دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً

743 منطقة جينية ترتبط بها... منها 86 لم يتم تحديدها من قبل

دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً
TT

دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً

دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً

السمنة التي طالما اعتُبرت حالة صحية واحدة... قد توجد في الواقع بأشكال بيولوجية متعددة ومتميزة وفقاً لدراسة رائدة أجراها باحثون في معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد.

فهم البيولوجيا الكامنة وراء حجم الجسم

وتشير دراستهم إلى أن فهم البيولوجيا الكامنة وراء السمنة وليس فقط حجم الجسم يمكن أن يغير طريقة تشخيصها وعلاجها وحتى الوقاية منها.

وقال الدكتور عقل فهد Akl Fahed الباحث في طب القلب والأوعية الدموية بمستشفى ماساتشوستس العام الولايات المتحدة والباحث الرئيسي في الدراسة على موقع ما قبل النشر medRxiv في 2 يوليو (تموز) 2025 إن الأمر لا يتعلق فقط بمؤشر كتلة الجسم أو مظهر الجسم، بل يتعلق أكثر بالبيولوجيا الكامنة وراءه وكيفية ارتباطها بعوامل الخطر.

أكثر من مجرد رقم

وعادةً ما يتم تشخيص السمنة باستخدام مؤشر كتلة الجسم (BMI)، وهو حساب بسيط يعتمد على الوزن والطول. وعلى الرغم من فائدة مؤشر كتلة الجسم في الدراسات على مستوى السكان فإنه لا يعطي الصورة الكاملة. فبعض الأشخاص الذين لديهم مؤشر كتلة جسم مرتفع يتمتعون بصحة جيدة نسبياً، بينما يعاني آخرون من أمراض مثل السكري وأمراض القلب أو صعوبات في التنفس.

واستجابةً لذلك اقترح بعض الخبراء تصنيف السمنة إلى شكلين «سريري» و«ما قبل السريري» بناءً على وجود الأعراض من عدمه. لكن الباحث فهد وفريقه يعتقدون أن هذه المقاربة تبسط الصورة المعقدة للغاية.

تحديد الجينات المسؤولة عن السمنة

ولاستكشاف هذه التعقيدات أجرى الفريق واحدة من أكبر الدراسات الجينية حول السمنة على الإطلاق، إذ قاموا بتحليل جينومات أكثر من مليوني شخص من أصول مختلفة بحثاً عن الصلات بين الجينات وقياسات مثل مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر ونسبة الخصر إلى الورك.

وكشفت الدراسة عن 743 منطقة جينية مرتبطة بالسمنة 86 منها لم يتم تحديدها من قبل. بعد ذلك فحص الفريق كيف أثرت هذه الاختلافات الجينية على الأنسجة والعمليات البيولوجية المختلفة مثل إنتاج الأنسولين والاستجابة المناعية.

وبناء على النتائج التي حصلوا عليها تم تصنيف احد عشر «نمطاً داخلياً» متميزاً للسمنة يمثل كل منها مساراً أو آلية بيولوجية فريدة وراء الوزن الزائد.

الأنماط النهائية الأحد عشر للسمنة

ووجد الباحثون أنماطاً نهائية تشمل:

* السمنة غير الصحية من الناحية الأيضية.

* السمنة الصحية من الناحية الأيضية.

* 6 أنواع مرتبطة بإنتاج الإنسولين.

* الأنماط النهائية المرتبطة بخلل في الجهاز المناعي.

* التحكم الهرموني في الشهية والوزن.

* اضطرابات في استقلاب الدهون.

أنماط جينيية متعددة لدى الأفراد

وحيث إن هذه الفئات لا تستبعد بعضها بعضاً، فانه يمكن أن يكون لدى الشخص عدة أنماط نهائية تؤثر على حالته بدرجات متفاوتة.

وأوضح عضو الفريق مين سيو كيم الباحث ما بعد الدكتوراه في معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن هذه ليست «أنواع» من السمنة بالمعنى التقليدي. بل من الأفضل اعتبارها آليات أساسية يمكن أن تتعايش داخل نفس الفرد.

وأكد الفريق صحة هذه النتائج باستخدام مجموعة بيانات مستقلة تضم أكثر من 48 ألف شخص من بنك الحيوانات الحيوية التابع لمستشفى ماساتشوستس العام بريغهام Mass General Brigham Biobank

نحو رعاية شخصية لمرضى السمنة

وتعد آثار هذه الدراسة واسعة النطاق، ففهم الأنماط الجينية التي يمتلكها الشخص يمكن أن يتيح علاجات أكثر تخصيصاً تماماً مثلما يتم الآن علاج السرطان بناءً على الملامح الجينية والجزيئية.

