9 طرق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث المتعمق

تقارير موثّقة واسعة خلال دقائق

9 طرق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث المتعمق
TT

9 طرق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث المتعمق

9 طرق لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث المتعمق

يشهد مجال البحث بالذكاء الاصطناعي تحولاً سريعاً، فأدوات «البحث المتعمق» الجديدة من «تشات جي بي تي ChatGPT»، و«جيميناي Gemini» و«بيربليكسيتي Perplexity» تبحث وتجمع المعلومات بشكل مستقل من عشرات -بل مئات- المواقع، ثم تُحللها وتُركّبها لإنتاج تقارير شاملة.

تقارير موثّقة واسعة خلال دقائق

وبينما قد يستغرق الإنسان أياماً أو أسابيع لإنتاج هذه التقارير المدعومة بالاستشهادات، والمكونة من 30 صفحة، فإن تقارير البحث المتعمق بالذكاء الاصطناعي تكون جاهزة في دقائق.

وبينما تقدم أدوات الذكاء الاصطناعي التقليدية إجابات معزولة لأسئلة محددة، تُجري أدوات البحث المتعمق تحقيقات متطورة من خلال عشرات عمليات البحث المترابطة. ويشابه هذا الأمر، الفرق بين مراجعة سريعة للمراجع ورحلة بحث شاملة.

طرق البحث المتعمق

وهناك تسع طرق عملية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في البحث المتعمق.

إن أدوات البحث بالذكاء الاصطناعي تتألق عندما تحتاج إلى معلومات شاملة حول مواضيع معقدة.

إليك بعض حالات الاستخدام المحددة التي تتفوق فيها:

نتائج البحث لتخطيط رحلة

1. تصميم مسارات رحلات مخصصة

أَنشئ خطط سفر مفصَّلة وشخصية من خلال تحديد وجهتك، وتواريخها، وتفضيلاتك للأنشطة، وميزانيتك، واهتماماتك الثقافية، وأي شيء آخر مهم لك.

غالباً ما تكشف مسارات الرحلات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي عن كنوز غير متوقعة... استخدم النتائج نقطة انطلاق لتحديد الاحتمالات المثيرة للاهتمام، ثم تابع ببحث مُستهدف.

• حدِّد تفضيلاتك الغذائية، واحتياجاتك من حيث إمكانية الوصول، وذوقك في أماكن الإقامة والمطاعم والترفيه، للحصول على توصيات أكثر تخصيصاً. يمكنك بنص حول هذا الموضوع لإعادة استخدامه.

• استخدم استعلامات المتابعة للحصول على مزيد من التفاصيل حول المعالم السياحية أو الأنشطة التي تجذبك، أو لمقارنة مسارات الرحلات المحتملة.

قارن النتائج من «شات جي بي تي» و«جيميناي» و«بيربليكسيتي» و«كوبايلوت».

2. إعداد التقارير حول المؤسسات

احصل على معلومات أساسية شاملة عن الشركات والمنظمات غير الربحية أو أي مؤسسة في دقائق بدلاً من البحث بين عشرات نتائج البحث.

• قارن بين المؤسسات المماثلة أو المنافسة.

• حدد التنسيق. ربما ترغب في تنسيق دراسة حالة، أو تقرير موضوعي، أو تاريخ زمني، أو تحليل سياق الصناعة.

• حدد مقاييس مهمة مثل تاريخ التمويل، وأنماط نمو الإيرادات، وتغييرات القيادة، واتجاهات التغطية الإعلامية، والدعاوى القضائية، أو أي شيء آخر يهمك. قد تكون البيانات نادرة للمؤسسات الخاصة التي تحتفظ بسجلات سرية، لذا اقرأ النتائج بتشكك.

• نصيحة متقدمة: انسخ مقتطفات من تقارير البحث العميق إلى «كلاود Claude» لتحويلها إلى لوحات معلومات مرئية -بما في ذلك الرسوم البيانية والعناصر التفاعلية- باستخدام «Claude Artifacts» يمكنك مشاركة هذه المعلومات مع زملائك.

شاهد: فيديو غريس ليونغ المفيد يوضح كيفية وسبب تجربة ذلك.

