من التفكير إلى التنفيذ… هل يُمكن للدماغ أن يُحرّك العالم؟

بين أروقة مؤتمر «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»

واجهة «الدماغ - الكمبيوتر»... تقرأ الأفكار والنوايا
واجهة «الدماغ - الكمبيوتر»... تقرأ الأفكار والنوايا
TT

من التفكير إلى التنفيذ… هل يُمكن للدماغ أن يُحرّك العالم؟

واجهة «الدماغ - الكمبيوتر»... تقرأ الأفكار والنوايا
واجهة «الدماغ - الكمبيوتر»... تقرأ الأفكار والنوايا

لم تكن قاعات قصر الأمم بجنيف، هذا الأسبوع، كأي قاعات مؤتمر تقليدي. ففي قمة «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير» لعام 2025، لم يكن السؤال الأبرز عن قدرات الآلة، بل عن قدرات الإنسان نفسه... وتحديداً عن دماغه. كيف يفكر؟ كيف يُشفر الرغبة في الحركة إلى إشارات عصبية؟ وهل يمكن لهذه الإشارات أن تتجاوز حدود الجسد لتُحرّك كرسياً، أو تكتب رسالةً، أو تنطق حلماً؟

واجهات «الدماغ - الكمبيوتر»

في ركنٍ من أركان المؤتمر، احتشد العلماء والخبراء لمتابعة ورشة علمية فريدة حول «واجهات الدماغ - الكمبيوتر» (Brain - Computer Interfaces)، وهي تقنية تقف على تقاطع العلم والتكنولوجيا والطب والأمل الإنساني... إنها ليست خيالاً علمياً كما كانت تُصوّرَ في أفلام التسعينات، بل أصبحت اليوم مجالاً نشطاً للأبحاث والتجارب السريرية، تُغيِّر حياة المرضى، وتعيد رسم العلاقة بين الدماغ والعالم الخارجي.

في تلك اللحظات، لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة برمجية، بل كان ترجماناً لإرادة الإنسان، ووسيطاً بين صمته وقوّته... بين الإعاقة والتمكين.

أن تفكّر... فيتحرّك شيء خارجك

في زمنٍ كانت فيه الأوامر تصدر بالأيدي، والكلمات تُنطق بالشفاه، تأتي واجهات الدماغ - الكمبيوتر لتقلب المفاهيم: أن تُفكر فقط... فيتحرّك شيء.

تخيّل مريضاً بشلل رباعي، لا يستطيع رفع إصبعه، لكنه يرفع ذراعاً إلكترونيةً بقوة الإرادة وحدها. أو تَصوَّر عاملاً في مصنع، يرتدي خوذةً تقرأ نبض دماغه، فتعرف متى يوشك على الإرهاق، وتوقف الماكينة قبل أن يتعثر.

ما بين الفكرة والفعل، تسير إشارات عصبية خفية، لم تكن تُرى أو تُسمَع، لكنها اليوم تُلتقط وتُترجم وتُنفذ. و«واجهات الدماغ - الكمبيوتر (BCI)» لا تنتظر صوتاً أو حركةً، بل تترجم النشاط الكهربائي في الدماغ إلى أوامر رقمية تُحرِّك أجهزةً خارجيةً: أطراف صناعية، أنظمة تحكم، أدوات نُطق للأشخاص غير القادرين على الكلام.

إنها ثورة عصبية لا تُقرأ فيها الكلمات، بل تُقرأ النوايا.

حين تقود الصين... ويتناغم العالم

في قلب قمة «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير»، انعقدت ورشة عمل لم تكن اعتيادية، بل أقرب إلى حجر أساس لعصرٍ جديد من التواصل بين العقل والتقنية. وقاد الورشة «معهد الصين لأبحاث الاتصالات والمعلومات (CAICT)»، برعاية الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، وجاء عنوانها واضحاً وطموحاً: «واجهات الدماغ – الكمبيوتر: معايير للسلامة التقنية وتطبيقات متعددة».

في التاسع من يوليو (تموز) 2025، لم يكن النقاش في جنيف مجرّد استعراضٍ للأفكار، بل خريطة طريق عالمية تُرسَم على الطاولة: كيف نطوّر هذه التقنية؟ كيف نُحصّنها أخلاقياً وتقنياً؟ كيف نمنع أن تتحول من أداة للتمكين إلى وسيلة للهيمنة؟

لقد بدت الورشة كأنها دعوة مفتوحة لكل العقول من الشرق والغرب... لنتفق، قبل أن تُصبح هذه الواجهات جزءاً من الحياة اليومية، على قواعد اللعب.

من غرف الإنعاش إلى مصانع الطيران... التقنية تتكلم نيابةً عن العقل

ليست واجهات الدماغ – الحاسوب حكراً على المختبرات العصبية، بل أصبحت ضيفاً جديداً في غرف التأهيل، ومراكز الصناعة، وحتى فصول التعليم.

في الطب العصبي، تمنح هذه التقنية لمرضى السكتات الدماغية وأمراض الأعصاب فرصة ثانية: أن يحركوا ما ظنّوا أنه شُلّ إلى الأبد، أن يتعلم الدماغ أن يعيد رسم مساراته المقطوعة، عبر تفاعل مباشر بين الفكر والجهاز.