وعلق الدكتور فرانك غرينواي المدير الطبي والأستاذ في مركز بينينغتون للأبحاث الطبية الحيوية من جامعة لويزيانا الحكومية في الولايات المتحدة الذي لم يشارك في الدراسة: «نحن نعلم بالفعل أن بعض الأشخاص المصابين بالسمنة لا يستجيبون لأدوية مثل أوزيمبيك Ozempic أو ويغوفي Wegovy وهذا يشير إلى أن هذه الأدوية قد لا تستهدف العوامل البيولوجية المحددة التي تسبب السمنة لدى هؤلاء الأفراد».

علاجات مستهدفة

وكررت الدكتورة لورا غراي من كلية الطب وصحة السكان جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة هذا الرأي قائلة من خلال الاعتراف بوجود أنواع مختلفة من السمنة يمكننا استهداف العلاجات والتدخلات الوقائية بشكل أفضل.

ونظراً لأن ستة من الأنماط الأحد عشر تتعلق بوظيفة الإنسولين، فهناك احتمال أن تساعد بعض العلاجات في علاج أشكال متعددة. لكن استراتيجيات العلاج المستقبلية قد تركز أيضاً على المسارات المناعية أو الهرمونية اعتماداً على الملامح المحددة لكل فرد.

فصل جديد في أبحاث السمنة

قد تؤدي هذه النتائج أيضاً إلى تغيير طريقة تفسير الباحثين للدراسات السابقة والمستقبلية. أما تقليدياً فكان يتم التعامل مع السمنة على أنها مرض واحد عند دراسة التفاعل بين الجينات ونمط الحياة. لكن هذا الفهم الجديد قد يتطلب إعادة تحليل البيانات الحالية واتباع نُهج محسنة في المستقبل.

وقالت لورا غراي: «من المحتمل أن تظهر أنماط داخلية أكثر مع جمع المزيد من البيانات الجينية الأحد عشر التي وجدناها حتى الآن هي مجرد البداية»، ومع ذلك يحث بعض الخبراء على توخي الحذر. وقالت الدكتورة هنرييت كيرشنر من معهد علم الوراثة البشرية جامعة لوبيك ألمانيا والتي لم تشارك في الدراسة «قد يكون هناك في النهاية أقل من 11 نوعاً من الأنماط الداخلية. وأن هذه المجموعات فكرة رائعة، لكننا سنحتاج إلى مزيد من البحث لتحسينها من أجل الاستخدام العملي في العيادات».

في الوقت الحالي هناك أمر واحد واضح هي أن السمنة ليست حالة واحدة تناسب الجميع. وفهم جوانبها البيولوجية المتعددة قد يكون مفتاحاً لعلاجات أفضل وأكثر فعالية وعصر جديد من الرعاية الشخصية.

حقائق

أكثر من 2 مليون

شخص من أصول مختلفة تم تحليل الجينوم لديهم بحثًا عن الصلات بين الجينات وقياسات مثل مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر ونسبة الخصر إلى الورك


مقالات ذات صلة

حقنة جديدة تقلل الدهون الخطيرة حول الأعضاء الداخلية بنسبة 12 %

صحتك تُعطى الحقنة في الجزء السفلي من البطن (أرشيفية - رويترز)

حقنة جديدة تقلل الدهون الخطيرة حول الأعضاء الداخلية بنسبة 12 %

كشفت نتائج تجارب بشرية أولية عن إمكانية استخدام حقنة تجريبية جديدة تُعرف باسم «CBL-514» لتقليل الدهون الحشوية المتراكمة في أعماق البطن حول الأعضاء الداخلية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يعتقد البعض أن ممارسة التمارين الرياضية بمعدة فارغة يعني حرق دهون أكثر (أ.ف.ب)

هل التمرين «على معدة فارغة» يحرق دهوناً أكثر؟

يختار البعض ممارسة التمارين الرياضية بمعدة فارغة، اعتقاداً منهم أن ذلك يعني حرق دهون أكثر...

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك معدلات السمنة تجاوزت نقص الوزن لتصبح أكثر أشكال سوء التغذية شيوعاً بين أطفال المدارس والصغار حول العالم (بيكساباي)

الصحة العالمية تؤيد تغيير نمط الحياة بدلاً من الأدوية لمكافحة سمنة الأطفال

أوصت منظمة الصحة العالمية باتباع نظام غذائي وممارسة الرياضة وتوفير الإرشاد بدلاً من الاعتماد على أدوية إنقاص الوزن الشائعة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك قد تتسبب الأطعمة المقلية في زيادة الشعور بالانتفاخ (بيكسباي)

6 أطعمة تناولها يومياً يسبب الانتفاخ

الانتفاخ هو شعور بالضيق أو الامتلاء أو التمدد في البطن وقد يكون غير ضار أو مرتبطاً بمشاكل هضمية أو طبية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك عبوات من المشروبات الغازية الخالية من السكر (أرشيفية - رويترز)

