كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025

تعمل على تفكيك «فكرة التعليم» ذاتها

كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025
TT

كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025

كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025

يتخطى الذكاء الاصطناعي مجرد أتمتة سير العمل في عام 2025: إنه يعمل على تفكيك فكرة التعليم ذاتها، كما كتب فيكتور داي(*).

عصر تقادم المعرفة وتقادم التكنولوجيا

وما كان يُنظر إليه في السابق على أنه إنجازات تُحَقق لمرة واحدة، مثل الحصول على درجة البكالوريوس، أو على شهادة مهنية، أو دورة تدريبية سنوية للشركات، لم يعد ضمانة للاستمرارية في عالم تتقادم فيه المعرفة بالسرعة التي تتقادم بها التكنولوجيا نفسها تقريباً.

أزمة في المهارات

أفاد ما يقرب من نصف قادة تطوير المواهب الذين شملهم استطلاع «تقرير التعلم في مكان العمل» لعام 2025 Workplace Learning Report من منصة «لينكدإن-LinkedIn» بأنهم يرون أزمة في المهارات، مع وجود ضغط على المؤسسات لتزويد الموظفين بمهارات الأدوار الحالية والمستقبلية من خلال البناء الديناميكي للمهارات، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي التوليدي.

نمو سوق الذكاء الاصطناعي في التعليم

وبالمثل، من المتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم الذي يشمل التعليم الأساسي والثانوي، والتعليم العالي، والتدريب المؤسسي، ليصل الإنفاق فيه إلى ما بين 32.27 مليار دولار بحلول عام 2030، و127.2 مليار دولار بحلول عام 2035، مدفوعاً بارتفاع حاد في الطلب على التعلم المخصص في التدريب على مهارات الشركات المتوائمة مع سوق العمل، والحلول التكنولوجية التعليمية القابلة للتوسع.

المهارات تتقادم خلال عامين بدلاً من عقد كامل

يقول هوغو سارازين، الرئيس التنفيذي لشركة «يوديمي»، إحدى كبرى منصات التعلم عبر الإنترنت في العالم: «نشهد تقادم المهارات في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام بدلاً من عقود. يُظهر الطلب على منصتنا أن المهنيين يدركون أن التعلم لا يمكن أن يتوقف عند التخرج في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي». وهو يتوقع أن تصبح الجامعات على نحو متزايد بمثابة منصات إطلاق، تمنح الشهادات العلمية جنباً إلى جنب مع «عضوية رقمية» -أي استمرار التدريس والتدريب في التكنولوجيا- تمتد مدى الحياة. ويضيف سارازين أن ما يقرب من 5 إلى 8 أشخاص يسجلون في دورة تدريبية عن الذكاء الاصطناعي على المنصة كل دقيقة.

11 مليون تسجيل عالمي في دورات الذكاء الاصطناعي

ووفقاً لتقرير «اتجاهات التعلم والمهارات العالمية لعام 2026» الصادر عن «يوديمي»2026 Global Learning and Skills Trends Report، فقد ارتفعت معدلات التسجيل في الدورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بمقدار 5 أضعاف خلال العام الماضي، متجاوزة 11 مليون تسجيل على مستوى العالم. كما وجدت الدراسة اهتماماً متزايداً بأدوات الذكاء الاصطناعي، مثل «مايكروسوفت كوبايلوت - Microsoft Copilot»، و«غيت هب كوبايلوت-GitHub Copilot»، ما يؤكد الطلب القوي على الكفاءة العملية، والإتقان في مجال الذكاء الاصطناعي. من المحتمل أن يكون هذا الارتفاع قد عزز نمو سوق «يوديمي»، حيث أعلنت الشركة عن إيرادات بلغت 199.9 مليون دولار للربع الثاني من عام 2025، بزيادة قدرها 3 في المائة عن العام السابق.

الذكاء الاصطناعي + التفكير النقدي= المكاسب والأرباح

ويقول سارازين: «تدرك الشركات أن الموظفين القادرين على استخدام الذكاء الاصطناعي بطلاقة، مع التفكير النقدي في مخاطره ومخرجاته وتأثيراته، هم من سيحققون أكبر المكاسب التجارية. نحن نشهد تحول الميزانيات من فعاليات التدريب السنوية إلى بناء المهارات المستمر والمتكامل الذي يندرج ضمن سير العمل اليومي، مما يساعد الموظفين على تعلم المهارات بالتحديد عندما يحتاجون إليها».

