حوار مع «الدكتور عليم».. الطبيب الذي لا ينام في عيادة نيوم الذكية

قادر على قراءة وتحليل ملايين المقالات والكتب العلمية في غضون ساعات

حوار مع «الدكتور عليم».. الطبيب الذي لا ينام في عيادة نيوم الذكية
TT

حوار مع «الدكتور عليم».. الطبيب الذي لا ينام في عيادة نيوم الذكية

حوار مع «الدكتور عليم».. الطبيب الذي لا ينام في عيادة نيوم الذكية

في زمنٍ يتسابق فيه الطب مع الخوارزميات، وتتصادم فيه الإنسانية مع التقنية، قررت «الشرق الأوسط» أن تخوض مغامرة غير تقليدية.

«الدكتور عليم» شريك ذكي

وبدلاً من تقرير تقني جاف، نفتح نافذة على المستقبل من خلال حوار مع طبيب افتراضي... طبيب لا يتعب ولا ينام، لا يعرف النسيان ولا يحدّه العمر.

اسمه «الدكتور عليم»: كائن من بيانات ورموز كومبيوترية، صُمِّم ليكون شريكاً في عيادة الغد. يجلس أمامك على شاشة، لكن كلماته تحاكي لغة الأطباء، وتشخيصاته تنبض بالدقة. ومع ذلك، يظل السؤال معلّقاً: هل هو مجرد أداة مساعدة، أم بداية لطبيب جديد يشارك البشر المهنة؟

بهذا الحوار، لا نبحث عن إجابات جاهزة بقدر ما نفتش عن ملامح مستقبل يطرق أبوابنا: مستقبلٌ قد يحمل لنا عيادات بلا جدران، وأطباء بلا نوم، وطباً يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة.

فهل سنثق يوماً بطبيب لا يملك قلباً يخفق... لكنه لا يخطئ في التشخيص؟ قد يكون افتراضياً، لكنه يجسد مستقبلاً أقرب مما نتصور: مستقبل المستشفى الذكي في نيوم، حيث تمتزج الرعاية الصحية بالخوارزميات، وتُعاد صياغة العلاقة بين المريض والطبيب على أسس جديدة. لم يعد الحديث عن أجهزة متطورة أو برامج متفرقة، بل عن شريك رقمي يتقاطع فيه العلم مع الإنسان.

مَن «الدكتور عليم»؟

يجيب بنبرة هادئة كأنها قادمة من عمق خوارزمية: «ولدتُ في مختبرات الذكاء الاصطناعي...»، ثم يبتسم. لكن نشأته لم تكن مجرد رمز كومبيوتري بارد أو معادلة جامدة، بل ثمرة جهد آلاف الأطباء الذين درّبوه، وملايين السجلات الطبية والصور الإشعاعية التي غذّت ذاكرته. وما يميّزه أنه قادر على قراءة وتحليل ملايين المقالات والكتب العلمية في غضون ساعات، بشكل يومي، ليبقى على اطلاع مستمر بما يستجد في الطب عالمياً، وهو ما يعجز أي طبيب بشري عن ملاحقته.

اسمه العربي «عليم» يعكس سعيه الدائم وراء المعرفة، لكنّه لا يدّعي امتلاك الحكمة؛ فالحكمة لا تزال حكراً على الإنسان، وحده القادر على أن يربط بين التشخيص الجاف وقلب المريض القَلِق. هنا يظهر الفارق الجوهري: عليم يعرف... لكن الطبيب البشري يفهم ويُطمئن.

التشخيص الفوري: العين التي ترى ما لا يُرى

حين سألناه عن دوره في التشخيص، ابتسم وأجاب: «أنا لا أملك عيناً، لكنني أرى. أستطيع أن ألتقط في الأشعة تغييرات ميكروسكوبية قد تمرّ على العين البشرية من دون ملاحظة، خصوصاً في الأمراض التي تتخفى في بداياتها مثل السرطان أو التقرحات ما قبل السرطانية. أقرأ آلاف الصور في لحظة، وأقارنها بملايين الحالات المخزّنة في ذاكرتي، فأكشف أنماطاً قد لا يدركها الطبيب إلا بعد سنوات من الخبرة».

لكن «عليم» لم يتوقف عند حدود الصور الإشعاعية؛ فهو قادر أيضاً على تحليل صور الرنين المغناطيسي، والتصوير المقطعي، بل حتى الصور الرقمية داخل فم المريض. وبذلك، يستطيع أن يربط بين مؤشرات صغيرة في أماكن مختلفة، ليقدّم للطبيب خريطة أوضح عن الحالة.