دراسة تُنصف المشروبات الخالية من السكر: تدعم فقدان الوزن مثل الماء

أظهرت دراسة واسعة النطاق استمرت عامين أن المشروبات الخالية من السكر فعالة تقريباً مثل الماء في إنقاص الوزن على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
TT

لقاحات تتحدّى الحرارة… هل يحرّرها الذكاء الاصطناعي من الثلاجات؟

تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات
تجهيزات للنقل المبرّد لتخزين اللقاحات

ماذا لو وصلت لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) إلى القرى والمناطق النائية دون الحاجة لتبريد شديد؟ قد يعني ذلك تسهيل حملات التطعيم في أماكن تعوقها الحرارة أو انقطاع الكهرباء. هذا ما تُبشر به دراسة جديدة تمنح هذا الاحتمال أساساً تجريبياً، بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

رسم يوضّح دور الجسيمات الدهنية في حماية الحمض النووي الريبي المرسال وإيصاله للخلايا

تركيبات مطورة

طوّر باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تركيبات تساعد على حماية هذه اللقاحات من الحرارة، في دراسة نُشرت بمجلة «Nature Biotechnology» في 28 سبتمبر (أيلول) 2026.

وبعد تجفيفها وتخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو لمدة عام في درجة حرارة الغرفة، احتفظت التركيبات المختبَرة بقدرتها على تحفيز جهاز المناعة لدى الفئران بمستوى مماثل للقاحات المستخدَمة للمقارنة.

إنها خطوة واعدة لتخفيف أعباء نقل اللقاحات وتخزينها، لكن الانتقال من نجاح التجارب الحيوانية إلى استخدامها لدى البشر ما زال يحتاج إلى إثبات السلامة والفاعلية.

المشكلة ليست في اللقاح وحده

أظهرت جائحة «كوفيد-19» إمكانات تقنية تطوير الحمض النووي الريبي المرسال «mRNA»، وكشفت تحدياً عملياً: كيف نحافظ على فاعلية اللقاح أثناء تخزينه ونقله؟ فالحمض النووي الريبي المرسال جزيء سريع التحلل، تُحيط به جسيمات نانوية دهنية (LNPs) تحميه وتساعده على دخول الخلايا. ومع ذلك تحتاج بعض هذه المستحضرات إلى التخزين في درجات حرارة شديدة الانخفاض.

رسم توضيحي لآلية عمل لصقات الإبر المجهرية التي تخترق الطبقة السطحية من الجلد ثم تذوب لتُطلق اللقاح المطور

وهنا تصبح متطلبات الحفظ عاملاً مؤثراً في وصول اللقاحات إلى الناس، فسلسلة التبريد تحتاج إلى تجهيزات متخصصة وكهرباء مستقرة ومراقبة للحرارة طوال النقل والتخزين؛ وهي شروط يصعب ضمانها في بعض المناطق النائية.

عندما تدخل الخوارزمية المختبر

طوّر الفريق العلمي نظاماً للذكاء الاصطناعي باسم «AGENT» يساعد الباحثين على اختيار التركيبات التي تستحق الاختبار. ويتعلّم النظام من نتائج التجارب السابقة، ويقترح خلطات يُرجَّح أن تحمي اللقاح من الحرارة، بدلاً من اختبار الاحتمالات واحداً تلو الآخر.

بدأ الباحثون بفحص نحو 50 مادة مساعِدة معتمَدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، واختاروا خمساً واعدة، ثم اقترح النظام نسب مَزجها، واختبر العلماء مدى قدرتها على حماية اللقاح. ومع كل جولة، أعادوا النتائج إليه ليحسّن اقتراحاته التالية. وخلال ست جولات استغرقت نحو شهر، توصّل الفريق إلى تركيبات محسَّنة، بعد محاولات يدوية امتدت أشهراً.

شهران عند 37 درجة مئوية

حوّل الباحثون اللقاحات إلى تركيبات صلبة بإزالة الماء تحت ضغط منخفض، واختبروا تخزينها لمدة شهرين عند 37 درجة مئوية، أو عامٍ في درجة حرارة الغرفة.

وأظهرت الاختبارات على حيوانات التجارب أن التركيبات المطوَّرة حفّزت جهاز المناعة بمستوى لا يقل عن اللقاحات الطازجة المستخدمة للمقارنة. ونجحت الطريقة مع جسيمات دهنية شبيهة بتلك المستخدمة في لقاحَي «موديرنا» و«فايزر»، باستعمال المواد المساعدة نفسها بنسب مختلفة.

لصقة بدلاً من الحقنة

قد يفتح تحمّل الحرارة الباب أمام طريقة أخرى لإعطاء اللقاح: لصقات تحمل مئات الإبر المجهرية المحمّلة به. وعند وضعها على الجلد، تذوب هذه الإبر وتُطلق محتواها، لتوصيل اللقاح دون استخدام الحقنة التقليدية.