شخصيات بارزة ومفاهيم معقدة

3. البحث عن شخصيات بارزة

استكشف خلفيات الشخصيات الإخبارية، أو التاريخية، أو حتى الخيالية. اطلب معلومات محددة، مثل ظهور الشخصية في البودكاست، أو فيديوهات «يوتيوب»، أو الأعمال المنشورة، لبناء فهم شامل للشخص.

• اسأل عن الروابط بين الشخص ومعاصريه المؤثرين.

• اطلب تفاصيل عن الخلفية الأقل شهرة أو المساهمات التي غالباً ما يتم تجاهلها.

• حدد فترات زمنية للتركيز على مراحل أو عصور حياتية معينة.

4. استكشف المفاهيم المعقدة

تعرّف على مواضيع معقدة في أي مجال -من علم النبات إلى رأس المال الاستثماري- من خلال تفسيرات مبنية على الذكاء الاصطناعي، مصمَّمة خصيصاً لمستوى معرفتك.

• اطلب أمثلة من العالم الواقعي، وتشبيهات، وحكايات، واقتباسات، ومفاهيم خاطئة شائعة، وشروحات خطوة بخطوة.

• اطلب اختبارات أو أسئلة للنقاش لاختبار فهمك.

• بعد قراءة التقرير، أنشئ مُعلّم ذكاء اصطناعي باستخدام روبوت «جي بي تي» مُخصّص لاحتياجاتك، أو «Gemini Gem»، أو «Poe» لتعزيز فهمك.

* مثال: تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الطبي عبر «جيميناي» و«بيربليكسيتي».

نتائج البحث عن منطقة «كوليدج كورنر» في بروكلين بماساتشوستس

استكشاف التاريخ وفك رموز الأعمال الثقافية

5. اكتشف الأماكن بعمق

استكشف الأهمية التاريخية للمكان، أو تطوره الثقافي، أو هندسته المعمارية، أو فنه، أو موسيقاه، أو أدبه، أو تاريخه الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو السياسي.

أجد أن هذا السياق الأكثر ثراءً وتخصيصاً قد يكون أكثر تأثيراً من دليل سفر عام.

• اسأل عن أحداث محلية غير معروفة، أو معالم سياحية خفية، أو شخصيات بارزة.

• حدّد اهتمامك بالموضة، أو الهندسة المعمارية، أو التاريخ، أو الرياضة، أو أي شيء آخر.

• كما يمكنك السؤال عن المنتجات أيضاً: احصل على معلومات أساسية عن ثلاجة أو بيانو قد يناسبان منزلك.

* مثال: ساعدني في التعرّف على منطقة«كوليدج كورنر» في بروكلين، ماساتشوستس.

6. فك رموز الأعمال الثقافية

اكتسب رؤى ثاقبة حول الكتب، واللوحات، والموسيقى، أو غيرها من الأعمال الإبداعية من خلال استكشاف التحليلات النقدية، والسياق التاريخي، وتفسيرات الخبراء. يُجدي هذا نفعاً بشكل خاص عندما تكون في منتصف قراءة كتاب أو بعد أن صادفت للتو عملاً فنياً مثيراً للاهتمام.

في متحف متروبوليتان للفنون الأسبوع الماضي، رأيتُ تماثيل أبراج من عهد أسرة تانغ، وطلبتُ من الذكاء الاصطناعي مساعدتي في التعرف عليها. (مزيد من المعلومات وصورة مُولّدة).

* تنبيه: بصفتي شخصاً غير خبير أتعلم شيئاً جديداً، لا أمتلك دائماً القدرة على تقييم مزايا تحليل الذكاء الاصطناعي. في حال الشك، من المفيد ذكر المصادر لتقييم جودة المعلومات.

• اطلب معلومات حول تأثير العمل الفني على الفنانين أو الحركات الفنية اللاحقة.

• اطلب تحليلاً للابتكارات التقنية أو عناصر الأسلوب.

• قارن تفسيرات الكتاب أو المسرحية أو القصيدة أو العمل الفني أو المقطوعة الموسيقية من فترات زمنية أو سياقات ثقافية مختلفة.

* مثال: ساعدني في تعميق تقديري لكونشيرتو الكمان الخامس لموزارت.

مناظرات ومنازعات واستكشاف التوجهات الحديثة

7. تحليل المناظرات والخلافات

• استكشف الخلافات المعقدة من وجهات نظر متعددة.

