جينات الأم والأب... كيف يغيِّر مصدرها مسار صحتك للأفضل أو للأسوأ؟

قد تحميك من مرض خطير وقد تزيد خطره... حسب مجيئها من الوالد أو من الوالدة

جينات الأم والأب... كيف يغيِّر مصدرها مسار صحتك للأفضل أو للأسوأ؟
TT

جينات الأم والأب... كيف يغيِّر مصدرها مسار صحتك للأفضل أو للأسوأ؟

جينات الأم والأب... كيف يغيِّر مصدرها مسار صحتك للأفضل أو للأسوأ؟

لم تعد الوراثة كما كنا نتصورها مجرَّد حروف من الحمض النووي (دي إن إيه) DNA تنتقل عشوائياً من جيل إلى آخر؛ بل اتضح أن جهة المصدر -أي هل الجين من الأم أم من الأب- قد تقلب المعادلة رأساً على عقب.

اكتشاف علمي حديث

في أحدث اكتشاف علمي، كشف باحثون أن بعض الجينات قد تحميك من مرض خطير إذا ورثتها من أحد والديك؛ لكنها قد تزيد الخطر نفسه إذا جاءت من الآخر، في ظاهرة قد تعيد رسم مستقبل الطب الشخصي.

واستخدم الفريق نموذجاً إحصائياً مبتكراً أتاح له تحديد ما لا يقل عن 30 تأثيراً مرتبطاً بمصدر الجين في 14 جيناً وذلك دون الحاجة إلى جمع عينات من الحمض النووي للأبوين. واللافت أن 19 من هذه التأثيرات كانت «ثنائية القطب»؛ أي أن الجين نفسه قد يسبب نتائج صحية مختلفة، أو حتى معاكسة؛ حسب مصدره.

وعلى سبيل المثال، وجد الباحثون أن أحد المتغيرات الجينية يزيد خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني بنسبة 14 في المائة إذا جاء من الأب؛ لكنه يقلل الخطر بنسبة 9 في المائة إذا جاء من الأم.

الوراثة ليست مجرد نسخ متطابقة

عادة ما يفترض العلماء أن تأثير أي جين يعتمد على عدد نسخه لدى الشخص، بغض النظر عن مصدره. ولكن الحقيقة أكثر تعقيداً؛ إذ إن بعض الجينات تتصرف بشكل مختلف إذا جاءت من الأم أو من الأب. وهذه الظاهرة تُعرف علمياً باسم تأثيرات أصل الوالد Parent-of-Origin Effects (POEs).

وفي بعض الحالات يرجع ذلك لما تُسمى «الطباعة الجينية» (Genomic Imprinting)، وهي عملية يتم فيها إيقاف عمل نسخة الجين القادمة من أحد الوالدين، بينما تبقى النسخة الأخرى فعَّالة. ويُعتقد أن هذه الظاهرة قد تكون جزءاً من «صراع تطوري» بين الجينات الأمومية والأبوية، حول كمية الموارد التي يحصل عليها الجنين، ما ينعكس لاحقاً على صحته ونموه.

تجاوز عقبة نقص بيانات الأبوين

إحدى أكبر العقبات أمام دراسة هذه الظاهرة كانت غياب بيانات الحمض النووي من الأبوين في معظم قواعد البيانات الجينية، ما جعل البحث على نطاق واسع أمراً صعباً.

لكن الفريق البحثي بقيادة روبن هوفمايستر من جامعة لوزان في سويسرا، بالتعاون مع باحثين آخرين، ابتكر طريقة ذكية لتجاوز هذه العقبة في الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 6 أغسطس (آب) 2025، باستخدام بيانات «البنك الحيوي البريطاني» الذي يضم سجلات وراثية وصحية لمئات الآلاف من الأشخاص، تمكنوا من تحديد مصدر الجين (أم أو أب) بدقة تصل إلى 98 في المائة، عبر تحليل أنماط الوراثة بين الإخوة، وفحص الحمض النووي الميتوكوندري (الموروث من الأم فقط) ومعلومات الكروموسوم إكس (X).

وبهذه الطريقة، حدد العلماء أصل الوالدين للبيانات الجينية لما يقرب من 287 ألف شخص، وركزوا دراستهم المتعمقة على أكثر من 109 آلاف مشارك بريطاني من أصول أوروبية.

نتائج مثيرة وغير متوقعة

عند فحص 59 سمة صحية معقدة، مثل مستويات الكوليسترول والطول وخطر الإصابة بالسكري، إضافة إلى أكثر من 14 ألف بروتين في الدم، اكتشف الباحثون 34 تأثيراً واضحاً لأصل الوالدين.