واستخدم الباحثون التركيبة المطوّرة لصنع لصقات لقاح ضد الفيروس المسبّب لـ«كوفيد-19». وفي التجارب الحيوانية حفّزت جهاز المناعة بمستوى مماثل للقاحات RNA المحقونة، ما يدعم إمكان الجمع بين سهولة التخزين وطريقة مختلفة لإعطاء اللقاح.

ويظل من تحديات هذه اللصقات ضمان إيصال الجرعة المطلوبة بصورة موثوقة، وإنتاجها بجودة ثابتة.

لوحات إرشادية توضّح مراحل تلقي لقاح «كوفيد-19» في مدينة الأمير سلطان الطبية العسكرية بالرياض

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

قد تكتسب هذه التقنية أهمية خاصة في العالم العربي، حيث تتداخل الحرارة والمسافات الطويلة وتفاوت الخدمات الصحية لتجعل إيصال اللقاحات إلى بعض المناطق أكثر صعوبة. فالتحدي لا ينتهي بوصول الشحنة إلى مستودع مركزي؛ بل يستمر حتى نقل الجرعة إلى مركز صحي بعيد أو فريق تطعيم متنقّل.

وقد تمنح اللقاحات الأكثر تحمّلاً للحرارة هذه الفرق مرونة أكبر، وتخفّف اعتمادها على تجهيزات التبريد، خصوصاً حين تتكرر انقطاعات الكهرباء. وإذا ثبت نجاحها عملياً، فقد تساعد على تقليل تلف الجرعات وتوسيع نطاق الحملات.

لكن التخزين عند 37 درجة مئوية في ظروف مضبوطة لا يحاكي بالضرورة رحلة نقل تتقلب فيها الحرارة تحت شمس الصحراء. لذلك، يلزم اختبار التركيبات في ظروف التوزيع الفعلية وتحديد شروط حفظها بدقة. وتظل «لقاحات بلا ثلاجات» أفقاً واعداً، لا إعلاناً عن انتهاء سلسلة التبريد.

بين الخوارزمية والتحقق السريري

سرّع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى تركيبات واعدة، لكن التجارب المخبرية والحيوانية هي التي اختبرت أداءها، فالخلطة التي يقترحها النظام تظل احتمالاً يحتاج إلى دليل: هل تحمي اللقاح أثناء التخزين؟ وهل يحتفظ بقدرته على تحفيز المناعة؟

وقبل استخدامها لدى البشر، يلزم تقييم السلامة والفاعلية في دراسات سريرية، والتحقق من إمكان تصنيعها بكميات كبيرة وبجودة ثابتة. فنجاح عيّنة في المختبر لا يضمن وحده نجاح إنتاج آلاف الجرعات ونقلها وحفظها، كما لا يعني اعتماد المواد المساعِدة منفردةً اعتمادَ التركيبة الجديدة تلقائياً.

وتزداد أهمية أن تتمكن فِرق مستقلة من تكرار النتائج، وأن تتضح البيانات التي استندت إليها الخوارزمية وحدود توقعاتها. فقيمة تسريع البحث تتحقق حين يقود إلى لقاحات آمنة وفعّالة يمكن الوثوق بها خارج المختبر.

من تحليل البيانات إلى تصميم اللقاحات

تُظهر الدراسة كيف يمتد دور الذكاء الاصطناعي من تحليل الأشعة والسجلات إلى تطوير اللقاح نفسه، بما يشمل إمكان حفظه ونقله وإعطائه بعيداً عن ظروف المختبر المضبوطة.

قد لا تختفي ثلاجات اللقاحات غداً، لكن قيمة هذا التقدّم ستتضح حين تصل جرعة فعّالة إلى مركز صحي بعيد، أو تصبح حملة تطعيم أقل عرضة للتعطّل بسبب انقطاع الكهرباء. عندها، يتحوّل اختصار وقت البحث إلى تقليص المسافة بين الاكتشاف والمريض.


مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
TT

مركبة «برسيفيرانس» الجوالة تحطم الرقم القياسي للقيادة على سطح المريخ

رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ
رسم تخيُّلي لمركبة جوالة على سطح المريخ

قطعت مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس (Perseverance)» مسافةً أبعد من أي مركبة أخرى في النظام الشمسي، باستثناء المركبات الموجودة على الأرض، بالطبع.

