انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

سمات فريدة تميز شخصية الإنسان عن «المعايير السلوكية السائدة»

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك
TT

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

انْسَ المثالية... حان الوقت للاحتفاء بغرابتك

كلمة «غريب»، أو عبارة مثل: «غريب الأطوار»: تعبيرات بحد ذاتها تُبهج النفس، إنها ليست سريعة وحيوية فحسب، بل «بهلوانية» بامتياز؛ فهي تقفز لتنفذ حركة سريعة في الهواء قبل أن تدغدغ عقلك.

سمة بشرية فريدة

تُعرّف القواميس «الغرابة» أو «غرابة الأطوار» (quirk) بأنها «عادة سلوكية غريبة»، أو «سمة فريدة، مختلفة، وساحرة أحياناً، تجعل الشخص مميزاً في قلب الحشود»، أو كما يُعرّفها «قاموس أكسفورد»: «جانب من شخصية أو سلوك شخص ما غريب بعض الشيء»... ومع ذلك، تبقى هذه مجرد تجريدات باهتة.

لكن إليك الأمثلة التالية: من الاستحمام في الهواء (بنجامين فرانكلين) إلى الكتابة وقوفاً (فرجينيا وولف)؛ والاكتفاء بالقيلولة المتقطعة، بدلاً من النوم (ليوناردو دافنشي) إلى التحدث بصوت عالٍ مع النفس في أثناء العمل، أو الإجابة عن الأسئلة بفيض من المعلومات. إنها أمثلة تدل على أن غرابة الأشياء بكلّ خصائصها يتعذر حصرها، ما يُعد إحدى الدلائل على التباين اللانهائي في صور السلوك البشري. (وبالطبع، للحيوانات كذلك طباع غريبة. لدى صديقي كلب يسارع إلى مهاجمة شاشة التلفزيون كلما أطل وجه رئيس أميركي معين عليها).

انحرافات حميدة

ويكاد يكون لدى كل منا سمة غريبة أو اثنتان، ويقصد بها انحرافات حميدة عن معيار سلوكي «قياسي» مفترض - أو خرافي، حسبما يرى الكثيرون - أبسط من أن تُحدث احتكاكاً مع الآخرين أو أنها تُعيق الأداء، وغالباً ما تعزز القدرة على التفاعل مع العالم. ومهما كانت بسيطة، فإنها تميل إلى أن تكون سمات مميزة للأفراد، وبمثابة توقيعات فريدة للأشخاص، ووسائل لتيسير التواصل، وأعمدة للوعي الذاتي، ومصادر للنجاح الشخصي والمهني. ومع ذلك، فقد تجاهل علم النفس هذه الصفات وقيمتها تقريباً، وركز بدلاً من ذلك على صور الاضطرابات.

* قد تشكل توقيعاً متميزاً للأفراد ووسائل لتيسير التواصل ومصادر للنجاح الشخصي والمهني*

في هذا الصدد، قال عالم النفس المقيم في نيويورك، باري لوبيتكين: «للكثيرين، فإن الطباع الغريبة عبارة عن علامة مميزة: أنا فريد، ومختلف بشكل فريد. ولا شيء يُسعد الناس أكثر من الشعور بالتميز، والتفرد، والاختلاف».

وهنا يحمل مصطلح «الغرابة» وظيفة دلاليةً أخرى، إذ يُحوّل ما يُمكن اعتباره عيباً، أو بؤرةً للمرض، إلى مصدر فخرٍ. وأشار لوبيتكين إلى أن «الغرابة مصطلحٌ مُسلٍّ، فهو خفيفٌ على اللسان؛ فالناس لا يُريدون معرفة عاداتهم، لكنهم يستمتعون بفكرة امتلاك غرابةٍ مُعيّنة».

ولا يُمكن إنكار وجود حدودٍ مُبهمةٍ غالباً حول فكرة الغرابة، مثلاً بين الغرابة على جانبٍ من النظام الاجتماعي، والغرابة والمرض النفسي، خصوصاً اضطراب الوسواس القهري، على الجانب الآخر. ومع ذلك، فإن هناك فرقاً مهماً: فبالإضافة إلى عدم إضعاف قدرة الناس على العمل، فإن الغرابة لا تُؤذي أو تُعيق بأي شكلٍ من الأشكال تفاعل الآخرين مع أصحابها، كما أوضح لوبيتكين.

ولا يعني هذا أن الغرابة لا يُمكن أن تُؤدّي وظيفةً نفسيةً مُهمة. إن الأشخاص الذين يتحدثون بصوت عالٍ إلى أنفسهم في أثناء العمل قد يفعلون ذلك لتقليل مستوى القلق، أو لإنهاء صوت النقد الداخلي.

إطار ذهني لسلوك مختلف

هناك كذلك تمييز داخلي مهم، يتعلق بالإطار الذهني الذي يبتكره الشخص لسلوكه المختلف: هل يرى اختلافه باعتباره نقيصة أم تفرداً؟

في الغالب، ينظر الناس إلى غرابتهم السلوكية على نحو سلبي في مرحلة الطفولة، في خضم محاولاتهم فهم تعقيدات الأعراف الثقافية ـ أعراف كثيراً ما يجري فرضها بقسوة عبر تنمّر زملاء المدرسة الإعدادية والثانوية. ومع ذلك، فإنهم عندما يكبرون وينضجون، ويشرعون في اكتشاف ذواتهم الحقيقية، يبدأون في الاستمتاع بتلك الغرائب.

ومع ذلك، هناك مَن لا يتجاوز أبداً استبداد تلك المعايير الاجتماعية المبكرة، فيبذلون قصارى جهودهم لإخفاء غرائبهم عن الآخرين. وقد تكون الغرائب محبّبة للغاية، ففي الواقع، فإن هذه السمات تضفي طابعاً إنسانياً على الفرد، من خلال تمييزه عن الآخرين، وخلق نقطة جاذبة للمشاعر الإيجابية.

