجة الانخراط في محتوى إنترنت رديء الجودة. وعندما اختارت مطبعة جامعة أكسفورد، الجهة الناشرة لقاموس أكسفورد الإنجليزي، مصطلح «تعفن الدماغ» (brain rot) كلمة العام لعام 2024، كان هذا التعريف يشير إلى الكيفية التي يؤدي فيها إدمان تطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل «تيك توك» و«إنستغرام»، ومشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة، وتأثيرها على الأطعمة، ما حوّل أدمغة المستخدمين إلى «هريس».

هل تُضعف التكنولوجيا الناس؟

هذا سؤالٌ قديمٌ بقدم التكنولوجيا نفسها. فقد انتقد سقراط اختراع الكتابة لإضعافه الذاكرة البشرية. وفي عام 2008، أي قبل سنوات عديدة من ظهور ملخصات الويب المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، نشرت مجلة «ذا أتلانتيك» مقالاً بعنوان: «هل يجعلنا «غوغل» أغبياء؟». لكن تبيّن أن هذه المخاوف مُبالغ فيها.

إلا أن الحذر المتزايد في الأوساط الأكاديمية من تأثير الذكاء الاصطناعي على التعلم (بالإضافة إلى المخاوف القديمة بشأن الطبيعة المُشتتة للانتباه لتطبيقات التواصل الاجتماعي) يُمثّل خبراً مُقلقاً لبلدٍ يشهد أداؤه في فهم المقروء تراجعاً حاداً بالفعل.

مستويات قراءة متدنية لدى الأطفال والمراهقين الأميركيين

هذا العام، وصلت درجات القراءة بين الأطفال، بمن فيهم طلاب الصف الثامن وطلاب المرحلة الثانوية، إلى مستويات متدنية جديدة. وكانت النتائج، التي جُمعت من التقييم الوطني للتقدم التعليمي، الذي لطالما اعتُبر الامتحان الأكثر موثوقيةً في البلاد، هي الأولى من نوعها التي تُنشر منذ أن عطّلت جائحة كوفيد-19 التعليم، وزادت من وقت استخدام الشاشات بين الشباب.

يخشى الباحثون من تزايد الأدلة على وجود صلة قوية بين انخفاض الأداء الإدراكي والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي. بالإضافة إلى الدراسات الحديثة التي وجدت علاقة بين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتدهور المعرفي، وجدت دراسة جديدة أجراها أطباء أطفال أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بضعف الأداء لدى الأطفال الذين يخضعون لاختبارات القراءة والذاكرة واللغة.

وفيما يلي ملخص للأبحاث التي أُجريت حتى الآن، وكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تُعزز الدماغ -لا تُضعفه.

عندما نكتب باستخدام «تشات جي بي تي»... هل نحن نكتب حقاً؟

صدرت الدراسة الأبرز هذا العام حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الدماغ عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث سعى الباحثون إلى فهم كيفية تأثير أدوات مثل «جي بي تي» على طريقة كتابة الناس. كانت عينة الدراسة، التي شملت 54 طالباً جامعياً، صغيرة الحجم، لكن النتائج أثارت تساؤلات مهمة حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يُضعف قدرة الناس على التعلم.

في جزء من الدراسة، طُلب من الطلاب كتابة مقال يتراوح بين 500 و1000 كلمة، وقُسِّموا إلى مجموعات مختلفة: مجموعة تكتب بمساعدة «جي بي تي»، ومجموعة ثانية تبحث عن المعلومات فقط باستخدام محرك بحث «غوغل» التقليدي، ومجموعة ثالثة تعتمد فقط على أدمغتها في كتابة واجباتها.

مستخدمو «جي بي تي» الأسوأ أداء

ارتدى الطلاب أجهزة استشعار لقياس النشاط الكهربائي في أدمغتهم. وأظهر مستخدمو «جي بي تي» أدنى نشاط دماغي، وهو أمر غير مفاجئ، لأنهم كانوا يتركون روبوت الدردشة الذكي يقوم بالعمل.

لكن الاكتشاف الأبرز ظهر بعد أن أنهى الطلاب تمرين الكتابة. إذ وبعد دقيقة واحدة من إكمال مقالاتهم، طُلب من الطلاب اقتباس أي جزء من مقالهم. لم تتمكن الغالبية العظمى (83 في المائة) من مستخدمي «جي بي تي» من تذكر جملة واحدة.

في المقابل، استطاع الطلاب الذين يستخدمون محرك بحث «غوغل» اقتباس بعض الأجزاء، بينما استطاع الطلاب الذين لم يعتمدوا على أي تقنية قراءة الكثير من السطور، بل إن بعضهم اقتبسوا تقريباً كامل مقالاتهم حرفياً.

وقالت ناتاليا كوزمينا، الباحثة في مختبر الوسائط بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التي قادت الدراسة، عن مستخدمي «جي بي تي»: بعد مرور دقيقة واحدة، لم يكن بإمكانهم قول أي شيء حقاً؟ إذا لم يتذكروا ما كتبوه، فلن يشعروا بالمسؤولية».

على الرغم من أن الدراسة ركزت على كتابة المقالات، فإن كوزمينا أعربت عن قلقها بشأن الآثار المترتبة على الأشخاص الذين يستخدمون روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في المجالات التي يكون فيها الاحتفاظ بالمعلومات أمراً ضرورياً، مثل الطيار الذي يدرس للحصول على رخصة قيادة الطائرة. وقالت إن هناك حاجة ملحة لإجراء المزيد من الأبحاث حول كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على قدرة الناس على الاحتفاظ بالمعلومات.