ناقش النزاعات الدولية، والمناظرات الأخلاقية، والقضايا المحلية.

يمكن لتقارير البحث العميق أن تعرض وجهات نظر متعددة مع أمثلة وأدلة لتعميق فهمك للفروق الدقيقة. يمكنك أيضاً طلب اقتباسات بارزة وقائمة قراءة مشروحة.

• اسأل عن كيفية تطور النقاش مع مرور الوقت، ومن شارك فيه.

• حدد أنك تريد حججاً قائمة على الأدلة من تخصصات متعددة.

• اسأل عن نقاط التشابه بين وجهات النظر المتعارضة.

* مثال: هل يُحدث الفن التوليدي ثورة في الإبداع أم يُقلل من قيمته؟

8. استكشاف التوجهات الحديثة

• ابحث في التوجهات اللغوية أو السياسية أو المتعلقة بالموضة أو الرياضة أو الفنون أو الأعمال أو الثقافة في مكان أو فترة معينة، أو قارن الاتجاهات عبر الثقافات.

• اطلب رؤى تنبؤية حول كيفية تطور هذا التوجه.

• أدرج في أسئلتك المباشرة الاتجاهات المعاكسة أو النقاد.

• اطلب تصورات للبيانات إذا كان لهذا التوجه جوانب كمية.

* مثال: ما أفضل برامج تدريب الذكاء الاصطناعي للصحافيين حول العالم؟

9. ادرس السياق التاريخي

• استكشف الأحداث التاريخية من منظورات متعددة -سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

• وجّه مساعد أبحاث الذكاء الاصطناعي لديك للتركيز على نطاقات زمنية محددة، إنْ وُجدت.

• اطلب منه الاستناد إلى مصادر متنوعة من بلدان ووجهات نظر مختلفة.

• اطلب توصيات بالمصادر الرئيسية.

• اطلب مقارنات بين بلدان أو مناطق أو فترات مختلفة.

• حدد معرفتك السابقة ليكون التقرير مُصمماً خصيصاً لسياقك.

عندما لا يكون البحث العميق خيارك الأمثل

ستخدم أدوات أخرى عندما لا تبحث عن تقرير بحث شامل، بل عن شيء سريع، أو في الحالات التالية:

• يُفضل البحث عن أسئلة واقعية بسيطة، مثل الفائزين بالجوائز أو نتائج المباريات الرياضية، باستخدام محركات بحث «غوغل» أو «بيربليكسيتي».

• الأخبار العاجلة حيث تكون المعلومات على الإنترنت محدودة.

• قد تعمل عمليات البحث متعددة الوسائط بشكل أفضل مع محركات البحث المتخصصة، مثل «Listen Notes» للعثور على ظهور شخص ما في البودكاست.

لكن، إذا كانت شبكة الإنترنت المفتوحة تفتقر إلى معلومات ذات صلة، فلا تتوقع المعجزات.

تحذيرات إضافية

• الخلاصة: تحقق من قائمة المصادر قبل التعمق في أي تقرير. عندما تعرف مصادر عالية الجودة، ارجع إليها في طلبك.

• انتبه إلى الأخطاء. تحقَّق من المعلومات في هذه التقارير، إذ إن وجود الاستشهادات لا يضمن الدقة. على سبيل المثال، قد ينشر بعض المصادر تقديرات يتعامل معها برنامج بحث الذكاء الاصطناعي على أنها بيانات نهائية.

• لا يكون البحث جيداً إلا بقدر جودة مصادره. يفتقر بعض المواضيع إلى مصادر غنية. في مثل هذه الحالات، قد تعتمد تقارير أبحاث الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على الناشرين الذين يعتمدون على تدقيق ضعيف للحقائق أو على أساليب مُضللة.

كيفية تعزز استعلامات البحث العميق

تؤثر جودة مُوجّهك بشكل كبير على نتائجك: كن مُفصّلاً حول موضوعك، وأسباب اهتمامك، وكيفية استخدامك للمعلومات.

على عكس عمليات بحث «غوغل» القياسية التي تُقدّم فيها الكلمات الرئيسية فقط، تستفيد استعلامات البحث العميق من التوجيه المُفصّل.

