انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

سمات فريدة تميز شخصية الإنسان عن «المعايير السلوكية السائدة»

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك
TT

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

كلمة «غريب»، أو عبارة مثل: «غريب الأطوار»: تعبيرات بحد ذاتها تُبهج النفس، إنها ليست سريعة وحيوية فحسب، بل «بهلوانية» بامتياز؛ فهي تقفز لتنفذ حركة سريعة في الهواء قبل أن تدغدغ عقلك.

سمة بشرية فريدة

تُعرّف القواميس «الغرابة» أو «غرابة الأطوار» (quirk) بأنها «عادة سلوكية غريبة»، أو «سمة فريدة، مختلفة، وساحرة أحياناً، تجعل الشخص مميزاً في قلب الحشود»، أو كما يُعرّفها «قاموس أكسفورد»: «جانب من شخصية أو سلوك شخص ما غريب بعض الشيء»... ومع ذلك، تبقى هذه مجرد تجريدات باهتة.

لكن إليك الأمثلة التالية: من الاستحمام في الهواء (بنجامين فرانكلين) إلى الكتابة وقوفاً (فرجينيا وولف)؛ والاكتفاء بالقيلولة المتقطعة، بدلاً من النوم (ليوناردو دافنشي) إلى التحدث بصوت عالٍ مع النفس في أثناء العمل، أو الإجابة عن الأسئلة بفيض من المعلومات. إنها أمثلة تدل على أن غرابة الأشياء بكلّ خصائصها يتعذر حصرها، ما يُعد إحدى الدلائل على التباين اللانهائي في صور السلوك البشري. (وبالطبع، للحيوانات كذلك طباع غريبة. لدى صديقي كلب يسارع إلى مهاجمة شاشة التلفزيون كلما أطل وجه رئيس أميركي معين عليها).

انحرافات حميدة

ويكاد يكون لدى كل منا سمة غريبة أو اثنتان، ويقصد بها انحرافات حميدة عن معيار سلوكي «قياسي» مفترض - أو خرافي، حسبما يرى الكثيرون - أبسط من أن تُحدث احتكاكاً مع الآخرين أو أنها تُعيق الأداء، وغالباً ما تعزز القدرة على التفاعل مع العالم. ومهما كانت بسيطة، فإنها تميل إلى أن تكون سمات مميزة للأفراد، وبمثابة توقيعات فريدة للأشخاص، ووسائل لتيسير التواصل، وأعمدة للوعي الذاتي، ومصادر للنجاح الشخصي والمهني. ومع ذلك، فقد تجاهل علم النفس هذه الصفات وقيمتها تقريباً، وركز بدلاً من ذلك على صور الاضطرابات.

* قد تشكل توقيعاً متميزاً للأفراد ووسائل لتيسير التواصل ومصادر للنجاح الشخصي والمهني*

في هذا الصدد، قال عالم النفس المقيم في نيويورك، باري لوبيتكين: «للكثيرين، فإن الطباع الغريبة عبارة عن علامة مميزة: أنا فريد، ومختلف بشكل فريد. ولا شيء يُسعد الناس أكثر من الشعور بالتميز، والتفرد، والاختلاف».

وهنا يحمل مصطلح «الغرابة» وظيفة دلاليةً أخرى، إذ يُحوّل ما يُمكن اعتباره عيباً، أو بؤرةً للمرض، إلى مصدر فخرٍ. وأشار لوبيتكين إلى أن «الغرابة مصطلحٌ مُسلٍّ، فهو خفيفٌ على اللسان؛ فالناس لا يُريدون معرفة عاداتهم، لكنهم يستمتعون بفكرة امتلاك غرابةٍ مُعيّنة».

ولا يُمكن إنكار وجود حدودٍ مُبهمةٍ غالباً حول فكرة الغرابة، مثلاً بين الغرابة على جانبٍ من النظام الاجتماعي، والغرابة والمرض النفسي، خصوصاً اضطراب الوسواس القهري، على الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن هناك فرقاً مهماً: فبالإضافة إلى عدم إضعاف قدرة الناس على العمل، فإن الغرابة لا تُؤذي أو تُعيق بأي شكلٍ من الأشكال تفاعل الآخرين مع أصحابها، كما أوضح لوبيتكين.