28 ميلاً... وما زال العد مستمراً

تجاوز عداد مركبة «برسيفيرانس» مسافة 28.06 ميل، وهي المسافة التي قطعتها داخل وحول فوهة «جيزيرو» منذ هبوطها على سطح المريخ في فبراير (شباط) 2021. ويتجاوز هذا الرقم المسافة التي قطعتها «أوبورتيونيتي»، إحدى مركبات «ناسا» الجوالة الأصغر حجماً في وقت سابق من عام 2004 حتى توقفها عن العمل في عام 2018. وأعلن مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا» الذي يُشغّل المركبة، هذا الخبر، يوم الاثنين الماضي، بعد تأكيد موقع «برسيفيرانس» ومسافة قيادتها الإجمالية الجديدة: 28.1 ميل.

وكان مديرو المهمة يعتقدون أن «برسيفيرانس» ستتجاوز هذا الإنجاز في أغسطس (آب)، لكنها عثرت بعد ذلك على صخور فاتحة اللون مثيرة للاهتمام، يُحتمل أن تكون من أقدم الصخور التي دُرست على سطح المريخ. لذا، توقفت عن العمل لمدة شهرين.

وقالت كاتي ستاك مورغان العالمة المشرفة على المشروع، في مقابلة أُجريت معها في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الحالي: «العلم هو السبب وراء وجود هذه المركبة الجوالة على سطح المريخ. نحن متحمسون لتحقيق الرقم القياسي حالما يتحقق. ولكن في الوقت الراهن، فإن (دراسة) الصخور هي المحرِّك الحقيقي للمهمة».

ومن المرجح أن تكون أميال طويلة أمام مركبة «برسيفيرانس» لتقطعها في السنوات المقبلة. إليكم بعض المحطات البارزة من رحلتها حتى الآن.

مظلة مركبة «برسيفيرانس» الفضائية أبطأت هبوطها على سطح المريخ.

المحطة الأولى: الهبوط في فوهة جيزيرو

في 18 فبراير 2021، هبطت مركبة «برسيفيرانس» في فوهة بركان جيزيرو على سطح المريخ، وهي منخفض يبلغ عرضه 30 ميلاً، كان بحيرة عندما كان الكوكب أكثر دفئاً ورطوبة، خلال السنوات الأولى للنظام الشمسي.

حمل الرسم الموجود على المظلة، التي أبطأت مركبة «برسيفيرانس» الفضائية في أثناء هبوطها عبر الغلاف الجوي للمريخ، رسالة سرية: «تجرأ على فعل أشياء عظيمة».

رحلة مروحية المريخ

من بين المهام المبكرة للمهمة، كانت هناك مهمة لم تتطلب قيادة تُذكر. كانت مروحية صغيرة تُدعى «إنجينيويتي (Ingenuity)» مُخبأة أسفل مركبة «برسيفيرانس». وبمجرد هبوطها على سطح المريخ، قامت «إنجينيويتي» بأولى رحلاتها المُتحكَّم بها والمُزوَّدة بالطاقة على كوكب آخر. وبقيت «برسيفيرانس» بالقرب منها للمراقبة ونقل البيانات من المروحية إلى الأرض.

كانت الرحلات التجريبية الـ4 ناجحة للغاية، ما دفع مديري المهمة إلى اتخاذ قرار بمرافقة «إنجينيويتي» لـ«برسيفيرانس» في استكشافها للمريخ. وقد قامت «إنجينيويتي» بـ72 رحلة حتى تعطَّلت إحدى مراوحها في يناير (كانون الثاني) 2024.

اختبار القيادة الذاتية

أمضت «برسيفيرانس» معظم عامها الأول في التجوال حول قاع فوهة جيزيرو، المُكوَّنة من صخور كانت انصهرت ثم تصلبت في أعقاب اصطدام نيزك شكّل الفوهة.

وعلى غرار بعض أحدث السيارات على وجه الأرض، تستخدم مركبة «برسيفيرانس» تقنية القيادة الذاتية لتحديد مسارها من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» دون الحاجة إلى توجيهات تفصيلية من الأرض. وبفضل شريحة حاسوبية إضافية أسرع، تتفوق «برسيفيرانس» في هذا المجال على نظيرتها «كيوريوسيتي»، التي هبطت قبلها بأكثر من 8 سنوات وقطعت مسافة أقل، (كما أن «كيوريوسيتي»، المتجهة نحو قمة جبل، ليست في عجلة من أمرها).

قدرات «برسيفيرانس»

تتجاوز قدرات «برسيفيرانس»، التي لا يتجاوز حجمها حجم سيارة صغيرة، بكثير ما استطاعت «سوجورنر (Sojourner)»، أول مركبة روبوتية تابعة لـ«ناسا»، إنجازه عام 1997. فقد قطعت تلك المركبة مسافة 341 قدماً - أي أقل من خُمس ميل - على مدار 12 أسبوعاً، ولم تكن قادرة إلا على تنفيذ الأوامر المُرسلة إليها بدقة. وفي إحدى المرات، علقت إحدى عجلاتها في صخرة بسبب خطأ في تقدير المسافة من قِبل المشرف عليها.