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يرتبط بتدني درجات القراءة

على مدار العامين الماضيين، سارعت المدارس في ولايات مثل نيويورك وإنديانا ولويزيانا وفلوريدا إلى حظر استخدام الهواتف الجوالة في الفصول الدراسية، مشيرةً إلى مخاوف من تشتيت الطلاب لانتباههم بتطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل «تيك توك» و«إنستغرام». وما يعزز هذا الحظر، دراسة نُشرت الشهر الماضي وجدت صلة قوية بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وضعف الأداء الإدراكي.

في الشهر الماضي، نشرت المجلة الطبية «JAMA» دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا، سان فرنسيسكو. قام الدكتور جيسون ناجاتا، طبيب الأطفال الذي قاد الدراسة، وزملاؤه بفحص بيانات من مشروع ABCD، الخاص بالتطور المعرفي لدماغ المراهقين، وهو مشروع بحثي تابع أكثر من 6500 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 9 و13 عاماً من عام 2016 إلى عام 2018.

وخضع جميع الأطفال لاستطلاع رأي مرة واحدة سنوياً حول مقدار الوقت الذي يستخدمون فيه وسائل التواصل الاجتماعي. وخضعوا لعدة اختبارات كل عامين. على سبيل المثال، تضمن اختبار المفردات البصرية مطابقة الصور بشكل صحيح مع الكلمات التي سمعوها.

تدهور المعرفة

أظهرت البيانات أن الأطفال الذين أفادوا باستخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي لفترات قصيرة (ساعة واحدة يومياً) أو لفترات طويلة (ثلاث ساعات على الأقل يومياً) سجلوا نتائج أقل بكثير في اختبارات القراءة والذاكرة والمفردات، مقارنةً بالأطفال الذين أفادوا بعدم استخدامها على الإطلاق.

أما عن سبب تأثير تطبيقات التواصل الاجتماعي -مثل «تيك توك» و«إنستغرام»- على نتائج الاختبارات، فإن الاستنتاج الوحيد المؤكد هو أن كل ساعة يقضيها الطفل في تصفح التطبيقات تُضيّع وقتاً على أنشطة أكثر إثراءً كالقراءة والنوم، وفقاً لناجاتا.

طرق صحية لتوظيف الذكاء الاصطناعي

ما أفضل الطرق الصحية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي؟ على الرغم من وجود علاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتدهور المعرفي، فإنه من الصعب التوصية بوقت مثالي أمام الشاشات للشباب، لأن الكثير من الأطفال يقضون وقتاً أمام الشاشات في أنشطة لا علاقة لها بوسائل التواصل الاجتماعي، مثل مشاهدة البرامج التلفزيونية، وفقاً لناجاتا.

بدلاً من ذلك، اقترح أن يفرض الآباء مناطق خالية من الشاشات، وأن يحظروا استخدام الهاتف في أماكن مثل غرفة النوم وطاولة الطعام، حتى يتمكن الأطفال من التركيز على دراستهم ونومهم ووجباتهم.

وبالنسبة لروبوتات الدردشة الذكية، برزت نقطة مثيرة للاهتمام في دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تُقدم حلاً مُحتملاً لكيفية استخدام الناس لروبوتات الدردشة على أفضل وجه للتعلم والكتابة.

في النهاية، تبادلت المجموعات المشاركة في تلك الدراسة الأدوار: تمكّن من اعتمدوا على أدمغتهم فقط في الكتابة من استخدام «جي بي تي»، بينما تمكّن من اعتمدوا عليه سابقاً من استخدام أدمغتهم فقط. وكتب جميع الطلاب مقالات حول نفس المواضيع التي اختاروها سابقاً.

سجّل الطلاب الذين اعتمدوا في البداية على أدمغتهم فقط أعلى نشاط دماغي لهم بمجرد السماح لهم باستخدام «جي بي تي». أما الطلاب الذين استخدموا «جي بي تي» في البداية، فلم يكونوا على قدم المساواة مع المجموعة الأولى عندما قُيّدوا باستخدام أدمغتهم فقط، كما قالت كوزمينا.

التفكير في تنفيذ العمل أولاً ثم اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي

يشير ذلك إلى أن الأشخاص الذين يتوقون لاستخدام روبوتات الدردشة للكتابة والتعلم يجب أن يفكروا في بدء العملية ليقوموا بها بأنفسهم قبل اللجوء إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لاحقاً في العملية للمراجعة، على غرار طلاب الرياضيات الذين يستخدمون الآلات الحاسبة لحل المسائل فقط بعد استخدامهم القلم والورقة لتعلم الصيغ والمعادلات.

وقالت ميلوماد إن مشكلة هذه الأدوات تكمن في أنها حوّلت ما كان في السابق عملية نشطة في الدماغ -تصفح الروابط والنقر على مصدر موثوق للقراءة- إلى عملية سلبية من خلال أتمتة كل ذلك.

