المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

رغم المخاوف من الخصوصية والتحيُّز وتراجع التفكير النقدي للتلاميذ

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية
TT

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

المعلمون يستعدُّون لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية

يُقرّ نحو 60 في المائة من معلمي رياض الأطفال والمدارس الثانوية باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخطيط الدروس، والتواصل مع أولياء الأمور، والمساعدة في وضع الدرجات، كما كتب مايكل ج. كوزاك*.

صدمة تعليمية

أحدثت منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي صدمة واسعة في قطاع التعليم، برياض الأطفال والمدارس الثانوية، منذ إطلاق «تشات جي بي تي» (ChatGPT) للجمهور قبل ما يقرب من 3 سنوات.

ويزداد الإيمان بضرورة إتقان الطلاب والمعلمين هذه الأدوات الفعّالة، على الرغم من استمرار كثير من المخاوف بشأن المساواة والخصوصية والتحيز، وتراجع التفكير النقدي لدى الطلاب.

نقلة نوعية في ممارسات التعليم

بصفتي أستاذاً يُدرّس معلمي المستقبل، وعضواً في مجموعة عمل تُركّز على الذكاء الاصطناعي، فقد لاحظتُ قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث نقلة نوعية في ممارسات التدريس والتعلم في مدارس رياض الأطفال والمدارس الثانوية.

من الحفظ والتلقين إلى الإبداع

أما الاتجاهات التي ألاحظها -والتي أشجعها- فهي أن يستخدم معلمو رياض الأطفال والمدارس الثانوية الذكاء الاصطناعي للتحول من الحفظ والتلقين إلى التركيز على التفكير النقدي والإبداع.

بعد الإصدار العام لتطبيق «ChatGPT» أواخر عام 2022، حظرت بعض المناطق التعليمية الكبرى استخدام الذكاء الاصطناعي في البداية بسبب مخاوف من الغش. كما عكست الاستطلاعات مخاوف بشأن قيام روبوتات الدردشة بتزوير المعلومات، مثل المراجع في الأوراق المدرسية، بالإضافة إلى مخاوف بشأن المعلومات المضللة والتحيزات الموجودة في ردود الذكاء الاصطناعي على الأسئلة.

ميل الطلاب لاستخدام الأدوات الذكية

من ناحية أخرى، مال الطلاب إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بكثافة. نشرت منظمة «Common Sense Media» التي تقدم توصيات بشأن استخدام الأطفال لوسائل الإعلام، تقريراً في عام 2024، يُظهر أن الطلاب يستخدمون البحث وروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأداء واجباتهم المدرسية وللتخلص من الملل، بالإضافة إلى أسباب شخصية أخرى، بما في ذلك «إنشاء محتوى على سبيل المزاح، والتخطيط للأنشطة، وطلب المشورة الصحية».

ولم يكن معظم المعلمين وأولياء أمور الطلاب المشاركين في الدراسة على دراية باستخدام الطلاب لهذه التقنية.

وخلال عملي في جامعة دريكسل؛ حيث كنتُ أُدرّس طلاب الدراسات العليا الطامحين لمنصب مدير أو مشرف مدرسة، وجدتُ أنه في عام 2023، كان طلاب الصفوف من الروضة حتى الصف الثاني عشر يخشون استخدام الذكاء الاصطناعي بسبب السياسات المُطبّقة في مناطقهم التي تحظره. ومع ذلك، سرعان ما اتضح أن الطلاب كانوا قادرين على إخفاء استخدامهم للذكاء الاصطناعي من طريق توجيهه لإدراج بعض الأخطاء في واجباتهم.

تخطيط الدروس وتقييم التلاميذ

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من مخاوف المدرسين الأولية بشأن الذكاء الاصطناعي، فإن نحو 60 في المائة من معلمي الصفوف من الروضة حتى الصف الثاني عشر يُقرّون الآن باستخدام الذكاء الاصطناعي لتخطيط الدروس والتواصل مع أولياء الأمور والمساعدة في التقييم. ولا تزال المخاوف بشأن غش الطلاب قائمة، ولكن المدرسين الذين يعانون من ضيق الوقت يجدون أن استخدام الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يوفر لهم الوقت ويُحسّن من تدريسهم.