• وجِّه مساعد بحث الذكاء الاصطناعي الخاص بك إلى مجالات تركيز مُحدّدة، والمصادر المُوصى بها، والسياق السابق، والتنسيق: أي كيفية عرض النتائج على أفضل وجه.

• حدّد أسلوبك وتنسيقك المُفضّل -جداول، قوائم، إيجابيات/سلبيات، نقاط.

• اطلب جداول لمقارنة الخيارات، أو قوائم إيجابيات/سلبيات للمناظرات، أو قوائم مُصنّفة لموارد مثل البودكاست ومقاطع الفيديو والكتب. يُمكنك حتى تخصيص تعقيد اللغة -تحليل مُستوى الدراسات العليا مقابل بساطة مُناسبة للمبتدئين.

• قدّم سياقاً حول معرفتك الحالية وجمهورك.

• اذكر ما تعرفه مُسبقاً. إذا كنت ستُشارك تقريراً مع زملائك، فوضّح سياق الجمهور المُحدّد. إذا كنت تريد شيئاً مختصراً، فقل ذلك.

• تحلَّ بالصبر؛ فالبحث الجيد لا يأتي فوراً.

بينما تُقدّم أداة «جيميناي» وأداة «بيربليكسيتي» نتائجهما عادةً في غضون دقائق، قد يستغرق تحليل «جي بي تي» المُعمّق نصف ساعة. وتُبرّر شمولية هذه النتائج الانتظار مقارنةً بنتائج البحث الفورية ولكن الأقل عمقاً.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

بيل غيتس: الذكاء الاصطناعي دون رقابة قد يتسبب في «مليار وفاة»

الولايات المتحدة​ بيل غيتس (د.ب.أ) p-circle

بيل غيتس: الذكاء الاصطناعي دون رقابة قد يتسبب في «مليار وفاة»

قال بيل غيتس، ‌المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، إن الذكاء الاصطناعي إذا تُرك دون رقابة فقد يتسبب في «وفاة مليار شخص».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
علوم غرسة ذكية داخل الجسم... حين يراقب الذكاء الاصطناعي القلب ويستجيب لإشاراته

عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في جسم الإنسان

الانتقال من الغرسة الطبية التي تنتظر أمراً خارجياً إلى نظام ذكي يتعرف على الأنماط ويقدر الأخطار

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «كوالكوم» (رويترز)

«كوالكوم» و«ترجمة» تتعاونان لتوسيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالعربية

وقَّعت «كوالكوم تكنولوجيز» و«ترجمة» مذكرة تفاهم في الرياض، لتطوير ونشر حلول ذكاء اصطناعي عربية موجهة للمؤسسات والجهات الحكومية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أشكال مصغرة على أجهزة ذكية أمام كلمة الذكاء الاصطناعي (صورة تعبيرية من رويترز)

دراسة: تخفيف قواعد الخصوصية وبيانات المستخدمين لن يفيد تطور الذكاء الاصطناعي

يرى باحثون أن تخفيف قواعد حماية بيانات المستخدمين لن يدعم تطور قطاع الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تكنولوجيا سام ألتمان الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» (أرشيفية - رويترز)

أستراليا تستدعي رئيسي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» لتحقيق بسبب اختراق للذكاء الاصطناعي

جرى استدعاء الرئيسين التنفيذيَّين لشركتَي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» للمثول أمام لجنة تحقيق بمجلس الشيوخ الأسترالي بشأن الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سيدني )

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء
TT

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم


علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
TT

علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)

في خطوة علمية قد تفتح باباً جديداً لعلاج أمراض القلب الوراثية نجح باحثون أستراليون في عكس حالة «اعتلال عضلة القلب الناتج عن خلل جيني»، باستخدام حقنة واحدة تحمل نسخة سليمة من جين ALPK3. وأظهرت التجارب أن العلاج الجيني تمكن من استعادة وظيفة عضلة القلب في نماذج من الفئران كما أعاد قوة وانتظام النبض إلى أنسجة قلبية مصغرة جرى إنماؤها في المختبر من خلايا مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها. وأجريت الدراسة بقيادة معهد مردوخ لأبحاث الأطفال (MCRI) في ملبورن بأستراليا، ونُشرت في مجلة «Nature Cardiovascular Research» في 19 أغسطس (آب) 2026 بمشاركة باحثين من مؤسسات أسترالية ودولية.