الذكاء الاصطناعي للإجابة عن التفاصيل وليس البحث عن الجوهر

لذا، ربما يكون مفتاح استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة أكثر صحة، كما قالت، هو محاولة أن نكون أكثر وعياً بكيفية استخدامنا له. وقالت ميلوماد إنه بدلاً من طلب إجراء جميع الأبحاث حول موضوع واسع، استخدمه على أنه جزء من عملية البحث الخاصة بك للإجابة عن أسئلة صغيرة، مثل البحث عن التواريخ التاريخية. ولكن للتعمق في موضوع ما، فكّر في قراءة كتاب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

عالم الاعمال المدير العام للمقر الإقليمي لـ«إتش بي»: السعودية ترسم ملامح مستقبل العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي

المدير العام للمقر الإقليمي لـ«إتش بي»: السعودية ترسم ملامح مستقبل العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي

يشهد العالم تحولاً متسارعاً في طبيعة العمل، تقوده التقنيات الذكية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، الذي بات عنصراً محورياً في إعادة تشكيل بيئات العمل، وتسريع…

الاقتصاد شعار شركة «سامسونغ» خلال معرض الإلكترونيات الاستهلاكية الدولي «إيفا» (د.ب.أ)

«سامسونغ» ونقابتها تقلِّصان الخلافات لتفادي إضراب واسع

قال وسيط في المفاوضات بين شركة «سامسونغ إلكترونيكس» ونقابتها في كوريا الجنوبية، يوم الثلاثاء، إن الجانبين تمكَّنا من تقليص بعض الخلافات.

«الشرق الأوسط» (سيجونغ (كوريا الجنوبية))
علوم ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك... هل تكشف طريقة استخدامك الشاشة عن مرضك قبل الطبيب؟

يرصد العلاقة بين أنماط الاستخدام والتغيرات النفسية والإدراكية المبكرة لدى الإنسان

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص «دل» ترى أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي لم يعد يعيش في السحابة وحدها بل يتوزع بين الأجهزة ومراكز البيانات والحافة (الشركة)

خاص «دِل تكنولوجيز»: الذكاء الاصطناعي لم يعد يعيش في السحابة وحدها

تطرح «دل» من لاس فيغاس رؤية لتشغيل الذكاء الاصطناعي المؤسسي بين السحابة، ومراكز البيانات، ومحطات العمل، مع كلفة وحوكمة أفضل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك... هل تكشف طريقة استخدامك الشاشة عن مرضك قبل الطبيب؟

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك... هل تكشف طريقة استخدامك الشاشة عن مرضك قبل الطبيب؟

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال أو نافذة للترفيه، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى ما يشبه «المرآة البيولوجية الصامتة» التي تعكس تفاصيل دقيقة عن صحة الإنسان الجسدية والنفسية والعصبية.

وفي بلدٍ مثل المملكة العربية السعودية، حيث تتجاوز أعداد اشتراكات الهواتف عدد السكان، ويقترب استخدام الإنترنت من مستوى الانتشار الكامل تقريباً، أصبحت الهواتف الذكية جزءاً ملازماً للحياة اليومية؛ ما يجعلها مصدراً هائلاً للبيانات السلوكية والصحية غير المرئية.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك

الذكاء الاصطناعي «يقرأ المؤشرات من الشاشة»

الذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بتحليل الصور الطبية أو نتائج المختبرات، بل بدأ يقرأ الإنسان من طريقته اليومية في استخدام الشاشة نفسها: سرعة الكتابة، وقوة الضغط على الأزرار، وعدد الأخطاء الإملائية، ونمط الحركة على الهاتف، وساعات النشاط والصمت الرقمي، وحتى التردد القصير قبل لمس الشاشة... كلها تحولت إشاراتٍ رقمية قد تحمل معنى طبياً خفياً.

والمثير أن بعض هذه التغيرات قد تظهر قبل أشهر من ملاحظة الأعراض السريرية التقليدية؛ ما يفتح الباب أمام جيل جديد من «الطب غير المرئي»، حيث قد يتحول الهاتف الذي نحمله في جيوبنا أداةً تلتقط إشارات المرض بصمت قبل أن يلتقطها الطبيب، وربما حتى قبل أن يشعر بها المريض نفسه.

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟

في دراسة حديثة نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2026 في مجلة الطب الرقمي (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature)، قاد الباحث الدكتور أندرو كامبل (Andrew Campbell) من كلية دارتموث الأميركية (Dartmouth College) فريقاً بحثياً لدراسة العلاقة بين أنماط استخدام الهواتف الذكية والتغيرات النفسية والإدراكية المبكرة لدى الإنسان.

لكن الباحثين هذه المرة لم يفتشوا داخل الدم أو الدماغ، بل داخل السلوك اليومي الصامت الذي يتركه الإنسان على شاشة هاتفه.

الذكاء الاصطناعي بدأ يحلل سرعة الكتابة، وتكرار تصحيح الكلمات، وطريقة لمس الشاشة، وتغير أوقات استخدام الهاتف، واضطراب الإيقاع اليومي، وحتى طبيعة التفاعل الاجتماعي عبر التطبيقات المختلفة.

مؤشرات الإدراك والحركية

ثم قارنت الخوارزميات هذه الأنماط ببيانات سريرية ونفسية، لتكشف عن ارتباطات دقيقة بحالات مثل الاكتئاب، والإرهاق النفسي، واضطرابات النوم، والتراجع الإدراكي المبكر، بل وحتى بعض المؤشرات العصبية المرتبطة بمرض باركنسون (Parkinson’s Disease).