أما في القطاعات الصناعية الحساسة، مثل الطيران والطاقة النووية، فإنها تُستخدم لرصد التعب العقلي والذهني لدى العاملين، فتُرسل إنذارات دقيقة قبل أن يتحول الإرهاق إلى خطأ كارثي.

وفي عالم التعليم المندمج، تفتح التقنية نوافذ جديدة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فتُقدّم لهم أدوات تواصل تعتمد على الإشارات الدماغية بدل النطق أو الكتابة، فتُحرّر طاقاتهم، وتدمجهم في بيئات تعليمية تليق بإمكاناتهم الكامنة.

من الشفاء... إلى السلامة... إلى التعلّم: واجهات الدماغ - الكمبيوتر تنسج خيوطاً خفية بين ما في الداخل وما هو خارج الجسد، لتُعيد تشكيل مفهوم «القدرة».

الفيزيائي البريطاني الراحل ستيفن هوكنغ كان يتواصل بواجهة «الدماغ - الكمبيوتر»

حين تحدَّث هوكنغ بصمتٍ أعمق من الصوت

في لحظةٍ بدا فيها العقل مسجوناً داخل جسدٍ صامت، نهض العلم ليمنح النية شكلاً، والكلمة طريقاً.

الفيزيائي البريطاني الأسطوري ستيفن هوكنغ، الذي قيدَهُ التصلّب العضلي الضموري، لم يتوقف عن التفكير... ولم يصمت. عبر جهاز دقيق يلتقط حركة عينيه واهتزاز عضلات وجهه، كان يحاور العالم، يحاضر، ويكتب، ويضحك أحياناً.

صحيح أن الجهاز لم يكن واجهة دماغ -كمبيوتر كاملة بالمعنى العصبي، إلا أنه كان تمهيداً نفسياً وتكنولوجياً لفكرةٍ ثورية: الإرادة الذهنية وحدها يمكن أن تكون لغة، وأن تفكير الإنسان قادر على تجاوز الجسد.

قصة هوكنغ لم تكن فقط عن المرض والعلم، بل عن الإصرار على أن العقل، حين يُفتح له مخرج، قد يُدهش العالم بأسره.

«مخاطر» التنصّت على النوايا

لكن... مَن يحمي الدماغ حين يُصبح مكشوفاً؟ إذا كان بالإمكان قراءة إشارات العقل، فهل يمكن أيضاً التنصّت على النوايا؟

هنا بالضبط، تَحوّل الحماس في ورشة جنيف إلى قلقٍ مدروس. فالتقنية التي تفتح الباب أمام الشفاء والتمكين، قد تفتح أيضاً نافذة على أخطر أنواع التطفل: «الوصول إلى أفكار الإنسان قبل أن ينطق بها».

كيف نضمن أن واجهات الدماغ – الكمبيوتر ستبقى أداةً للحرية، لا أداة للمراقبة؟ هل يحق لمؤسسة أو حكومة أن تجمع بيانات من دماغ فرد ما، دون علمه أو إرادته؟ كيف نحمي «الخصوصية العصبية» في عالم باتت فيه الخصوصية الرقمية نفسها مهددة؟

لذلك، دعت الورشة إلى ضرورة صياغة إطار معياري عالمي، يضبط هذه الأسئلة الأخلاقية والقانونية والتقنية، قبل أن تسبقنا التكنولوجيا نحو مساحات لا عودة منها.

كان الإجماع واضحاً: لا مستقبل آمناً لهذه التقنية... دون أخلاقيات متينة تُرافقها منذ البداية.

رؤية نحو المستقبل: حين يصبح العقل منصّةً للعالم

لم تعد واجهات الدماغ - الكمبيوتر مجرد مشهد سينمائي من أفلام الخيال العلمي، بل تحوّلت إلى بوابة حقيقية لثورة عصبية رقمية. ثورة تُعيد تعريف حدود الجسد والعقل، وتبني جسراً خفياً بين الفكرة والتنفيذ، بين الإنسان والآلة، بين ما لم نكن نجرؤ حتى على تخيّله... وما أصبح ممكناً الآن.

لكن، كما في كل ثورة تقنية، تكمن العظمة في الاستخدام، والخطر في الانزلاق. فهل سنجعل هذه التقنية امتداداً لكرامة الإنسان وشفائه وتمكينه؟

أم نتركها تنزلق إلى أداة للمراقبة، وجمع البيانات، والتلاعب بالإرادة من الداخل؟

ربما لم تُكتب الإجابة بعد... لكن في قاعات مثل قمة جنيف، حيث يلتقي العلم بالأخلاق، تُزرع بذور المستقبل.

فإذا كانت هذه الواجهات هي لغة الغد، فعلينا أن نختار الآن: بأي ضمير سنتحدث بها؟


مقالات ذات صلة

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ ميلانيا ترمب تصل برفقة الروبوت لحضور قمة «Fostering the Future Together» العالمية في البيت الأبيض بواشنطن اليوم (أ.ب) p-circle

ميلانيا ترمب تستقبل أول «روبوت» بشري في البيت الأبيض

خطفت السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب الأنظار مجدداً، بعدما رافقها «روبوت» بشري متطور خلال فعالية رسمية في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
علوم لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تراجع ثقة الأميركيين بعد انتشار القصص الوهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.