«اللياقة المهارية» والقدرة على التكيف في عصر الذكاء الاصطناعي

يصف سارازين هذا التحول بأنه بزوغ فجر عصر «اللياقة المهارية-skill fitness»، حيث يصبح التعلم أشبه بالتمرين الرياضي: فطلاقة استخدام الذكاء الاصطناعي هي القوة، والتفكير النقدي هو تمارين القلب، والتواصل هو المرونة. لم يعد التعليم محطة توقف عابرة، بل صار نظاماً مستمراً مدى الحياة. ويقول: «في مجال اللياقة البدنية، لا تذهب إلى صالة الألعاب الرياضية مرة واحدة ثم تعلن أنك لائق مدى الحياة. ولكن، هذه هي الطريقة التقليدية التي تعاملنا بها اعتيادياً مع التعلم». غير أن المهارات تترسخ فقط عندما تتم ممارستها في سياقها المناسب -والذكاء الاصطناعي يُمكّن هذا النوع من الممارسة على نطاق واسع.

لعب الأدوار... بالذكاء الاصطناعي

تتيح أداة «لعب الأدوار بالذكاء الاصطناعي-AI Role Play» من شركة «يوديمي»، التي أُطلقت في مايو (أيار) من العام الجاري، للموظفين التدرب على سيناريوهات من العالم الحقيقي، مثل التفاوض، أو محادثات التقييم المرجعي، أو حل النزاعات من خلال محاكاة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ويتوقع سارازين قائلاً: «في العام المقبل، سوف تشهد حالات استخدام التجربة والاختبارات التشغيلية باستخدام الذكاء الاصطناعي انفجاراً، متجاوزة المحادثات وصولاً إلى التنفيذ الفعلي».

القدرة على التكيف

جيل الألفية الجديدة «Gen Z»، المستعد للهيمنة على القوى العاملة، يدرك أن ميزته الحقيقية في عالم مشبع بالذكاء الاصطناعي هي القدرة على التكيف. وفقاً لتقرير «يوديمي» عن «الجيل زد في مكان العمل» Gen Z in the Workplace report، فإن نسبة 84 في المائة من المهنيين من هذا الجيل يمنحون الأولوية الآن لتطوير المهارات التكيفية، مثل اتخاذ القرار، والتواصل، والتفكير النقدي على حساب التدريب التقني البحت. ويقول سارازين: «نشأ الجيل زد مع تكنولوجيا تتطور باستمرار. إنهم بصدد أن يصبحوا الجيل الأول الذي يتميز بولع أصيل في استخدام الذكاء الاصطناعي، مع بقائه متمحوراً حول الجانب الإنساني بصورة واضحة».

تكامل حذر لأجل مستقبل مسؤول

بينما من المتوقع أن تجعل عمليات دمج الذكاء الاصطناعي التعلم أسهل، يحذر الخبراء من أنه من الأهمية بمكان الفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج التسويقي. يقول شاي ريشيف، خبير التعليم ورئيس جامعة يونيفيرسيتي أوف ذي بيبول: «في حين أن التكنولوجيا تحمل وعداً كبيراً لتحسين جودة التعليم، إلا أن تأثيرها الكامل لا يزال قيد القياس». ثم يتابع قائلاً: «يجب على المؤسسات المسؤولة ضمان أن المطالبات مدعومة بأدلة حقيقية، وأن نشرها يفيد الطلاب عالمياً بالفعل، لا سيما أولئك الذين يلجأون إلى الخيارات عبر الإنترنت بدافع الضرورة». وأضاف أنه بينما يمثل التخصيص من خلال الذكاء الاصطناعي فرصة قوية، فإنه يحمل أيضاً مخاطر العزلة والتحيز. ثم قال: «إذا كانت مجموعات البيانات الأساسية ضمن أنظمة التعليم التي تعمل بالذكاء الاصطناعي معيبة، أو إذا عززت الخوارزميات من أوجه التفاوت القائمة، فقد تضخم التكنولوجيا المشكلات بدلاً من حلها». وأعربت كافيتا غاي، الرئيسة التنفيذية لشركة «نيكتير»، عن نفس القلق، مشيرة إلى أن طرح خدمة تعليمية واحدة تعمل بالذكاء الاصطناعي ومصممة بشكل سيئ يمكن أن تثير عناوين رئيسة حول «الذكاء الاصطناعي يضر بالتعلم»، حتى وإن كان الواقع أكثر تعقيداً. وتقول غاي: «الأمر كله يتعلق بمدى مسؤولية المؤسسات في نشر مثل هذه الخدمة وصيانتها». ثم تضيف: «المسار المسؤول هو إجراء تجارب تشغيلية منضبطة، مع قياس النتائج، والتكرار (بغرض التحسين)».