توفير الوقت

وكشفت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة «والتون وغالوب» أن المدرسين الذين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي أسبوعياً وفروا ما معدله 5.9 ساعة أسبوعياً، أعادوا تخصيصها «لتقديم ملاحظات أكثر دقة للطلاب، وإنشاء دروس مُخصصة، وكتابة رسائل البريد الإلكتروني، والعودة إلى منازلهم وعائلاتهم في وقت أكثر ملاءمة».

فتح آفاق جديدة للتدريس

أوصي طلابي في الدراسات العليا باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ لأنني أعتقد أن تجاهل الاتجاهات الناشئة في التعليم ليس بالأمر الحكيم. وأعتقد أن الفوائد تفوق السلبيات إذا ما تعلَّم الطلاب الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا ووُضعت ضوابط، مثل اشتراط الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي بوصفه مصدراً إذا استخدمه الطلاب في المقررات الدراسية.

يقول المؤيدون لهذا التوجه، إن الذكاء الاصطناعي يُغيّر التدريس نحو الأفضل؛ لأنه يُجبر المدرسين على تحديد طرق إضافية للطلاب لإظهار فهمهم للمحتوى. وتشمل بعض الاستراتيجيات للطلاب الذين يعتمدون بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي: العروض الشفهية، والتعلم القائم على المشاريع، وبناء ملفات لأفضل أعمال الطالب.

أدلة تطوير وابتكار

يمكن أن تتضمن إحدى الممارسات عرض الطلاب أدلة على شيء ابتكروه أو نفّذوه أو طوّروه لمواجهة تحدٍّ ما. كذلك يمكن أن تشمل بناء جسر صغير لتوضيح كيفية تأثير القوى على الهياكل، أو صوراً، أو فيديو لطلاب يستخدمون جهاز أخذ عينات من المياه للتحقق من التلوث، أو طلاباً يصممون ويزرعون حديقة مجتمعية. قد يُنتج الذكاء الاصطناعي الخطوات اللازمة لبناء المشروع، ولكن سيتعين على الطلاب القيام بالعمل بأنفسهم.

يمكن للمدرسين أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء دروس مُصممة خصيصاً لاهتمامات الطلاب، وترجمة النصوص بسرعة إلى لغات متعددة، والتعرف على الكلام للطلاب الذين يعانون من صعوبات سمعية. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كمعلم لتخصيص التدريس، وتقديم ملاحظات فورية، وتحديد فجوات تعلم الطلاب.

عندما كنتُ مشرفاً مدرسياً، كنتُ أسأل المتقدمين لوظائف التدريس دائماً عن كيفية ربط دروسهم الصفَّية بالواقع. واجه معظمهم صعوبة في تقديم أمثلة ملموسة. من ناحية أخرى، وجدتُ أن الذكاء الاصطناعي مفيد في هذا الصدد؛ إذ يُقدم إجابات على سؤال الطلاب الدائم حول سبب حاجتهم إلى تعلم ما يُدرّس.

شريك فكري لتطوير المهارات

يستخدم المدرسون في مدارس الروضة وحتى الصف الثاني عشر الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب على تطوير مهارات التعاطف لديهم. ومن الأمثلة على ذلك حثّ الذكاء الاصطناعي على «إعادة تصميم تجربة اليوم الدراسي الأول لطالب منقول إلى مدرسة إعدادية جديدة». وقد أنشأ الذكاء الاصطناعي خطوات العمل والأسئلة الأساسية اللازمة لصقل الحلول الأولية للطلاب.

في صفي، استخدمتُ الذكاء الاصطناعي لتعزيز مهارات التفكير النقدي لدى طلاب الدراسات العليا. جعلتُ طلابي يتخيلون أنهم رؤساء جامعات يواجهون فقدان التمويل الحكومي الأساسي، ما لم يطبقوا سياسات تحدّ من النقد العلني للوكالات الحكومية الفيدرالية في الحرم الجامعي. وهذا التقييد المقترح الذي صُمم كمتطلب للحفاظ على «الحياد المؤسسي»، يتطلب من الطلاب وضع خطة عمل تستند إلى معرفتهم بالأنظمة والتفكير التصميمي. بعد أن يطور كل فريق حله، استخدمتُ الذكاء الاصطناعي لصياغة أسئلة ونقاط مقابلة لحلهم المقترح. بهذه الطريقة، يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً فكرياً نقدياً لاستكشاف النتائج المقصودة وغير المقصودة، والثغرات في تفكير الطلاب، والحلول المحتملة التي ربما تم تجاهلها.

