دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً

743 منطقة جينية ترتبط بها... منها 86 لم يتم تحديدها من قبل

دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً
TT

دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً

دراسة جديدة: السمنة قد تظهر في 11 شكلاً بيولوجياً مختلفاً

السمنة التي طالما اعتُبرت حالة صحية واحدة... قد توجد في الواقع بأشكال بيولوجية متعددة ومتميزة وفقاً لدراسة رائدة أجراها باحثون في معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد.

فهم البيولوجيا الكامنة وراء حجم الجسم

وتشير دراستهم إلى أن فهم البيولوجيا الكامنة وراء السمنة وليس فقط حجم الجسم يمكن أن يغير طريقة تشخيصها وعلاجها وحتى الوقاية منها.

وقال الدكتور عقل فهد Akl Fahed الباحث في طب القلب والأوعية الدموية بمستشفى ماساتشوستس العام الولايات المتحدة والباحث الرئيسي في الدراسة على موقع ما قبل النشر medRxiv في 2 يوليو (تموز) 2025 إن الأمر لا يتعلق فقط بمؤشر كتلة الجسم أو مظهر الجسم، بل يتعلق أكثر بالبيولوجيا الكامنة وراءه وكيفية ارتباطها بعوامل الخطر.

أكثر من مجرد رقم

وعادةً ما يتم تشخيص السمنة باستخدام مؤشر كتلة الجسم (BMI)، وهو حساب بسيط يعتمد على الوزن والطول. وعلى الرغم من فائدة مؤشر كتلة الجسم في الدراسات على مستوى السكان فإنه لا يعطي الصورة الكاملة. فبعض الأشخاص الذين لديهم مؤشر كتلة جسم مرتفع يتمتعون بصحة جيدة نسبياً، بينما يعاني آخرون من أمراض مثل السكري وأمراض القلب أو صعوبات في التنفس.

واستجابةً لذلك اقترح بعض الخبراء تصنيف السمنة إلى شكلين «سريري» و«ما قبل السريري» بناءً على وجود الأعراض من عدمه. لكن الباحث فهد وفريقه يعتقدون أن هذه المقاربة تبسط الصورة المعقدة للغاية.

تحديد الجينات المسؤولة عن السمنة

ولاستكشاف هذه التعقيدات أجرى الفريق واحدة من أكبر الدراسات الجينية حول السمنة على الإطلاق، إذ قاموا بتحليل جينومات أكثر من مليوني شخص من أصول مختلفة بحثاً عن الصلات بين الجينات وقياسات مثل مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر ونسبة الخصر إلى الورك.

وكشفت الدراسة عن 743 منطقة جينية مرتبطة بالسمنة 86 منها لم يتم تحديدها من قبل. بعد ذلك فحص الفريق كيف أثرت هذه الاختلافات الجينية على الأنسجة والعمليات البيولوجية المختلفة مثل إنتاج الأنسولين والاستجابة المناعية.

وبناء على النتائج التي حصلوا عليها تم تصنيف احد عشر «نمطاً داخلياً» متميزاً للسمنة يمثل كل منها مساراً أو آلية بيولوجية فريدة وراء الوزن الزائد.

الأنماط النهائية الأحد عشر للسمنة

ووجد الباحثون أنماطاً نهائية تشمل:

* السمنة غير الصحية من الناحية الأيضية.

* السمنة الصحية من الناحية الأيضية.

* 6 أنواع مرتبطة بإنتاج الإنسولين.

* الأنماط النهائية المرتبطة بخلل في الجهاز المناعي.

* التحكم الهرموني في الشهية والوزن.

* اضطرابات في استقلاب الدهون.

أنماط جينيية متعددة لدى الأفراد

وحيث إن هذه الفئات لا تستبعد بعضها بعضاً، فانه يمكن أن يكون لدى الشخص عدة أنماط نهائية تؤثر على حالته بدرجات متفاوتة.