التعليم الرسمي له دور حاسم في وضع أساسات قوية

كما أشارت غاي إلى أنه بينما سهّلت أدوات الذكاء الاصطناعي من اكتساب مهارات العمل والمهارات التقنية، لا يزال التعليم الرسمي والشهادات الجامعية يضطلعان بدور حاسم في تطوير أساسات قوية وعمق في الخبرة. ثم تقول: «الخطر الحقيقي يكمن في أن يتوقف الطلاب والمهنيون عن تعلم كيفية تمييز شكل العمل (الجيد). ومن دون هذا الأساس، لا يمكنهم الحكم على الجودة، أو تقييم الابتكار». وتضيف: «تكمن الفرصة الحقيقية في استخدام الذكاء الاصطناعي على أنه (معلم سقراطي)؛ يرشد الأفراد عبر الأخطاء، ولا يُنفذ العمل نيابة عنهم. هذا ما يحافظ على حيوية التفكير النقدي في عالم يضع الذكاء الاصطناعي أولاً».

التعليم الجديد: تنمية ثقافة مواكبة التقدم التكنولوجي

يؤكد هذا المنظور على حقيقة أعمق: قد يصبح التعليم قريباً أقل تركيزاً على استهلاك المحتوى، وأكثر تركيزاً على تنمية الثقافة. سوف تحتاج المؤسسات والجامعات إلى التعامل مع التعلم على أنه قيمة مشتركة ومنهج جماعي يواكب التغير التكنولوجي. يقول سارازين: «تماماً مثل الكهرباء أو الإنترنت، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سوف يصبح بنية تحتية غير مرئية. لن تفكر في (استخدام الذكاء الاصطناعي للتعلم)، لأن التعلم سيكون ببساطة مُعززاً بالذكاء الاصطناعي بصورة افتراضية». ثم يختتم قائلاً: «بدلاً من التنافس، سوف يُكمل الذكاء الاصطناعي والجامعات بعضهما البعض، ما يساعد المتعلمين على بناء المهارات بتنسيق يناسب احتياجاتهم الفريدة على أفضل وجه».

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

إعلام مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
علوم عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

في مارس (آذار) عام 2026 نشر فريق بحثي دولي دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today» حول مجال علمي ناشئ يُعرف باسم «علم تحليل أنفاس الإنسان».

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
تكنولوجيا اجتاحت مقاطع الفيديو والصور التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي مواقع التواصل منذ اندلاع حرب إيران (رويترز)

«التزوير للجميع»... الذكاء الاصطناعي خدع الملايين منذ بدء حرب إيران

اجتاحت موجة من مقاطع الفيديو والصور المزيفة، التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأولى من الحرب في إيران.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
TT

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض

في مارس (آذار) عام 2026 نشر فريق بحثي دولي دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today» حول مجال علمي ناشئ يُعرف باسم «علم تحليل أنفاس الإنسان» (Breathomics)، وهو علم يعتمد على تحليل المركبات الكيميائية الموجودة في هواء الزفير للكشف المبكر عن الأمراض.

بدايات علم جديد

وأوضح الباحث ميتالي ساهو، من المعهد الهندي للتكنولوجيا في خراجبور (IIT Kharagpur) في الهند، مع فريقه البحثي، أن هواء الزفير يحمل مئات المركبات العضوية المتطايرة التي تعكس ما يجري من العمليات البيولوجية داخل الجسم. وتشير الدراسة إلى أن تحليل هذه المركبات باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح باباً جديداً للتشخيص الطبي غير الجراحي، إذ تستطيع الخوارزميات تحليل أنماط هذه الجزيئات بدقة، والتعرّف على إشارات مرضية مبكرة قبل ظهور الأعراض السريرية.

الأنف الإلكتروني يحلل رائحة النفس

> من الرازي إلى الطب الرقمي. قبل أكثر من ألف عام أدرك الطبيب العربي الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أهمية الحواس في التشخيص الطبي. ففي كتابه الشهير «الحاوي في الطب» أشار إلى أن رائحة نفس المريض قد تحمل دلائل مهمة على طبيعة المرض، وأن الطبيب اليقظ يستطيع أن يستشف من هذه الإشارات الحسية ما يعجز عنه الفحص الظاهري أحياناً. ولم يكن هذا الفهم بعيداً عن تقاليد الطب القديم في حضارات أخرى؛ ففي الفلسفة الصينية القديمة دعا كونفوشيوس إلى ضرورة قراءة الإشارات الدقيقة التي يرسلها الجسد، وهو مبدأ تبنّاه الطب الصيني التقليدي لاحقاً حين اعتبر التنفس ورائحة الجسد نافذة لفهم التوازن الداخلي للصحة. واليوم يعود هذا المفهوم القديم في صورة علمية جديدة، لكن هذه المرة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل الجزيئات الدقيقة في هواء الزفير، ليصبح ما كان حدساً طبياً في الماضي مجالاً متقدماً من مجالات الطب الرقمي الحديث.