واللافت، أن بعض هذه الإشارات ظهر قبل فترات متفاوتة من ظهور الأعراض السريرية الواضحة؛ ما يشير إلى أن الهاتف الذكي قد يتحول مستقبلاً نظام إنذار صحي مبكراً يعمل بصمت داخل الحياة اليومية للإنسان.

حين يكشف الصمت الرقمي عمَّا لا يقوله الإنسان

من «البيانات الضخمة» إلى «الهمسات الرقمية»

التحول الأعمق هنا أن الطب لم يعد يعتمد فقط على التحاليل المختبرية أو الصور الشعاعية، بل بدأ ينظر إلى السلوك اليومي الرقمي بوصفه مصدراً طبياً جديداً للمعلومات. فالخوارزمية لم تعد تهتم فقط بما يكتبه الإنسان، بل بطريقة الكتابة نفسها: كيف يكتب؟ متى يتوقف؟ كم مرة يتردد أو يخطئ؟ وهل تغيّر نمطه المعتاد بصورة مفاجئة؟

هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو عابرة في الحياة اليومية، بدأت تتحول تدريجياً «بصماتٍ سلوكية» يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها وربطها بالحالة النفسية والعصبية للإنسان.

وفي جامعة ستانفورد الأميركية (Stanford University)، يعمل باحثون على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على ربط التغيرات الدقيقة في التفاعل مع الهاتف الذكي بالحالة العصبية والنفسية للمستخدم. كما تدرس مشاريع أوروبية حديثة إمكانية استخدام الهواتف الذكية للكشف المبكر عن التدهور الإدراكي لدى كبار السن، من خلال مراقبة التحولات السلوكية اليومية بصورة غير مباشرة ومن دون تدخل طبي تقليدي.

وكأن الهاتف لم يعد مجرد جهاز نحمله في جيوبنا، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه «المستشعر البيولوجي الصامت» الذي يراقب إيقاع حياتنا اليومية، ويلتقط تغيرات قد لا يلاحظها الإنسان نفسه.

هل تصبح طريقة لمس الشاشة جزءاً من الفحص الطبي؟

المثير، أن كثيراً من هذه الإشارات تبدو للبشر تفاصيل عابرة لا تحمل أهمية تُذكر، لكنها بالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي قد تمثل «همسات رقمية» تكشف عن تغيرات صحية مبكرة يصعب ملاحظتها بالعين المجردة.

فزيادة زمن التوقف قبل الكتابة، أو تغير سرعة لمس الشاشة، أو تراجع النشاط الليلي، أو اختلاف إيقاع التفاعل مع الهاتف... كلها قد تتحول داخل الخوارزميات مؤشراتٍ أولية على اضطرابات عصبية أو نفسية ناشئة.

ولهذا؛ بدأ بعض الباحثين يطرحون سؤالاً كان يبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال العلمي: هل يمكن أن تصبح طريقة استخدام الهاتف الذكي جزءاً من الفحص السريري الروتيني في المستقبل؟

أي أن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن يوماً ما من اكتشاف بوادر الاكتئاب، أو التدهور الإدراكي، أو بعض الأمراض العصبية، ليس عبر التحاليل التقليدية وحدها، بل من خلال التغيرات اليومية الدقيقة التي يتركها الإنسان على شاشة هاتفه دون أن ينتبه إليها.

الوجه المظلم... حين يتحول الهاتف مراقباً صحياً دائماً

لكن هذا التقدم العلمي يفتح في الوقت نفسه باباً أخلاقياً بالغ الحساسية. فإذا أصبحت طريقة استخدام الهاتف تحمل مؤشرات صحية ونفسية وعصبية، فمن يملك هذه البيانات فعلاً؟ ومن يحق له تحليلها أو الوصول إليها؟

والأكثر تعقيداً، أن كثيراً من الناس قد لا يدركون أصلاً أن طريقة الكتابة، أو سرعة لمس الشاشة، أو أنماط التفاعل اليومية مع الهاتف، قد تتحول مستقبلاً إلى ما يشبه «الملف الطبي غير المرئي».

ولهذا؛ يحذّر خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من أن التوسع غير المنظم في هذا النوع من التحليل قد يقود إلى شكل جديد من «المراقبة الصحية الصامتة»، حيث تتحول الحياة الرقمية اليومية مصدرَ تقييمٍ مستمر للحالة النفسية والعصبية والسلوكية للإنسان، أحياناً من دون وعي كامل منه.

وهنا يظهر أحد أكثر التحديات حساسية في طب المستقبل: كيف يمكن الاستفادة من هذه التقنيات للكشف المبكر وتحسين الرعاية الصحية، من دون أن تتحول في المقابل أدواتٍ تقترب من الحياة الداخلية للإنسان أكثر مما ينبغي؟

فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، لا يثير أسئلة طبية فقط... بل يفرض أيضاً أسئلة جديدة حول الخصوصية، وحدود المراقبة، ومعنى الحرية الشخصية في العصر الرقمي.

الهاتف الذي يراقبك بصمت

الطب المقبل... حين يكشف الصمت الرقمي عمَّا لا يقوله الإنسان

ورغم هذه المخاوف الأخلاقية، يرى كثير من الباحثين أن الاستخدام المسؤول لهذه الأنظمة قد يغيّر مستقبل الطب الوقائي بصورة جذرية، خصوصاً في الأمراض التي يعتمد نجاح علاجها على الاكتشاف المبكر والتدخل السريع.

وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة في أن الهاتف الذكي لا «يفهم» الإنسان بالمعنى الإنساني الحقيقي، لكنه قد يصبح قادراً على ملاحظة تغيراته الصامتة قبل أن يلاحظها أقرب الناس إليه، وربما قبل أن يدركها الإنسان نفسه.

وفي طب المستقبل، قد لا يقتصر التقييم الطبي على نتائج التحاليل أو الأعراض الظاهرة فقط، بل قد تصبح الأنماط الرقمية اليومية جزءاً من الصورة السريرية الكاملة، تماماً كما تُستخدم اليوم المؤشرات الحيوية أو الصور الشعاعية.

وهنا، قد يتغير معنى الفحص الطبي ذاته. فبدل أن يسأل الطبيب عمّا يشعر به المريض، قد تبدأ الأنظمة الذكية في تحليل ما لا يقوله الإنسان مباشرة: تغير إيقاعه الرقمي، وصمته المفاجئ، واختلاف عاداته اليومية الدقيقة.

وربما سيأتي يوم لا يسأل فيه النظام الذكي: «ماذا تشعر؟»، بل يطرح سؤالاً أكثر هدوءاً... وأكثر قلقاً: «لماذا تغيّرت طريقة استخدامك هاتفك؟».


دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»
TT

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

تمكّن باحثون وللمرة الأولى من تحديد الأسس الجينية المحددة لحالة الهوس، وهي السمة الأساسية التي تميّز اضطراب ثنائي القطب. ويقدّم هذا الاكتشاف فهماً أعمق لأحد أكثر اضطرابات الصحة النفسية تعقيداً، وقد يسهِم في تحسين التشخيص والعلاج بشكل مبكر وأكثر دقة.

أُجريت الدراسة بتعاون باحثين من كلية كينغز لندن وجامعة فلورنسا في إيطاليا ونُشرت في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 في مجلة «Biological Psychiatry»، حيث يصيب الاضطراب ثنائي القطب bipolar disorder نحو 2 في المائة من سكان العالم، ويتميّز بتقلّبات حادة في المزاج ومستويات الطاقة والنشاط.

«ثنائي القطب»

ما الذي يميّز الاضطراب ثنائي القطب (الهوس الاكتئابي) عن غيره؟ رغم أن المصابين بالاضطراب قد يمرّون بنوبات اكتئاب أو ذهان وأعراض أخرى، فإن الهوس mania هو ما يميّز هذا المرض عن غيره من الاضطرابات النفسية. وخلال نوبات الهوس قد يشعر الشخص بطاقة عالية أو تهيّج شديد مع قلة الحاجة إلى النوم، وتسارع في الأفكار والكلام، وأحياناً ضعف في الحكم على الأمور أو سلوكيات اندفاعية أو أعراض ذهانية.

وحتى الآن، كان من الصعب دراسة بيولوجيا الهوس بدقة لأن كثيراً من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يعانون أيضاً الاكتئاب؛ ما جعل من الصعب على العلماء تحديد التغيرات البيولوجية الخاصة بالهوس وحده.

تحليل وراثي واسع النطاق

ولتجاوز هذه العقبة؛ حلّل فريق البحث بيانات من دراسات وراثية دولية واسعة النطاق شملت أكثر من 27 ألف شخص مصاب باضطراب ثنائي القطب الشديد وأكثر من 576 ألف شخص خضعوا لدراسات حول الاكتئاب. واستخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً متقدماً سمح لهم بفصل الإشارات الجينية المرتبطة بالهوس عن تلك المرتبطة بالاكتئاب.

بعبارة أبسط، تعامل الباحثون مع الأمر وكأنهم يزيلون «الضجيج» من الصورة. فقد استبعدوا التأثيرات الجينية المرتبطة بالاكتئاب من الصورة الكاملة للاضطراب ثنائي القطب ليتبقى فقط ما يخص الهوس وحده. وبهذه الطريقة تمكّنوا لأول مرة من النظر إلى الهوس على حدة وفهمه كحالة بيولوجية مستقلة، وليس مجرد جزء مختلط مع الاكتئاب أو أعراض أخرى.

الهوس يشكّل اللبّ الجيني للاضطراب

وأظهرت النتائج أن الهوس يفسّر أكثر من 80 في المائة من التباين الجيني في الاضطراب ثنائي القطب؛ ما يؤكد دوره المحوري في هذا المرض. كما حدّد الباحثون 71 متغيراً جينياً مرتبطاً تحديداً بالهوس، من بينها 18 منطقة جينية لم تكن مرتبطة سابقاً بالاضطراب ثنائي القطب.

وتبيّن أن الكثير من هذه الجينات مرتبط بقنوات الكالسيوم ذات البوابات الجهدية voltage-gated calcium channels، وهي عناصر أساسية في تواصل الخلايا العصبية وتنظيم المزاج. وتعدّ هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى مسارات بيولوجية واضحة يمكن استهدافها علاجياً.

بصمة جينية مختلفة عن بقية الاضطرابات

وعند مقارنة البصمة الجينية للهوس بسمات أخرى تبيّن أن الهوس يشترك جينياً بدرجة أقل مع تعاطي المواد المخدّرة، وبدرجة أكبر مع مؤشرات مرتبطة بالرفاه النفسي والتحصيل التعليمي مقارنة بالاضطراب ثنائي القطب ككل. ويشير ذلك إلى أن للهوس توقيعاً بيولوجياً مميزاً وليس مجرد النقيض للاكتئاب.