وأوضح عضو الفريق مين سيو كيم الباحث ما بعد الدكتوراه في معهد برود التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن هذه ليست «أنواع» من السمنة بالمعنى التقليدي. بل من الأفضل اعتبارها آليات أساسية يمكن أن تتعايش داخل نفس الفرد.

وأكد الفريق صحة هذه النتائج باستخدام مجموعة بيانات مستقلة تضم أكثر من 48 ألف شخص من بنك الحيوانات الحيوية التابع لمستشفى ماساتشوستس العام بريغهام Mass General Brigham Biobank

نحو رعاية شخصية لمرضى السمنة

وتعد آثار هذه الدراسة واسعة النطاق، ففهم الأنماط الجينية التي يمتلكها الشخص يمكن أن يتيح علاجات أكثر تخصيصاً تماماً مثلما يتم الآن علاج السرطان بناءً على الملامح الجينية والجزيئية.

وعلق الدكتور فرانك غرينواي المدير الطبي والأستاذ في مركز بينينغتون للأبحاث الطبية الحيوية من جامعة لويزيانا الحكومية في الولايات المتحدة الذي لم يشارك في الدراسة: «نحن نعلم بالفعل أن بعض الأشخاص المصابين بالسمنة لا يستجيبون لأدوية مثل أوزيمبيك Ozempic أو ويغوفي Wegovy وهذا يشير إلى أن هذه الأدوية قد لا تستهدف العوامل البيولوجية المحددة التي تسبب السمنة لدى هؤلاء الأفراد».

علاجات مستهدفة

وكررت الدكتورة لورا غراي من كلية الطب وصحة السكان جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة هذا الرأي قائلة من خلال الاعتراف بوجود أنواع مختلفة من السمنة يمكننا استهداف العلاجات والتدخلات الوقائية بشكل أفضل.

ونظراً لأن ستة من الأنماط الأحد عشر تتعلق بوظيفة الإنسولين، فهناك احتمال أن تساعد بعض العلاجات في علاج أشكال متعددة. لكن استراتيجيات العلاج المستقبلية قد تركز أيضاً على المسارات المناعية أو الهرمونية اعتماداً على الملامح المحددة لكل فرد.

فصل جديد في أبحاث السمنة

قد تؤدي هذه النتائج أيضاً إلى تغيير طريقة تفسير الباحثين للدراسات السابقة والمستقبلية. أما تقليدياً فكان يتم التعامل مع السمنة على أنها مرض واحد عند دراسة التفاعل بين الجينات ونمط الحياة. لكن هذا الفهم الجديد قد يتطلب إعادة تحليل البيانات الحالية واتباع نُهج محسنة في المستقبل.

وقالت لورا غراي: «من المحتمل أن تظهر أنماط داخلية أكثر مع جمع المزيد من البيانات الجينية الأحد عشر التي وجدناها حتى الآن هي مجرد البداية»، ومع ذلك يحث بعض الخبراء على توخي الحذر. وقالت الدكتورة هنرييت كيرشنر من معهد علم الوراثة البشرية جامعة لوبيك ألمانيا والتي لم تشارك في الدراسة «قد يكون هناك في النهاية أقل من 11 نوعاً من الأنماط الداخلية. وأن هذه المجموعات فكرة رائعة، لكننا سنحتاج إلى مزيد من البحث لتحسينها من أجل الاستخدام العملي في العيادات».

في الوقت الحالي هناك أمر واحد واضح هي أن السمنة ليست حالة واحدة تناسب الجميع. وفهم جوانبها البيولوجية المتعددة قد يكون مفتاحاً لعلاجات أفضل وأكثر فعالية وعصر جديد من الرعاية الشخصية.