ولا يعني هذا أن الغرابة لا يُمكن أن تُؤدّي وظيفةً نفسيةً مُهمة. إن الأشخاص الذين يتحدثون بصوت عالٍ إلى أنفسهم في أثناء العمل قد يفعلون ذلك لتقليل مستوى القلق، أو لإنهاء صوت النقد الداخلي.

إطار ذهني لسلوك مختلف

هناك كذلك تمييز داخلي مهم، يتعلق بالإطار الذهني الذي يبتكره الشخص لسلوكه المختلف: هل يرى اختلافه باعتباره نقيصة أم تفرداً؟

في الغالب، ينظر الناس إلى غرابتهم السلوكية على نحو سلبي في مرحلة الطفولة، في خضم محاولاتهم فهم تعقيدات الأعراف الثقافية ـ أعراف كثيراً ما يجري فرضها بقسوة عبر تنمّر زملاء المدرسة الإعدادية والثانوية. ومع ذلك، فإنهم عندما يكبرون وينضجون، ويشرعون في اكتشاف ذواتهم الحقيقية، يبدأون في الاستمتاع بتلك الغرائب.

ومع ذلك، هناك مَن لا يتجاوز أبداً استبداد تلك المعايير الاجتماعية المبكرة، فيبذلون قصارى جهودهم لإخفاء غرائبهم عن الآخرين. وقد تكون الغرائب محبّبة للغاية، ففي الواقع، فإن هذه السمات تضفي طابعاً إنسانياً على الفرد، من خلال تمييزه عن الآخرين، وخلق نقطة جاذبة للمشاعر الإيجابية.

وغالباً ما تُثير السمات الغريبة البهجة والدهشة، وتُعد أمثلة حيّة على تفرد الإنسان. وهناك جانب آخر يجعل الغرائب سمات محببة؛ فهي بريئة، لا تخدم غرضاً خفياً أو مصلحة شخصية.

في هذا الصدد، شرحت المعالجة المعنية بقضايا الأسرة سوزان بيرن - ستون، أن «الغرائب ليست تبادلية، أي أنها لا تُوجد لغرض تحقيق مكسب ما، بل هي تعبيرات صافية عن الشخصية». وأضافت: «إنها تُضيف متعة إلى التفاعل مع الشخص».

نموذج لفهم الغرابة: التنوع العصبي

إذا كان هناك نموذج لفهم الغرائب، فهو مفهوم «التنوع العصبي» (neurodiversity)، الذي يدور حول فكرة أن أدمغة البشر تعمل بطرق مختلفة، وإنه ضمن حدود معينة، لا تُعدّ الاختلافات في الإدراك والسلوك «نواقص» أو «اضطرابات»، وإنما اختلافات طبيعية وعضوية.

يكمن الهدف الرئيسي من هذا المفهوم في قبول الفردية: الامتناع عن إصدار أي حكم سلبي على التنوع البشري؛ وبدلاً من ذلك فتح الباب أمام الاستمتاع بهذه الاختلافات والاستفادة منها.

غالباً ما يرتبط مفهوم التنوع العصبي بـالتوحُّد؛ إذ نشأ أصلاً ضمن النقاشات المتعلقة بهذه الحالة. ونتيجة لذلك، كثيراً ما يجري وضع جميع مظاهر التنوع العصبي تحت مظلة التوحد.

غير أنه في الواقع، كما شرح الطبيب النفسي المقيم في نيويورك، غرانت برينر، أن التنوع العصبي يتجاوز طيف التوحد بكثير.

وعلى سبيل المثال، فإن التوحُّد لا يشمل كل أشكال معالجة الحواس غير التقليدية أو صعوبات التعلم غير اللفظية، ناهيك من الاختلافات الشخصية أو طرق التكيّف مع التجارب التنموية والشدائد، وكلها تسهم في تشكيل الطيف الواسع من الغرائب، التي تُضفي نكهة مميزة على صور السلوك البشري.

وأضافت عالمة النفس المقيمة في لوس أنجليس، ديبرا براوس، وهي أم داعمة للتنوع العصبي، ولديها ابن مصاب بالتوحد، أن هناك أبعاداً في التفكير أو الشعور أو السلوك يكون فيها كل إنسان غير نمطي بطريقة ما.

وأوضحت: «ليس بهم نقيصة أو بحاجة إلى إصلاح، بل لديهم فقط نظام تشغيل مختلف».