وتكتسب هذه النتائج أهمية كبيرة على المستوى الطبي. فكثير من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يطلبون المساعدة لأول مرة خلال نوبات اكتئاب، حيث قد يبدو المرض مشابهاً للاكتئاب الشديد أو الفصام. ونتيجة لذلك؛ قد يستغرق التشخيص الصحيح ما يصل إلى عشر سنوات.

ومن خلال تحديد الخصائص الجينية الخاصة بالهوس تقرّب هذه الدراسة العلماء من اكتشاف مؤشرات بيولوجية مبكرة للاضطراب ثنائي القطب؛ ما قد يقلّل من طول رحلة التشخيص ويساعد المرضى على الحصول على العلاج المناسب في وقت أبكر.

لماذا يتأخر تشخيص الاضطراب ثنائي القطب؟

كما قد تسهم النتائج في تحسين تصنيف الاضطراب ثنائي القطب وعلاجه. فالأطباء يميّزون حالياً بين أنواعه المختلفة مثل النوع الأول والنوع الثاني واضطراب المزاج الدوري cyclothymia اعتماداً على نمط نوبات المزاج عبر الزمن. وقد يساعد الفهم الأدق لبيولوجيا الهوس على تحسين هذه التصنيفات وتطوير رعاية أكثر تخصيصاً.

وتسلّط الدراسة الضوء أيضاً على مسارات علاجية محتملة، لا سيما تلك المرتبطة بقنوات الكالسيوم، وتشير إلى أن أدوية معروفة مثل الليثيوم lithium قد تعمل من خلال هذه الأنظمة البيولوجية.

نحو تشخيص مبكر وعلاج أدق

وقال الدكتور جوزيبي بييرباولو ميرولا، من معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلوم الأعصاب كلية كينغز لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن هذا البحث يمثّل خطوة حاسمة إلى الأمام، مضيفاً أنه من خلال عزل البنية الجينية للهوس أصبح بإمكاننا فهم ما يميّزه بوضوح؛ ما يفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وتخصيصاً.

من جانبه، أشار البروفسور جيروم برين، من كلية كينغز لندن والمشارك المراسل، إلى أن الهوس ظل لفترة طويلة صعب الدراسة بحد ذاته، وقال: «تمنحنا نتائجنا صورة أوضح عن بيولوجيا الهوس، وقد تساعد الأطباء على التعرف إلى الاضطراب ثنائي القطب في وقت أبكر وتحسين نتائج العلاج للمرضى».


«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟
TT

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

«الهندسة البيولوجية»: هل يستطيع العلماء إعادة كتابة رموز الجينوم المعقَّدة؟

ماذا لو توقف علم الأحياء عن كونه مجالاً للدراسة، وبدأ يتحول إلى مجال للتصميم؟ هذه تحديداً هي الفرضية التي ينطلق منها كتاب أدريان وولفسون الجديد، «حول مستقبل الأنواع: تأليف الحياة بواسطة الذكاء البيولوجي الاصطناعي»On the Future of Species: Authoring Life by Means of Artificial Biological Intelligence، الصادر في 28 أبريل (نيسان)، عن مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

«تخليق» بيولوجي

في ثنايا كتابه، يطرح وولفسون وجهة نظره بأن التطورات في الذكاء الاصطناعي وتخليق الحمض النووي، تدفع علم الأحياء باتجاه تطوير نموذج هندسي، نموذج يستطيع فيه العلماء توليد تسلسلات جينية جديدة، وصولاً في نهاية المطاف إلى بناء كائنات حية حسب الطلب. ويُطلق على هذه القدرة الناشئة اسم «الذكاء البيولوجي الاصطناعي» (ABI) ـ مصطلح يشمل الأنظمة القادرة على تصميم وبناء الكائنات الحية، وفي النهاية «تشغيلها».

غير أن ثمة مشكلة أساسية تعترض هذه الرؤية: لم يُنتج التطور البيولوجي أنظمة نظيفة ومنظمة، بل أنتج جينومات تشكلت عبر مليارات السنين من التغيرات التدريجية، تتولى مسؤولية وظائف متداخلة، مع قليل من البنية المنظمة، التي يعتمد عليها المهندسون.

من ناحيتهم، حاول بعض باحثي البيولوجيا التركيبية «إعادة هيكلة» الشيفرة الجينية (على ذات النحو الذي يستعين به المهندسون في هيكلة شيفرة الحاسوب)، من خلال إعادة تنظيم الجينومات، لتيسير فهمها والتعامل معها.

بيد أن التساؤل الذي يفرض نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن ينجح؟ وما الذي يتطلبه الأمر لجعل علم الأحياء قابلاً للتنبؤ بدرجة كافية لجهود الهندسة؟

حوار علمي

في حوار مع مجلة «آي إي إي إي سبكترم» الصادرة عن مجلة المهندسين الكهربائيين الأميركية، يوضح وولفسون إمكانات وحدود تصميم الحياة.

* إنك تصف الجينوم بأنه «شيفرة معقدة» ناتجة عن التطور. ما الذي يجعل علم الأحياء بطبيعته متعارضاً مع مبادئ الهندسة التقليدية؟

- وولفسون: في الآلات التي يصنعها الإنسان، عادة ما تكون المكونات مستقلة، ولكل منها وظيفة محددة سلفاً. وإذا تعطل أحد المكونات، فماذا تتوقع؟ يمكنك ببساطة استبداله، أو في بعض الحالات إصلاحه. غير أنه للأسف، لا تسير الأمور على هذا النحو في علم الأحياء؛ فنحن هنا نتحدث عن شبكة معقدة ذات سلوكيات ناشئة، مبنية على مساهمات شديدة الصغر من الكثير من المكونات.