وغالباً ما تُثير السمات الغريبة البهجة والدهشة، وتُعد أمثلة حيّة على تفرد الإنسان. وهناك جانب آخر يجعل الغرائب سمات محببة؛ فهي بريئة، لا تخدم غرضاً خفياً أو مصلحة شخصية.

في هذا الصدد، شرحت المعالجة المعنية بقضايا الأسرة سوزان بيرن - ستون، أن «الغرائب ليست تبادلية، أي أنها لا تُوجد لغرض تحقيق مكسب ما، بل هي تعبيرات صافية عن الشخصية». وأضافت: «إنها تُضيف متعة إلى التفاعل مع الشخص».

نموذج لفهم الغرابة: التنوع العصبي

إذا كان هناك نموذج لفهم الغرائب، فهو مفهوم «التنوع العصبي» (neurodiversity)، الذي يدور حول فكرة أن أدمغة البشر تعمل بطرق مختلفة، وإنه ضمن حدود معينة، لا تُعدّ الاختلافات في الإدراك والسلوك «نواقص» أو «اضطرابات»، وإنما اختلافات طبيعية وعضوية.

يكمن الهدف الرئيسي من هذا المفهوم في قبول الفردية: الامتناع عن إصدار أي حكم سلبي على التنوع البشري؛ وبدلاً من ذلك فتح الباب أمام الاستمتاع بهذه الاختلافات والاستفادة منها.

غالباً ما يرتبط مفهوم التنوع العصبي بـالتوحُّد؛ إذ نشأ أصلاً ضمن النقاشات المتعلقة بهذه الحالة. ونتيجة لذلك، كثيراً ما يجري وضع جميع مظاهر التنوع العصبي تحت مظلة التوحد.

غير أنه في الواقع، كما شرح الطبيب النفسي المقيم في نيويورك، غرانت برينر، أن التنوع العصبي يتجاوز طيف التوحد بكثير.

وعلى سبيل المثال، فإن التوحُّد لا يشمل كل أشكال معالجة الحواس غير التقليدية أو صعوبات التعلم غير اللفظية، ناهيك من الاختلافات الشخصية أو طرق التكيّف مع التجارب التنموية والشدائد، وكلها تسهم في تشكيل الطيف الواسع من الغرائب، التي تُضفي نكهة مميزة على صور السلوك البشري.

وأضافت عالمة النفس المقيمة في لوس أنجليس، ديبرا براوس، وهي أم داعمة للتنوع العصبي، ولديها ابن مصاب بالتوحد، أن هناك أبعاداً في التفكير أو الشعور أو السلوك يكون فيها كل إنسان غير نمطي بطريقة ما.

وأوضحت: «ليس بهم نقيصة أو بحاجة إلى إصلاح، بل لديهم فقط نظام تشغيل مختلف».

وأشارت إلى أن المشكلة تكمن في أن تربيتنا تجري على فكرة أن هناك طريقة واحدة صحيحة لفعل الأمور، وطريقة واحدة صحيحة لنكون «أشخاصاً طبيعيين» في هذا العالم. غير أنه في الحقيقة، نحن نستفيد من تعدد وجهات النظر وتنوع الأساليب.

ومع ذلك، نتولى الحكم على الآخرين ـ عادةً على نحو سلبي ـ بناءً على مقياس واحد ضيق، ونتولى «تجريم» أو «تشخيص» الاختلافات، باعتبارها اضطرابات.

وفي ظل تزايد تعقيد العالم ومشكلاته، يبدو جلياً أن التفكير المختلف أصبح ضرورةً متزايدة، خصوصاً أنه يُسهم في إيجاد طرق مبتكرة لحل المشكلات، فالأعمال الرقمية والتكنولوجية تُركز على التفاصيل ـ سمةٌ غالباً ما تكون من سمات التوحد.

وهم الكمال - احترام تباينات الطبيعة

وعلى نحو مماثل، تدحض الغرائب فكرة الكمال؛ فهي تُمثل دليلاً قاطعاً على أن الكمال ليس سوى وهمٍ وخيال، وأنه ليس مستحيلاً فحسب، بل غير ضروري وغير ذي أهمية، وأن السعي وراء الكمال ليس سوى عبث.

وتتجسد الغرائب الجمالية والفلسفة اليابانية المعروفة باسم «وابي سابي (Wabi-sabi)». وحسبما شرحها ليونارد كورين في كتابه «(وابي سابي) للفنانين والمصممين والشعراء والفلاسفة»، فإن «وابي سابي» نهجٌ يصعب استيعابه تجاه جميع جوانب الحياة، يُدرك عدم كمال الأشياء وزوالها، ويُقدّر ما هو شخصي وفريد، ويحترم الطبيعة، خاصة تبايناتها، ويتقبل عدم قدرتها على التحكم في جوهرها.

ويتجلى «وابي سابي» بوضوح في فن «الكينتسوغي (kintsugi)» الياباني، حيث لا يُغض الطرف عن العيوب فحسب، بل إنها تُبرز وتمنح مساحة لتتألق. عادةً، تُرمم قطعة فخار مكسورة، وتُغلّف الشظايا المتكسرة معاً بورنيش يحتوي على مسحوق ذهبي أو فضي مضيء. وبذلك، يصبح الإناء، عملياً، أقوى من ذي قبل، وفي الوقت ذاته لا يُخفى العيب، بل يجري عرضه وتحويله إلى ميزة.

في عالم البشر، تُعزّز الغرائب الود؛ فهي تربط بين الناس، وتُحفّز الألفة. عن ذلك، قال لوبيتكين: «إن النظر إلى عيوب الآخرين باعتبارها سمات محببة، تُمكّنني من تقبّل عيوبي والامتناع عن إصدار أحكام على الآخر».