وقال ماثيو والاس، مهندس في مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا»، واصفاً العمل المعقد الذي كان على فريق من المهندسين على الأرض القيام به لمجرد التخطيط لرحلة قصيرة لمركبة «سوجورنر»، مقارنةً بما تستطيع مركبة «برسيفيرانس» القيام به بمفردها: «الأمر مختلف (الآن) تماماً».

ذراع الروبوت التابع لمركبة «برسيفيرانس»

أنهار وصخور وتلال

بعد استكشاف قاع الفوهة، كانت المرحلة التالية من رحلة «برسيفيرانس»، التَّوجُّه إلى دلتا نهر قديم على طول الفوهة، حيث وصلت في أبريل (نيسان) 2022. عُدَّ هذا الموقع واعداً للبحث عن آثار بقايا عضوية، في حال وُجدت حياة على المريخ في أي وقت مضى. كان هذا هو الدافع الرئيسي لـ«ناسا» لاختيار فوهة جيزيرو وجهةً لـ«برسيفيرانس».

ما وراء جيزيرو

انطلقت مركبة «برسيفيرانس» من جيزيرو، وهي الآن تستكشف صخوراً يبلغ عمرها نحو 4 مليارات سنة في منطقة تُعرف باسم بحيرة شارم، نسبةً إلى خزان مائي في فرنسا. لا توجد صخور بهذا القِدم على الأرض، لأن حركة الصفائح التكتونية تدفع القشرة القارية باستمرار إلى باطن الكوكب.

صخور فاتحة اللون على الكوكب الأحمر

وقالت فيفيان صن، نائبة رئيس المشروع: «ما تقدِّمه لنا (برسيفيرانس) هو في الواقع نظرة على تاريخ النظام الشمسي المبكر جداً، أي خلال نصف المليار سنة الأول. هناك كثير مما يمكننا تعلمه من هذه الصخور». وتشمل هذه الصخور تلك ذات اللون الفاتح التي أثارت اهتمام علماء «ناسا» منذ أغسطس الماضي.

يتكوَّن معظم قشرة المريخ من البازلت، وهو صخر بركاني دقيق الحبيبات ذو لون رمادي داكن. (يُعزى اللون الأحمر للمريخ إلى الغبار، فعندما تتعرَّض الصخور للتعرية (نتيجة المناخ)، يصدأ الحديد الموجود في المعادن). وقالت الدكتورة ستاك مورغان: «لذا، كلما رأينا شيئاً فاتح اللون بشكل واضح، فإنه يلفت انتباهنا».

في الطرف الشمالي لوادٍ في بحيرة شارم، رصد العلماء مجموعة من الصخور فاتحة اللون، فانحرفت المركبة الجوالة عن مسارها لإلقاء نظرة عليها.

تُعرف هذه الصخور فاتحة اللون باسم «غابرو (gabbros)»، وهي صخور بركانية خشنة الحبيبات تشبه في تركيبها البازلت، ولكنها على الأرجح تَشكَّلت في أعماق أكبر تحت سطح الأرض حيث بردت الصهارة ببطء أكبر، ما سمح بتكوّن بلورات أكبر. وأضاف الدكتور ستاك مورغان: «لقد لاحظنا في هذه الصخور أدلة على انصهار شديد وصدمة قوية، وهذا بالضبط ما نتوقع رؤيته في صخور ما قبل جيزيرو القديمة جداً التي تمثل قشرة المريخ».

لغز غامض

يعتقد العلماء أن كتل الصخور قد تكون ناتجة عن 3 اصطدامات نيزكية منفصلة: الأول أدى إلى انصهار قشرة المريخ وتكوين الغابرو، والثاني خلق أنماطاً من الصدمات وانصهاراً إضافياً، والثالث دفعها إلى موقعها الحالي خارج جيزيرو مباشرةً. وقال الدكتور ستاك مورغان: «إنها أشبه بلغزٍ غامض».

حاولت مركبة «برسيفيرانس» حفر إحدى الصخور، لكن جمع عينة منها كان بالغ الصعوبة.

لم تضع «ناسا» خططاً طويلة الأجل بشأن وجهة «برسيفيرانس» بعد انتهاء مسحها للمنطقة الحالية. وفي مرحلة ما، ستحتاج الوكالة أيضاً إلى تحديد مصير عينات الصخور التي تحملها «برسيفيرانس». لكن مشروع «إعادة عينات المريخ»، الذي كان من المفترض أن يعيدها إلى الأرض، قد أُلغي، لأن المهمة، التي كانت ستكون تعاوناً بين «ناسا» و«وكالة الفضاء الأوروبية»، عُدَّت باهظة التكلفة. وقد تُعيد «ناسا» إحياء المشروع بوصفه مهمةً تجاريةً، لكنها لم تُصدر أي بيانات بهذا الشأن.