وأشارت إلى أن المشكلة تكمن في أن تربيتنا تجري على فكرة أن هناك طريقة واحدة صحيحة لفعل الأمور، وطريقة واحدة صحيحة لنكون «أشخاصاً طبيعيين» في هذا العالم. غير أنه في الحقيقة، نحن نستفيد من تعدد وجهات النظر وتنوع الأساليب.

ومع ذلك، نتولى الحكم على الآخرين ـ عادةً على نحو سلبي ـ بناءً على مقياس واحد ضيق، ونتولى «تجريم» أو «تشخيص» الاختلافات، باعتبارها اضطرابات.

وفي ظل تزايد تعقيد العالم ومشكلاته، يبدو جلياً أن التفكير المختلف أصبح ضرورةً متزايدة، خصوصاً أنه يُسهم في إيجاد طرق مبتكرة لحل المشكلات، فالأعمال الرقمية والتكنولوجية تُركز على التفاصيل ـ سمةٌ غالباً ما تكون من سمات التوحد.

وهم الكمال - احترام تباينات الطبيعة

وعلى نحو مماثل، تدحض الغرائب فكرة الكمال؛ فهي تُمثل دليلاً قاطعاً على أن الكمال ليس سوى وهمٍ وخيال، وأنه ليس مستحيلاً فحسب، بل غير ضروري وغير ذي أهمية، وأن السعي وراء الكمال ليس سوى عبث.

وتتجسد الغرائب الجمالية والفلسفة اليابانية المعروفة باسم «وابي سابي (Wabi-sabi)». وحسبما شرحها ليونارد كورين في كتابه «(وابي سابي) للفنانين والمصممين والشعراء والفلاسفة»، فإن «وابي سابي» نهجٌ يصعب استيعابه تجاه جميع جوانب الحياة، يُدرك عدم كمال الأشياء وزوالها، ويُقدّر ما هو شخصي وفريد، ويحترم الطبيعة، خاصة تبايناتها، ويتقبل عدم قدرتها على التحكم في جوهرها.

ويتجلى «وابي سابي» بوضوح في فن «الكينتسوغي (kintsugi)» الياباني، حيث لا يُغض الطرف عن العيوب فحسب، بل إنها تُبرز وتمنح مساحة لتتألق. عادةً، تُرمم قطعة فخار مكسورة، وتُغلّف الشظايا المتكسرة معاً بورنيش يحتوي على مسحوق ذهبي أو فضي مضيء. وبذلك، يصبح الإناء، عملياً، أقوى من ذي قبل، وفي الوقت ذاته لا يُخفى العيب، بل يجري عرضه وتحويله إلى ميزة.

في عالم البشر، تُعزّز الغرائب الود؛ فهي تربط بين الناس، وتُحفّز الألفة. عن ذلك، قال لوبيتكين: «إن النظر إلى عيوب الآخرين باعتبارها سمات محببة، تُمكّنني من تقبّل عيوبي والامتناع عن إصدار أحكام على الآخر».

إن تقدير النقائص لدى الآخرين يسمح للناس بأن يكونوا ضعفاء. في هذا الصدد، قال لوبيتكين: «إن رؤية صفة غريبة يُوظّفها شخص ما بشكل إيجابي تُعطي الإذن للآخرين (ليظهروا غرابتهم). إن الشيء الغريب الذي أحبه فيك يُساعدني على تقبّل ضعفي».

وكما قال برينر: «لهذا الأمر تأثير يضفي على الآخرين شعوراً بالتحرر».

نقاط قوة

في الواقع، إن النظر إلى الصفات المميزة باعتبارها نقاط قوة يُحرر الناس ويشجعهم على استخدامها كأدوات للتفاعل مع العالم. ويُقال إن أحداً لم يستفد من صفاته المميزة بقدر مارشال غولدسميث، الذي يُعتبر منذ زمنٍ طويلٍ المدرب التنفيذي الرائد في العالم، والرجل الذي ابتكر هذه المهنة بمفرده.

وأضاف: «سيخبرك أي شخص عملت معه أنني شديد المواجهة. أُلقي عليهم اللوم. أسخر منهم. في برنامج تدريب المدربين، أتحول إلى رمز لكل ما لا ينبغي فعله».

لن يتهم أحدٌ غولدسميث أبداً بأنه شخصٌ رتيب أو ممل، لكن صراحته المُفرطة تُناسب تماماً زبائنه المميزين - أشخاصٌ في القمة ليس لديهم أقرانٌ للتحدث معهم، ولا يسمعون الحقيقة أبداً ممن حولهم، وليس لديهم وقتٌ يُضيعونه - أضف إلى ذلك أن هؤلاء الأشخاص مفعمون بالوقاحة.