إن تقدير النقائص لدى الآخرين يسمح للناس بأن يكونوا ضعفاء. في هذا الصدد، قال لوبيتكين: «إن رؤية صفة غريبة يُوظّفها شخص ما بشكل إيجابي تُعطي الإذن للآخرين (ليظهروا غرابتهم). إن الشيء الغريب الذي أحبه فيك يُساعدني على تقبّل ضعفي».

وكما قال برينر: «لهذا الأمر تأثير يضفي على الآخرين شعوراً بالتحرر».

نقاط قوة

في الواقع، إن النظر إلى الصفات المميزة باعتبارها نقاط قوة يُحرر الناس ويشجعهم على استخدامها كأدوات للتفاعل مع العالم. ويُقال إن أحداً لم يستفد من صفاته المميزة بقدر مارشال غولدسميث، الذي يُعتبر منذ زمنٍ طويلٍ المدرب التنفيذي الرائد في العالم، والرجل الذي ابتكر هذه المهنة بمفرده.

وأضاف: «سيخبرك أي شخص عملت معه أنني شديد المواجهة. أُلقي عليهم اللوم. أسخر منهم. في برنامج تدريب المدربين، أتحول إلى رمز لكل ما لا ينبغي فعله».

لن يتهم أحدٌ غولدسميث أبداً بأنه شخصٌ رتيب أو ممل، لكن صراحته المُفرطة تُناسب تماماً زبائنه المميزين - أشخاصٌ في القمة ليس لديهم أقرانٌ للتحدث معهم، ولا يسمعون الحقيقة أبداً ممن حولهم، وليس لديهم وقتٌ يُضيعونه - أضف إلى ذلك أن هؤلاء الأشخاص مفعمون بالوقاحة.

استغلال الصفات الغريبة إيجابياً

من ناحيةٍ أخرى، فإنّ اعتبار الصفات الغريبة عيوباً يجب إخفاؤها يدفع العقل نحو اتخاذ موقف دفاعي، لتجنب كشفها؛ وبذلك يُهدر الطاقة التي يُمكن توظيفها في مساعٍ إيجابية، بينما يسمح تقبّل الصفات الغريبة - ودمجها بسلاسة في الشخصية - باستغلالها على الوجه الأكمل. وبحسب برينر، فإنها صورة من صور «تعظيم الشخصية» - أي أن تكون أفضل نسخة من شخصيتك. وأضاف: «يشبه الأمر تعلّم استخدام التوابل المناسبة بالطريقة الصحيحة، فالأمر يصبح سمةً مُميّزةً». في الواقع، الأمر يصبح أشبه بتوقيع، أو علامة تجارية، أو أداة لتأكيد الأصالة.

ويبدأ إنجاح غرابتك عبر الوعي الذاتي، بمعنى معرفة نفسك، وقبولها، واختيار التعبير عنها. وكما الحال مع أي سمة، معرفة متى تُوظّفها. وهنا، أوضح برينر: «أنت بحاجة إلى القليل من الشجاعة أو الثقة لإظهار غرابتك الحقيقية». ويتطلب الأمر بعض الممارسة. «لا تخشَ المخاطرة. عليك أن تكون على استعداد لمواجهة الفشل. عليك أن تختبر، وأن تتبنى نهجاً ارتجالياً، وأن تسمح لنفسك بالخروج عن المألوف. عليك أن تجعل ذلك هدفاً نصب عينيك، وأن تُطلق العنان لنفسك لتكون النسخة الأفضل من غرابتك».

* مجلة «سيكولوجي توداي» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

العزوبية ليست وحدة… دراسة تكشف عن فوائدها لاكتشاف الذات

يوميات الشرق العزوبية أحياناً تكون فرصة لاكتشاف الذات والاهتمامات الشخصية (بيكسلز)

العزوبية ليست وحدة… دراسة تكشف عن فوائدها لاكتشاف الذات

أشارت دراسة جديدة إلى أن العزوبية قد توفر بدورها فرصاً للنمو الشخصي واكتشاف الذات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك استخدام الأطفال والمراهقين روبوتات الدردشة للحصول على الدعم العاطفي قد يصيبهم بالمشكلات النفسية (بيكسلز)

روبوتات الدردشة قد تتسبب في مشكلات نفسية للأطفال والمراهقين

كشفت دراسة حديثة عن ارتباط مقلق بين استخدام الأطفال والمراهقين لروبوتات الدردشة للحصول على الدعم العاطفي وارتفاع مستويات المشكلات النفسية لديهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك فرط الاستجابة الحسّية لا يرتبط فقط بالتوحد… بل بالقلق أيضاً

فرط الاستجابة الحسّية لا يرتبط فقط بالتوحد… بل بالقلق أيضاً

15 إلى 20 % من الأطفال يعانون من أعراضها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك مع وصول الرجال إلى عمر الأربعين قد يلاحظون تغيراً بمستوى نشاطهم (رويترز)

أسباب انخفاض الطاقة لدى بعض الرجال بعد الأربعين

مع وصول الرجال إلى عمر الأربعين، قد يلاحظون تغيراً في مستوى نشاطهم وقدرتهم على أداء مهامّهم اليومية، فيشعرون بالتعب أسرع من المعتاد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق القلق يجعلك تفقد الكثير مما تقدمه الحياة (بيكسباي)

كيفية التعايش مع شريك دائم القلق

غالباً ما يتعامل الأفراد الذين يعانون من القلق عن طريق تجنب الأنشطة والأماكن التي تزيد قلقهم، وغالباً ما يعاني شركاء وأزواج هؤلاء الأفراد من القلق أيضاً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض
TT

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

فحص جيني عند الولادة قد يكشف خطر السرطان قبل ظهور الأعراض

كشفت دراسة سكانية واسعة أن تحليل الحمض النووي من بضع قطرات من الدم المأخوذة من كعب الطفل بعد الولادة قد يساعد في اكتشاف طفرات وراثية تزيد خطر الإصابة ببعض سرطانات الطفولة قبل ظهور الأعراض.