مسافة قياسية

قبل الإطلاق، أكدت «ناسا» قدرة مركبة «برسيفيرانس» على قطع مسافة 20 كيلومتراً، أو 12.4 ميل. وقال ستيفن لي، مدير مشروع المهمة: «تجاوزنا ذلك بكثير الآن». وتعمل «ناسا» حالياً على توسيع نطاق الاعتماد إلى 100 كيلومتر، أو ما يزيد قليلاً على 62 ميلاً.

وعلق والاس: «أتوقع أن تتجاوز المركبة حاجز الـ100 كيلومتر إذا استمرَّت على هذا المنوال. لكن لا شيء مؤكد. قد نكتشف موقعاً بالغ الأهمية لإجراء دراسات علمية، فنقرِّر البقاء فيه لفترة طويلة واستكشافه».

* خدمة «نيويورك تايمز».


هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
TT

هل كانت صحة الأمعاء البشرية أفضل في العصور القديمة؟

نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء
نساء «تسيماني» يحضرن الغذاء

​أفاد العلماء أخيراً بأن الميكروبيوم البشري -وهو تريليونات الميكروبات التي تعيش في أمعائنا- كان نظاماً بيئياً مستقراً في عشرات آلاف السنين قبل أن يشهد تغيرات سريعة في الدول الصناعية، ما يثير مخاوف صحية محتملة لدى الإنسان المعاصر.

600 نوع مفقود من البكتيريا

وفي دراسة أجريت على الأفارقة وسكان أميركا الجنوبية، حدد الباحثون أكثر من 600 نوع من البكتيريا التي ربما كانت شائعة بالأمعاء في الماضي، ولكنها الآن نادرة أو غائبة تماماً عن معظم المجتمعات اليوم. وقال جاستن سوننبرغ، عالم الميكروبيوم في جامعة ستانفورد، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «نتشر»، إن كثيراً من هذه الميكروبات ربما أفادت صحة الإنسان.

تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة

وتكهن بأن تغير الميكروبيوم ربما ساهم في زيادة بعض الاضطرابات الشائعة في العالم الصناعي، من الحساسية إلى الخرف.

وتساءل سوننبرغ: «ما مدى خطورة هذا التغيير الكبير في الميكروبيوم الخاص بنا؟ أعتقد أن هذه الدراسة تشير إلى أن الوضع قد يكون خطيراً للغاية».

كان لدى أسلافنا الأوائل، الشبيهين بالقردة، ميكروبيوم مُتكيف مع نظام غذائي يعتمد على النباتات النيئة واللحوم. ويُعتقد أن تركيبه قد تغير منذ مئات آلاف السنين، عندما بدأ الإنسان القديم الطهي باستخدام النار. ومع انتشار البشر من أفريقيا قبل نحو 50 ألف عام، كانوا لا يزالون يعيشون على الحيوانات التي يصطادونها والنباتات البرية التي يجمعونها. ولم يبدأ المزارعون في استئناس المحاصيل إلا قبل نحو 10 آلاف عام، ما أدى على الأرجح إلى تغيير آخر في الميكروبيوم.

أطعمة السكر والحبوب المكررة: تغيير جوهري في العقود الأخيرة

في العقود الأخيرة، بدأ مليارات البشر تناول أطعمة غنية بالسكر والحبوب المكررة. وقد يكون للطب الحديث أيضاً تأثير عميق، فقد أنقذت المضادات الحيوية أرواحاً لا حصر لها، ولكنها قد تُدمر أيضاً الميكروبات المفيدة في الأمعاء.

أطفال «تسيماني» يوقدون الناس لتحضير الطعام

ولرسم تاريخ الميكروبيوم البشري، درس سوننبرغ وزملاؤه مجتمعات حول العالم في مستويات مختلفة من التصنيع. وظهر بعضٌ من أكثر النتائج إثارة للدهشة من قبيلة «هادزا»، وهي مجموعة صغيرة من الصيادين وجامعي الثمار في تنزانيا. ومن خلال دراسة عينات براز من متطوعين من «هادزا»، وجد سوننبرغ وزملاؤه طيفاً واسعاً من البكتيريا.

يقول سوننبرغ: «يوجد نحو 270 نوعاً من البكتيريا في براز الشخص العادي في كاليفورنيا، ونحو 730 نوعاً في براز الشخص العادي من (هادزا)».

التنوُّع... والندرة

والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو تنوُّع هذه الأنواع. فكثير منها نادر أو غير موجود تماماً في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية. وتساءل سوننبرغ وزملاؤه عن مدى تشابه الميكروبيوم لدى «هادزا» اليوم مع الميكروبات التي كانت تحملها شعوب الصيد وجمع الثمار القديمة. وقرر وفريقه مقارنة «هادزا» بشعوب أخرى لا تزال تتبع نمط حياة مشابهاً.

