انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

سمات فريدة تميز شخصية الإنسان عن «المعايير السلوكية السائدة»

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك
TT

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

كلمة «غريب»، أو عبارة مثل: «غريب الأطوار»: تعبيرات بحد ذاتها تُبهج النفس، إنها ليست سريعة وحيوية فحسب، بل «بهلوانية» بامتياز؛ فهي تقفز لتنفذ حركة سريعة في الهواء قبل أن تدغدغ عقلك.

سمة بشرية فريدة

تُعرّف القواميس «الغرابة» أو «غرابة الأطوار» (quirk) بأنها «عادة سلوكية غريبة»، أو «سمة فريدة، مختلفة، وساحرة أحياناً، تجعل الشخص مميزاً في قلب الحشود»، أو كما يُعرّفها «قاموس أكسفورد»: «جانب من شخصية أو سلوك شخص ما غريب بعض الشيء»... ومع ذلك، تبقى هذه مجرد تجريدات باهتة.

لكن إليك الأمثلة التالية: من الاستحمام في الهواء (بنجامين فرانكلين) إلى الكتابة وقوفاً (فرجينيا وولف)؛ والاكتفاء بالقيلولة المتقطعة، بدلاً من النوم (ليوناردو دافنشي) إلى التحدث بصوت عالٍ مع النفس في أثناء العمل، أو الإجابة عن الأسئلة بفيض من المعلومات. إنها أمثلة تدل على أن غرابة الأشياء بكلّ خصائصها يتعذر حصرها، ما يُعد إحدى الدلائل على التباين اللانهائي في صور السلوك البشري. (وبالطبع، للحيوانات كذلك طباع غريبة. لدى صديقي كلب يسارع إلى مهاجمة شاشة التلفزيون كلما أطل وجه رئيس أميركي معين عليها).

انحرافات حميدة

ويكاد يكون لدى كل منا سمة غريبة أو اثنتان، ويقصد بها انحرافات حميدة عن معيار سلوكي «قياسي» مفترض - أو خرافي، حسبما يرى الكثيرون - أبسط من أن تُحدث احتكاكاً مع الآخرين أو أنها تُعيق الأداء، وغالباً ما تعزز القدرة على التفاعل مع العالم. ومهما كانت بسيطة، فإنها تميل إلى أن تكون سمات مميزة للأفراد، وبمثابة توقيعات فريدة للأشخاص، ووسائل لتيسير التواصل، وأعمدة للوعي الذاتي، ومصادر للنجاح الشخصي والمهني. ومع ذلك، فقد تجاهل علم النفس هذه الصفات وقيمتها تقريباً، وركز بدلاً من ذلك على صور الاضطرابات.

* قد تشكل توقيعاً متميزاً للأفراد ووسائل لتيسير التواصل ومصادر للنجاح الشخصي والمهني*

في هذا الصدد، قال عالم النفس المقيم في نيويورك، باري لوبيتكين: «للكثيرين، فإن الطباع الغريبة عبارة عن علامة مميزة: أنا فريد، ومختلف بشكل فريد. ولا شيء يُسعد الناس أكثر من الشعور بالتميز، والتفرد، والاختلاف».

وهنا يحمل مصطلح «الغرابة» وظيفة دلاليةً أخرى، إذ يُحوّل ما يُمكن اعتباره عيباً، أو بؤرةً للمرض، إلى مصدر فخرٍ. وأشار لوبيتكين إلى أن «الغرابة مصطلحٌ مُسلٍّ، فهو خفيفٌ على اللسان؛ فالناس لا يُريدون معرفة عاداتهم، لكنهم يستمتعون بفكرة امتلاك غرابةٍ مُعيّنة».

ولا يُمكن إنكار وجود حدودٍ مُبهمةٍ غالباً حول فكرة الغرابة، مثلاً بين الغرابة على جانبٍ من النظام الاجتماعي، والغرابة والمرض النفسي، خصوصاً اضطراب الوسواس القهري، على الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن هناك فرقاً مهماً: فبالإضافة إلى عدم إضعاف قدرة الناس على العمل، فإن الغرابة لا تُؤذي أو تُعيق بأي شكلٍ من الأشكال تفاعل الآخرين مع أصحابها، كما أوضح لوبيتكين.