وقاد الدراسة باحثون من مركز دانا - فاربر/بوسطن للأطفال لأمراض السرطان والدم بالتعاون مع باحثين من Mass General Brigham، وهو نظام صحي أكاديمي غير ربحي في الولايات المتحدة يجمع بين رعاية المرضى والبحث الطبي والتعليم.

وتشير النتائج التي نُشرت في مجلة «Nature Communications» في 12 أغسطس (آب) 2026 إلى أن إضافة الفحص الجيني إلى برامج فحوصات حديثي الولادة قد تتيح التعرف إلى الأطفال الأكثر عرضة لبعض السرطانات منذ الأيام الأولى من حياتهم، ما يفتح المجال أمام مراقبة طبية مبكرة، واكتشاف الأورام في مراحل أكثر قابلية للعلاج.

قطرة دم قد تكشف الخطر مبكراً

ويخضع الأطفال حديثو الولادة في الولايات المتحدة حالياً لفحوصات روتينية للكشف عن مجموعة من الأمراض النادرة، والقابلة للعلاج، من خلال تحليل بضع قطرات من الدم تؤخذ من كعب الطفل بعد نحو 24 ساعة من ولادته.

لكن هذه الفحوصات لا تبحث حالياً عن خطر الإصابة بالسرطان، لأن ذلك يتطلب تحليل تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه). ويرى الباحثون أن عينات الدم نفسها يمكن أن توفر فرصة للكشف عن طفرات وراثية موروثة -أو جديدة- تجعل بعض الأطفال أكثر عرضة للإصابة بالسرطان في سن مبكرة بطريقة تشبه الفحوصات الجينية التي تحدد لدى البالغين خطر الإصابة ببعض السرطانات، مثل سرطان الثدي، أو القولون.

نحو 7 % يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان

كما حلل الباحثون عينات دم مجففة محفوظة لـ1948 طفلاً ولدوا في ولاية ميشيغان، ثم أصيبوا لاحقاً بورم صلب، أو ورم في الدماغ قبل بلوغ سن الثامنة. وباستخدام فحص شمل 11 جيناً كلها معروفة بارتباطها بمتلازمات الاستعداد الوراثي للسرطان لدى الأطفال، اكتشف الفريق طفرات مرضية، أو يُرجح أن تكون مرضية لدى 132 طفلاً، أي نحو 7 في المائة من المجموعة.

وكانت الغالبية العظمى من هذه الطفرات مرتبطة بنوع الورم الذي أصيب به الطفل لاحقاً، إذ كان الجين مرتبطاً بنوع السرطان الذي تطور لدى 130 من أصل 132 طفلاً. ويقدر الباحثون أن تطبيق مثل هذا البرنامج على نطاق واسع في الولايات المتحدة يمكن أن يساعد في تحديد نحو ألف طفل سنوياً قد يستفيدون من المراقبة المبكرة، والعلاج في الوقت المناسب.

السرطان ظهر في عمر أصغر

ومن أبرز النتائج أن الأطفال الذين يحملون طفرات مرتبطة بالسرطان أصيبوا بالمرض في سن أصغر بكثير من الأطفال الذين لم تظهر لديهم هذه الطفرات. فقد بلغ متوسط العمر الوسيط عند التشخيص 14 شهراً لدى الأطفال الذين اكتُشفت لديهم طفرة مقارنة بـ32 شهراً لدى الأطفال الذين لم تكن لديهم طفرة مكتشفة.

ويرى الباحثون أن هذا الفارق يبرز أهمية معرفة الخطر مسبقاً، خصوصاً أن بعض الأورام قد تتطور خلال فترة قصيرة جداً من حياة الطفل.

سرطان العين نموذج واضح

وقدم سرطان الشبكية Retinoblastoma مثالاً واضحاً على الفائدة المحتملة للفحص الجيني المبكر.

فقد اكتشف الباحثون طفرات في جين RB1 لدى 69 طفلاً أصيب 68 منهم لاحقاً بسرطان الشبكية. وكان الأطفال الذين يحملون الطفرة يُشخّصون في عمر وسطي يبلغ 9 أشهر مقارنة بـ23 شهراً لدى المصابين الذين لم تظهر لديهم الطفرة.

ولو تم التعرف إلى هؤلاء الأطفال منذ الولادة لكان بالإمكان إخضاعهم لفحوصات منتظمة للعين بهدف اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وهو ما قد يساعد على الحفاظ على البصر، وتقليل الحاجة إلى علاجات أكثر شدة، مثل استئصال العين، أو العلاج الكيميائي، أو الإشعاعي.

خطوة نحو الوقاية قبل ظهور المرض

وظهرت أقوى الروابط الوراثية في بعض السرطانات التي يُعرف مسبقاً ارتباطها بمتلازمات وراثية محددة. فقد حمل جميع الأطفال الستة الذين أصيبوا بسرطان الغدة الدرقية النخاعي طفرة موروثة في جين RET، بينما ظهرت طفرة RB1 لدى 40 في المائة من الأطفال المصابين بسرطان الشبكية.

ولا يعني اكتشاف طفرة وراثية أن الطفل سيصاب بالسرطان حتماً، لكنه قد يشير إلى ارتفاع الخطر، ويتيح وضع خطة مراقبة خاصة بالحالة. ويعمل الباحثون حالياً على تطوير آليات لإدخال فحوصات جينية للكشف عن مخاطر السرطان ضمن برامج فحص حديثي الولادة، بحيث يمكن تحويل الأطفال الذين تظهر لديهم طفرات خطرة إلى برامج متابعة متخصصة.