وبدأ العلماء بالتعاون مع علماء أنثروبولوجيا يدرسون مجموعة بوليفية تُدعى «تسيماني» يعيش أفرادها في قرى نائية في الأمازون؛ حيث يديرون مزارع صغيرة مع استمرارهم في الصيد وجمع الثمار. وبينما تتشابه ثقافات «هادزا» و«تسيماني» إلى حد ما، فإن تاريخهما مختلف تماماً؛ إذ ينحدر شعب «تسيماني» من شعوب غادرت أفريقيا قبل 50 ألف عام، وعبرت إلى الأميركتين قبل نحو 15 ألف عام. أما شعب «هادزا» فيقتصر أصله بالكامل على أفريقيا.

بكتيريا تستوطن الأمعاء منذ عشرات آلاف السنين

استخدم سوننبرغ وزملاؤه أساليب جديدة متطورة للكشف عن الحمض النووي البكتيري في عينات براز من شعب «تسيماني»، وقارنوا النتائج بتلك الموجودة لدى شعب «هادزا». ووجد الباحثون 848 نوعاً بكتيرياً مشتركاً بين المجموعتين، ولكنه نادر أو غائب في الدول الصناعية. ثم قاموا بتحليل 636 نوعاً كانت وفيرة بشكل خاص في العينات.

وجد العلماء أن كل نوع من هذه الأنواع يميل إلى حمل طفرات مميزة، اعتماداً على ما إذا كان موجوداً لدى شعب «هادزا» أو «تسيماني». ويشير هذا النمط إلى أن هذه الأنواع الميكروبية كانت تستوطن أمعاء الصيادين وجامعي الثمار منذ عشرات آلاف السنين.

ولا يزال شعب «هادزا» يحملها حتى اليوم، بفضل نمط حياتهم كصيادين وجامعي ثمار. ولكن أسلاف شعب «تسيماني» هاجروا عبر جسر بيرينغ البري إلى الأميركتين قبل 15 ألف عام، وربما قبل ذلك. وحال هذا الانفصال الجغرافي دون انتقال الميكروبات من سكان العالم القديم إلى الأميركتين. واستمر أسلاف «تسيماني» من الصيادين وجامعي الثمار في حمل بعض الأنواع نفسها التي حملها أسلافهم، ولكن البكتيريا الخاصة بهم اكتسبت طفرات مميزة على مر آلاف السنين.

وتشير النتائج مجتمعة إلى أن الصيادين وجامعي الثمار تشاركوا نظاماً بيئياً مميزاً من ميكروبات الأمعاء عشرات آلاف السنين. يقول سوننبرغ: «ربما تأثرت بيولوجيتنا إلى حد بعيد بهذه الميكروبات».

بكتيريا الأسلاف وتدريب الجهاز المناعي

ربما كانت البكتيريا القديمة مهمة لتدريب أجهزتنا المناعية، على سبيل المثال، أو لتخليق المركَّبات التي يحتاج إليها جسمنا. ومع اختفاء بعض الميكروبات في المجتمعات الحديثة، حلَّت محلها ميكروبات جديدة. قد يؤثر هذا التحول على صحتنا. ويقول سوننبرغ: «ينتهي بك الأمر بميكروبيوم مختلف تماماً عما اعتاد عليه جينومك البشري»، ما قد يؤدي إلى التهابات وتغيرات غير صحية أخرى.

من جهته يقول مايكل غورفن، عالم الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا بسانتا باربرا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة، إن الميكروبيوم القديم قد يساعد في تفسير سبب تمتع شعب «تسيماني» بحماية من أمراض القلب وغيرها من الأمراض المزمنة. ولكن ماري كلير أرييتا، عالمة الميكروبيوم في جامعة ألبرتا، والتي لم تشارك في البحث، حذَّرت من أن سكان الدول الصناعية لا ينبغي لهم محاولة استزراع ميكروبيوم يشبه ميكروبيوم مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ إذ لا يعرف العلماء الكثير عن الميكروبات المعوية الـ636 المدرجة في قائمة سوننبرغ، ولا عن الأضرار المحتملة التي قد تسببها. وقالت: «هناك احتمالية كبيرة لانتقال العدوى».

بدلاً من ذلك، فضَّلت أرييتا التعرُّف على الوظائف المفيدة التي تؤديها الميكروبات القديمة في جسم الإنسان، وإيجاد طرق لاستعادة تلك الوظائف تحديداً. وأضافت: «إن فكرة العودة إلى الميكروبيوم القديم تبدو غير منطقية، ولكن من المؤكد أن دراستها ضرورية لفهم بعض هذه الوظائف الميكروبية التي فُقدت».

* خدمة «نيويورك تايمز».