المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

رغم المخاوف من الخصوصية والتحيُّز وتراجع التفكير النقدي للتلاميذ

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية
TT

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

يُقرّ نحو 60 في المائة من معلمي رياض الأطفال والمدارس الثانوية باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخطيط الدروس، والتواصل مع أولياء الأمور، والمساعدة في وضع الدرجات، كما كتب مايكل ج. كوزاك*.

صدمة تعليمية

أحدثت منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي صدمة واسعة في قطاع التعليم، برياض الأطفال والمدارس الثانوية، منذ إطلاق «تشات جي بي تي» (ChatGPT) للجمهور قبل ما يقرب من 3 سنوات.

ويزداد الإيمان بضرورة إتقان الطلاب والمعلمين هذه الأدوات الفعّالة، على الرغم من استمرار كثير من المخاوف بشأن المساواة والخصوصية والتحيز، وتراجع التفكير النقدي لدى الطلاب.

نقلة نوعية في ممارسات التعليم

بصفتي أستاذاً يُدرّس معلمي المستقبل، وعضواً في مجموعة عمل تُركّز على الذكاء الاصطناعي، فقد لاحظتُ قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث نقلة نوعية في ممارسات التدريس والتعلم في مدارس رياض الأطفال والمدارس الثانوية.

من الحفظ والتلقين إلى الإبداع

أما الاتجاهات التي ألاحظها -والتي أشجعها- فهي أن يستخدم معلمو رياض الأطفال والمدارس الثانوية الذكاء الاصطناعي للتحول من الحفظ والتلقين إلى التركيز على التفكير النقدي والإبداع.

بعد الإصدار العام لتطبيق «ChatGPT» أواخر عام 2022، حظرت بعض المناطق التعليمية الكبرى استخدام الذكاء الاصطناعي في البداية بسبب مخاوف من الغش. كما عكست الاستطلاعات مخاوف بشأن قيام روبوتات الدردشة بتزوير المعلومات، مثل المراجع في الأوراق المدرسية، بالإضافة إلى مخاوف بشأن المعلومات المضللة والتحيزات الموجودة في ردود الذكاء الاصطناعي على الأسئلة.

ميل الطلاب لاستخدام الأدوات الذكية

من ناحية أخرى، مال الطلاب إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بكثافة. نشرت منظمة «Common Sense Media» التي تقدم توصيات بشأن استخدام الأطفال لوسائل الإعلام، تقريراً في عام 2024، يُظهر أن الطلاب يستخدمون البحث وروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأداء واجباتهم المدرسية وللتخلص من الملل، بالإضافة إلى أسباب شخصية أخرى، بما في ذلك «إنشاء محتوى على سبيل المزاح، والتخطيط للأنشطة، وطلب المشورة الصحية».

ولم يكن معظم المعلمين وأولياء أمور الطلاب المشاركين في الدراسة على دراية باستخدام الطلاب لهذه التقنية.

وخلال عملي في جامعة دريكسل؛ حيث كنتُ أُدرّس طلاب الدراسات العليا الطامحين لمنصب مدير أو مشرف مدرسة، وجدتُ أنه في عام 2023، كان طلاب الصفوف من الروضة حتى الصف الثاني عشر يخشون استخدام الذكاء الاصطناعي بسبب السياسات المُطبّقة في مناطقهم التي تحظره. ومع ذلك، سرعان ما اتضح أن الطلاب كانوا قادرين على إخفاء استخدامهم للذكاء الاصطناعي من طريق توجيهه لإدراج بعض الأخطاء في واجباتهم.

تخطيط الدروس وتقييم التلاميذ

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من مخاوف المدرسين الأولية بشأن الذكاء الاصطناعي، فإن نحو 60 في المائة من معلمي الصفوف من الروضة حتى الصف الثاني عشر يُقرّون الآن باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخطيط الدروس والتواصل مع أولياء الأمور والمساعدة في التقييم. ولا تزال المخاوف بشأن غش الطلاب قائمة، ولكن المدرسين الذين يعانون من ضيق الوقت يجدون أن استخدام الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يوفر لهم الوقت ويُحسّن من تدريسهم.

توفير الوقت

وكشفت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة «والتون وغالوب» أن المدرسين الذين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي أسبوعياً وفروا ما معدله 5.9 ساعة أسبوعياً، أعادوا تخصيصها «لتقديم ملاحظات أكثر دقة للطلاب، وإنشاء دروس مُخصصة، وكتابة رسائل البريد الإلكتروني، والعودة إلى منازلهم وعائلاتهم في وقت أكثر ملاءمة».

فتح آفاق جديدة للتدريس

أوصي طلابي في الدراسات العليا باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لأنني أعتقد أن تجاهل الاتجاهات الناشئة في التعليم ليس بالأمر الحكيم. وأعتقد أن الفوائد تفوق السلبيات إذا ما تعلَّم الطلاب الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا ووُضعت ضوابط، مثل اشتراط الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي بوصفه مصدراً إذا استخدمه الطلاب في المقررات الدراسية.

يقول المؤيدون لهذا التوجه، إن الذكاء الاصطناعي يُغيّر التدريس نحو الأفضل؛ لأنه يُجبر المدرسين على تحديد طرق إضافية للطلاب لإظهار فهمهم للمحتوى. وتشمل بعض الاستراتيجيات للطلاب الذين يعتمدون بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي: العروض الشفهية، والتعلم القائم على المشاريع، وبناء ملفات لأفضل أعمال الطالب.