استغلال الصفات الغريبة إيجابياً

من ناحيةٍ أخرى، فإنّ اعتبار الصفات الغريبة عيوباً يجب إخفاؤها يدفع العقل نحو اتخاذ موقف دفاعي، لتجنب كشفها؛ وبذلك يُهدر الطاقة التي يُمكن توظيفها في مساعٍ إيجابية، بينما يسمح تقبّل الصفات الغريبة - ودمجها بسلاسة في الشخصية - باستغلالها على الوجه الأكمل. وبحسب برينر، فإنها صورة من صور «تعظيم الشخصية» - أي أن تكون أفضل نسخة من شخصيتك. وأضاف: «يشبه الأمر تعلّم استخدام التوابل المناسبة بالطريقة الصحيحة، فالأمر يصبح سمةً مُميّزةً». في الواقع، الأمر يصبح أشبه بتوقيع، أو علامة تجارية، أو أداة لتأكيد الأصالة.

ويبدأ إنجاح غرابتك عبر الوعي الذاتي، بمعنى معرفة نفسك، وقبولها، واختيار التعبير عنها. وكما الحال مع أي سمة، معرفة متى تُوظّفها. وهنا، أوضح برينر: «أنت بحاجة إلى القليل من الشجاعة أو الثقة لإظهار غرابتك الحقيقية». ويتطلب الأمر بعض الممارسة. «لا تخشَ المخاطرة. عليك أن تكون على استعداد لمواجهة الفشل. عليك أن تختبر، وأن تتبنى نهجاً ارتجالياً، وأن تسمح لنفسك بالخروج عن المألوف. عليك أن تجعل ذلك هدفاً نصب عينيك، وأن تُطلق العنان لنفسك لتكون النسخة الأفضل من غرابتك».

* مجلة «سيكولوجي توداي» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

صحتك حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)

كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

يلجأ كثيرون إلى مكملات الميلاتونين لتحسين النوم، بينما تُستخدم الأشواغاندا بوصفها خياراً عشبياً شائعاً لتخفيف التوتر والقلق... لكن ماذا يحدث عند تناولهما معاً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

يقول العديد من مُلّاك الحيوانات الأليفة إن حيواناتهم مصدر سعادة كبير لهم، وأنها تُخفف عنهم الشعور بالوحدة وتُحسِّن من صحتهم النفسية بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق «المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»


مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
TT

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

في غرفة الطوارئ الحديثة، قد يسبق الذكاء الاصطناعي الطبيب أحياناً إلى قراءة الأشعة أو تقدير خطر التدهور السريري خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يبقى السؤال الأول الذي يحمله المريض - بصمت - أبسط بكثير من كل الحسابات الخوارزمية: هل رآني أحد فعلاً؟

هذه المفارقة تختصر التحول الذي يعيشه الطب اليوم. فالأنظمة الذكية قد تبلغ دقة تنبؤية غير مسبوقة، لكنها لا تدرك السياق الإنساني الذي يمنح القرار الطبي معناه الأخلاقي... قد يكون القرار صحيحاً إحصائياً، لكنه يبدو بارداً إنسانياً، لأن الطريق الذي أوصل إليه لم يُصمَّم أصلاً لاحتواء هشاشة الإنسان لحظة المرض.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح في الطب المعاصر هو مدى ذكاء الخوارزمية، بل كيف صُمِّم النظام الذي يسمح لها بالمشاركة في القرار السريري.

هندسة القرار

وهم «الضمير الاصطناعي»

يتكرر في النقاش العام سؤال جذاب إعلامياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلك ضميراً؟ لكن السؤال - رغم انتشاره - يقود النقاش في الاتجاه الخطأ. فالآلة لا تحمل نية، ولا تشعر بالندم، ولا تختبر التردد الأخلاقي الذي يسبق القرار الطبي الصعب... إنها نظام رياضي يحسّن احتمالات ويتعلم أنماطاً ضمن أهداف يحددها البشر مسبقاً.

الضمير ليس خاصية برمجية يمكن إضافتها عبر تحديثٍ تقني، بل تجربة إنسانية مرتبطة بالمسؤولية وتحمل العواقب. ومنذ أبقراط وابن سينا، لم يكن الطب مجرد حساب احتمالات، بل علاقة أخلاقية يتحمل فيها الطبيب تبعات قراره أمام إنسان حي، لا أمام نموذج بيانات.