ويتطلب علم الأحياء القوة والقدرة على التعامل مع أي تلف أو عطب بكفاءة، ناهيك عن أنه لطالما اعتمد على بنى قائمة مسبقاً. وبالتالي، لا يمكنه أبداً إعادة ابتكار نفسه. وفي جوهرها، تتألف الآلات البيولوجية من تشابك معقد بين التاريخ والتصميم الحالي، ولدينا مكونات تصميمية قد يجدها المهندس مثيرة للسخرية. على سبيل المثال، لو نظرنا إلى الجينوم البشري من منظور هندسي، لقلنا: «يا إلهي، ما هذه الفوضى العارمة!»، لأنه بُني بطريقة نفعية وتدريجية، دون أي تخطيط أو نية مسبقة.

* كيف يحاول علماء الأحياء التركيبية تحسين هذه الرموز؟ هل يمكنك شرح كيف يعيد الباحثون هيكلة الجينومات؟

- وولفسون: يعتبر درو إندي رائداً في هذا المجال، وقد أخذ عاثية بكتيرية bacteriophage وقال: «ماذا لو تعاملنا معها باعتبارها شيفرة برمجية معقدة، ونظفناها وأعدنا هيكلتها وتنظيمها في شكل يتيح استخدامها بسهولة أكبر؟» للأسف، داعبت هذه الفكرة ذهنه قبل وقت طويل من ظهور التقنيات، التي سهَّلت هذه العملية. ومع ذلك، يظل إندي رائداً في هذا النهج البرمجي للجينومات، وفكرة إمكانية إعادة هيكلتها. لم تجر أي تعديلات على الجينومات منذ نحو أربعة مليارات سنة - تخيّل لو كان لديك جزء من شيفرة حاسوبية لم يدخل عليه أي تعديلات منذ أربعة مليارات سنة.

* إلى أي مدى وصل الباحثون في هذا المسعى؟

- وولفسون: لعلَّ أفضل مثال على ذلك مشروع جينوم الخميرة الاصطناعي، المعروف باسم Sc2.0، الذي اضطلع في إطاره جيف باكي بدور رائد داخل مدينة نيويورك. استغرق الأمر منه قرابة 15 عاماً، وعكف على تجميع كل هذه الكروموسومات الاصطناعية ببطء في كائن حي واحد.

الحقيقة أن ما فعله يتجاوز مجرد إعادة الهيكلة؛ إنه إعادة تصميم فعلياً. على سبيل المثال، تحتوي الخميرة على 16 كروموسوماً، وقد نجح في بناء كروموسوم اصطناعي جديد تماماً، الكروموسوم السابع عشر.

وفي عمل منفصل، أظهر أنه يمكن دمج الكروموسومات الستة عشر في كروموسومين ضخمين، في إعادة تشكيل هائلة لطريقة تخزين المادة الوراثية.

ومع ذلك، فإنه عندما تبدأ بالتلاعب بهذه الجينومات وإعادة تشكيلها، فإنك حتماً ستُدخل أخطاءً في الشيفرة. وفي الغالب تُعيق هذه الأخطاء الأداء والنمو. في الواقع، ليس الأمر أنك لا تستطيع إعادة التصميم كلياً دون إحداث عائق أمام النمو، بل إنك تحتاج فقط إلى استثمار الوقت لتحديد الطريقة الأمثل لإنجاز ذلك.

وبالطبع، لم يكن الذكاء الاصطناعي متاحاً عندما بدأ باكي عمله، وهو يُسهّل كل ذلك كثيراً. الواضح أن الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل، على قدرتنا على تحويل الحمض النووي، إلى مادة هندسية تنبؤية.

ذكاء بيولوجي اصطناعي مدعوم بالذكاء الاصطناعي

* بالحديث عن الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى أنك تطرح مفهوم الذكاء البيولوجي الاصطناعي، ما القدرات المحددة التي سيمنحنا إياها الذكاء الاصطناعي، والتي نفتقر إليها اليوم؟

- وولفسون: قبل الذكاء الاصطناعي، لم نكن نمتلك القدرة على تصميم الحمض النووي على نطاق واسع. لم نكن قادرين على ابتكار تسلسلات حمض نووي جديدة كلياً، تؤدي وظائف على مستوى الكائن الحي. الآن، لدينا ما يُسمى بنماذج لغة الجينوم، والتي تُشبه إلى حد ما برامج الدردشة الآلية، التي نستخدمها لمعالجة النصوص. غير أنه بدلاً من معالجة أحرف الأبجدية الإنجليزية الستة والعشرين، فإنها تُعالج الأحرف الأربعة للغة الحمض النووي.

عندما نعالج لغة الحمض النووي، نحتاج إلى نطاق سياقي واسع للغاية، لأنه على عكس النص، حيث يتركز معظم المعنى في الجمل أو الفقرات، فإنه في الحمض النووي، يمكن للمناطق البعيدة أن تتواصل فيما بينها. لذلك، نحتاج إلى ذكاء اصطناعي قادر على تمييز هذه العلاقات عن بُعد. في حالة نموذج لغة الجينوم Evo 2، يجري استخدام بنيةً ذات نطاق سياقي يبلغ مليون زوج قاعدي؛ بمعنى أنه قادر على رصد كيفية تفاعل أزواج القواعد المتباعدة بمليون قاعدة.