نجاح «جيني»

• جين واحد يعيد للقلب قدرته. يمكن للطفرات في جين ALPK3 أن تسبب اعتلال عضلة القلب وهي مجموعة من الأمراض التي تضعف قدرة القلب على ضخ الدم، وقد تؤدي إلى تضخم القلب واضطراب ضرباته وزيادة خطر فشل القلب والوفاة. ويُعتقد أن اعتلال عضلة القلب يؤثر في نحو 30 مليون شخص حول العالم، بينما تبقى الخيارات العلاجية محدودة في بعض أشكاله الوراثية خصوصاً لدى الأطفال الذين قد تتطور حالتهم إلى درجة تستدعي زراعة القلب.

وقال الدكتور جيمس ماكنمارا من معهد فيكتور تشانغ لأبحاث القلب ومعهد مردوخ لأبحاث الأطفال أستراليا إن النتائج تمثل خطوة كبيرة باتجاه تطوير علاج يستهدف السبب الجيني للمرض بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضه.

• نجاح لافت في الفئران. بدأ الباحثون بتطوير نموذج مخبري لفئران حديثة الولادة تحمل نسخة معيبة من جين ALPK3. وأظهرت هذه الحيوانات تضخم القلب وضعفاً في وظيفته في صورة مشابهة لبعض الحالات الشديدة التي تظهر لدى الأطفال المصابين بالمرض.

وعندما أدخل الباحثون نسخة سليمة من الجين باستخدام العلاج الجيني التجريبي تحسنت بنية خلايا عضلة القلب واستعادت القلوب قدرتها على ضخ الدم. واللافت أن العلاج لم يمنع ظهور المرض في الفئران الصغيرة فحسب بل تمكن أيضاً من عكس المرض لدى الفئران البالغة، وهي نتيجة عدّها الباحثون مؤشراً مهماً على اعتماد عضلة القلب على البروتين الذي ينتجه جين ALPK3.

• «قلوب صغيرة» في المختبر تؤكد النتيجة. وللتأكد من أن النتائج لا تقتصر على الحيوانات أعاد الفريق إنتاج المرض باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها ثم حوّلوها إلى أنسجة قلبية مصغرة في المختبر.

وأظهرت هذه «القلوب الصغيرة» علامات اعتلال عضلة القلب قبل أن يؤدي استبدال النسخ المعيبة من ALPK3 بواسطة نسخة سليمة إلى استعادة قوة الانقباض، وانتظام ضربات القلب بصورة طبيعية.

الذكاء الاصطناعي في العلاج

• هل يمكن علاج أمراض وراثية أخرى؟ ولم يتوقف الباحثون عند جين ALPK3 بل استعانوا بأداة للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم Geneformer لدراسة العلاقة بين البروتين الناتج عن الجين وعدد من البروتينات المهمة في عضلة القلب.

وأشارت التحليلات إلى وجود ارتباط قوي بين ALPK3 وبروتين «تيتين» Titin الذي ينتجه جين TTN. وتُعد الطفرات التي تؤدي إلى قطع أو توقف إنتاج بروتين «تيتين» من أكثر الأسباب الوراثية شيوعاً لاعتلال عضلة القلب التوسعي، وقد تمثل ما يصل إلى ربع الحالات. وأظهرت التجارب أن إضافة نسخة سليمة من جين ALPK3 حسّنت انقباض أنسجة قلبية مأخوذة من أشخاص يحملون طفرات في TTN.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة مهمة بشكل خاص لأن جين TTN ضخم جداً ما يجعل استبداله مباشرة بواسطة استخدام تقنيات العلاج الجيني الحالية أمراً بالغ الصعوبة. أما استهداف ALPK3 فقد يوفر نهجاً مختلفاً يمكن أن يفيد مجموعة أوسع من أمراض القلب الوراثية.

• من المختبر إلى المرضى. ورغم النتائج الواعدة يؤكد الباحثون أن العلاج لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من دراسات السلامة قبل الانتقال إلى التجارب البشرية.

ويأمل الفريق في التعاون مع شركاء تجاريين لتطوير العلاج والوصول به إلى التجارب السريرية.