> بصمة كيميائية في كل نفس. عندما يتنفس الإنسان يخرج مع هواء الزفير أكثر من ثلاثمائة مركب كيميائي متطاير، تُعرف علمياً باسم المركبات العضوية المتطايرة (Volatile Organic Compounds). وهذه الجزيئات الدقيقة هي نواتج طبيعية لعمليات التمثيل الغذائي التي تجري داخل خلايا الجسم، ولذلك تعكس بصورة غير مباشرة ما يحدث في الأنسجة، والأعضاء المختلفة.

ويعتقد العلماء اليوم أن أمراضاً كثيرة تترك بصمة كيميائية مميزة في هذه المركبات، بحيث يمكن قراءة إشارات المرض من خلال تحليل تركيبة الهواء الخارج من الرئتين. ولهذا يسعى الباحثون في مراكز الطب الرقمي حول العالم إلى تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التعرف على هذه الأنماط الكيميائية المعقدة، أملاً في تحويل نفس الإنسان إلى وسيلة تشخيصية دقيقة قادرة على كشف الأمراض في مراحلها المبكرة.

الذكاء الاصطناعي يقرأ أنفاس الإنسان

مهمات «الأنف الإلكتروني»

> الأنف الإلكتروني. لتطبيق هذه الفكرة عملياً طوّر العلماء أجهزة تُعرف باسم «الأنف الإلكتروني» (Electronic Nose)، وهي أنظمة استشعار متقدمة تحتوي على مستشعرات كيميائية دقيقة قادرة على التقاط المركبات المتطايرة الموجودة في الهواء، وتحليلها. وتعمل هذه الأجهزة على تحويل الإشارات الكيميائية إلى بيانات رقمية، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات، واكتشاف الأنماط المرتبطة بأمراض محددة.

وفي دراسة علمية نُشرت في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» (Scientific Reports) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، تمكّن الباحث ديباك أيير من المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي (IIT Bombay) في الهند مع فريقه البحثي من تطوير نظام يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية لتحليل مركبات هواء الزفير، وقد أظهر هذا النظام قدرة ملحوظة على التمييز بين الأنماط الكيميائية المرتبطة بحالات مرضية مختلفة.

> اكتشاف الأمراض قبل ظهور الأعراض. من أكثر الجوانب إثارة في هذا المجال هو القدرة المحتملة على اكتشاف المرض قبل ظهور الأعراض السريرية. فقد أظهرت دراسات حديثة أن تحليل المركبات الكيميائية في هواء الزفير يمكن أن يساعد في الكشف المبكر عن أمراض متعددة، من بينها سرطان الرئة، ومرض السكري، وأمراض الكبد، وبعض الالتهابات الرئوية. وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات البيوكيميائية المرتبطة بهذه الأمراض تنعكس في تركيبة المركبات العضوية المتطايرة التي يطلقها الجسم مع كل نفس.

وفي دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ليستر في المملكة المتحدة بالتعاون مع المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية، نجح العلماء في استخدام خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) لتحليل أنماط هذه المركبات في هواء الزفير، وتشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن (Chronic Obstructive Pulmonary Disease – COPD) بدقة واعدة. ويشير هذا التقدم إلى أن تحليل النفس قد يتحول في المستقبل القريب إلى أداة تشخيصية مبكرة، وقادرة على كشف المرض في مراحله الأولى قبل أن يبدأ المريض بالشعور بالأعراض.

لدى كل إنسان بصمة كيميائية في كل نفس إذ يخرج مع هواء الزفير أكثر من 300 مركب كيميائي متطاير

نافذة جديدة على صحة الإنسان

لا يقتصر تحليل هواء الزفير على أمراض الرئة فحسب، بل يمكن أن يعكس الحالة الصحية العامة للجسم. فالميكروبات التي تعيش في الفم والجهاز الهضمي تنتج مركبات كيميائية دقيقة تنتقل إلى هواء الزفير، وقد تكشف هذه الجزيئات تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي، أو في نشاط الجهاز المناعي. ولهذا يرى الباحثون أن النفس البشري قد يحمل معلومات بيولوجية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.