حين يصبح الخطأ غير مرئي

المشكلة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي الطبي لا تظهر عندما يخطئ النظام، بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ.

وفي دراسة حديثة نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة الطبيعة للطب الرقمي (Nature Medicine)، قادها الباحث الدكتور مارشال تشينغ (Marshall Chin) من كلية الطب في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة، حذّر الباحثون من ظاهرة تُعرف بـ«انجراف النماذج السريرية» (Model Drift)، حيث تتراجع دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي تدريجياً مع تغيّر خصائص المرضى أو البيئات الصحية دون أن يلاحظ الأطباء ذلك فوراً.

وأظهرت الدراسة أن الأنظمة قد تستمر في إعطاء توصيات تبدو موثوقة، رغم أن الواقع السريري الذي دُرّبت عليه لم يعد موجوداً بالكامل. وهنا يتحول الخطأ من حادثة واضحة إلى انحراف صامت داخل منظومة القرار.

الخطر إذن ليس في فشل الخوارزمية، بل في نجاحها الظاهري أثناء فقدانها الدقة الفعلية.

القيم الخفية داخل الأنظمة الذكية

وفي تحليل نُشر عام 2026 في مجلة الذكاء الاصطناعي لمجلة (نيو إنغلاند) الطبية (NEJM AI)، ناقش باحثون بقيادة الدكتورة سوتشي سريا (Suchi Saria) من جامعة جونز هوبكنز كيف تحمل أدوات الذكاء الاصطناعي السريرية ما أسموه «القيم الضمنية المدمجة» فالخوارزمية لا تتنبأ فقط، بل تعكس أولويات جرى اختيارها مسبقاً أثناء التصميم:

- هل الهدف تقليل مدة بقاء المريض في المستشفى؟

- أم خفض التكلفة التشغيلية؟

- أم تقليل المخاطر القانونية على المؤسسة؟

هذه القرارات لا تظهر للطبيب أو المريض، لكنها تحدد اتجاه القرار الطبي بصمت. وعندما تُزرع القيم داخل النظام دون شفافية، تتحول التقنية إلى سياسة علاجية غير معلنة.

من تحسين الأداء إلى هندسة الحدود

لهذا السبب، لم يعد السؤال العلمي اليوم كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة فحسب، بل كيف نجعله أكثر أماناً حين يفشل. ويدعو الاتجاه البحثي الأحدث في 2026 إلى تصميم أنظمة قادرة على الاعتراف بحدودها، بحيث يستطيع النظام أن يقول: لا أعلم عندما يرتفع مستوى عدم اليقين.

ويشمل ذلك:

- مراقبة الأداء بمرور الزمن لا عند الإطلاق فقط.

- جعل التوصيات قابلة للتفسير السريري.

- وإبقاء القرار النهائي ضمن مسؤولية بشرية واضحة.

فالذكاء الاصطناعي قد يتفوق في سرعة الحساب، لكنه لا يقف أمام المريض لتحمل نتائج القرار.

الطب داخل المعادلة

الإنسان في مركز المعادلة

دخل الذكاء الاصطناعي الطب بالفعل، ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدامه، بل حول الشروط التي يجب أن يُستخدم ضمنها. فإذا صُمِّمت الأنظمة الصحية حول الكفاءة وحدها، فإنها تميل تدريجياً إلى اختصار الإنسان في رقم. وإذا بُنيت حول خفض التكلفة فقط، فقد يُعاد تعريف المريض كأنه مؤشر اقتصادي داخل منظومة تشغيلية واسعة. أما عندما يُصمَّم الذكاء الاصطناعي لحماية الحكم السريري البشري، فإنه يتحول إلى أداة تعزز الطبيب بدل أن تستبدل دوره الأخلاقي.

التحول الحقيقي إذن لا يحدث داخل الخوارزمية، بل في الفلسفة التي تحكم تصميمها. فالطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع، بل نحو القرار الأكثر مسؤولية.

* الطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع بل نحو القرار الأكثر مسؤولية*

التصميم الأخلاقي... الطب في عصر الخوارزميات

تشير الاتجاهات البحثية الحديثة في حوكمة الذكاء الاصطناعي الطبي خلال عام 2026 إلى مفهوم يُعرف بـ«التصميم الأخلاقي المسبق» (Ethics-by-Design)، وهو توجه تعمل عليه فرق بحثية في معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد بقيادة الباحث البروفسور لوتشيانو فلوريدي (Luciano Floridi)، حيث تُدمج مبادئ المساءلة والشفافية وحدود القرار منذ مرحلة بناء النظام، لا بعد وقوع الخطأ. والفكرة بسيطة لكنها عميقة: الأخلاق لا تُضاف بعد التشغيل، بل تُبنى داخل (architecture) هندسة القرار نفسه.

وعندما يصبح النظام قادراً على كشف عدم اليقين، وتنبيه الطبيب إلى حدوده، وإبقاء الإنسان داخل دائرة المسؤولية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يقلل إنسانية الطب - بل يحميها.

السؤال الذي سيحدد مستقبل الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي احتمالاً مستقبلياً في الممارسة الطبية، بل أصبح جزءاً من البنية اليومية لاتخاذ القرار السريري. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الآلة قادرة على التفكير، بل ما إذا كنا قد صممنا الأنظمة التي تستخدمها بطريقة تحمي المعنى الإنساني للطب.

فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضمير، لأنه لا يعيش عواقب قراراته، ولا يقف أمام المريض حين تسوء النتائج. ما يحتاج إليه حقاً هو تصميمٌ يضع حدوداً واضحة بين التوصية والمسؤولية، وبين الحساب والحكم السريري.

تشير تجارب الأنظمة الطبية الذكية التي يجري تطويرها عالمياً في عام 2026 إلى أن مستقبل الطب لن يتحدد بمدى تطور الخوارزميات، بل بقدرتنا على إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار، لا على هامشها.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: كم أصبح النظام ذكياً؟بل السؤال أبسط من ذلك... وأكثر جوهرية: هل أصبح الطب أكثر إنسانية بحكم التصميم؟


التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول
TT

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

في تطور علمي واعد يستكشف العلماء طريقة جديدة وجريئة لمحاربة أمراض القلب، تعتمد على تقنية تحرير الجينات التي قد تقدم يوماً ما حلاً دائماً لمشكلة ارتفاع الكوليسترول. لكن الباحثين يشددون على أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، ويفصله سنوات عن الاستخدام الواسع، وأن على المرضى الاستمرار في تناول أدويتهم الموصوفة حالياً.

«كريسبر» لتعديل خلايا الكبد

تعتمد التجارب على تقنية «كريسبر» (CRISPR) الشهيرة التي تعدل الحمض النووي «دي إن إيه» في خلايا الكبد لخفض مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة الضار(LDL). ويعتبر هذا النوع من الكوليسترول المسؤول عن تراكم اللويحات في الشرايين، ما يؤدي إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

وأصدرت شركتان هما «كريسبر ثيرابيوتكس» CRISPR Therapeutics و«فيرف ثيرابيوتكس» Verve Therapeutics دراستين صغيرتين تشيران إلى أن هذا النهج يمكن أن يقلل مستويات الكوليسترول بشكل كبير بجرعة واحدة فقط.

كيف تؤثر الجينات على الكوليسترول؟

يحتاج الجسم إلى كمية معينة من الكوليسترول، لكن الكمية الزائدة منه ضارة. ورغم أن النظام الغذائي يلعب دوراً، فإن الكبد هو المصدر الأساسي لإنتاج الكوليسترول. وتلعب الجينات دوراً حاسماً في تحديد مدى كفاءة الجسم في التعامل معه.

طفرات جينية نادرة لـ«المحظوظين»

ووجد الباحثون أن بعض الأشخاص المحظوظين يحملون طفرات جينية نادرة تعطل جينات معينة، ما يمنحهم مستويات منخفضة للغاية من الكوليسترول، ومناعة شبه كاملة ضد أمراض القلب. فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين لديهم طفرات تعطل جين ANGPTL3، أو جين PCSK9 لديهم مستويات منخفضة جداً من الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية. وقد ألهمت هذه التجارب الطبيعية العلماء محاولة تكرار هذا التأثير الوقائي باستخدام تقنية «كريسبر».