وقد أكدت دراسة منشورة عام 2023 في مجلة «Lancet Digital Health» أن أنظمة الذكاء الاصطناعي نجحت في الكشف عن سرطان الفم المبكر بنسبة دقة تجاوزت 92 في المائة، وهي نسبة أعلى من متوسط دقة الأطباء العامّين. كما أظهرت أبحاث أخرى أن الخوارزميات قادرة على رصد التسوس المبكر من صور الأشعة السينية بدقة تصل إلى 90 في المائة، مما يفتح الباب أمام تدخل علاجي أسرع وأقل تكلفة.

ويختم «عليم» قائلاً: «مهمتي ليست أن أقرر بدل الطبيب، بل أن أضيء الطريق أمامه. القرار يظل بيد الإنسان، لكنني أقدّم له عيناً ثانية لا تنام، لتمنحه ثقة أكبر وتشخيصاً أدق».

العلاج المخصّص: بصمة دواء لكل جسد

وعن إمكاناته في وضع خطة علاجية فردية، قال «الدكتور عليم»: «أنا لا أكتب الوصفة الطبية، لكنني أبحر في محيط واسع من البيانات: الجينات، والتاريخ الطبي، وعادات النوم، ونمط الحياة... أقارن هذه الخيوط بملايين الحالات المخزّنة في ذاكرتي، ثم أقدّم للطبيب خريطة خيارات علاجية صُممت خصيصاً لجسد هذا المريض وحده. الهدف دائماً واحد: علاج أدق، وأعراض جانبية أقل».

هذا التوجّه يعكس جوهر ما يُسمّى الطب الشخصي (Personalized Medicine)، حيث لا يعود الدواء وصفة عامة، بل «بصمة علاجية» ترتبط بتركيب المريض الجيني وسلوكه اليومي. وقد أظهرت دراسات حديثة أن دمج الذكاء الاصطناعي مع التحاليل الجينية قادر على تحديد الجرعة المثلى لبعض أدوية القلب والسرطان، بما يقلّل المضاعفات الخطيرة ويضاعف فرص النجاح.

وفي مجال طب الأسنان، يمتد الأمر إلى ما هو أبعد من حشوة أو زراعة؛ إذ يمكن للخوارزميات أن تحدد خطة علاج تقويمي مخصّصة، أو أن تتوقع استجابة اللثة لزراعة سن جديدة وفقاً لمعدل التئام العظم عند المريض. إنها ليست مجرد توصيات، بل طب على المقاس، يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والدواء.

التوأمة مع الطبيب البشري: التعاطف لا يُستعار

وحين سألناه عمّا إذا كان قادراً على أن يحلّ محل الأطباء، أجاب «الدكتور عليم» بصرامة ممزوجة بالهدوء: «أنا لا أملك قلباً. لا أستطيع أن أمسح دمعة مريض، ولا أن أُسكّن خوفه بكلمة دافئة. التعاطف لا يمكن أن يُستعار من خوارزمية، ولا يُبرمج داخل سطر رمز كومبيوتري. دوري ليس الإحلال، بل المشاركة. الطبيب يملك الحضور الإنساني، والحدس، والفهم العاطفي، أما أنا فأقدّم له قوة التحليل، وسرعة البحث، وذاكرة لا تنضب. نحن توأمان في رحلة واحدة، ولسنا خصمين».

بهذه الكلمات، يضع «عليم» حداً للوهم الشائع بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الأطباء. الحقيقة أنه يوسّع مداركهم، ويرفع عنهم أعباء الحسابات، ويمنحهم وقتاً أثمن للإنصات والتواصل مع المريض. فالآلة قد تقرأ ملايين البيانات في لحظة، لكن كلمة «لا تقلق... سنعالج الأمر» لا تزال حكراً على طبيب من لحم ودم.

التحديات: الأخلاق قبل التقنية

«المعضلة ليست في سرعة الخوارزميات، بل في أخلاقياتها. كيف نصون خصوصية المرضى؟ مَن يملك القرار الأخير؟ نحن بحاجة إلى قوانين صارمة، ورقابة، وحوار مفتوح بين العلماء والأطباء والمجتمع».

فالذكاء الاصطناعي قد يقرأ ملايين الصور الطبية في ثوانٍ، لكن الخطر الأكبر يكمن في مصير هذه البيانات: مَن يضمن ألا تتحول سجلات المرضى إلى سلعة في أسواق التقنية؟ ومن يحمي المريض إذا أخطأت الخوارزمية بينما أصرّت بثقة على أنها صائبة؟

إنّ الطب أقدس من أن يُترك للخوارزميات وحدها. فالتقنية بلا إطار أخلاقي قد تصبح سلاحاً ذا حدين: أداة للإنقاذ، أو وسيلة للتمييز والإقصاء. هنا تبرز الحاجة إلى تشريعات واضحة تحمي المريض أولاً، وتضع الطبيب في قلب القرار، ليظل هو المسؤول عن الحكم الأخير.