أدلة تطوير وابتكار

يمكن أن تتضمن إحدى الممارسات عرض الطلاب أدلة على شيء ابتكروه أو نفّذوه أو طوّروه لمواجهة تحدٍّ ما. كذلك يمكن أن تشمل بناء جسر صغير لتوضيح كيفية تأثير القوى على الهياكل، أو صوراً، أو فيديو لطلاب يستخدمون جهاز أخذ عينات من المياه للتحقق من التلوث، أو طلاباً يصممون ويزرعون حديقة مجتمعية. قد يُنتج الذكاء الاصطناعي الخطوات اللازمة لبناء المشروع، ولكن سيتعين على الطلاب القيام بالعمل بأنفسهم.

يمكن للمدرسين أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء دروس مُصممة خصيصاً لاهتمامات الطلاب، وترجمة النصوص بسرعة إلى لغات متعددة، والتعرف على الكلام للطلاب الذين يعانون من صعوبات سمعية. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كمعلم لتخصيص التدريس، وتقديم ملاحظات فورية، وتحديد فجوات تعلم الطلاب.

عندما كنتُ مشرفاً مدرسياً، كنتُ أسأل المتقدمين لوظائف التدريس دائماً عن كيفية ربط دروسهم الصفَّية بالواقع. واجه معظمهم صعوبة في تقديم أمثلة ملموسة. من ناحية أخرى، وجدتُ أن الذكاء الاصطناعي مفيد في هذا الصدد؛ إذ يُقدم إجابات على سؤال الطلاب الدائم حول سبب حاجتهم إلى تعلم ما يُدرّس.

شريك فكري لتطوير المهارات

يستخدم المدرسون في مدارس الروضة وحتى الصف الثاني عشر الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب على تطوير مهارات التعاطف لديهم. ومن الأمثلة على ذلك حثّ الذكاء الاصطناعي على «إعادة تصميم تجربة اليوم الدراسي الأول لطالب منقول إلى مدرسة إعدادية جديدة». وقد أنشأ الذكاء الاصطناعي خطوات العمل والأسئلة الأساسية اللازمة لصقل الحلول الأولية للطلاب.

في صفي، استخدمتُ الذكاء الاصطناعي لتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى طلاب الدراسات العليا. جعلتُ طلابي يتخيلون أنهم رؤساء جامعات يواجهون فقدان التمويل الحكومي الأساسي، ما لم يطبقوا سياسات تحدّ من النقد العلني للوكالات الحكومية الفيدرالية في الحرم الجامعي. وهذا التقييد المقترح الذي صُمم كمتطلب للحفاظ على «الحياد المؤسسي»، يتطلب من الطلاب وضع خطة عمل تستند إلى معرفتهم بالأنظمة والتفكير التصميمي. بعد أن يطور كل فريق حله، استخدمتُ الذكاء الاصطناعي لصياغة أسئلة ونقاط مقابلة لحلهم المقترح. بهذه الطريقة، يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً فكرياً نقدياً لاستكشاف النتائج المقصودة وغير المقصودة، والثغرات في تفكير الطلاب، والحلول المحتملة التي ربما تم تجاهلها.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

يشجع إيثان موليك، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي، المعلمين على استخدام الذكاء الاصطناعي كنقطة انطلاق، على غرار ارتجال موسيقيي الجاز، كوسيلة لإطلاق العنان لإمكانات جديدة. وينصح موليك الناس بالشراكة مع الذكاء الاصطناعي كذكاء مشترك، وأن يكونوا جزءاً من العملية، وأن يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي كزميل عمل، وإن كان يحتاج إلى حثّ للحصول على أدلة، وأن يتعلموا كيفية استخدامه بشكل جيد. وأنا أتفق معه في هذا الرأي.

تغير وجهات النظر حول الذكاء الاصطناعي

أثارت بعض الدراسات المبكرة حول آثار استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم مخاوف من أن سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ستؤثر سلباً على تعلم الطلاب، وتضعف مهارات التفكير النقدي لديهم.

أعتقد أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات، ولكنني وجدت في عملي الخاص وفي عمل طلابي في الدراسات العليا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز العمل البشري. على سبيل المثال: تستخدم الأدوات المسماة «مساعدو التدريس المدعومون بالذكاء الاصطناعي»، مثل «خاناميغو» (Khanmigo) أو «بيغيتو بوتس» (Beghetto Bots)، الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب على حل المشكلات والتوصل إلى حلول مبتكرة دون الكشف عن الإجابات.

تُظهر لي تجاربي مع مُدرسين آخرين في الخطوط الأمامية أنهم بدأوا في تغيير نظرتهم تجاه استخدام الطلاب الذكاء الاصطناعي، ولا سيما مع إدراك المُدرسين لفائدة الذكاء الاصطناعي في عملهم. على سبيل المثال: قال أحد طلابي في الدراسات العليا، إن منطقته تُوظّف لجنة من المُعلّمين والطلاب وخبراء خارجيين لاستكشاف كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي، وبطريقة لا تُضعف مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب.

وأخيراً بدأ المُدرسون يُدركون أن الذكاء الاصطناعي لن يختفي في أي وقت قريب، وأن من الأفضل تعليم طلابهم كيفية استخدامه، بدلاً من تركهم وشأنهم.

* أستاذ مُشارك في الإدارة والقيادة التربوية بجامعة دريكسل. مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «إس كيه هاينكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

استثمار ملياريّ لـ«إس كيه هاينكس» لتعزيز ريادتها في رقائق الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، يوم الأربعاء، أنها تخطط لاستثمار 19 تريليون وون (12.85 مليار دولار) في إنشاء مصنع جديد بكوريا الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.