وفي هذا السياق يشير باحثون في المعهد التقني الفيدرالي في زيوريخ في سويسرا (ETH Zurich) إلى أن تحليل أنماط المركبات الكيميائية في النفس، باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار الدقيقة، قد يسمح برصد مؤشرات حيوية متعددة في وقت واحد. ولذلك يعتقد بعض العلماء أن رائحة الفم قد تتحول في المستقبل إلى مؤشر بيولوجي شامل يعكس الحالة الصحية للإنسان، ويقدم للطبيب نافذة جديدة لفهم ما يحدث داخل الجسم دون الحاجة إلى إجراءات تشخيصية معقدة.

وفي ميدان طبّ المستقبل. قد يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة، فيطلب منه الطبيب ببساطة أن يتنفس في جهاز صغير لبضع ثوانٍ. وخلال لحظات تقوم خوارزمية من الذكاء الاصطناعي بتحليل الهواء الخارج من رئتيه، لتقدم للطبيب تقريراً دقيقاً عن حالته الصحية، وربما تكشف إشارات مبكرة لأمراض لم تظهر أعراضها بعد. عندها قد يتحول نَفَس الإنسان نفسه إلى أداة تشخيصية لا تقل أهمية عن الأشعة، والتحاليل المخبرية.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحول في فلسفة التشخيص الطبي. فبعد قرون اعتمد فيها الطب على ما يراه الطبيب، أو يشعر به المريض، أصبح العلم قادراً على قراءة اللغة الكيميائية الخفية التي يكتبها الجسم في كل نفس. ومع تقدم أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي قد يصبح تحليل الزفير واحداً من أبسط وأكثر أدوات الطب دقة في الكشف المبكر عن الأمراض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الصور الطبية، والبيانات الجينية، والملفات السريرية المعقدة، بدأ اليوم يتعلم قراءة شيء أكثر بساطة... وأكثر إنسانية: أنفاسنا. وربما يحمل كل نفس في المستقبل رسالة طبية صامتة، لا يسمعها إلا العلم.


تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين
TT

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

انضم ديفيد سنكلير، الأستاذ بجامعة هارفارد والداعي المتحمس إلى إطالة العمر، إلى النقاش عبر منصة «إكس» ليؤكد بشدة على أن: «للشيخوخة تفسيراً بسيطاً نسبياً، ويبدو أن من الممكن دفعها بالاتجاه المعاكس... ستنطلق التجارب السريرية قريباً».

علاج لعكس الشيخوخة

وكان سنكلير يقصد توظيف «إي آر-100» «ER-100». وهو الاسم الرمزي لعلاج طورته شركة «لايف بايوساينسز» ـ شركة ناشئة صغيرة في بوسطن، شارك سنكلير في تأسيسها. وأكد أنها حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية للمضي قدماً في أول محاولة موجهة لعكس الشيخوخة على متطوعين بشريين.

> «إعادة برمجة الخلايا». وتعتزم الشركة كذلك تجربة علاج أمراض العيون باستخدام مفهوم تجديد جذري يُسمى «إعادة البرمجة» reprogramming، الذي اجتذب حديثاً استثمارات بمئات الملايين من الدولارات وبدعم من شركات تكنولوجية كبرى.

بوجه عام، يعتمد الأسلوب الجديد المقترح على إعادة الخلايا إلى حالة صحية أفضل عبر إعادة ضبط «الضوابط اللاجينية» (المؤثرة على الجينات) epigenetic - مفاتيح تشغيل الجينات التي تحدد ما يجري تفعيله وما يجري تعطيله.

في هذا الصدد، أوضح كارل بفليغر، مستثمر يدعم شركة ناشئة بريطانية أصغر حجماً تُدعى «شيفت بايوساينسز»: «إعادة البرمجة أشبه بالذكاء الاصطناعي في عالم الأحياء».

وتتميز إعادة البرمجة بقوة كبيرة لدرجة قد تثير بعض المخاطر، حتى إنها قد تُسبب السرطان في حيوانات المختبر. ومع ذلك، نجحت النسخة التي تُطورها شركة «لايف بايوساينسز» من هذه التكنولوجيا، في اجتياز اختبارات السلامة الأولية على الحيوانات.

> علاج الغلوكوما. ورغم ذلك، لا تزال هذه التكنولوجيا شديدة التعقيد. مبدئياً، ستسعى الشركة لتجريب العلاج على نحو اثني عشر مريضاً مصاباً بالغلوكوما ـ حالة مرضية يتسبب فيها ارتفاع ضغط العين في تلف العصب البصري. وبحسب وصف الدراسة الذي نُشر للمرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول)، سيجري حقن فيروسات (آمنة) تحمل ثلاثة جينات قوية لإعادة البرمجة في عين واحدة لكل مريض.