* تصميم الشيفرة ليس سوى نصف المعركة. كيف يتغلب الباحثون على معضلة تصنيع الحمض النووي على نطاق واسع؟

- وولفسون: من العوامل الجوهرية الأخرى التي لم تكن متوفرة سابقاً، القدرة على كتابة الحمض النووي على نطاق واسع بسرعة وكفاءة وبتكلفة منخفضة، وبأي درجة من التعقيد. عندما تجمع بين هاتين القدرتين، التصميم والبناء، تصبح مهندساً. لقد نجحنا في خفض التكلفة باستخدام تكنولوجيا تُسمى «سايدويندر» Sidewinder، والتي تُمكّننا من بناء الحمض النووي بطريقة متوازية على نطاق واسع، مما يقلص على نحو كبير تكلفة بناء الحمض النووي. وهذا وحده يعزز جدوى استخدام الحمض النووي كمادة هندسية.

* بعد تصميم الحمض النووي وتصنيعه، ما الذي يتطلبه الأمر لتشغيل كائن حي؟

- وولفسون: ربما يكون هذا الجزء الأصعب؛ لأننا لا نملك حالياً أي فكرة عن كيفية بناء خلية اصطناعية. من جهته، أثبت كريغ فينتر أنه بالإمكان تدمير الجينوم داخل بكتيريا، والاستعاضة عنه بآخر جديد. بعبارة أخرى، تتصرف الخلية كحاسوب نانوي، ويتصرف الجينوم كبرنامج حاسوبي. غبر أن إدخال الجينومات إلى الخلايا ليس بالأمر الهين.

يشير مصطلح «الذكاء البيولوجي الاصطناعي» إلى إمكانية التصميم والبناء، لكنه يتضمن كذلك القدرة على تحويل ذلك إلى كائن حي. إذا توفرت لديك كل هذه الإمكانات، فأنت بذلك تتقن علم الأحياء باعتباره تكنولوجيا. وفجأة، يصبح الحمض النووي مادة قابلة للبرمجة، ويمكنك التلاعب بها.

علم الأحياء كمادة هندسية مستقبلية

* إذا ما أتقن الباحثون هذه المهارة، فما الذي سيصبح ممكناً؟

- وولفسون: أتوقع أنه في غضون 50 عاماً، سيصبح علم الأحياء المادة الهندسية المفضلة، وسيختار الكثيرون ممن يقرأون هذا المقال العمل مهندسين حيويين. يستطيع علم الأحياء توفير معظم الوظائف التي توفرها المواد. مثلاً، يتمتع خيط العنكبوت بقوة شد تعادل قوة الفولاذ. وعند إعادة تصميمه باستخدام الذكاء الاصطناعي، قد تصل قوته إلى خمسة أضعاف قوة الفولاذ. وبالطبع، تتمتع البيولوجيا بميزة إضافية تتمثل في قدرتها على إنتاج مواد ذكية. تخيل إذن لو كان لدينا شكل ذكي من الفولاذ. كيف سيستفيد المهندس من ذلك في المباني؟

* ما أصعب مشكلة فنية تحول دون تصميم كائن حي وظيفي متعدد الخلايا من الصفر؟

- وولفسون: أعتقد أنها معرفتنا غير الكافية بقواعد الحياة. وهنا، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أداةً رائعةً لفكّ رموز هذه القواعد؛ فهو يحلل قواعد بيانات ضخمة ويستطيع استخلاص الأنماط منها. لن نتمكن من تصميم كائن حي معقد متعدد الخلايا حتى نتقن لغة الحمض النووي بطلاقة أكبر. ويتطلب إنجاز ذلك فهم قواعد الحياة، وفهمها يتطلب بدوره منا تحليل قواعد بيانات أشد تعقيداً ودقة. علينا أن نبحث في قواعد الحياة. وفي كل مرة ندمر فيها نوعاً من الكائنات الحية، ندمر صفحةً من كتاب القواعد، بينما نحن بحاجة إلى جمع كل المعلومات في كتاب متكامل.

* أخيراً، مع بدء رحلتك في هندسة الحياة، ما احتمالات الفشل الواقعية؟

- وولفسون: يمكنني تفسير «احتمالات الفشل» بطريقتين: إحداها نوع من الأعطال الميكانيكية؛ فمع إزالة كل هذا التداخل، يصبح النظام هشاً، لأن الآلات البيولوجية مصممة بحيث لا تتعطل، ولديها آليات أمان متداخلة.

أما الطريقة الأخرى التي قد تفشل بها هذه المساعي، فترتبط بخطورتها، خاصة ونحن لا نفهم النظم البيئية، ويصعب حسابها للغاية. لذا، إذا أطلقنا كائنات معدلة وراثياً في نظم بيئية معقدة، فقد يسفر ذلك عن فوضى عارمة. ومن الواضح أن هذه التقنيات بحد ذاتها خطيرة بطبيعتها، إذا وقعت في الأيدي الخطأ. لذلك، نحتاج إلى تعلم كيفية استخدامها بأمان ومسؤولية وأخلاقية وشفافية وإنصاف، بما يعود بالنفع على المجتمع.