ولا يعني هذا أن الغرابة لا يُمكن أن تُؤدّي وظيفةً نفسيةً مُهمة. إن الأشخاص الذين يتحدثون بصوت عالٍ إلى أنفسهم في أثناء العمل قد يفعلون ذلك لتقليل مستوى القلق، أو لإنهاء صوت النقد الداخلي.

إطار ذهني لسلوك مختلف

هناك كذلك تمييز داخلي مهم، يتعلق بالإطار الذهني الذي يبتكره الشخص لسلوكه المختلف: هل يرى اختلافه باعتباره نقيصة أم تفرداً؟

في الغالب، ينظر الناس إلى غرابتهم السلوكية على نحو سلبي في مرحلة الطفولة، في خضم محاولاتهم فهم تعقيدات الأعراف الثقافية ـ أعراف كثيراً ما يجري فرضها بقسوة عبر تنمّر زملاء المدرسة الإعدادية والثانوية. ومع ذلك، فإنهم عندما يكبرون وينضجون، ويشرعون في اكتشاف ذواتهم الحقيقية، يبدأون في الاستمتاع بتلك الغرائب.

ومع ذلك، هناك مَن لا يتجاوز أبداً استبداد تلك المعايير الاجتماعية المبكرة، فيبذلون قصارى جهودهم لإخفاء غرائبهم عن الآخرين. وقد تكون الغرائب محبّبة للغاية، ففي الواقع، فإن هذه السمات تضفي طابعاً إنسانياً على الفرد، من خلال تمييزه عن الآخرين، وخلق نقطة جاذبة للمشاعر الإيجابية.

وغالباً ما تُثير السمات الغريبة البهجة والدهشة، وتُعد أمثلة حيّة على تفرد الإنسان. وهناك جانب آخر يجعل الغرائب سمات محببة؛ فهي بريئة، لا تخدم غرضاً خفياً أو مصلحة شخصية.

في هذا الصدد، شرحت المعالجة المعنية بقضايا الأسرة سوزان بيرن - ستون، أن «الغرائب ليست تبادلية، أي أنها لا تُوجد لغرض تحقيق مكسب ما، بل هي تعبيرات صافية عن الشخصية». وأضافت: «إنها تُضيف متعة إلى التفاعل مع الشخص».

نموذج لفهم الغرابة: التنوع العصبي

إذا كان هناك نموذج لفهم الغرائب، فهو مفهوم «التنوع العصبي» (neurodiversity)، الذي يدور حول فكرة أن أدمغة البشر تعمل بطرق مختلفة، وإنه ضمن حدود معينة، لا تُعدّ الاختلافات في الإدراك والسلوك «نواقص» أو «اضطرابات»، وإنما اختلافات طبيعية وعضوية.

يكمن الهدف الرئيسي من هذا المفهوم في قبول الفردية: الامتناع عن إصدار أي حكم سلبي على التنوع البشري؛ وبدلاً من ذلك فتح الباب أمام الاستمتاع بهذه الاختلافات والاستفادة منها.

غالباً ما يرتبط مفهوم التنوع العصبي بـالتوحُّد؛ إذ نشأ أصلاً ضمن النقاشات المتعلقة بهذه الحالة. ونتيجة لذلك، كثيراً ما يجري وضع جميع مظاهر التنوع العصبي تحت مظلة التوحد.

غير أنه في الواقع، كما شرح الطبيب النفسي المقيم في نيويورك، غرانت برينر، أن التنوع العصبي يتجاوز طيف التوحد بكثير.

وعلى سبيل المثال، فإن التوحُّد لا يشمل كل أشكال معالجة الحواس غير التقليدية أو صعوبات التعلم غير اللفظية، ناهيك من الاختلافات الشخصية أو طرق التكيّف مع التجارب التنموية والشدائد، وكلها تسهم في تشكيل الطيف الواسع من الغرائب، التي تُضفي نكهة مميزة على صور السلوك البشري.