حقائق

أكثر من 2 مليون

شخص من أصول مختلفة تم تحليل الجينوم لديهم بحثًا عن الصلات بين الجينات وقياسات مثل مؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر ونسبة الخصر إلى الورك


مقالات ذات صلة

الوزن الطبيعي لا يحمي قلبك.. دراسة تنبه من خطر دهون البطن

صحتك  شخص سمين (بيكسلز)

الوزن الطبيعي لا يحمي قلبك.. دراسة تنبه من خطر دهون البطن

قالت صحيفة تلغراف البريطانية إن باحثين وجدوا أن الأشخاص الذين لديهم محيط خصر كبير يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بأمراض القلب والوفاة

«الشرق الأوسط» (لندن )
صحتك ملاحظة وجود صلة بين السمنة في الصغر وفرص المرأة في الإنجاب (رويترز)

دراسة: زيادة وزن الفتيات في الصغر قد يؤثر على فرص الإنجاب لاحقاً

كشفت دراسة دنماركية أن زيادة الوزن في الصغر تؤثر على فرصة المرأة في الإنجاب في مراحل لاحقة من العمر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك علب حقن لإنقاص الوزن (رويترز)

ما مخاطر تناول أدوية إنقاص الوزن بعد سن الـ60؟

مع تزايد الإقبال على أدوية إنقاص الوزن بين كبار السن، تبرز تحذيرات طبية من أن استخدامها بعد سن الستين قد يحتاج إلى عناية ومتابعة أكبر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك سيدة تحقن نفسها بدواء زيبوند Zepbound من أدوية «جي إل بي-1» في أميركا (رويترز)

أدوية إنقاص الوزن قد تساعد في الحماية من مرض مميت

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن فوائد أدوية إنقاص الوزن «جي إل بي-1» ربما تُسهم في الوقاية من السرطان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تشمل الأطعمة فائقة المعالجة الوجبات السريعة وحبوب الإفطار السكرية واللحوم المصنعة (بيكسباي)

«الصحة العالمية»: شركات الأغذية المصنَّعة تقاضي الحكومات لعرقلة مكافحة السمنة

صرّح رئيس منظمة الصحة العالمية بأن أكبر شركات الأغذية المصنعة في العالم تعرقل الجهود العالمية لمكافحة أزمة السمنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية
TT

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

أدى تزايد انتشار أنظمة المراقبة العامة إلى ظهور رد فعل مضاد يتمثل في صنع أزياء صُممت خصيصاً لإرباك كاميرات المراقبة الأمنية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. تهدف هذه التصاميم إلى تضليل أنظمة الرؤية الحاسوبية -مثل كاميرات «أكسون» (Axon) المثبتة على أجسام رجال الشرطة وكاميرات «فلوك» (Flock) وغيرها من أدوات المراقبة الجماعية- وذلك عبر استخدام حيل بصرية، مثل وضع أنماط ورسوم تخدع أجهزة استشعار الذكاء الاصطناعي وتجعلها تصنف مرتديها خطأً على أنهم حيوانات أو جمادات، أو من خلال استخدام أقمشة عاكسة للضوء، كما كتب هانتر شوارتز (*).

التشويش على 11 نموذجاً للرؤية الحاسوبية

تظهر الآن علامة تجارية جديدة للملابس -تُنتج بإصدار محدود وتعتمد على التمويل الجماعي- لتقدم قطعاً تتميز بأنماط قادرة بفاعلية على التشويش على 11 نموذجاً مختلفاً من نماذج الرؤية الحاسوبية. تحمل هذه العلامة التجارية اسم «noRecognition».(اللاتعرّف).

مسؤول استخبارات يصمم الأزياء المشوشة

وابتكر بيل سوارينجين، وهو مسؤول استخباراتي سابق ومؤسس «SecKC»، وهي خدمة لفعالية شهرية متخصصة في الأمن السيبراني تُقام في مدينة كانساس- علامة «noRecognition» بعد إجراء 31.7 مليون اختبار رقمي لتحديد أنواع الأنماط التي تربك نماذج متعددة في آن واحد، وذلك بهدف ابتكار نمط تمويه شامل ومضاد لأنظمة الرصد. ووظّف سوارينجين الذكاء الاصطناعي في مراحل العمل كافة، بدءاً من بناء النموذج وتدريبه، ومروراً باستخدامه لتوليد واختبار الأشكال الهندسية للأنماط المضادة، ووصولاً إلى تحديد الأنماط الأكثر فاعلية.