وتعكس قصة الطفلة الأسترالية كيت البالغة من العمر تسعة أعوام، حجم الحاجة إلى مثل هذه العلاجات. فقد شُخّصت كيت باعتلال عضلة القلب التضخمي الناتج عن طفرة في جين MYH7 وخضعت في سن الثالثة لجراحة قلب مفتوح لإزالة جزء من عضلة القلب المتضخمة وتحسين تدفق الدم.

ورغم تحسن حالتها وعودتها إلى حياة نشطة فإنه لا تزال الجراحة لا تمثل علاجاً نهائياً للمرض، وقد تحتاج مستقبلاً إلى جهاز مزيل للرجفان القلبي. ويأمل العلماء أن تسهم مثل هذه الاكتشافات مستقبلاً في الانتقال من علاج آثار أمراض القلب الوراثية إلى استهداف أسبابها الجينية مباشرة بما قد يوفر خيارات علاجية جديدة للأطفال والعائلات التي تواجه هذه الأمراض.


هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
TT

هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)

تُعدُّ الزلازل من أكثر الظواهر الطبيعية تدميراً، ليس فقط بسبب قوتها الهائلة، وإنما أيضاً لصعوبة التنبؤ بموعد وموقع قوعها. ورغم التقدم الكبير في علم الزلازل وتقنيات مراقبة حركة الصفائح التكتونية، لا يزال تحديد المكان والوقت الدقيقين لوقوع زلزال كبير يمثل تحدياً أمام العلماء.

لكن دراسة جديدة تطرح مقاربة مختلفة؛ فبدلاً من محاولة تحديد موعد وقوع الزلزال، يسعى الباحثون إلى معرفة أين تتراكم الضغوط على طول الصدوع، وتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لحدوث الزلازل الكبرى فيها.

وفي هذا السياق، طوّر فريق من الجيوفيزيائيين في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد الأميركية طريقة جديدة تساعد على تحديد المناطق الأكثر عرضة لأعنف الزلازل على وجه الأرض، في خطوة قد توفر أداة مهمة لتحسين الاستعداد للكوارث في بعض أخطر المناطق الزلزالية حول العالم.

وعلى خلاف محاولات التنبؤ بتوقيت الزلازل، تركز الطريقة على رصد المناطق التي يتراكم فيها الإجهاد على طول الصدوع الكبرى؛ ما يساعد العلماء على تحديد المواقع الأكثر احتمالاً لحدوث التمزق الزلزالي عند وقوع الزلزال.

يقول الباحثون إن الزلازل تتصدر عناوين الأخبار لحظة وقوعها، لكن الصدع يكون قد ظل لسنوات يراكم الإجهاد في صمت، ويمكن قياس هذا الإجهاد.

وفي اختبار للطريقة، نجح النموذج الذي طوّره الباحثون في تحديد جزء من منطقة اندساس كامتشاتكا شرق روسيا، شهد لاحقاً زلزالاً ضخماً؛ ما يعزز إمكانية استخدام هذا النهج لتحديد مواقع الزلازل الكبرى، حتى مع استمرار صعوبة التنبؤ بموعد وقوعها. ونُشرت النتائج في عدد 4 سبتمبر (أيلول) من دورية «Geophysical Research Letters».

منهج الطريقة

يركز أسلوب الفريق على «مناطق الاندساس»، حيث تنزلق إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى. وتُعدُّ هذه المناطق مصدراً لأعنف زلازل الأرض، بما في ذلك زلازل تتجاوز قوتها 8.5 درجة، وغالباً ما تتسبب في أمواج تسونامي مدمرة.

وباستخدام قياسات دقيقة لحركة الأرض عبر أقمار تحديد المواقع (GPS)، طوّر الباحثون خوارزمية تكشف الأجزاء «المقفلة» من الصدوع التي تختزن الطاقة. وتُعرف هذه المناطق باسم «النتوءات» (asperities)، وهي أجزاء مقفلة من سطح الصدع تقاوم الحركة بسبب الاحتكاك، إلى أن يتراكم إجهاد كافٍ لإطلاق زلزال كبير.

وكان الفريق قد حدد إحدى هذه المناطق المقفلة أسفل شبه جزيرة كامتشاتكا قبل وقوع الزلزال الكبير هناك. ورغم أن توقيت الحدث ظل خارج نطاق قدرة الطريقة على التنبؤ، وقع التمزق في المكان نفسه تقريباً الذي أشار النموذج إلى تراكم الإجهاد فيه.