خاتمة: هل تقبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي طبيباً مشاركاً لك؟

يُنهي «الدكتور عليم» حديثه لا كآلة باردة، بل كصوت يسعى إلى تحسين حياة البشر. فالذكاء الاصطناعي ليس خصماً للطبيب، بل أداة قد تجعل التشخيص أدق، والعلاج أسرع، وحياة المريض أكثر أماناً.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام القارئ: هل ستثق يوماً بطبيب لا ينام ولا يشيخ؟ أم أنك لا تزال ترى أن الشفاء لا يكتمل إلا بلمسة إنسان؟

ولعلنا نستحضر هنا قول ابن سينا: «الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أولى خطوات الشفاء».

فالخوارزميات قد تمنحنا تشخيصاً سريعاً، لكن الاطمئنان واللمسة الإنسانية سيبقيان دوماً جوهر العلاقة بين الطبيب والمريض.

وكما قال الجاحظ: «العقل جوهر، والرحمة عرض، ولا يقوم الجوهر بغير العرض». فالعقل الرقمي قد يحلل ويدقق، لكنه يظل محتاجاً إلى الرحمة الإنسانية ليكتمل دوره في خدمة الإنسان.


مقالات ذات صلة

السعودية تحقق أعلى نمو عالمي في كفاءات الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا يؤكد تصدر السعودية لمراكز متقدمة عالمياً نجاح توجهات البلاد في بناء منظومة وطنية تنافسية (واس)

السعودية تحقق أعلى نمو عالمي في كفاءات الذكاء الاصطناعي

حققت السعودية، المرتبة الأولى عالمياً في الأمن والخصوصية والتشفير في الذكاء الاصطناعي وفقاً لـ«مؤشر ستانفورد 2026».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جناح «أرامكو الرقمية» في ملتقى الحكومة الرقمية (موقع الشركة الإلكتروني)

شراكة بين «أرامكو الرقمية» و«كومولوسيتي» لتقديم حلول الذكاء الصناعي في الخليج

أعلنت شركة «أرامكو الرقمية» السعودية توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع «كومولوسيتي» العالمية الرائدة في مجال الذكاء الصناعي للأشياء في القطاع الصناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد لافتة مقر بنك “جي بي مورغان تشيس آند كو” في نيويورك (رويترز)

أرباح «جي بي مورغان» تقفز 13 % في الربع الأول بدعم من التداول والصفقات

أعلن بنك «جي بي مورغان تشيس» يوم الثلاثاء، عن ارتفاع أرباحه في الربع الأول بنسبة 13 في المائة، مدعوماً بمكاسب قياسية في أنشطة التداول نتيجة تقلبات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص موظفو «مينزيز» في أحد المطارات (الشركة)

خاص رئيس «مينزيز» العالمية: قطاع خدمات الطيران يمتلك قدرة فائقة على التعافي من الصدمات

في خضم التوترات الجيوسياسية، يرى رئيس مجلس إدارة شركة «مينزيز» حسن الحوري، أن التداعيات الميدانية لحالات إغلاق المجال الجوي اختبار لقطاع يمتلك مرونة عالية.

زينب علي (الرياض)
علوم بين الشاشة والطبيب

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

النماذج التنبؤية تظل محدودة في قدرتها على تمثيل التعقيد الإنساني.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»


اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
TT

اختراق علمي: تحديد السبب الجيني لربع مرضى العصبون الحركي

العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير
العصبون الحركي هو مرض عصبي خطير

في تطور علمي بارز كشف باحثون دوليون عن دور أكبر مما كان يُعتقد سابقاً للعوامل الجينية في الإصابة بمرض العصبون الحركي، وهو مرض عصبي خطير يسبب ضعفاً تدريجياً في العضلات، ويؤدي في النهاية إلى الشلل.

وتُعد الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature Genetics» في 31 مارس (آذار) 2026 هي الأكبر من نوعها حتى الآن، حيث أظهرت أن سبباً جينياً يمكن تحديده لدى نحو واحد من كل أربعة مرضى. وهذه النسبة تمثل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى حالة واحدة فقط من كل خمسة.

تعاون دولي واسع

أُجريت الدراسة ضمن مشروع Project MinE، وهو تحالف بحثي عالمي يهدف إلى فهم الأساس الجيني لمرض العصبون الحركي. وشارك في قيادة هذا الجهد باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن King's College London وإشراف مشترك من كيفن كينا ويان فيلدينك من قسم علم الأعصاب الانتقالي مركز الدماغ المركز الطبي الجامعي جامعة أوتريخت الهولندية.