ولضمان عدم تجاوز العملية الحد المسموح به، ستخضع جينات إعادة البرمجة لسيطرة مفتاح جيني خاص، يتولى تفعيلها فقط في أثناء تناول المرضى جرعة منخفضة من المضاد الحيوي دوكسيسايكلين. ومن المقرر مبدئياً، أن يتناول المتطوعون المضاد الحيوي لمدة قرابة شهرين، مع خضوع آثاره للمراقبة.

وصرّح مسؤولون تنفيذيون بالشركة على مدى أشهر بأن التجربة قد تبدأ هذا العام، وفي بعض الأحيان وصفوها بأنها بداية عهد جديد في مجال جهود مكافحة الشيخوخة. ونقلت مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين عن مايكل رينجل، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «لايف بيوساينسز»: «إنها خطوة بالغة الأهمية لنا كقطاع. ستكون هذه المرة الأولى في تاريخ البشرية، على امتداد آلاف السنين، التي نبحث فيها عن شيء يُجدّد الخلايا... لذا ترقبوا المزيد».

تحويل الخلية إلى خلية جذعية

> إدخال جينات إلى الخلية. في مجملها، تعتمد هذه التكنولوجيا على اكتشاف حاز على جائزة نوبل، قبل عشرين عاماً، مفاده أن إدخال بضعة جينات فعّالة إلى الخلية يُعيدها إلى خلية جذعية، تماماً مثل تلك الموجودة في الجنين في مراحله المبكرة، والتي تتطور إلى أنواع الخلايا المتخصصة المختلفة. وتُعرف هذه الجينات بـ«عوامل ياماناكا» Yamanaka factors، وقد جرى تشبيهها بزر «إعادة ضبط المصنع» للخلايا.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من خطورة؛ فعند تنشيطها داخل حيوان حي، قد تُسبب ظهور أورام، الأمر الذي دفع العلماء إلى فكرة جديدة أطلق عليها إعادة البرمجة «الجزئية» أو «المؤقتة». وتدور الفكرة على الحد من التعرض لهذه الجينات القوية - أو استخدام مجموعة فرعية منها فقط - على أمل جعل الخلايا تتصرف كخلايا أصغر سناً، دون فقدانها الذاكرة تماماً بخصوص دورها في الجسم.

> برمجة جزئية لإعادة البصر. عام 2020، ادعى سنكلير أن إعادة البرمجة الجزئية هذه قادرة على استعادة البصر لدى الفئران بعد تلف أعصابها البصرية، مشيراً إلى أن هناك أدلة على نمو هذه الأعصاب من جديد. يذكر أن تقريره جرى نشره على غلاف مجلة «نيتشر» المرموقة تحت عنوان «إعادة عقارب الساعة إلى الوراء».

لا يتفق جميع العلماء على أن إعادة البرمجة تُعد فعلاً عكساً للشيخوخة. ومع ذلك، يصر سنكلير على رأيه، مؤكداً على نظرية مفادها أن الفقدان التدريجي للمعلومات الجينية الصحيحة في خلايانا، السبب الرئيس للشيخوخة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن إعادة البرمجة ليست أول حلٍّ لإطالة العمر يروج له سنكلير، مؤلف الكتب الأكثر مبيعاً، الذي يتقاضى أجوراً باهظة مقابل محاضراته في هذا المجال. وقد سبق وأن روّج لفوائد جزيئات تُسمى السيرتوينات sirtuins، بالإضافة إلى الريسفيراترول resveratrol ـ جزيء موجود في النبيذ الأحمر ـ في إطالة العمر.

غير أن بعض النقاد يرون أنه يبالغ كثيراً في تقدير التقدم العلمي. وبلغ ذلك ذروته في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2024 وصفه أحدهم بـ«خبير عكس مسار الشيخوخة»، الذي «لم تُحقق شركاته النجاح المنشود».

وناقشت الشركة إمكانية إعادة برمجة أعضاء أخرى، بما في ذلك الدماغ. من جهته، يؤمن مايكل رينجل، مثل سينكلير، بإمكانية تحقيق تجديد كامل للجسم في المستقبل، لكن في الوقت الراهن، من الأفضل اعتبار الدراسة بمثابة إثبات لمفهوم ما، بينما لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق حلم الشباب الأبدي. في هذا السياق، قال المستثمر بفليغر: «الجانب المتفائل للأمر أن هذا البحث سيحل مشكلة العمى لدى بعض الأشخاص، ويحفز العمل في مجالات أخرى».