التجارب الأولية: نتائج واعدة

في دراسة «كريسبر ثيرابيوتكس» تلقى 15 بالغاً يعانون من مخاطر شديدة لارتفاع الكوليسترول حقنة واحدة تحتوي على أدوات التحرير الجيني التي تستهدف الكبد لتعطيل جين ANGPTL3. وفي غضون أسبوعين شهد المشاركون الذين تلقوا أعلى جرعة انخفاضاً في مستويات الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية إلى النصف.

وبالمثل أعلنت شركة «فيرف ثيرابيوتكس» أن التحرير الذي استهدف جين PCSK9 أنتج تخفيضات مماثلة في الكوليسترول الضار.

تحذير الخبراء

وكانت النتائج واعدة، لكن الخبراء يحذرون من أن تحرير الجينات لا يزال في مراحله المبكرة جداً. وقال الدكتور لوك لافين طبيب القلب الوقائي في كليفلاند كلينك في الولايات المتحدة إنه بعد مشاركته في تأليف دراسة واعدة نُشرت في مجلة نيوإنغلاند الطبية «the New England Journal of Medicine». في 5 فبراير (شباط) 2026 يريد الناس حلاً جذرياً لا مجرد حل مؤقت. وأضاف أنه بعد نشر الدراسة تلقى سيلاً من الاستفسارات من مرضى يأملون في المشاركة في التجارب المستقبلية، مما يعكس الرغبة الشديدة في التخلص من عبء تناول الأدوية اليومية.

جوانب السلامة وتغييرات غير مرغوب فيها في الجينوم

في حين أن الأفراد الذين لديهم هذه الجينات معطلة بشكل طبيعي لا تظهر عليهم آثار ضارة، يؤكد الخبراء على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث للإجابة عن أسئلة السلامة الحرجة.

وأشار الدكتور جوزيف وو من جامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في الدراسة، إلى أن الجسيمات المستخدمة لنقل أدوات «كريسبر» يمكن أن تهيج الكبد. كما أن التأثيرات طويلة المدى لا تزال غير معروفة، ولا يوجد تأكيد كافٍ على أن التحرير الجيني يصيب الهدف المقصود بدقة دون التسبب في تغييرات غير مرغوب فيها في أماكن أخرى من الجينوم.

من جانبه قال الدكتور كيران موسونورو من جامعة بنسلفانيا المؤسس المشارك لشركة «فيرف» إن بعض المشاركين في دراسة سابقة للشركة تمت متابعتهم لمدة عامين مع استمرار انخفاض الكوليسترول لديهم. وفي الفئران أثبتت الدراسات أن هذه التعديلات استمرت مدى الحياة. ومع ذلك فإن هذه البيانات الأولية لا تغني عن الحاجة إلى دراسات أكبر تمتد لسنوات عديدة على البشر.

خطوات لصحة القلب

في الوقت الحالي تؤكد جمعية القلب الأميركية على أهمية الالتزام بالاستراتيجيات المثبتة لصحة القلب والوقاية من الأمراض:

*النظام الغذائي: تناول طعام صحي غني بالفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية.

*النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام، لتعزيز الكوليسترول الجيد (HDL).

*الوزن والنوم: الحفاظ على وزن صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

*الفحوصات: التحكم في ضغط الدم، وسكر الدم، وتجنب التدخين.

وبخصوص الكوليسترول تحديداً يجب على البالغين الأصحاء استهداف مستوى كوليسترول ضار (LDL) أقل من 100 ملغم/ديسيلتر. أما الذين يعانون من أمراض القلب، أو ارتفاع الكوليسترول فيجب أن يستهدفوا مستوى 70 ملغم/ديسيلتر أو أقل.

تناول الأدوية

وتظل أدوية الستاتين مثل «ليبيتور» Lipitor و«كريستور» Crestor، أو بدائلها العامة الرخيصة، الخيار الأول الفعّال والآمن لخفض الكوليسترول. كما تتوفر أدوية إضافية للحالات التي لا تستجيب بشكل كافٍ للستاتين، أو لمن لا يستطيعون تحملها.

وتستهدف دراسات التحرير الجيني في الوقت الراهن المرضى الأكثر عرضة للخطر، والذين فشلت معهم العلاجات التقليدية.

وإلى أن تثبت الأبحاث الجديدة فعاليتها وسلامتها على المدى الطويل، يحث الأطباء المرضى على عدم التخلي عن العلاجات الحالية المتوفرة. يخلص الدكتور لافين إلى القول: «هذا علم مثير، لكن في الوقت الحالي تناول دواءك».