وقد يمثل هذا النهج تحولاً مهماً من انتظار ظهور أعراض السرطان إلى البحث عن خطره منذ الولادة، بما قد يتيح اكتشاف الأورام في مراحل أبكر، وعلاجها بطرق أقل سمية، وأكثر فاعلية.


«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
TT

«ليب 2026»: يد اصطناعية ذكية تستشعر اللمس وتستجيب لإشارات العضلات

 «أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية
«أبيليتي هاند» اليد الاصطناعية الذكية

من بين الابتكارات الطبية اللافتة التي يعرضها مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، تبرز يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) التي طورتها شركة «سايونيك» (PSYONIC) الأميركية، وهي يد اصطناعية بيونية متقدمة تحاكي بعض وظائف اليد البشرية؛ إذ تستجيب للإشارات الكهربائية الصادرة عن عضلات المستخدم لتحريك الأصابع والإمساك بالأشياء، كما تتيح استشعار اللمس من خلال مستشعرات مدمجة في أطراف الأصابع. ويقدم هذا الابتكار نموذجاً للتطور المتسارع في الأطراف الاصطناعية، وللتقارب المتزايد بين جسم الإنسان والتقنيات الذكية.

الدكتور عديل أختر مؤسس «سايونيك»

يد «تستمع» إلى العضلات

ويستعرض الدكتور عديل أختر (Aadeel Akhtar)، مؤسس شركة «سايونيك» ورئيسها التنفيذي، هذه التقنية خلال اليوم الثاني من «ليب 2026»، في جلسة ضمن «تيك أرينا» (Tech Arena) بعنوان «اليد البيونية التي تتعلم منك» (The Bionic Hand That Learns From You)، موضحاً كيف يمكن للإشارات العضلية والتغذية الحسية الراجعة أن تمنح الأطراف الاصطناعية قدرة أكبر على التفاعل الطبيعي مع المستخدم والعالم المحيط.

تستجيب يد «أبيليتي هاند» (Ability Hand) للإشارات الكهربائية الدقيقة التي تولدها العضلات، والمعروفة باسم تخطيط كهربائية العضلات (Electromyography – EMG).

وتلتقط أنظمة التحكم هذه الإشارات من العضلات المتبقية لدى المستخدم، ثم تترجمها إلى أوامر تحرك أصابع اليد الاصطناعية وتتيح أنماطاً مختلفة من الإمساك. وتضم اليد خمسة أصابع متعددة المفاصل وإبهاماً قابلاً للدوران، بينما يبلغ وزنها نحو 490 غراماً، بما يجعل تصميمها قريباً من حيث الوزن والحركة من اليد البشرية.

لكن الجانب الطبي الأكثر إثارة لا يقتصر على الحركة؛ فاليد مزودة بمستشعرات للضغط في أطراف الأصابع ترصد مقدار القوة المستخدمة عند ملامسة الأشياء والإمساك بها، ثم تنقل هذه المعلومات إلى المستخدم في صورة تغذية حسية راجعة (Sensory Feedback) عبر الاهتزاز. وهكذا لا تبقى العلاقة مجرد أمر ترسله العضلات إلى طرف اصطناعي لينفذه، بل تتحول إلى حلقة تفاعل ثنائية الاتجاه: ترسل العضلات الإشارة، فتتحرك اليد وتستشعر الضغط، ثم تعيد جزءاً من المعلومات الحسية إلى المستخدم.

من إشارات العضلات إلى حركة اليد: كيف تعمل الأطراف الاصطناعية الذكية؟

الذكاء الاصطناعي المادي

ولا تتوقف أهمية هذه التقنية عند تعويض الطرف المفقود واستعادة بعض وظائف اليد، بل تفتح نافذة على مفهوم آخذ في الانتشار هو «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي انتقال الذكاء الاصطناعي من عالم الكلمات والصور والبيانات على الشاشات إلى أنظمة مادية تستطيع الاستشعار والحركة والتفاعل مع البيئة المحيطة.

واللافت أن انتقال المعرفة لا يسير في اتجاه واحد من التكنولوجيا إلى الإنسان، بل بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ من حركة الإنسان وتفاعله مع الأشياء إلى الروبوتات. ففي مارس (آذار) 2026، أعلنت شركة «سايونيك» تعاوناً مع شركة «إنفيديا» لدمج يد «أبيليتي هاند» في منصة «إسحاق لاب» (Isaac Lab) المخصصة لتدريب وتطوير الأنظمة الروبوتية، بما يتيح للباحثين دراسة حركات اليد وأنماط الإمساك والتفاعل مع الأشياء، والاستفادة منها في تطوير روبوتات أكثر مهارة ودقة.

وهكذا، فإن اليد المعروضة في «ليب 2026» لا تقدم مجرد صورة عن مستقبل الأطراف الاصطناعية، بل تشير إلى تحول أوسع تصبح فيه الحركة واللمس والتفاعل الجسدي جزءاً من البيئة التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي ويتعامل معها. فالحدود التي فصلت طويلاً بين الذكاء الرقمي والآلة المادية بدأت تصبح أقل وضوحاً.

حدود السلامة... والاستقلالية

ومع اقتراب هذه الأنظمة أكثر من جسم الإنسان، يبرز سؤال طبي لا يقل أهمية عن قدراتها التقنية: كيف نضمن سلامتها ودقتها، وأين نضع حدود استقلاليتها؟ فالخطأ في إجابة يولدها نموذج للذكاء الاصطناعي على شاشة يمكن مراجعته أو تجاهله، أما الخطأ في نظام ذكي يتحرك ويلامس الإنسان ويتفاعل مباشرة مع العالم المادي، فقد تكون له عواقب مختلفة تماماً. ولذلك، فإن الانتقال نحو «الذكاء الاصطناعي المادي» لا يحتاج إلى هندسة أكثر تطوراً فحسب، بل إلى معايير أكثر صرامة للسلامة والاختبار والحوكمة.


مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟
TT

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

مؤتمر «ليب 2026» في الرياض: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي بنية تحتية... من يحكم العقل الجديد للطب؟

من قلب ملهم، شمال الرياض، انطلقت اليوم أعمال «ليب 2026» وسط مشهد يعكس حجم التحول الذي يشهده عالم التقنية.

من قلب «ليب»... سؤال يتجاوز التقنية

آلاف المتخصصين، وصنّاع التكنولوجيا، والمستثمرين، وشركات تتسابق لعرض جيل جديد من الأنظمة الذكية؛ من الذكاء الاصطناعي الوكيل، والنماذج الأكثر قدرة واستقلالية، إلى الروبوتات، والأنظمة التي بدأت تنقل الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى البنية التشغيلية للمؤسسات.

وبين أروقة المؤتمر وعروضه تبدو الصورة للوهلة الأولى احتفالاً بما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على فعله. لكن بالنسبة إلى الرعاية الصحية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل ماذا يحدث عندما يصبح من الصعب على النظام الصحي أن يعمل من دونه؟

«ليب 2026» في الرياض... الذكاء الاصطناعي يدخل عصر البنية التحتية

طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي

هنا يبدأ تحول أعمق من مجرد ظهور خوارزمية أكثر دقة. فعندما يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة يستدعيها الطبيب عند الحاجة، ويصبح جزءاً من البنية التي تعتمد عليها المؤسسة في تحليل المعلومات، وترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد، والمشاركة في اتخاذ القرار، فإننا لا نكون أمام تقنية جديدة فحسب، بل أمام طبقة جديدة من الذكاء تدخل تدريجياً في صميم النظام الصحي.

«إشكالية» كبرى

والفارق جوهري. خوارزمية تساعد طبيباً على قراءة صورة أشعة يمكن تقييمها بوصفها أداة سريرية محددة. لكن ماذا عن منظومة من الأنظمة الذكية تشارك في التشخيص، والفرز السريري، ومراقبة المرضى، وتوقع المخاطر، وإدارة تدفقها، وتوزيع الموارد، ثم تمتد إلى القرارات التشغيلية التي تحدد كيف يعمل المستشفى نفسه؟

عند هذه النقطة يتغير السؤال من «هل الخوارزمية دقيقة؟» إلى سؤال أكبر: هل المؤسسة التي تعتمد عليها قادرة على حكمها؟

وهذا هو السؤال الذي يحمله «ليب 2026» من عالم التقنية إلى قلب الطب. فحين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من البنية التحتية للرعاية الصحية، لا تعود الحوكمة مسألة تأتي بعد شراء التقنية، أو اعتمادها، بل تصبح جزءاً من البنية نفسها.

الذكاء الاصطناعي لم يعد يطرق باب المستشفى... إنه يبدأ في الدخول إلى عقله.

سلطان المريشد رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في «البحر الأحمر الدولية» متحدثاً خلال جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» في «ديب فيست»

حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»

ومن قلب فعاليات «ليب 2026» في الرياض، حضرت «الشرق الأوسط» جلسة «مستقبل الذكاء والذكاء الاصطناعي المؤسسي» The Future of Intelligence and Enterprise AI، ضمن فعاليات «ديب فيست»، التي ناقشت كيف يعيد الذكاء الاصطناعي الوكيل Agentic AI والنماذج التأسيسية تشكيل الصناعات، ودفع أنظمة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة، وبناء الجيل المقبل من البنية التحتية الذكية. وشارك في الجلسة سلطان المريشد، رئيس مجموعة «التقنية والتميز المؤسسي» في شركة «البحر الأحمر الدولية Red Sea Global»، إلى جانب إيزابيل كومار، المذيعة السابقة في «يورونيوز»، وناثان هانكوك، نائب الرئيس لمنطقة المملكة المتحدة وآيرلندا والشرق الأوسط في «أدوبي».

وعقب الجلسة، التقت «الشرق الأوسط» سلطان المريشد في حديث خاص، وطرحت عليه ثلاثة أسئلة حول موقع المملكة في سباق بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت الأخلاقيات والحوكمة يجب أن تصبحا جزءاً أصيلاً من هذه البنية، وإلى أين يمكن أن تصل المملكة خلال السنوات الخمس المقبلة؟

السعودية الأولى في المنطقة

وفي إجابته عن السؤال الأول، قال المريشد إن المملكة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، وفي إطار تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، من بناء بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي، مضيفاً: «أستطيع أن أقول إننا نعدّ الأول في المنطقة، والثالث عالمياً بعد الولايات المتحدة، والصين».

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وعندما سألته «الشرق الأوسط» عما إذا كانت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تعد جزءاً من هذه البنية التحتية، أجاب أن «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون جزءاً مهماً من البنية التحتية لأي ذكاء اصطناعي». وأشار إلى تجربة شركة «البحر الأحمر»، موضحاً أن مشاريع الذكاء الاصطناعي لديها تقترن باختيار جهة متخصصة تتولى تنظيم الجوانب المتعلقة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

أما السؤال الثالث، فتوجه إلى المستقبل: أين يمكن أن تكون المملكة بعد خمس سنوات؟ وأوضح المريشد أن شركة «البحر الأحمر» تمكنت من إنجاز مشاريع كبيرة في الذكاء الاصطناعي، شملت العمل على الوكلاء، والبنية التحتية لمشاريع الذكاء الاصطناعي، قبل أن يضيف: «أعتقد أنه بعد خمس سنوات ستكون المملكة الأولى عالمياً في امتلاك أقوى بنية تحتية للذكاء الاصطناعي».

معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي

وتكشف إجابات المريشد عن معنى أوسع لمفهوم «البنية التحتية» في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فهي لم تعد تقتصر على مراكز البيانات، والرقائق، والقدرة الحاسوبية، والاتصال، بل تمتد إلى الحوكمة، والأخلاقيات، وآليات الرقابة البشرية. فكلما ازدادت قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على الانتقال من تقديم الإجابة إلى اتخاذ الفعل، أصبح بناء الضوابط التي تحكم ذلك الفعل جزءاً من البنية التحتية نفسها، لا إضافة تنظيمية تأتي بعد اكتمالها.

لكن ما يُناقش هنا بوصفه تحولاً في مستقبل المؤسسات قد تكون له دلالة أعمق في الرعاية الصحية. فالمستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في قراءة الصور، والتنبؤ بالمخاطر، والفرز السريري، وإدارة تدفق المرضى؛ لا يضيف مجموعة من الأدوات الرقمية المنفصلة فحسب؛ إنه يبدأ، تدريجياً، في بناء طبقة من الذكاء داخل بنيته التشغيلية.

وهنا بدأت الأدبيات العلمية تطرح سؤالاً مختلفاً. فالتحدي لم يعد تطوير خوارزمية أكثر دقة، أو جمع مزيد من البيانات فقط، وإنما بناء البيئة التي تستطيع تشغيل هذه الأنظمة، ومراقبتها، والتحقق من أدائها، والتعلم منها باستمرار دون أن تفقد المؤسسة القدرة على التدخل، والمساءلة.

حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عقل المستشفى... الحوكمة نفسها تتحول إلى بنية تحتية

تحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي

وفي دراسة حديثة نشرتها مجلة «npj Health Systems»، طرح الباحثون مفهوم «مرفق التعلّم» (Learning Utility)، معتبرين أن أحد أهم الاختناقات أمام الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي لم يعد نقص البيانات، أو الخوارزميات، بل غياب البنية التقنية، والبشرية، والثقافية التي تسمح بتحويل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى تعلّم مستمر داخل النظام الصحي.

وهنا يصبح الفرق أساسياً: امتلاك الذكاء الاصطناعي شيء، وبناء مؤسسة قادرة على التعلم منه والتحكم به شيء آخر تماماً.

المستشفى لا يحتاج خوارزمية فقط

وهنا تتغير الطريقة التي ينبغي أن ننظر بها إلى دخول الذكاء الاصطناعي إلى المستشفى. فشراء نظام متطور، مهما بلغت دقته، لا يجعل المؤسسة «ذكية» تلقائياً؛ لأن القيمة الحقيقية للخوارزمية لا تتحدد بما تستطيع فعله في يوم تشغيلها الأول، بل بقدرة المستشفى على معرفة ما إذا كانت ستظل آمنة وموثوقة بعد أشهر وسنوات من الاستخدام.

إن المرضى يتغيرون، والبيانات تتغير، والممارسات السريرية تتطور، وحتى البيئة التي تعمل فيها الخوارزمية قد تختلف عن تلك التي اختُبرت فيها أصلاً. وقد يتراجع الأداء تدريجياً من دون أن يكون ذلك واضحاً للطبيب الذي يستخدم النظام في عمله اليومي. ولهذا يحتاج المستشفى إلى ما هو أبعد من شراء التقنية: آليات لمراقبة الأداء، واكتشاف تراجع الدقة، والتعامل مع الأخطاء، وحماية البيانات، وتحديد المسؤولية، وتدريب العاملين، والأهم من ذلك امتلاك القدرة على التدخل عندما لا يعمل النظام بالطريقة المتوقعة.

مراقبة مستمرة لأداء الذكاء الاصطناعي

وتدعم هذا الاتجاه دراسة نشرتها «npj Digital Medicine» في فبراير (شباط) 2026، إذ قدمت إطاراً ينظر إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي بوصفها منظومة مترابطة، وليست قراراً تقنياً منفرداً. وتبرز أهمية هذا المنظور في أن مسؤولية المؤسسة لا تنتهي عند اختبار النظام، والموافقة على استخدامه؛ فبعد دخوله البيئة السريرية تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، هي المراقبة المستمرة لأدائه، ورصد التغيرات التي قد تظهر مع الاستخدام الفعلي.

وهذا ربما يكون أحد أهم الفروق بين شراء الذكاء الاصطناعي وبناء مستشفى قادر على استخدامه بأمان. فالأول يمكن أن يحدث بقرار شراء وتركيب نظام، أما الثاني فإنه يحتاج إلى معرفة بشرية، وعمليات واضحة، ومراقبة مستمرة، وثقافة تسمح بالتساؤل، والاعتراض، والتدخل.

وهنا تظهر إحدى مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي: يمكن للمستشفى أن يشتري خوارزمية متقدمة، لكنه لا يستطيع شراء الجاهزية المؤسسية معها في الصندوق نفسه.

عندما تصبح البنية الذكية خطراً نظامياً

لكن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية يغيّر أيضاً طبيعة الخطأ الطبي نفسه. فالطبيب قد يخطئ في تشخيص حالة، أو اتخاذ قرار، ويبقى أثر الخطأ -في العادة- محصوراً بعدد المرضى، والقرارات التي يستطيع التعامل معها. أما عندما يكون الخطأ مدمجاً داخل نظام ذكي يعمل عبر مستشفى كامل، أو شبكة من المستشفيات، فقد لا يحدث مرة واحدة؛ بل يمكن أن يتكرر آلياً عبر آلاف الحالات، وبسرعة يصعب على الإنسان مجاراتها.

وهذه القدرة على التوسع هي في الوقت نفسه إحدى أعظم نقاط قوة الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت الخوارزمية جيدة، فإنه يمكنها أن تنشر المعرفة، وتدعم قرارات سريرية متسقة على نطاق لم يكن ممكناً من قبل. وإذا كانت المشكلة كامنة داخلها، فإن النطاق نفسه يستطيع تضخيمها.