علاج مبتكر

يعتمد العلاج الذي ابتكرته الشركة على آلية «تبديل المضادات الحيوية» antibiotic switching، التي تُستخدم في الغالب على حيوانات المختبر، لكنها لم تُجرَّب على البشر من قبل. ونظراً لأن عملية التبديل هذه تنفذ بمكونات جينية مأخوذة من بكتيريا الإشريكية القولونية وفيروس الهربس، فمن المحتمل أن يُسبب هذا رد فعل مناعي لدى البشر، بحسب ما يعتقد العلماء.

وقد يكون اختيار شركة «لايف بيوساينسز» لعوامل إعادة البرمجة - ثلاثة عوامل تُعرف اختصاراً بـOSK - محفوفاً بالمخاطر؛ فمن المتوقع أن تُفعِّل هذه العوامل مئات الجينات الأخرى، وفي بعض الحالات، قد يؤدي هذا المزيج إلى عودة الخلايا إلى حالة بدائية للغاية، تُشبه حالة الخلايا الجذعية.

وأفادت شركات أخرى تُجري أبحاثاً حول إعادة البرمجة، إن تركيزها ينصب على البحث في الجينات التي يجب الاستعانة بها، بهدف تحقيق عكس مسار الزمن دون وقوع آثار جانبية غير مرغوب فيها. وأعلنت شركة «نيو ليميت»، التي تُجري بحثاً مكثفاً عن هذه الجينات، أنها لن تكون جاهزة لإجراء دراسة على البشر قبل عامين. أما شركة «شيفت»، فقد بدأت التجارب على الحيوانات حديثاً.

وقال دانيال آيفز، الرئيس التنفيذي لشركة «شيفت»، في إشارة إلى «لايف بيوساينسز»: «هل عواملهم أفضل طريقة لتجديد شباب العين؟ لا نعتقد ذلك. أعتقد أنهم يعملون بما هو متاح لديهم. ومع ذلك، أعتقد أنهم في وضع متقدم للغاية عن أي شركة أخرى في مجال التجارب على البشر. لقد وجدوا طريقة فعّالة في العين، تشكل نظاماً متكاملاً ومُحكماً. وحتى لو لم تنجح التجربة، يبقى هناك خيار آخر».


اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
TT

اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة

في تطور علمي مهم، كشفت دراستان منفصلتان النقاب عن أسرار متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة، وهو اضطراب وراثي يصيب النسيج الضام ويؤثر على ما بين 1 و3 في المائة من سكان العالم، أي نحو 80 مليون شخص. وتكشف النتائج عن أن المتلازمة ليست مجرد اضطراب في الكولاجين كما كان يُعتقد سابقاً، بل تشمل جهاز المناعة والميتوكوندريا.

لغز طبي عمره عقود

يظل معظم المصابين بمتلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة Ehlers-Danlos syndrome (hEDS) دون تشخيص. ويعاني المرضى في المتوسط 22 عاماً قبل الحصول على التشخيص الصحيح بسبب نقص الوعي الطبي وغياب اختبار جيني قاطع.

أما سريرياً، فتتميز المتلازمة بمرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة وسهولة الكدمات وبطء التئام الجروح وندبات رقيقة. ويعاني 99 في المائة من المرضى ألماً مزمناً، و84 في المائة اضطرابات هضمية، و71 في المائة خللاً في وظائف الجهاز العصبي الذاتي. ومن المضاعفات المثيرة للقلق بشكل خاص والتي لم تحظَ بالاعتراف الكافي حدوث كسور نتيجة هشاشة العظام في مرحلة الطفولة؛ ما قد يؤدي إلى عواقب اجتماعية وقانونية خطيرة عند الخطأ في تشخيصها على أنها حالات اعتداء.

دراسة بوسطن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن 3 مسارات جينية

وفي دراسة نشرتها مجلة Genes في 8 فبراير (شباط) 2026 استخدم باحثون بقيادة الدكتور مايكل هوليك من برنامج الأبحاث السريرية لمتلازمة إهلرز- دانلوس قسم الغدد الصماء والسكري والتغذية وإدارة الوزن كلية الطب جامعة بوسطن الولايات المتحدة الأميركية تقنيات التعلم الآلي لتحليل الحمض النووي (DNA) لـ116 شخصاً من 43 عائلة، بينهم 86 مريضاً و30 من الأصحاء.

وكشف تحليل 36 ألف متغير جيني نادر عن أن المصابين يحملون عبئاً وراثياً أكبر في ثلاثة مسارات بيولوجية رئيسية، هي: المسار الأول يتعلق بتصنيع الكولاجين، وهو البروتين المسؤول عن منح الأنسجة قوتها ومرونتها. وأي خلل في إنتاج الكولاجين قد يفسر هشاشة المفاصل والجلد لدى المرضى.