وكشفت النتائج أيضاً عن أن الزلازل التي تقع في المنطقة نفسها قد تتصرف بشكل مختلف تماماً؛ فرغم أن كامتشاتكا شهدت زلزالين عملاقين في عامي 1952 و2025، تسبب الحدث الأخير في موجة تسونامي أصغر بكثير؛ ما يشير إلى أن الجزء الأقرب إلى سطح الصدع انزلق بمقدار أقل مقارنة بالزلزال الأول.

ويشدد الباحثون على أن طريقتهم لا تستطيع التنبؤ بحجم أمواج التسونامي أو توقيت وقوع الزلازل، لكن تحديد المناطق الأكثر خطورة قد يسهم في تحسين خطط التأهب على المدى الطويل.

ويعمل الفريق حالياً على تطبيق هذا النهج في مناطق اندساس رئيسية أخرى باليابان، والمكسيك، ونيوزيلندا وشمال غرب المحيط الهادئ في الولايات المتحدة؛ إذ تحمل كل منها تعقيدات إضافية، مثل وجود صدوع تطلق طاقتها تدريجياً بدلاً من إطلاقها في زلازل مفاجئة. كما يستكشف الباحثون إمكانية تطبيق تقنيات مشابهة لفهم صدوع كاليفورنيا بشكل أفضل.

فجوات في المراقبة العالمية

يتطلب توسيع نطاق هذه الطريقة رصداً أكثر دقة؛ فبينما توفر محطات (GPS) البرية بيانات قيّمة، لا تزال القياسات في أعماق المحيطات محدودة للغاية، رغم أن الكثير من أخطر الصدوع في العالم يقع تحت قاع البحر، وفق الدراسة.

وقد بدأ باحثون في اليابان استخدام أجهزة صوتية موضوعة على قاع البحر لقياس التشوهات البطيئة على مدى سنوات طويلة، في حين تُقترح جهود مماثلة في مناطق أخرى، من بينها تشيلي وشمال غربي المحيط الهادئ. ومن المتوقع أيضاً أن يوفر قمر اصطناعي أُطلق أخيراً قياسات إضافية للمناطق التي تفتقر حالياً إلى تغطية كافية من أجهزة (GPS). ويكشف هذا العمل عن فجوات كبيرة في مراقبة الزلازل عالمياً، خصوصاً في أجزاء من المحيط الهادئ التي تندر فيها البيانات اللازمة لتقييم مخاطر التسونامي.

ويؤكد الباحثون أن تحسين القدرة على تحديد أماكن الزلازل يجب أن يكون مكملاً للاستعداد العام، وليس بديلاً عنه، في حين يرى الفريق أن خوارزميته قد تساعد مستقبلاً في تقييم المخاطر الزلزالية على امتداد الكثير من أخطر حدود الصفائح التكتونية النشطة في العالم، شريطة توفر بيانات كافية.

وتعليقاً على النتائج، قال الأستاذ المساعد بالشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية في مصر، محمد عز العرب، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة في تطوير أساليب تقييم المخاطر الزلزالية، خصوصاً أنها قدمت خوارزمية جديدة تساعد على تحديد المناطق التي تتراكم فيها الضغوط على طول الصدوع بدقة أكبر.

وأضاف عز العرب لـ«الشرق الأوسط» أن نجاح هذه الطريقة في تحديد المنطقة التي وقع فيها زلزال كامتشاتكا يمثل نتيجة مشجعة، لكن هذا النجاح لا يكفي وحده للحكم على مدى دقة وفاعلية الخوارزمية، مشيراً إلى ضرورة اختبارها في مناطق اندساس أخرى ذات ظروف جيولوجية مختلفة قبل اعتمادها أداة موثوقة لتقييم المخاطر الزلزالية على نطاق واسع.

وأكد عز العرب أن الرسالة الأهم التي تبرزها الدراسة هي أن تحديد المناطق الأكثر خطورة يمكن أن يعزز خطط الاستعداد والتخطيط لمواجهة الكوارث، لكنه لا يمكن أن يحل محلها، موضحاً أن معرفة أماكن الخطر «تُكمل الاستعداد ولا تُغني عنه».