وكان هناك 19 تأثيراً ثنائي القطب من بين هذه التأثيرات؛ حيث يختلف تأثير المتغير الجيني نفسه بشكل معاكس تبعاً لمصدره.

وعلى سبيل المثال، وُجد أن متغيراً معيناً بالقرب من الجينين KLF14 وMEST يخفض مستويات الدهون الثلاثية إذا جاء من الأم؛ لكنه يرفعها إذا جاء من الأب.

وفي مثال آخر متغير في جين TERC الذي يساعد في الحفاظ على أطراف الكروموسومات (التيلوميرات) يؤدي إلى تقصير التيلوميرات أكثر إذا جاء من الأب مقارنة بالأم. وتقصر التيلوميرات عادة مع التقدم في العمر، وقد يرتبط ذلك بأمراض مزمنة وأمراض الشيخوخة.

كما وجد الباحثون متغيرات مرتبطة بزيادة أو تقليل خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، مثل منطقة الجين H19/IGF2؛ حيث يزيد المتغير الموروث من الأب خطر الإصابة بنسبة 25 في المائة، بينما يُظهر المتغير نفسه من الأم تأثيراً وقائياً.

من الطفولة إلى البلوغ

المثير أن بعض هذه التأثيرات تبدأ منذ مرحلة الطفولة وتستمر حتى البلوغ. فمثلاً هناك متغيرات تؤثر على طول الشخص منذ سنوات النمو الأولى، وأخرى تؤثر على مؤشر كتلة الجسم بشكل متعاكس؛ إذ يزداد المؤشر في الطفولة إذا جاء المتغير من الأم؛ لكنه ينخفض في البلوغ.

كما رُصدت تأثيرات على بروتينات في الدم، بعضها كان معروفاً من قبل، مثل: DLK1 وCPA4، وبعضها الآخر يُكتشف لأول مرة مثل: PER3 وADAM23، وهو ما قد يكشف آليات بيولوجية جديدة لم تكن معروفة.

تأكيد النتائج خارج بريطانيا

لتأكيد دقة النتائج، طبَّق الباحثون الأسلوب نفسه على بيانات «البنك الحيوي الإستوني» الذي يضم أكثر من 85 ألف شخص، ونجحوا في تكرار 87 في المائة من النتائج، ما يثبت أن الظاهرة لا ترتبط بمجتمع معين؛ بل هي جزء من علم الوراثة البشري عموماً.

أهمية هذا الاكتشاف

تُعد هذه الدراسة -حتى الآن- أكبر خريطة علمية لتأثيرات الجينات الأمومية والأبوية على صحتنا، وتؤكد أن هذه الظواهر ليست نادرة؛ بل شائعة.

والأمر لا يقتصر على المعرفة الأكاديمية؛ بل قد يكون له أثر مباشر في تطوير الطب الشخصي (Personalized Medicine)؛ حيث يمكن أن يساعد معرفة مصدر الجين في تحسين التنبؤ بالمخاطر الصحية ووضع استراتيجيات علاجية أدق.

ورغم أن هذه الطريقة لا تستطيع دائماً التمييز بين تأثير الطباعة الجينية والعوامل البيئية المرتبطة بالوالد، فإن دقتها العالية تفتح الباب أمام بحوث أوسع عالمياً.

ويختتم مؤلفو الدراسة قولهم بأن تأثيرات أصل الوالدين تمثل بُعداً مهماً لم يكن يُقدَّر حق قدره في علم الوراثة. ومع هذه التقنيات أصبح بإمكاننا أن نقترب أكثر من فهم كيف تشكِّلنا جيناتنا؛ ليس من أي والد أتت فقط؛ بل كيف تتفاعل طوال حياتنا.


مقالات ذات صلة

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

علوم اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

اختراق علمي مزدوج يكشف عن كيف تبدأ الحياة… ومتى تتوقف

نموذج حاسوبي يتتبع جزيئات خلية بسيطة وبروتين واحد يتحكم بساعة الشيخوخة.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

أطلس جديد يكشف كيف يتغير الدماغ مع التقدم في العمر

بدراسة أكثر من 200 ألف خلية دماغية منفردة و900 ألف خلية أخرى

د. وفا جاسم الرجب
علوم مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة

اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

«متلازمة إهلرز – دانلوس مفرطة الحركة» تؤدي إلى مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

الإصابة بقصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي قد تؤدي إلى الحماية من سرطان الجلد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

اختراق علمي: «جين أناني» يتحكم في جنس الأجنة

علماء الوراثة يعتقدون مسؤوليته عن ظاهرة زيادة المواليد الذكور لدى عائلة أميركية

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.