ويكمن التحدي بالنسبة لسوارينجين في أن النمط الذي ينجح في خداع نموذج واحد غالباً ما يفشل أمام نماذج أخرى مختلفة. ويقول في هذا الصدد: «لقد نجحت في التغلب على كل نموذج اختبرته، لذا فإن تجاوز نموذج واحد أصبح بالنسبة لي مسألة محسومة؛ أما التحدي الحالي فيتمثل في العثور على ذلك النمط الفريد الذي ينجح في خداع العديد من النماذج في آن واحد».

وقد كشف سوارينجين عن علامته هذه للجمهور خلال مؤتمر «ديف كون» (Def Con) للأمن السيبراني في لاس فيغاس في 7 أغسطس (آب) الحالي. كما أطلق حملة على منصة «كيك ستارتر» في الأسبوع نفسه لجمع 5000 دولار، لكن الحملة نجحت في جمع أكثر من 40 ألف دولار حتى الآن. ويوضح سوارينجين أن الأموال المجمعة ستُخصص لشراء الأقمشة والكاميرات وتوفير الموارد الحاسوبية اللازمة، معرباً عن امتنانه العميق وتأثره البالغ بهذا الكرم ورد الفعل الإيجابي.

وشاح «أنبوبي» للرقبة وقميص وسترة رياضية

تتضمن تشكيلة الملابس ذات الإصدار المحدود وشاحاً أنبوبياً (يمكن ارتداؤه كغطاء للرقبة)، وقميصاً (تي شيرت)، وسترة رياضية (سويت شيرت)، بالإضافة إلى ملصقات ورقع قماشية. وسيتم إنتاج 50 قطعة فقط من كل صنف، حيث سيتميز كل منها بنمط فريد تم توليده خصيصاً لشخص واحد.

ويعرض موقع «سوارينجين» الإلكتروني أمثلة على بعض الأنماط التي يولدها نموذج «noRecognition»، إلا أن أقوى أعماله تظل بعيدة عن متناول الإنترنت؛ فمن خلال إبقاء أكثر الأنماط فاعلية خارج الموقع، يحول نموذجه هذا دون قيام مشغلي كاميرات المراقبة بتدريب أنظمتهم على ما ينتجه هذا النموذج.

أنماط التضليل البصري

وكانت السفن الحربية استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى نمط «تمويه التمويه البصري» الذي يتألف من خطوط متعرجة بالأبيض والأسود- لإرباك سفن العدو. واليوم تستخدم شركات السيارات أساليب تمويه لإخفاء تفاصيل المركبات أثناء اختبارها عند القيادة. أما في مجال الأزياء المصممة لمواجهة أنظمة الرصد أو ما يسمى أزياء «الخصومة التقنية» أو (Adversarial fashion)، فيتم الاعتماد بشكل أساسي على استخدام وحدات نمطية متكررة.

نمط من وحدات متكررة

تعتمد معظم الأنماط - وإن لم تكن جميعها - على وحدات متكررة؛ إذ تضمن هذه الطريقة بقاء النمط سليماً وواضحاً حتى بعد قص القماش، ما يجعله ظاهراً في مجال رؤية أجهزة الكشف بغض النظر عن الجزء الذي يظهر من قطعة الملابس. ولا تهدف هذه الأنماط إلى تحقيق غايات جمالية، بل تعطي الأولوية للوظيفة العملية؛ حيث تُعد الأبعاد المحددة للنمط عاملاً حاسماً في مدى نجاحه وفاعليته.

وإن كان بعض الناس يختارون ملابسهم لتلائم الكاميرات، فان تصميم «noRecognition» ليفعل العكس تماماً.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟

قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على «رؤية المستقبل»، بل إن أجسامنا تترك بصمات بيولوجية دقيقة في الدم قبل وقت طويل من تحولها إلى مرض واضح. وما تفعله الخوارزميات الحديثة هو التقاط هذه الإشارات الصامتة، وربطها بأنماط مَرضية معقدة قد تبقى خفية على العين البشرية سنوات طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل حدوث الضرر.