وهنا تكمن المفارقة: ما يمنح الذكاء الاصطناعي قدرته على توسيع الفائدة، يمنحه أيضاً القدرة على توسيع الخطأ.

اكتشاف أخطاء النظم الذكية

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع ظهور النماذج العامة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث قد لا يبقى النموذج محصوراً في مهمة واحدة، بل تُستخدم القدرات نفسها عبر تطبيقات متعددة. ولهذا اقترح باحثون في «npj Digital Medicine» في مايو (أيار) الماضي نهجاً جديداً للمراقبة يركز على قدرات النموذج، وليس فقط على المهمة المحددة التي يؤديها، بهدف اكتشاف الأخطاء النظامية، والسلوكيات الناشئة التي قد تمتد آثارها عبر أكثر من استخدام.

وهذا يفرض تحولاً مهماً في مفهوم السلامة. فمراقبة أداء نظام واحد في مهمة واحدة قد لا تعود كافية عندما تكون القدرة الذكية نفسها مشتركة بين عشرات التطبيقات.

فحين تتوسع قدرة الذكاء الاصطناعي يجب أن تتوسع معها قدرة النظام الصحي على مراقبته.

الحوكمة نفسها يجب أن تصبح بنية تحتية

وهنا نصل إلى السؤال الذي ربما يكون أكثر أهمية من التقنية نفسها: هل إذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً دائماً من البنية التي تعمل من خلالها الرعاية الصحية، فهل يمكن أن تظل حوكمته نشاطاً دورياً: لجنة تجتمع عند الحاجة، أو سياسة تُكتب عند اعتماد النظام، ثم يُفترض أنها ستظل صالحة بينما تتغير التكنولوجيا من حولها؟

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ذلك لن يكون كافياً. ففي يوليو (تموز) 2026، أكد باحثون في «npj Digital Medicine» أن مجرد وجود الطبيب «داخل الحلقة» لا يضمن بالضرورة رقابة بشرية فعالة. فوجود الإنسان يصبح بلا قيمة حقيقية إذا لم يمتلك المعرفة التي تسمح له بفهم ما يفعله النظام، والوقت الكافي للتفكير في توصيته، والسلطة للاعتراض على التوصية، والقدرة العملية على التدخل عندما يكون القرار غير مناسب للمريض.

الحوكمة يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية

وهنا يتغير معنى الحوكمة نفسها. فهي لم تعد مجرد مجموعة من القواعد التي تسبق استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت قدرة تشغيلية مستمرة ترافق النظام طوال دورة حياته: من اختياره، والتحقق منه قبل الاستخدام، إلى مراقبة أدائه بعد دخوله العيادة، واكتشاف التغيرات، والأخطاء، وتحديد من يملك سلطة التدخل، وصولاً إلى إيقافه عندما تصبح سلامة المريض موضع شك.

وهذا يقود إلى فكرة قد تبدو غير مألوفة اليوم، لكنها قد تصبح بديهية في المستشفى الذكي مستقبلاً: الحوكمة نفسها يجب أن تصبح جزءاً من البنية التحتية.

فكما لا يستطيع المستشفى الحديث أن يعمل من دون الكهرباء، والمياه، والشبكات، والأنظمة الرقمية، فإن المستشفى الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي قد لا يستطيع استخدامه بأمان من دون بنية دائمة للمراقبة، والتحقق، والمساءلة، والتدخل البشري. والفرق أن هذه البنية الجديدة لا تنقل الكهرباء، أو البيانات، بل تحمي شيئاً أكثر حساسية: الثقة في القرارات التي تمس صحة الإنسان.

وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر اندماجاً في عمل المستشفى، لم يعد السؤال فقط كيف نحكم الخوارزمية... بل كيف نبني الحوكمة داخل النظام الذي أصبحت الخوارزمية جزءاً منه.

من «ليب» إلى المستشفى

وسط ما يعرضه «ليب 2026» من نماذج أكثر قدرة، وأنظمة أكثر استقلالية، ورؤية لمستقبل تصبح فيه البنية التحتية نفسها أكثر ذكاءً، يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية للرعاية الصحية من السؤال عن قدرات الخوارزمية: هل أصبحت المؤسسات التي ستستخدم هذا الذكاء أكثر استعداداً للتحكم به؟ فالانتقال من الخوارزمية إلى البنية التحتية لا يغير طريقة استخدام التقنية فحسب، بل يغير طبيعة المسؤولية عنها. وعندما تصبح الأنظمة الذكية جزءاً من التشخيص، والفرز، والمراقبة، وتوزيع الموارد، والقرارات التشغيلية اليومية؛ فإنه لا يمكن أن تبقى الحوكمة مرحلة تأتي بعد الابتكار؛ بل يجب أن تتطور بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرة هذه الأنظمة، وتأثيرها.

وقد لا يكون السباق الحقيقي في السنوات المقبلة بين المؤسسات التي تمتلك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل بين تلك التي تستطيع تحويل هذه النماذج إلى قيمة حقيقية من دون أن تفقد القدرة على مراقبتها، ومساءلتها، والتدخل عندما تخطئ.

ومن هنا، فإن ما نشاهده اليوم في «ليب» لا يتعلق فقط بمستقبل التقنية. إنه يفتح نقاشاً أوسع حول شكل المؤسسة الذكية نفسها: مؤسسة لا تكتفي بامتلاك الذكاء الاصطناعي، بل تمتلك أيضاً المعرفة، والأنظمة، والمسؤولية اللازمة للتحكم به.

وإذا كان الجيل المقبل من التقنية يبني بنية تحتية ذكية، فإن الرعاية الصحية ستحتاج، بالتوازي معها، إلى بنية تحتية للحوكمة، فالذكاء الاصطناعي قد يصبح جزءاً من عقل النظام الصحي... لكن مسؤولية التحكم بذلك العقل يجب أن تبقى بشرية.