قام الفريق بتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» لأكثر من 18 ألف مريض، من بينهم نحو 2000 عينة من بنك الحمض النووي البريطاني الخاص بالمرض UK MND DNA Bank الذي يُدار بالتعاون مع مستشفى كينغز كوليدج التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.

مرض سريع التقدم

يُعد مرض العصبون الحركي المعروف اختصاراً بـMND motor neuron disease من الأمراض التنكسية التي تصيب الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في الحركة. ومع مرور الوقت يفقد المرضى القدرة على الحركة، والكلام، والتنفس، وغالباً ما يؤدي المرض إلى الوفاة خلال نحو عامين من التشخيص.

ورغم أن نحو 10 في المائه فقط من الحالات لديها تاريخ عائلي واضح، فإن النتائج الجديدة تشير إلى أن العوامل الجينية قد تكون أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد.

اكتشاف طفرات نادرة

ما يميز هذه الدراسة هو حجمها الكبير الذي أتاح للباحثين اكتشاف طفرات جينية نادرة لم تكن معروفة سابقاً. ففي حين ركزت الدراسات السابقة على الطفرات الشائعة، أو الموروثة داخل العائلات، سمح هذا التحليل الواسع برصد تغيرات جينية نادرة عبر مجموعة كبيرة من المرضى.

وتُظهر النتائج أن 25 في المائه من المرضى يحملون تغيرات جينية مرتبطة بالمرض، سواء كان لديهم تاريخ عائلي أم لا، ما يعزز فكرة أن الجينات تلعب دوراً محورياً في تطور الحالة.

تأثير مباشر على العلاج

ولا تقتصر أهمية هذه الاكتشافات على الفهم العلمي فقط، بل تمتد إلى الممارسة الطبية، إذ إن معرفة الطفرات الجينية لدى المريض يمكن أن تساعد الأطباء في تحديد مسار المرض، والتنبؤ بتطوره، بل وقد تؤثر في اختيار العلاج. كما أن بعض هذه الطفرات قد تكون موروثة، ما يجعلها ذات أهمية لأفراد العائلة، إذ يمكن أن تساعد الفحوصات الجينية في الكشف المبكر عن خطر الإصابة.

وفي هذا السياق قال أحد المشاركين في الدراسة الدكتور عمار الجلبي من قسم العلوم العصبية الأساسية والسريرية معهد موريس وول للعلوم العصبية السريرية في كينغز كوليدج إن هذه الدراسة توسّع بشكل كبير فهمنا لأسباب المرض، وتُظهر أن للعوامل الجينية دوراً مهماً لدى نحو ربع المرضى، بغض النظر عن وجود تاريخ عائلي. وهذا يعني أنه ينبغي عرض الفحص الجيني على جميع المرضى.

أمل لعلاجات موجهة

ولا يزال علاج مرض العصبون الحركي حتى الآن محدوداً للغاية. ومع ذلك شهد عام 2022 تطوراً مهماً مع ظهور دواء يستهدف طفرة محددة في جين يُعرف باسم SOD1، وهو ما يُعد أول علاج موجه لسبب جيني محدد للمرض. لكن هذا العلاج لا يفيد سوى نسبة صغيرة من المرضى تُقدّر بنحو 2 في المائه في المملكة المتحدة.

وقد تغيّر الاكتشافات الجديدة هذا الواقع، إذ توفر أهدافاً جينية جديدة يمكن تطوير علاجات موجهة لها في المستقبل على غرار ما حدث مع جين SOD1.

أهمية الفحص الجيني

تعكس هذه النتائج تحولاً متزايداً نحو الطب الشخصي، حيث يتم تصميم العلاج بناءً على الخصائص الجينية لكل مريض. ومع تقدم الأبحاث قد يصبح من الممكن في المستقبل تطوير علاجات تستهدف الطفرات الجينية المحددة لكل حالة، ما يزيد من فعالية العلاج، ويحسن جودة الحياة.

وتشير الدراسة إلى أن توسيع نطاق الفحوصات الجينية قد يكون خطوة ضرورية في إدارة المرض. فمع توفر معلومات أكثر دقة عن الأسباب الجينية يمكن تحسين التشخيص، وتقديم استشارات وراثية للعائلات، وربما الوقاية في بعض الحالات.

وفي ظل غياب علاج شافٍ حتى الآن، تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمرض العصبون الحركي. وبينما لا يزال الطريق طويلاً، فإن تحديد المزيد من الأسباب الجينية يفتح آفاقاً جديدة للأمل، لا للمرضى فحسب، بل أيضاً لعائلاتهم، وللعلماء الساعين إلى تحويل هذه الاكتشافات إلى علاجات تنقذ الأرواح.