الذكاء الاصطناعي نقطة انطلاق

يشجع إيثان موليك، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي، المعلمين على استخدام الذكاء الاصطناعي كنقطة انطلاق، على غرار ارتجال موسيقيي الجاز، كوسيلة لإطلاق العنان لإمكانات جديدة. وينصح موليك الناس بالشراكة مع الذكاء الاصطناعي كذكاء مشترك، وأن يكونوا جزءاً من العملية، وأن يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي كزميل عمل، وإن كان يحتاج إلى حثّ للحصول على أدلة، وأن يتعلموا كيفية استخدامه بشكل جيد. وأنا أتفق معه في هذا الرأي.

تغير وجهات النظر حول الذكاء الاصطناعي

أثارت بعض الدراسات المبكرة حول آثار استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم مخاوف من أن سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ستؤثر سلباً على تعلم الطلاب، وتضعف مهارات التفكير النقدي لديهم.

أعتقد أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات، ولكنني وجدت في عملي الخاص وفي عمل طلابي في الدراسات العليا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز العمل البشري. على سبيل المثال: تستخدم الأدوات المسماة «مساعدو التدريس المدعومون بالذكاء الاصطناعي»، مثل «خاناميغو» (Khanmigo) أو «بيغيتو بوتس» (Beghetto Bots)، الذكاء الاصطناعي لمساعدة الطلاب على حل المشكلات والتوصل إلى حلول مبتكرة دون الكشف عن الإجابات.

تُظهر لي تجاربي مع مُدرسين آخرين في الخطوط الأمامية أنهم بدأوا في تغيير نظرتهم تجاه استخدام الطلاب الذكاء الاصطناعي، ولا سيما مع إدراك المُدرسين لفائدة الذكاء الاصطناعي في عملهم. على سبيل المثال: قال أحد طلابي في الدراسات العليا، إن منطقته تُوظّف لجنة من المُعلّمين والطلاب وخبراء خارجيين لاستكشاف كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي، وبطريقة لا تُضعف مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب.

وأخيراً بدأ المُدرسون يُدركون أن الذكاء الاصطناعي لن يختفي في أي وقت قريب، وأن من الأفضل تعليم طلابهم كيفية استخدامه، بدلاً من تركهم وشأنهم.

* أستاذ مُشارك في الإدارة والقيادة التربوية بجامعة دريكسل. مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

رئيس «دافوس»: الخليج مؤهّل لدور رئيسي في منظومة الذكاء الاصطناعي

خاص رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده لدى حضوره إحدى جلسات «منتدى دافوس الصيفي» في مدينة تيانجين الصينية يونيو 2025 (أ.ف.ب)

رئيس «دافوس»: الخليج مؤهّل لدور رئيسي في منظومة الذكاء الاصطناعي

قال رئيس «دافوس» لـ«الشرق الأوسط» إن العالم يمُرّ بلحظة مفصلية في تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول، مشدداً على ضرورة إرساء أطر أخلاقية وتنظيمية.

نجلاء حبريري (دافوس)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي بمقره الرئيسي في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي يرفع توقعات النمو العالمي لعام 2026 إلى 3.3 %

رفع صندوق النقد الدولي مجدداً توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي لعام 2026، يوم الاثنين، في الوقت الذي تتكيف فيه الشركات والاقتصادات مع التعريفات الجمركية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تعرض شاشة البيانات المالية أداء مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

مستويات قياسية للأسهم الكورية بدعم من طفرة السيارات والذكاء الاصطناعي

سجلت الأسهم الكورية الجنوبية مستويات قياسية جديدة، خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بارتفاع قوي في أسهم شركات صناعة السيارات.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شعار المنتدى الاقتصادي العالمي في مكان انعقاده بدافوس السويسرية (رويترز)

السعودية في دافوس... مشاركة مرتقبة في نقاشات الاقتصاد العالمي والتحولات الجيوسياسية

يستعد الوفد السعودي للمشاركة في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 من خلال حضور واسع في عدد من الجلسات الحوارية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
الاقتصاد خطوط نقل طاقة تمر عبر محطة فرعية على طول شبكة الكهرباء في ميامي (أ.ف.ب)

خطة ترمب لمواجهة أزمة الطاقة: شركات الذكاء الاصطناعي «ستدفع الثمن»

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة استراتيجية تُلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بتحمل تكاليف بناء محطات طاقة جديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.