وأضافت عالمة النفس المقيمة في لوس أنجليس، ديبرا براوس، وهي أم داعمة للتنوع العصبي، ولديها ابن مصاب بالتوحد، أن هناك أبعاداً في التفكير أو الشعور أو السلوك يكون فيها كل إنسان غير نمطي بطريقة ما.

وأوضحت: «ليس بهم نقيصة أو بحاجة إلى إصلاح، بل لديهم فقط نظام تشغيل مختلف».

وأشارت إلى أن المشكلة تكمن في أن تربيتنا تجري على فكرة أن هناك طريقة واحدة صحيحة لفعل الأمور، وطريقة واحدة صحيحة لنكون «أشخاصاً طبيعيين» في هذا العالم. غير أنه في الحقيقة، نحن نستفيد من تعدد وجهات النظر وتنوع الأساليب.

ومع ذلك، نتولى الحكم على الآخرين ـ عادةً على نحو سلبي ـ بناءً على مقياس واحد ضيق، ونتولى «تجريم» أو «تشخيص» الاختلافات، باعتبارها اضطرابات.

وفي ظل تزايد تعقيد العالم ومشكلاته، يبدو جلياً أن التفكير المختلف أصبح ضرورةً متزايدة، خصوصاً أنه يُسهم في إيجاد طرق مبتكرة لحل المشكلات، فالأعمال الرقمية والتكنولوجية تُركز على التفاصيل ـ سمةٌ غالباً ما تكون من سمات التوحد.

وهم الكمال - احترام تباينات الطبيعة

وعلى نحو مماثل، تدحض الغرائب فكرة الكمال؛ فهي تُمثل دليلاً قاطعاً على أن الكمال ليس سوى وهمٍ وخيال، وأنه ليس مستحيلاً فحسب، بل غير ضروري وغير ذي أهمية، وأن السعي وراء الكمال ليس سوى عبث.

وتتجسد الغرائب الجمالية والفلسفة اليابانية المعروفة باسم «وابي سابي (Wabi-sabi)». وحسبما شرحها ليونارد كورين في كتابه «(وابي سابي) للفنانين والمصممين والشعراء والفلاسفة»، فإن «وابي سابي» نهجٌ يصعب استيعابه تجاه جميع جوانب الحياة، يُدرك عدم كمال الأشياء وزوالها، ويُقدّر ما هو شخصي وفريد، ويحترم الطبيعة، خاصة تبايناتها، ويتقبل عدم قدرتها على التحكم في جوهرها.

ويتجلى «وابي سابي» بوضوح في فن «الكينتسوغي (kintsugi)» الياباني، حيث لا يُغض الطرف عن العيوب فحسب، بل إنها تُبرز وتمنح مساحة لتتألق. عادةً، تُرمم قطعة فخار مكسورة، وتُغلّف الشظايا المتكسرة معاً بورنيش يحتوي على مسحوق ذهبي أو فضي مضيء. وبذلك، يصبح الإناء، عملياً، أقوى من ذي قبل، وفي الوقت ذاته لا يُخفى العيب، بل يجري عرضه وتحويله إلى ميزة.

في عالم البشر، تُعزّز الغرائب الود؛ فهي تربط بين الناس، وتُحفّز الألفة. عن ذلك، قال لوبيتكين: «إن النظر إلى عيوب الآخرين باعتبارها سمات محببة، تُمكّنني من تقبّل عيوبي والامتناع عن إصدار أحكام على الآخر».

إن تقدير النقائص لدى الآخرين يسمح للناس بأن يكونوا ضعفاء. في هذا الصدد، قال لوبيتكين: «إن رؤية صفة غريبة يُوظّفها شخص ما بشكل إيجابي تُعطي الإذن للآخرين (ليظهروا غرابتهم). إن الشيء الغريب الذي أحبه فيك يُساعدني على تقبّل ضعفي».

وكما قال برينر: «لهذا الأمر تأثير يضفي على الآخرين شعوراً بالتحرر».