رصد المرض الذي يتسلل إلى الكبد

وباء صامت

يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease - MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.

وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.

ماذا اكتشف الباحثون؟

اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.

ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.

ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

بصمة تكشف المستقبل

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟

لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.

وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.

ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

هل تقود المملكة مستقبل الطب الوقائي؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.

وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.

كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.

من علاج المرض إلى درئه

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.

ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.

وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».


البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه
TT

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

حددت دراسة جديدة دور الذكاء الاصطناعي الكبير في الإخلال بالبيئة وإلحاق الأضرار بها؛ إذ يؤدي إنشاء مراكز البيانات الجديدة المرتبطة بالنظم الذكية إلى بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، مثل محطة غاز في تكساس تدعمها شركة «أمازون» التي قد تصبح أكبر مصدر منفرد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. ولكن الأدهى من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يجعل صناعة الوقود الأحفوري أكثر إنتاجية أيضاً.

الذكاء الاصطناعي يزيد إنتاجية استخراج الوقود الأحفوري

تكشف دراسة جديدة أن مكاسب الإنتاجية هذه قد تولِّد انبعاثات تفوق ما تنتجه مراكز البيانات اليوم بما يصل إلى 13 ضعفاً.

وتركز الدراسة -التي نُشرت في دورية «npj Climate Action» التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature Portfolio)- على ما تُعرَف بـ«الانبعاثات الناجمة عن التمكين»، وهي الانبعاثات التي تنشأ عندما تستخدم شركات النفط والغاز الذكاء الاصطناعي لاستخراج الوقود الأحفوري وتكريره بسرعة وتكلفة أقل، وكذلك لتوليد مزيد من الطاقة.

كما حسبت الدراسة كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الطاقة المتجددة أكثر إنتاجية، إلا أن التأثير على الوقود الأحفوري يفوق بكثير الفائدة العائدة على الطاقة المتجددة.

ولكي تظل الانبعاثات العالمية ثابتة تقريباً، يجب أن تتحسن إنتاجية الطاقة المتجددة بمعدل يتراوح بين 4 و5 أضعاف من معدل تحسن إنتاجية الوقود الأحفوري. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أي تحسن –ولو كان بسيطاً- في عمليات استخراج الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك هذا الوقود.

زيادة الانبعاثات الكربونية

ووجدت الدراسة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات العالمية بمقدار يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (للمقارنة، تعادل 1.8 غيغا طن 3 أضعاف الانبعاثات السنوية لألمانيا). وتتراوح الانبعاثات الناجمة عن مكاسب الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري بين 3.3 و13.3 ضعف الانبعاثات الحالية الناتجة عن مراكز البيانات.

ويُذكر أن اثنين من مؤلفي الدراسة كانا موظفَين في شركة «مايكروسوفت»، وتركا العمل فيها لتأسيس منظمة غير ربحية تحمل اسم «حملة الانبعاثات الناجمة عن التمكين» (Enabled Emissions Campaign).

تأثير غير متكافئ

وقال ويل ألبين، المؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان له: «لقد أمضيت سنوات في بناء أدوات لمنصات الذكاء الاصطناعي، ورأيت بنفسي كيف تُستخدم هذه الأدوات. ومثل أي أداة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة أي مجال يُطبَّق فيه. نعم، يمكنه دفع عجلة الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وتحسين الكفاءة؛ لكنه يعمل أيضاً منذ سنوات على تعزيز إنتاجية صناعة الوقود الأحفوري. وتُظهر بحوثنا أن هذا التأثير غير متكافئ؛ إذ يعمل الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية تعزز جدوى الوقود الأحفوري وهيمنته».

* مجلة «فاست كومباني».