أما المسار الثاني، فيرتبط بجينات جهاز المناعة التكيفية؛ ما يشير إلى احتمال وجود دور مناعي في تطور الحالة. ويتعلق المسار الثالث بسلسلة التنفس الميتوكوندرية المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، وهو ما قد يفسر أعراض التعب والإرهاق الشائعة بين المرضى.

وتدعم هذه النتائج فكرة أن المتلازمة «متعددة الجينات» polygenic، أي أنها ناتجة من تأثير مشترك لجينات عدة وليست طفرة واحدة فقط.

دراسة كارولينا الجنوبية: هل تبدأ المشكلة من جهاز المناعة؟

وفي سلسلة من الدراسات نُشرت في مجلتي iScience في 19 سبتمبر (أيلول) 2025 وImmunoHorizons في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قدم باحثون من جامعة الطب في كارولينا الجنوبية أدلة جديدة تشير إلى أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة قد لا تكون مجرد اضطراب في النسيج الضام connective tissue، بل قد يرتبط أصلها بخلل في الجهاز المناعي.

وقد حلل الفريق بقيادة راسل نوريس، أستاذ الطب التجديدي وبيولوجيا الخلية جامعة ساوث كارولينا الطبية الولايات المتحدة الأميركية الباحث الرئيسي للدراسة، بروتينات الدم لدى 29 امرأة مصابة بالمتلازمة، وكشفوا عن اختلافات ملحوظة في 35 بروتيناً مقارنة بغير المصابات. واللافت أن نحو 80 في المائة من هذه البروتينات ترتبط بوظائف المناعة والالتهاب وتجلط الدم. وكان الكثير منها مرتبطاً بما يُعرف بـ«النظام المتمم» complement system، وهو أحد خطوط الدفاع الأولى والسريعة في مواجهة مسببات الأمراض.

وقد يفسر هذا النشاط المناعي المرتفع سبب معاناة ما يقرب من 70 في المائة من المرضى من متلازمة تنشيط الخلايا البدينة mast cells، وهي حالة تؤدي إلى تفاعلات تحسسية شديدة وأعراض تشبه الحساسية المفرطة.

وفي دراسة أخرى حدد الباحثون متغيراً جينياً في جين يُعرف باسم KLK15 لدى عائلات مصابة بالمتلازمة. وعندما أُدخل هذا المتغير إلى نماذج من الفئران ظهرت عليها مشكلات في النسيج الضام مشابهة لما يحدث لدى البشر، إضافة إلى علامات واضحة على الالتهاب؛ ما يعزز فرضية وجود ارتباط مباشر بين اضطراب المناعة وأعراض الأنسجة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعيد توجيه فهم المرض. فبدلاً من عدّه اضطراباً يبدأ في النسيج الضام، تشير البيانات إلى احتمال أن يكون الخلل المناعي هو المحرك الأساسي للحالة. ويؤكد الفريق أن هذه النتائج تسهم في سد الفجوة بين ما يصفه المرضى من أعراض متعددة ومعقدة وبين التفسير الطبي التقليدي الذي ركز لسنوات على مرونة الجلد والمفاصل فقط.

آفاق مستقبلية واعدة

وتؤكد الدراستان معاً أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة ليست ناتجة من طفرة في جين واحد، بل هي اضطراب متعدد الجينات تتفاعل فيه متغيرات وراثية متعددة لتُحدث خللاً في الكولاجين والمناعة والطاقة الخلوية معاً.

إن هذا الفهم الجديد يفتح الباب أمام تطوير أول اختبار دم تشخيصي للمتلازمة وتحسين الاستشارات الوراثية وتقييم المخاطر للعائلات المصابة، كما يمهد الطريق لعلاجات مستقبلية موجهة وفقاً للتركيبة الجينية لكل مريض تعالج الأسباب الجذرية للألم وخلل الجهاز العصبي.

ويؤكد الدكتور مايكل هوليك، قائد دراسة بوسطن، أن هذا العمل يقدم نموذجاً لتطبيق الذكاء الاصطناعي في اكتشاف المتغيرات الجينية للأمراض المعقدة؛ ما قد يساعد في حل ألغاز وراثية أخرى استعصت على التفسير.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تترجم هذه الاكتشافات قريباً إلى اختبارات تشخيصية دقيقة وعلاجات فعالة تنهي معاناة الملايين من مرضى هذا الاضطراب الغامض حول العالم.