نقاط قوة

في الواقع، إن النظر إلى الصفات المميزة باعتبارها نقاط قوة يُحرر الناس ويشجعهم على استخدامها كأدوات للتفاعل مع العالم. ويُقال إن أحداً لم يستفد من صفاته المميزة بقدر مارشال غولدسميث، الذي يُعتبر منذ زمنٍ طويلٍ المدرب التنفيذي الرائد في العالم، والرجل الذي ابتكر هذه المهنة بمفرده.

وأضاف: «سيخبرك أي شخص عملت معه أنني شديد المواجهة. أُلقي عليهم اللوم. أسخر منهم. في برنامج تدريب المدربين، أتحول إلى رمز لكل ما لا ينبغي فعله».

لن يتهم أحدٌ غولدسميث أبداً بأنه شخصٌ رتيب أو ممل، لكن صراحته المُفرطة تُناسب تماماً زبائنه المميزين - أشخاصٌ في القمة ليس لديهم أقرانٌ للتحدث معهم، ولا يسمعون الحقيقة أبداً ممن حولهم، وليس لديهم وقتٌ يُضيعونه - أضف إلى ذلك أن هؤلاء الأشخاص مفعمون بالوقاحة.

استغلال الصفات الغريبة إيجابياً

من ناحيةٍ أخرى، فإنّ اعتبار الصفات الغريبة عيوباً يجب إخفاؤها يدفع العقل نحو اتخاذ موقف دفاعي، لتجنب كشفها؛ وبذلك يُهدر الطاقة التي يُمكن توظيفها في مساعٍ إيجابية، بينما يسمح تقبّل الصفات الغريبة - ودمجها بسلاسة في الشخصية - باستغلالها على الوجه الأكمل. وبحسب برينر، فإنها صورة من صور «تعظيم الشخصية» - أي أن تكون أفضل نسخة من شخصيتك. وأضاف: «يشبه الأمر تعلّم استخدام التوابل المناسبة بالطريقة الصحيحة، فالأمر يصبح سمةً مُميّزةً». في الواقع، الأمر يصبح أشبه بتوقيع، أو علامة تجارية، أو أداة لتأكيد الأصالة.

ويبدأ إنجاح غرابتك عبر الوعي الذاتي، بمعنى معرفة نفسك، وقبولها، واختيار التعبير عنها. وكما الحال مع أي سمة، معرفة متى تُوظّفها. وهنا، أوضح برينر: «أنت بحاجة إلى القليل من الشجاعة أو الثقة لإظهار غرابتك الحقيقية». ويتطلب الأمر بعض الممارسة. «لا تخشَ المخاطرة. عليك أن تكون على استعداد لمواجهة الفشل. عليك أن تختبر، وأن تتبنى نهجاً ارتجالياً، وأن تسمح لنفسك بالخروج عن المألوف. عليك أن تجعل ذلك هدفاً نصب عينيك، وأن تُطلق العنان لنفسك لتكون النسخة الأفضل من غرابتك».

* مجلة «سيكولوجي توداي» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

صحتك حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)

كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

يلجأ كثيرون إلى مكملات الميلاتونين لتحسين النوم، بينما تُستخدم الأشواغاندا بوصفها خياراً عشبياً شائعاً لتخفيف التوتر والقلق... لكن ماذا يحدث عند تناولهما معاً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق اقتناء حيوان أليف يؤثر على الصحة والرفاهية (رويترز)

نتائج مُفاجئة لدراسة جديدة: الحيوانات الأليفة لا تُحسِّن الصحة النفسية

يقول العديد من مُلّاك الحيوانات الأليفة إن حيواناتهم مصدر سعادة كبير لهم، وأنها تُخفف عنهم الشعور بالوحدة وتُحسِّن من صحتهم النفسية بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق «المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك صورة لدماغ بشري على جهاز لوحي رقمي (بيكسلز)

ما أكبر خطأ ترتكبه ويضر بصحة دماغك؟ طبيب يجيب

يُعدّ الدماغ أحد أهم أعضاء الجسم، والعناية به أمرٌ أساسي للحفاظ على التركيز، والتمتع بحالة ذهنية جيدة، والعيش حياة طويلة وصحية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.